بالتزامن مع احتفالات اليمنيين بيوم القهوة اليمنية، اختتمت في العاصمة الماليزية كوالالمبور مساء الثلاثاء فعاليات مهرجان البن اليمني 2026، والذي استمر من 12 فبراير وحتى 4مارس، مسجلاً حضوراً ثقافياً وتراثياً يربط المغترب اليمني بجذور أرضه المعطاءة.
وقال الدكتور “فيصل علي”، رئيس ومؤسس مؤسسة يمنيون الثقافية إن المهرجان سعى لخلق عادات ثقافية مستمرة لدى اليمنيين في الخارج، وربطهم بأرضهم عبر منتج يمني له حضور عالمي.
وأشار في تصريح لـ”ريف اليمن”، إلى أن اسم «موكا» المرتبط بمدينة المخا، ونوع البن أربيكا ‹Arabica› ارتبط تاريخيًا بالفضاء العربي الذي خرجت منه زراعة البن، واليمن هي قلب هذا التاريخ”.
عرض كرنفالي للجالية اليمنية في ماليزيا بمناسبة يوم القهوة اليمنية
وحول تفاعل الشعب الماليزي عن مذاق القهوة اليمنية، قال فيصل إنهم تفاجئوا بتوازنها ونكهتها المركبة ووضوح طابعها الجبلي، وسمعنا ملاحظات متكررة عن اختلافها عن القهوة التجارية السريعة، وعن طابعها اليدوي غير الصناعي.
وأكد أن اهتمام الزوار بمعرفة مصدر الحبوب والمنطقة الزراعية، مؤشر اهتمام حقيقي وليس مجرد تجربة عابرة، مضيفاً أن الرسالة التي أراد المهرجان إيصالها هي “العالم اليوم يعرف اليمن عبر صور الصراع وتهديد الملاحة والتدخلات الإقليمية، ونحن نعمل على إعادة تقديم اليمن بوصفه أرض تجارة وثقافة وقهوة، ونتطلع إلى استقرار يعيد له مكانته الطبيعية”.
رجل وامرأة من ماليزيا يتذوقون القهوة اليمنية في مهرجان ثقافي للجالية اليمنيةمن جانبه، أكد سفير اليمن في ماليزيا الدكتور عادل باحميد، أن القهوة اليمنية تمثل أحد أبرز المعالم الثقافية المرتبطة بتاريخ اليمن وحضارته، وأن الاحتفاء بها يحمل دلالة وطنية تتصل مباشرة بالهوية اليمنية المتجذرة.
وأشار خلال الحفل الذي أقيم في كوالالمبور ، إلى الدور التاريخي لميناء المخا في نقل هذه الثقافة إلى العالم.
وتنوعت الفعاليات والأنشطة الثقافية المصاحبة للمهرجان بين التعريف بزراعة البن، وعرض للحلويات اليمنية، ومنقوشات وخزفيات، وأزياء تقليدية.
كما شهد عروض رقص شعبي، وبروشورات وكتيبات تحمل سردية القهوة اليمنية باللغتين العربية والإنجليزية، وكتيب «فنجان حَيْسي».
تُعد شجرة الضباية من أبرز الأشجار الرحيقية في اليمن، إذ يعتمد عليها كثير من النحالين كمصدر رئيسي لإنتاج العسل خلال الموسم الشتوي.
وتنتشر هذه الشجرة في معظم المناطق البلاد، خصوصاً في البيئات الجافة وشبه الجافة، حيث تتميز بقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، ما يجعلها مرعىً مهماً للنحل في فترات يقل فيها توفر الأزهار الأخرى.
يهدف هذا الدليل الإرشادي الذي أعده الخبير محمد الحزمي لمنصة ريف اليمن، بناءً على محاضرات عايش الأهدل، إلى تقديم معلومات مبسطة للنحالين حول خصائص شجرة الضباية، وصفات عسلها، وسلوك النحل خلال موسمها، إضافةً إلى أهم الخطوات الفنية لإدارة المنحل بعد انتهاء الموسم.
خصائص شجرة الضباية
تتميز شجرة الضباية بعدد من الخصائص التي تجعلها من أهم المراعي الرحيقية للنحل في اليمن، من أبرزها:
– شجرة معمّرة قد يصل ارتفاعها إلى نحو خمسة أمتار.
– تتحمل درجات الحرارة المرتفعة والبرودة نسبياً.
– قادرة على النمو في بيئات متعددة والتكيف مع الظروف القاسية.
– تُعد شجرة رحيقية قوية الجذب للنحل.
– أزهارها ذات رائحة عطرية مميزة تجذب النحل من مسافات بعيدة.
– تُعد غالباً مرعىً أحادي الزهرة في المناطق التي تنتشر فيها بكثافة، إذ يعتمد النحل على أزهارها كمصدر رئيسي للرحيق.
موعد الإزهار
يبدأ موسم إزهار شجرة الضباية عادة من منتصف شهر نوفمبر ويستمر حتى شهر مارس تقريباً، وهو ما يجعلها مصدراً مهماً للرحيق خلال فصل الشتاء، ومع ذلك، قد تتأثر أزهار الضباية ببعض العوامل الجوية مثل:
– الغبار الشديد.
– الأمطار الغزيرة.
إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تلف الأزهار أو ضعف إفراز الرحيق، مما ينعكس سلباً على كمية العسل المنتج.
خصائص عسل الضباية
يُعد عسل الضباية من الأعسال ذات الجودة العالية، ويمكن التعرف عليه من خلال عدد من الصفات المميزة:
– يكون لونه عند الفرز مائياً شفافاً وخفيف القوام يشبه الزيت.
– يتميز بسرعة الجريان بسبب انخفاض لزوجته في البداية.
– عند حفظه لفترة طويلة وفي درجات حرارة منخفضة يتحول إلى عسل أبيض متبلور عالي الكثافة.
– تبلوره أمر طبيعي ولا يدل على وجود أي غش، بل يُعد من خصائصه المعروفة. تنبيه: يلاحظ النحالون أن النحل يُقبل على مرعى الضباية بشدة، وقد يترك مراعي أخرى عند وفرة أزهارها.
سلوك النحل خلال موسم الضباية
– يكون التحضين (تربية الحضنة) أخف نسبياً مقارنة ببعض المواسم الأخرى.
– يركز النحل نشاطه على جمع الرحيق بشكل مكثف طوال النهار.
– تمتلئ العيون السداسية بسرعة بسبب غزارة الرحيق.
– عند تزامن الضباية مع مراعي أخرى غالباً ما يفضلها النحل بسبب قوة رائحة أزهارها وجاذبيتها العالية.
إدارة المنحل بعد انتهاء موسم الضباية
تمثل مرحلة ما بعد انتهاء الموسم خطوة حساسة في إدارة المنحل، إذ قد يؤدي أي خطأ في هذه المرحلة إلى خسارة جزء من العسل أو إضعاف الطوائف.
الإجراءات الموصى بها – إجراء فرز جائر للعسل مباشرة بعد انتهاء الموسم.
– في حال وجود حضنة داخل العاسلات، يتم قطع الجزء المحتوي على الحضنة ثم تعتيبه وإعادته للطائفة.
– تقديم تغذية سكرية مركزة لتعويض الطوائف بعد القطف بنسبة تقريبية: (1 سكر : 1.5 ماء).
– يفضل البدء بعملية القطف قبل غروب الشمس لتقليل السروح واحتمالات السرقة بين الخلايا.
– تقديم تغذية بروتينية عند الحاجة لدعم بناء الطائفة استعداداً للموسم القادم.
تنبيه مهم للنحالين
في حال عدم إجراء الفرز الجائر لعسل الضباية ثم نقل الخلايا مباشرة إلى مراعي أخرى، فقد تحدث عدة مشكلات داخل المنحل، منها:
– انشغال النحل بحراسة الخلية بدلاً من جمع الرحيق.
– زيادة احتمالية السرقة من المناحل المجاورة.
– اختلاط الروائح بين المراعي المختلفة، مما يؤثر على نقاء العسل في الموسم التالي.
تنبيه: يُنصح دائماً بإنهاء الموسم بشكل كامل عبر الفرز والتغذية قبل نقل الخلايا إلى أي مرعى جديد.
توصيات إضافية للنحالين
لضمان نجاح الموسم والحفاظ على قوة الطوائف وجودة العسل، يُنصح بما يلي:
– إجراء فرز جائر ومنظم بعد انتهاء موسم الضباية.
– تعويض الطوائف بتغذية سكرية مركزة عند الحاجة.
– توفير تغذية بروتينية لدعم بناء الطائفة واستعدادها للموسم المقبل.
– اختيار مواقع مناسبة للمناحل قريبة من مراعي الضباية مع توفر مصدر مياه نظيف.
مما سبق، يمكننا القول إن شجرة الضباية تمثل أحد أهم المراعي الرحيقية للنحل في اليمن خلال فصل الشتاء، لما توفره من مصدر غني للرحيق يسهم في إنتاج عسل ذي جودة مميزة، كما أن حسن إدارة المنحل خلال موسمها وبعد انتهائه يُعد عاملاً أساسياً في الحفاظ على قوة الطوائف وضمان استمرار الإنتاج في المواسم اللاحقة.
تتميز جزيرة سقطرى بجمال مهيب وسكون لافت يمنح الزائر شعوراً وكأنه عاد إلى عصور ما قبل التاريخ. وبموقعها الفريد الذي يبعد نحو 240 كيلومتراً شرق القرن الأفريقي، تشكل الجزيرة عالماً مستقلاً بذاته، تختلف في تضاريسها الجغرافية وسماتها الثقافية تماماً عن اليابسة.
في عام 2026، لم تعد قيمة الوجهات السياحية تُقاس بمدى تطور بنيتها التحتية، بل بمدى صمود عزلتها وحفاظها على هويتها الفطرية، وفي قلب هذا التحول العالمي نحو السياحة التجريبية، يبرز أرخبيل سقطرى كطليعة لهذا المفهوم، وفق تقرير مجلة «Travel and Tour World».
وبحسب المجلة الأمريكية المتخصصة في مجال السياحة فإنه في الوقت الذي تئن فيه الوجهات السياحية التقليدية تحت وطأة السياحة المفرطة، تبرز سقطرى كخيار مثالي للباحثين عن ملاذ حقيقي، واستراحة عميقة من صخب الحياة الرقمية، وسط مناظر طبيعية بكر حافظت على نقائها لآلاف السنين.
تتجلى الأهمية العالمية لجزيرة سقطرى من خلال تنوعها البيولوجي الفريد، حيث يشير الباحثون البيئيون إلى أن ما يقرب من ثلث نباتات الجزيرة مستوطنة، مما يعني أن هذه الأنواع لا توجد في أي بقعة أخرى على وجه الأرض.
ومن أبرز تجليات العزلة البيئية هي شجرة شجرة دم الأخوين، وتنتشر هذه الأشجار الشامخة بتيجانها التي تشبه المظلات فوق هضبة “ديكسام”، مشكلةً لوحةً طبيعيةً خلابة تُصنف ضمن أجمل المشاهد الجيولوجية في العالم.
تاريخياً، كان الراتنج القرمزي الذي تفرزه هذه الأشجار العتيقة يُجمع لاستخدامه في الطب التقليدي وصناعة الأصباغ الحرفية. أما في المشهد السياحي المعاصر، فقد بات يُنظر إلى هذه الغابات من منظور الحفاظ البيئي والتوثيق الفوتوغرافي.
يشير تقرير المجلة إلى أن تجربة التجول في البساتين غالباً ما تُوصف بأنها تجربة مُلهمة؛ إذ تُعد الأشجار بمثابة أحافير حية لعصر نباتي اندثر منذ أمد بعيد في بقاع العالم الأخرى، حيث أُدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008، وهو تصنيف لا يزال يوجه التدابير الوقائية الصارمة المطبقة لحماية الإرث الطبيعي حتى اليوم.
سكان محليون يتجولون في أحد شواطئ سقطرى الرملية البيضاء مع مجموعة من السياح إبريل/ نيسان 2025 (إن بي سي)
سحر السواحل
بينما تهيمن القمم الوعرة والنباتات العتيقة على قلب الجزيرة، يتفرد ساحل سقطرى بجمال طبيعي بكر يقدم تضاداً مذهلاً مع المفاهيم التقليدية للمنتجعات التجارية في “المالديف” أو “سيشل”. ففي شاطئ “عرهر”، تشكل الرياح الموسمية كثباناً رملية بيضاء ناصعة تتكئ على منحدرات جيرية شاهقة، لترسم حداً بصرياً فارقاً بين امتداد الصحراء وزرقة البحر.
كما لا تقل النظم البيئية البحرية المحيطة بهذه الشواطئ روعة؛ إذ تكتنز شعابها المرجانية أنواعاً نادرة من الأسماك، مقدمةً تجربة استثنائية لمن يفضلون متعة الاكتشاف على رفاهية المنتجعات. فهذه المناطق الساحلية ليست محاطة بممرات أسمنتية أو فنادق فاخرة، بل ظلت محفوظة في حالتها الفطرية، مما يمنح الزائر سكينة نادرة الوجود في القرن الحادي والعشرين.
وفي عام 2026، يتجلى التحول العالمي نحو “السياحة التجريبية والمستدامة”، حيث أُعيد صياغة مفهوم السفر ليُعلي من قيمة “الأثر الإيجابي” على حساب “الاستهلاك المفرط”. وتجسد سقطرى هذا النموذج بأبهى صوره؛ إذ صُممت بنيتها التحتية لتعزيز السفر القائم على المعايشة بدلاً من الاستجمام السلبي. وتبرز في مقدمة الأنشطة التي يفضلها المسافر المعاصر رحلات المسير الجبلي عبر “جبال هجير”، حيث تلامس القمم الجرانيتية السحاب، والتخييم تحت سماء تُصنف ضمن الأصفى والأكثر لؤلؤاً بالنجوم على وجه الأرض.
كما تُعد أنظمة الكهوف في الجزيرة، ولا سيما كهف حوق، وجهة مثالية لعشاق الجيولوجيا والآثار؛ ففي أعماقه الممتدة لكيلومترات بين الصواعد والهوابط، توجد نقوش قديمة تروي فصولاً من التاريخ البحري للمحيط الهندي. وتُدار التجارب وفق نموذج صارم للسياحة البيئية يضع “التوازن الفطري” في المقام الأول؛ فمن خلال اعتماد رحلات السفاري بسيارات الدفع الرباعي والتخييم البيئي بدلاً من المنشآت الخرسانية الدائمة، تُصان سلامة هذه المناظر الطبيعية للأجيال القادمة.
تتجلى الأهمية العالمية لجزيرة سقطرى من خلال تنوعها البيولوجي الفريد
تحديات المناخ
تواجه جزيرة سقطرى أزمة مناخية متصاعدة تهدد تنوعها الحيوي، وسبل عيش مجتمعات الرعاة، والأمن الغذائي في مختلف أرجاء الأرخبيل. فقد كشف تقييم حديث أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن عامين متتاليين من الجفاف الشديد وضعا الثروة الحيوانية والمراعي الطبيعية تحت ضغط غير مسبوق.
ووفقاً لأحدث تحليلات “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، فإن تدهور مناطق الرعي أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الماضي.
وفي ظل هشاشة أنظمتها البيئية واعتمادها الكلي على المراعي المطرية يجعلها عرضةً بشدة لتقلبات المناخ والصدمات البيئية. فمع غياب الهطول المطري الكافي، تآكلت مصادر الدخل والغذاء للمجتمعات الرعوية؛ حيث ذبلت الغطاءات النباتية وشحت موارد المياه، مما ضيق الخيارات المتاحة لإعالة القطيع، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي .
ومنذ عام 2023، تعيش الجزيرة حالة من الجفاف الاستثنائي، حيث انعدمت الأمطار تقريباً وتراجعت مواسم الفيضانات المغذية للخزانات الجوفية، مما حول مساحات شاسعة من المراعي إلى أراضٍ قاحلة. وقد أجبر هذا التدهور البيئي عشرات العائلات الرعوية على هجر قراها بحثاً عن الماء والكلأ، حيث تضطر الأسر لقطع مسافات مضنية يومياً لضمان بقاء مواشيها على قيد الحياة، مما فاقم من ضغوط الهجرة الداخلية وانعدام الاستقرار المعيشي.
وتحذر المنظمات الدولية من أن حتى المجتمعات المجهزة بخزانات تجميع مياه الأمطار باتت تعاني من استنزاف شبه كامل لمخزونها؛ إذ لا تصمد سعات التخزين الحالية أمام فترات الجفاف الممتدة.
وفي هذا الصدد، يشدد الخبراء على الحاجة الملحة لتوسيع نطاق البنية التحتية لحصاد المياه، وإعادة تأهيل المراعي المتضررة، كخطوات حاسمة لتحقيق استقرار سبل العيش وحماية النسيج الاجتماعي والرعوي للجزيرة.
وتواجه جزيرة سقطرى تهديدات متكررة تُنذر بتدهور نظامها البيئي الفريد؛ حيث تتفاقم التحديات جراء تزايد المخالفات البشرية، الأمر الذي جعلها مهددة بالإدراج ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
يواجه سكان قرية ساروة في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع تحديات معيشية متعددة، إذ تفتقر القرية لأدنى الخدمات الأساسية، ويعيش السكان عزلة شبه تامة نتيجة غياب الطرق المعبدة الأمر الذي حول تفاصيل حياتهم اليومية إلى رحلة شاقة، تبدأ وتنتهي بتسلق الجبال الوعرة.
تبدو القرية، التي يقدر عدد سكانها بنحو أربعمائة نسمة، كما لو أنها تتكئ على كتف الجبل، ويعيش أهاليها منذ عقود في عزلة فرضتها التضاريس الجغرافية الوعرة، وكرّسها الإهمال الرسمي المتعاقب.
ويعتمد سكان القرية منذ عقود على مسار جبلي وعر وضيق، عمد الأجداد قديماً إلى شقه من الصخر بأدوات بدائية؛ رغبة منهم في الخلاص وكسر قيود العزلة، إلا أن هذا الطريق الوحيد، الذي يهبطون عبره نحو الوادي السالك في منتصف الجبل، ليس سوى ممر ضيق لا يتجاوز عرضه موضع القدم، محفوف بالمنحدرات السحيقة والانزلاقات الصخرية بالغة الخطورة.
تعد طريق القرية بوابة للحياة والموت معا، فهي المنفذ الوحيد والممر الأشد خطورة، ويطلق عليها الأهالي اسم “العِرْق”؛ نسبةً إلى جذور شجرة الأثب التي تمتد كمقابض طبيعية تُسهّل مهمة الصعود والنزول. وهو اسمٌ يستحضره الناس كأنه امتحانٌ يومي، أو معبر أسطوري لا يسلكه أحدٌ إلا وقلبه مشدودٌ ونفسه متوجسة.
وفي حديثهم لـ “ريف اليمن”، يصف الأهالي السير على جذوع الشجرة بأنه أشبه بالسير على صراط دقيق ممدود بين السماء والهاوية، حتى نسجت حوله المخيلة الشعبية حكايات تصفه بأنه “أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة، وأسودُ من الليل”، حيث تصبح كل خطوة قدراً معلقاً بصاحبه.
يصف التربوي “حذيفة الساروي”، أحد سكان القرية، هذا الممر بكلمات تختزن الخوف والاعتياد معا: قائلا لـ “ريف اليمن”: “نعيش في قرية تحتضنها الجبال وتحاصرها الصخور الحادة ويغمرها ضباب الفجر البارد، محاصرين بلا سبيل سوى طريق ضيقة معلقة في منتصف الجبل، كأنها خيط رقيق على شفا هاوية سحيقة، حيث السهو لثانية واحدة قد يجعل حياتك رهينة للقدر”.
ويضيف حذيفة: “المأساة لا تتوقف عند ضيق الممر، بل في كون وسيلتنا الوحيدة هي جذع شجرة أثب ضخمة تضرب جذورها في الصخر ويتدلى رأسها في الفراغ. يتشبث بهذا الجذع الرجال والنساء والأطفال يوميا، فهي سبيلهم الوحيد الذي يربطهم بالعالم؛ وهي شريان حياة نعبره بأقدام مرتجفة وسواعد مثقلة بالمرضى والمؤن، لنمنح القرية يوماً إضافياً من البقاء”.
أحد المواطنين أثناء محاولته المرور في طريق قرية ساورة في الضالع جنوبي اليمن(ريف اليمن)
أما السبعيني “مسعد عايض”، الذي يهبط عبر هذا الجذع كل صباح محملا بأكياس القات والأعلاف، فتعد كلماته شهادة حية على التحدي والإرادة، إذ يقول لـ” ريف اليمن”: “نمشي عليه خطوة بخطوة والرياح تكاد تقتلعنا، لكن لا بديل أمامنا. نمضي كما يمضي الطير، ونوقن أن الله معنا”.
ضحايا ووعود حكومية
يروي “أحمد عايض”، عاقل القرية، مآسي سطرت بدموع الأهالي؛ عن أربعة ضحايا ابتلعهم العرق بصمت، وضاعت صرخاتهم في جوف الجبال، كان أحدهم خاله “سيف محسن أغا”، الذي رحل وهو يطمح لأن يجد الأهالي بعده ممراً آمناً يخلو من الفزع والرهبة، لتصبح قصته درساً تتناقله الأجيال؛ تحذيراً من غدر المسار، وخشية من تكرار الفقد.
وأوضح عايض لـ “ريف اليمن” أن الكثير من السكان تعرضوا لكسور ورضوض جسيمة، تروي القرية حكاياتهم كأنها صافرة إنذار دائمة، ورغم الخوف الذي يسكن الصدور، لا يملك الأهالي خياراً سوى العبور، فالحياة بالنسبة لهم ليست طريقاً معبداً، بل هي جذع شجرة ضيق، يقابله صبرٌ واسع وأملٌ لا ينقطع.
وعن الدور الحكومي، أكد أن محافظ المحافظة زار المنطقة واستمعت الجهات المختصة للمطالب، حيث أُحيلت دراسات أولية لتركيب سلم حديدي كبديل للممرات الهشة والمفتوحة، إلا أن المشروع اصطدم بعائق عملي بحت؛ إذ إن تكاليف نقل المواد وتركيبها في تلك التضاريس الجبلية الوعرة تفوق قدرة السكان المادية، في ظل شح الإمكانيات وضعف مصادر الدخل التي لا تكاد تقيهم شظف العيش ومرارة الحرمان.
معاناة مضاعفة
يشير حذيفة الساروي إلى جانب آخر من المعاناة يتجاوز خطورة الممر الجبلي؛ وهو الطريق المتهالك الذي يربط القرية بمحافظة إب فمن يرغب في الذهاب إلى المستشفى أو شراء الاحتياجات الأساسية، يواجه عبئاً مادياً باهظاً؛ إذ تصل كلفة النقل إلى ثلاثين ألف ريال بحد أدنى، وقد ترتفع إلى أربعين ألفاً في حال استئجار وسيلة نقل خاصة “إنجيز”.
توفي 4 أشخاص من القرية نتيجة حوادث في الطريق الوعرة تعرض الكثير من السكان لكسور وإصابات مختلفة
ويوضح لـ “ريف اليمن”، أن المأساة تكمن في الارتهان للمواعيد، فمن يتأخر عن موعد الرحلة الأسبوعية، يضطر للانتظار يوماً كاملاً أو حتى نهاية الأسبوع، فالسائقون يتوقفون عن العمل يوم الجمعة، بينما “المرض لا يعرف العطلات”، كما يقول بمرارة.
تتفاقم المعاناة مع حلول موسم الأمطار، حيث تتحول الطريق إلى فخ من الصخور المتساقطة، مما يؤدي لانقطاعها لأيام أو أسابيع، بل قد يصل الأمر لشهور؛ كما حدث قبل عامين حين ظلت الطريق مقطوعة لعام كامل، في تلك الفترات، تتحول القرية إلى سجنٍ كبير، ويصبح المرضى سجناء أوجاعهم، والمحتاجون رهائن لعزلةٍ قسرية تفرضها قسوة الطبيعة وغياب الاهتمام.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية، والموارد، والتعليم، وفرص العمل، والإمدادات الغذائية.
الأطفال والتعليم المؤجل
قبل أشهر بدأ مشروع بناء فصول دراسية بجهود مجتمعية، فبشّر الأهالي أطفالهم بأن زمن الخطر قد شارف على الانتهاء، وأن عهد المسافات الطويلة لن يعود. إلا أن المشروع تعثر فجأة، لتبقى الجدران نصف مكتملة، تشبه ركناً من حلمٍ مبتور سقط كحجرٍ آخر من أعلى الجبل.
توفي أربعة من سكان القرية نتيجة سقوطهم في هذا الطريق في حين تعرض آخرون لكسور (ريف اليمن)
ونتيجة لذلك، لا يزال الأطفال يقطعون مسافات شاقة في الطرق الوعرة ذاتها التي يخشاها الكبار؛ يتحدون برد الفجر القارس وصخور الصيف المتساقطة، في مشهد يملأ قلوب الأهالي حزناً على فلذات أكبادهم.
ورغم قسوة الواقع المحيط بـ ساروة، تظل القرية أكثر من مجرد معاناة متراكمة؛ فهي بيئة زراعية حية، ورئة خضراء تمارس الزراعة بأصالةٍ موروثة. إذ يزرع أهلها القمح والحبوب والبقوليات بأساليب تقليدية ما زالت محفوظة في ذاكرة الكبار، وتُلقّن للصغار كجزء من هوية تأبى الاندثار.
ويتمسك السكان بالأرض كتمسكهم بالحياة، فلا يزال صوت المحراث يتردد في أوديتها، كأنه صدى لنبض القرية وذاكرتها الممتدة عبر السنين، مؤكداً أن إرادة البقاء في ساروة أقوى من عزلتها الجغرافية.
“رمضان شهر كريم، نستقبله مثل بقية الناس، لكنه يحل علينا ونحن لا نملك شيئا، ونعيش على باب الله؛ البعض يرحمنا، والبعض قلوبهم قاسية، ومع ذلك نعيش تحت أي ظرف فالحياة قسمة ونصيب”.
بهذه الكلمات تختصر حدة ربيع (37 عاما)”، وهي مواطنة من ذوي البشرة السمراء، واقعها مع حلول شهر رمضان، وتقول إن الشهر الذي ينتظره الناس للراحة والطمأنينة، يأتي على المهمشين محملا بأعباء إضافية، في ظل ظروف اقتصادية قاسية ونقص في أبسط المواد الغذائية.
وتضيف لـ “ريف اليمن”: “الناس جميعا يرتاحون في رمضان، إلا نحن نعاني أكثر، لأننا لا نستطيع توفير احتياجات الشهر كما يفعل الآخرون”، وتوضح أنها تضطر أحيانا للعمل في البيوت بالأجر اليومي لتأمين احتياجات أسرتها، وتجمع ما تيسر من المال لشراء نصف كيس دقيق، وقليل من الأرز والسكر بالكيلو.
تشير ربيع إلى أن بعض الأسر، خاصة من يمتلكون رواتب وإن كانت قليلة، قد تتمكن من ادخار مؤونة بسيطة، لكن الغالبية تعيش يومها بيومها، معتمدة على ما يجود به الآخرون، أو ما تتيحه فرص العمل المحدودة.
في ريف تعز، تسرد “فائزة (30 عاما)” جانبا آخر من معاناة الاستعداد لرمضان، وتقول إنها تبدأ مع أسرتها التحضير للشهر منذ رجب وشعبان، عبر استئجار قطعة أرض صغيرة لزراعة الكراث والبقل (الفجل)، على أمل حصادها وبيعها في الأسواق خلال رمضان.
“نعتمد على هذا الموسم لتغطية مصاريفنا”، تقول فائزة، موضحة أن العمل لا يتوقف طوال الشهر، وتشرح طبيعة يومها قائلة: “ننام خمس ساعات فقط، من بعد صلاة الفجر حتى قبل الظهر، ثم نذهب إلى السوق لتجهيز المفارش وبيع الخضروات حتى أذان المغرب”.
وتنوه أنها بعد الإفطار تعود لقطف الكراث وقلع البقل وغسله وتحضيره للبيع في اليوم التالي، وهكذا يمضي الشهر بين جهد متواصل وأمل محدود بعائد يسد جزءًا من الاحتياج.
فاطمة: وجبات الإفطار تصل أحيانا إلى المخيمات خلال رمضان، لكنها غير منتظمة، وقد تنقطع لأسبوع كامل
أما “محمد هادي (48 عاما)” من مدينة تعز فيرى أن الأوضاع قبل اندلاع الحرب في مارس 2015 كانت أكثر استقرارا، بفضل ثبات العملة وتوفر فرص العمل.
ويقول: “كنا نستطيع تغطية مصاريف الأسرة وشراء احتياجات رمضان، ومع الحرب انعدمت فرص العمل وازداد الفقر بين جميع الفئات، لكننا نحن المهمشين كنا الأكثر تضررًا”.
ويضيف هادي أن الفقر يلازمهم طوال العام، ويأتي رمضان ليضاعف التحديات، فيضطرون إلى التقشف الشديد والتخلي عن كثير من المتطلبات التي تعد أساسية لغيرهم.
في مخيم الجفينة بمحافظة مأرب، يتحدث “محمد سعيد (62 عاما)”، وهو نازح يعاني مرض القلب، عن معاناة مضاعفة، ويقول: “أعتمد في رمضان على ما تحصل عليه النساء والأطفال من الأسواق، يخرجون بعد الظهر حتى الليل بحثا عن الرزق؛ أحيانا يجدون شيئا، وأحيانا يعودون بلا شيء”. ويشير إلى أن المرض والعجز عن العمل جعلاه أكثر هشاشة أمام تقلبات الحياة.
أما سعاد، من مدينة تعز، فتقول إن رمضان بالنسبة لها موسم بحث يومي عن صدقات: “أخرج مع أطفالي الخمسة إلى الرصيف في شارع جمال من بعد الظهر حتى ساعات متأخرة من الليل”، مشيرة إلى أن “البعض يعطينا ألف ريال أو 200 ريال، والبعض يحتقرنا ويتلفظ بألفاظ مؤذية”.
وتضيف: “كل ما نحلم به هو شراء ملابس العيد لأطفالنا فنحن نقضي الشهر في الشوارع والأسواق تحت الشمس والبرد من أجل الحصول على زكاة الفطر، ونفطر أحيانا أمام المطاعم أو المساجد، ثم نعود إلى مكاننا على الرصيف”.
تشير تقديرات أممية إلى أن عدد المهمشين في اليمن يُقدّر بنحو 3.5 مليون نسمة، موزعين في مختلف المحافظات
من جانبه، يؤكد “عبد الرحمن محمد (27 عاما)” أن راتبه البالغ ستين ألف ريال لا يغطي حتى تكاليف المواصلات والمياه، ويقول: “نعمل ثلاث ورديات في رمضان كما في بقية الأشهر. البعض يعمل نهارا تحت الشمس وهو صائم، والبعض حتى وقت السحور في الشارع، دون وجبة إفطار أو سحور مضمونة أوضاعنا صعبة ولا نجد من يقدّر جهودنا”.
في السياق ذاته، تشير رئيسة مؤسسة رنين المستقبل الحقوقية “حنان النوبي”، إلى أن مخيمات النازحين في مأرب تضم أكبر تجمعات للمهمشين، موزعين على نحو 25 مخيمًا وتجمعًا سكنيا، مؤكدة أنهم يعانون ظروفا معيشية قاسية طوال العام، وتتفاقم في رمضان.
مساعدات غير منتظمة
توضح “فاطمة علي” أن وجبات الإفطار تصل أحيانا إلى المخيمات خلال رمضان، لكنها غير منتظمة، وقد تنقطع لأسبوع كامل، كما أن السلال الغذائية التي تقدمها بعض المنظمات في بداية الشهر لا تكفي الأسر الكبيرة.
وتقول: “نطلق مناشدات مستمرة لفاعلي الخير والمنظمات لدعم النازحين، بعضهم يستجيب وآخرون يتغاضون، نحن لا نملك مالا ولا علاقات، وننتظر ما يصلنا من مساعدات، قليلًا كان أو كثيرا”.
ربيع: الناس يرتاحون في رمضان إلا نحن نعاني أكثر، لأننا لا نستطيع توفير احتياجات الشهر كما يفعل الآخرون
بدوره يقول “عبده سعيد”، القائم بأعمال رئيس الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرًا (المهمشين) – فرع تعز، إن أيام وليالي رمضان تمر على المهمشين بمرارة شديدة، رغم ما يتحلون به من صبر وقناعة.
ويضيف أنهم تواصلوا مع عدد من المؤسسات والجمعيات الخيرية لدعم هذه الفئة خلال رمضان، إلا أن بعضها اعتذر بسبب انقطاع التمويل، فيما وعد آخرون بتقديم المساعدة عند توفرها.
وتتضاعف معاناة المهمشين في رمضان نتيجة الفقر وشح الإمكانات وانخفاض الدخل الناتج عن الأعمال البسيطة التي يمارسونها، مثل النظافة، وحياكة الأحذية، وغسل السيارات، وبيع الخضروات.
وتشير تقديرات أممية إلى أن عدد المهمشين في اليمن يُقدّر بنحو 3.5 مليون نسمة، موزعين في مختلف المحافظات، يعيش كثير منهم على هامش المجتمع، ويواجهون في رمضان حرمانًا مضاعفًا بين قلة ذات اليد وثقل الاحتياجات.
“نبدأ أنا وأطفال القرية تجهيز ألعابنا منذ يوم الشعبانية لاستقبال شهر رمضان حتى يصل وقد أعددنا كل ألعابنا لوقت العصر وما بعد العشاء وصلاة التراويح”، هكذا استهل الطفل الريفي “مراد صامد (12 عاما)” حديثه عن ألعاب رمضان، وقد بدت على وجهه ملامح الفرح والسعادة.
وتعد الألعاب الرمضانية ذاكرة شعبية تعكس روح الاجتماع والفرح في المجتمع اليمني، حيث يشارك فيها الأطفال والكبار معا، بوصفها جزءا من الموروث الثقافي الغني للريف اليمني، الذي يمتاز بطقوسه الفريدة التي ارتبطت بالشهر الكريم وتحافظ على تقاليد الأجداد وتنقلها إلى الأجيال الجديدة.
يشرح الشاب الريفي “مهيوب الصبري” تفاصيل استقبال شهر رمضان في قريته، ويقول إن الأهالي يستقبلون الشهر الكريم بطقوس عفوية حيث تتزين الحارات بحركة الأطفال وضحكاتهم، وتتعالى أصوات الأناشيد بعد صلاة العشاء، فيما يتشارك الجميع، صغارا وكبارا، أوقات اللعب والسمر.
يوضح الصبري لـ”ريف اليمن”، أن الأطفال والكبار يستعدون مبكرا عبر تجهيز ألعاب تقليدية مثل الدريهة، الضمنة، الكيرم، ولعبة الورق(البطة)، إلى جانب تعليق الحبال على الأشجار، وحمل الفوانيس، وترديد الأناشيد الرمضانية في الأحياء بعد صلاة العشاء.
وأشار الصبري إلى أن شهر شعبان يمثل موسم الانتظار والترقب لرمضان، حيث تتصاعد مشاعر الشوق يوما بعد آخر حتى حلول الشهر الكريم، الذي يمتلئ بالأنشطة الجماعية والسهرات الرمضانية واللعب المشترك بين الصغار والكبار.
أطفال يمارس لعبة الكيرم التي تُعد من أشهر الألعاب الشعبية في رمضان بريف اليمن (ريف اليمن)
ويلفت إلى أن الحرب أثرت على ملامح هذه الطقوس، وأضعفت مظاهر الفرح والاستعداد، إذ تسببت الظروف الاقتصادية الصعبة في تراجع الألعاب الشعبية والعادات الرمضانية، وأصبح الأطفال يتحملون أعباء تفوق أعمارهم، مع زيادة أعداد الأيتام ومعيلي الأسر؛ ما انعكس سلبا على حقهم في الفرح واستقبال رمضان كما في السابق.
أبرز الألعاب الرمضانية:
فوانيس رمضان
تُعد الفوانيس من أبرز مظاهر استقبال هلال رمضان. ويقول مراد صامد إنه يحمل فانوسه المضيء يوميًا ويتجول بعد العشاء مع أصدقائه في الحارة من بيت إلى بيت، ثم يعودون لشراء الجعالة والبدء بلعبة الورق المعروفة بـ”البطة” حتى منتصف الليل.
لعبة الكيرم
تُعد من أشهر الألعاب الشعبية في رمضان، حيث يلعبها أربعة أشخاص على طاولة خاصة، ويتنافسون للفوز بالعجلات الملونة؛ فالعجلة الصفراء تُحسب عشرة ريالات، والسوداء خمسة ريالات، والحمراء خمسين ريالًا. وتُعتبر هذه اللعبة جزءًا من التراث الرمضاني في الريف اليمني، ويشارك فيها الصغار والكبار.
الدريهة (الأرجوحة)
تُعد من أبرز الطقوس التراثية في الريف اليمني، وترتبط بمواسم الفرحة كالحج أو استقبال رمضان. ويتم تجهيز الأرجوحة بتعليق الحبال على الأشجار القوية وربطها بإحكام لضمان السلامة، ويتأرجح عليها الأطفال والكبار ذهابًا وإيابًا وفق قدرتهم، وغالبًا ما يتم إعدادها قبل أيام من رمضان ليستمتع بها الجميع، بمن فيهم النساء والشباب، لقضاء وقت الصيام.
ريفيون يمارسون لعبة الورق المعروفة محليا بـ”البطة” وهي من الألعاب المرتبطة برمضان (ريف اليمن)
الدومينو أو (الضومنة)
تتكون من أحجار منقوشة بنقاط سوداء، ويشارك فيها أربعة لاعبين، وتمارس في الريف اليمني بعد مجالس الذكر أو في أوقات العصر والليل خلال رمضان، وتُعد جزءًا من الطقوس الاجتماعية التي تجمع بين المتعة وروح المشاركة، وهي أكثر شيوعًا بين كبار السن.
ذاكرة وهوية
تشكل هذه الألعاب فضاء اجتماعيا يلتقي فيه الفرح البسيط بالذاكرة الجماعية، وتتوارثه الأجيال ليصبح جزءا من هوية المكان وروحه الثقافية.
يؤكد الصحفي المهتم بالتراث الشعبي “فهمي الصبري” أن الألعاب الشعبية المرتبطة بشهر رمضان تمثل جزءا أصيلا من الذاكرة الثقافية، مشيرا إلى أن الأطفال يقبلون على شراء لعبة “البطة الورقية” قبل حلول الشهر، ويتشاركون اللعب بها مع أقرانهم والكبار.
وأضاف في حديثه لـ”ريف اليمن” أن المراجيح تعد من أكثر الألعاب انتشارا بين مختلف الفئات العمرية، حيث يقضي الصائمون أوقاتهم على المراجيح المعلقة على الأشجار، بينما تمارس لعبة الضومنة بعد صلاة العشاء.
لعبة الدومينو (الضمنة )وتمارس في الريف اليمني بعد مجالس الذكر أو في أوقات العصر والليل (ريف اليمن)
كما أشار إلى أن الحكايات الشعبية التي ترويها الجدات للأطفال تمثل جانبا مهما من التراث الرمضاني، إذ يسردن القصص والحزايات التي تنمي خيال الأطفال وترسخ فيهم القيم الاجتماعية.
وشدد الصبري على أن هذه المظاهر ليست مجرد وسائل ترفيه، بل تعبر عن منظومة ثقافية متكاملة تعكس روح المجتمع وقيم التكافل والترابط بين الأجيال، داعيا إلى توثيق هذه الطقوس وإحيائها عبر الإعلام والمؤسسات الثقافية والتعليمية، لضمان نقلها إلى الأجيال القادمة وحمايتها من الاندثار.
للنساء نصيب
لم تغب النساء عن هذه الطقوس، إذ تحتفظ نساء الريف اليمني في ليالي رمضان بألعاب شعبية توارثنها جيلا بعد جيل، أبرزها “الأكوار”، و”التباره” (الوقل)، و”الغماية” (الغميضة).
وتقول فاطمة محمد (50 عاما): “كنا ننظم أوقاتنا للعب بعناية؛ من صباح رمضان بالدريهة عبر تعليق الأحبال على الأشجار، إلى عصر التباره، ثم نبدأ بعد العشاء لعبة الغماية، وفي المساء نجتمع في البيت لأداء لعبة الكراكر، وهي ما تعرف بالأكوار في كثير من المناطق”.
وأوضحت أن لعبة الأكوار تعتمد على السرعة وخفة اليد، حيث تنثر خمس أحجار صغيرة على الأرض، وتقوم إحدى الفتيات بقذف حجر إلى الأعلى ثم تلتقط حجرا آخر قبل أن يعود الأول إلى يدها، مع تصعيد مستوى التحدي تدريجيا.
لعبة الوقل (التباره) تمارسها الفتيات خلال نهار رمضان في بعض الأرياف اليمنية (فيسبوك)
أما لعبة الوقل (التباره) فتقوم على رسم مربعات متلاصقة مرقمة على الأرض، تقفز خلالها اللاعبات على قدم واحدة وفق ترتيب الأرقام مع رمي حجر، دون ملامسة الخطوط الفاصلة. وفي ما يتعلق بالغماية، فهي لعبة يقوم فيها أحد اللاعبين بإغماض عينيه والعد حتى رقم معين، بينما يختبئ الآخرون، ومن يكتشف يخرج من اللعبة، أما من يصل إلى نقطة الأمان فيعد فائزا.
بدورها، قالت الصحفية المهتمة بالشؤون الاجتماعية “سامية الصامتي” إن الألعاب الشعبية في رمضان تمثل مساحة اجتماعية مهمة لإحياء الروابط بين أفراد المجتمع، خصوصا بين النساء والفتيات في الأحياء القديمة والأرياف اليمنية.
وأضافت لـ”ريف اليمن”، أن شهر رمضان يشكل فرصة لاستعادة الموروث الشعبي، حيث تعود الألعاب التقليدية للظهور في الساحات والحارات بعد صلاة التراويح، في أجواء يغلب عليها الطابع الأسري وروح المشاركة.
وأكدت أن هذه الألعاب تسهم في تعزيز قيم التعاون والصبر وروح الفريق، وتشكل بديلا صحيا عن الانشغال المفرط بالأجهزة الحديثة، مشيرة إلى أن الحفاظ عليها هو حفاظ على جزء من الهوية الثقافية المحلية، داعية إلى توثيقها وتنظيم فعاليات مجتمعية تضمن استمراريتها كجزء من الذاكرة الاجتماعية.
تقع غابة المحجر في عزلة القابل الأعلى بمديرية الشعر، محافظة إب، على سفح جبل قبلان، وعلى ارتفاع يزيد عن 2500 متر فوق مستوى سطح البحر، لتُعد واحدة من أبرز الوجهات الطبيعية في اليمن بما تتميز به من غطاء نباتي كثيف وأجواء باردة وهواء نقي يلفه الضباب معظم أيام العام.
تمتد الغابة على مساحة تتجاوز كيلومترين مربعين، وتغطيها الأشجار الحراجية والحشائش، وتتخللها جداول مياه موسمية تنشط مع هطول الأمطار. وتزدان بتنوع نباتي لافت، من أشجار العتم والأثل والشوحط والصبر، إلى النباتات العطرية الطبيعية كالزعتر والحضر، كما تحتضن عدداً من الطيور والحيوانات البرية، بينها طيور الحجل والقرود وبعض الجوارح.
وتشرف غابة المحجر من مرتفعاتها على وديان الخراف والمحرور والمعدات وعدن والدخلة، فيما تبدو للناظر قمم وجبال مديريات مجاورة مثل العود وجبال بعدان ويريم وعمار وقعطبة، في مشهد بانورامي يجمع بين المدرجات الزراعية الخضراء والقرى المعلقة على السفوح الصخرية.
ومع امتداد الطريق الإسفلتي المتصل بمركز المديرية عبر قرى ذي هرم والحرف، تزايد إقبال الزوار من مختلف العزل والمديريات المجاورة، حيث يقصدها الشباب والأسر للتنزه والتخييم والاستمتاع بهدوء المكان، ولا تزال مطالب محلية قائمة بإدراجها ضمن المحميات الطبيعية، حفاظاً على تنوعها البيئي وموقعها الفريد.
وفيما يلي تستعرض منصة ريف اليمن الصور التي وثقها مروان البعداني، والتي تعكس جانباً من جمال الغابة وتنوع تضاريسها وثراء غطائها النباتي.
غابة المحجر ليست مجرد مساحة خضراء، بل ذاكرة طبيعية نابضة في قلب إب الخضراء، وملاذ لكل من يبحث عن صفاء الجبل وسكينة الطبيعة بعيداً عن صخب المدن.
يُعد مشروع تسمين الماشية أحد أبرز مصادر الدخل للأسر الريفية، غير أن نجاحه لا يرتبط بكثرة العلف بقدر ما يعتمد على الإدارة الصحيحة والالتزام بالأسس الصحية والتغذوية السليمة.
في هذا الدليل الإرشادي الذي أعدّه الخبير المختص محمد الحزمي، تستعرض منصة ريف اليمن أهم الخطوات العملية التي تساعد المربي على تحسين معدلات النمو وتحقيق أفضل وزن بأقل تكلفة، استجابةً لأسئلة واستفسارات متعددة من المربين.
أهم الأسس لنجاح مشروع التسمين
مكافحة الطفيليات الداخلية والخارجية
– اعتماد برنامج تجريع دوري كل 3 أشهر.
– التبديل بين المواد الفعالة لتجنب مقاومة الطفيليات، مثل: الألبندازول، الليفاميزول، الفينبندازول.
– استخدام الإيفرمكتين بالجرعة الصحيحة وفق وزن الحيوان.
– رش الحيوانات والحظائر عند الحاجة ضد الطفيليات الخارجية.
– الالتزام بفترة السحب لكل علاج قبل البيع أو الاستهلاك.
اختيار حيوانات التسمين بعناية
نجاح المشروع يبدأ من اختيار الحيوان المناسب؛ فالحيوان الجيد وراثياً يختصر نصف طريق النجاح.
معايير الاختيار: – اختيار مواليد سريعة النمو ونشطة.
– استبعاد الحيوانات الضعيفة أو كثيرة الإصابة بالأمراض.
– التأكد من أن الأمهات ذات إنتاج حليب جيد في مرحلة الرضاعة.
– بيع الحيوان عند وزن وعمر اقتصاديين، وتجنب إطالة فترة التسمين دون جدوى إنتاجية.
تقليل الإجهاد الإجهاد يقلل النمو ويزيد استهلاك الطاقة دون زيادة وزن مقابلة. نصائح عملية: – تجنب المشي لمسافات طويلة بحثاً عن المرعى.
– توفير الظل والمسكن الملائم.
– تقليل التغيرات المفاجئة في البيئة أو النظام الغذائي.
الإدارة السليمة للأعلاف المركزة والحبوب عند استخدام الأعلاف المركزة، يجب إدخالها تدريجياً لمدة لا تقل عن 10 أيام، وتجنب تغيير العليقة بشكل مفاجئ.
بخصوص الحبوب:
– عدم تقديمها كاملة.
– جرشها جرشاً خشناً.
– تجنب الطحن الناعم جداً. توضيح: في حال استخدام الشعير، يُفضل جرشه أو نقعه لمدة 24 ساعة نقعاً خفيفاً قبل التقديم.
الحذر من مخلفات المخابز
يجب التأكد من خلو مخلفات المخابز من التعفن، إذ قد تؤدي السموم الفطرية إلى ضعف النمو أو النفوق المفاجئ.
توفير الأملاح المعدنية – تقديم مخلوط الأملاح والفيتامينات عند عدم استخدام أعلاف مركزة.
– توفير مكعب ملحي دائم أمام الحيوان.
– نقص المعادن يؤدي إلى ضعف المناعة وبطء النمو.
الماء أساس النمو
الماء النظيف والمتجدد شرط أساسي للنمو؛ إذ أن نقصه يقلل استهلاك العلف مباشرة ويؤثر على الزيادة الوزنية.
تقسيم الحيوانات حسب الوزن – عدم خلط الصغير مع الكبير.
– تقليل التنافس على العلف.
– تحقيق نمو متجانس وربحية أفضل.
متابعة الوزن والحساب الدوري – قياس معدل الزيادة كل أسبوعين.
– استبعاد الحيوانات ذات النمو الضعيف اقتصادياً.
– حساب كلفة الكيلوغرام المكتسب لتحديد جدوى الاستمرار.
توفير مسكن مناسب – تهوية جيدة.
– أرضية جافة.
– مساحة كافية لكل رأس.
– حماية من الأمطار والحرارة الشديدة.
إذا نجاح مشروع التسمين لا يتحقق بزيادة كمية العلف فقط، بل بالإدارة المتكاملة التي تبدأ بالوقاية الصحية، وتمر بحسن اختيار الحيوان، وتنتهي بحسابات دقيقة للوزن والتكلفة، التزام المربي بهذه الأسس يرفع معدلات النمو، ويقلل الهدر، ويعزز دخل الأسرة الريفية بشكل مستدام.
يعد “العُشّار” من النباتات البرية المثيرة للجدل في مختلف المحافظات وحتى خارج اليمن، إذ يستخدمها البعض كمضاد للأمراض الجلدية والتهابات المفاصل، في حين يحذر منها آخرون من أنها نبات سام يحتوي على مركبات قوية التأثير قد تتسبب بأمراض متعددة إذا استخدمت بطريقة خاطئة.
والعشار نبات صحراوي معمر، ينمو دون زراعة، دائم الخضرة يصل ارتفاعه من 2- 5 أمتار، ويتحمل العطش بدرجة كبيرة، وتحتوي جميع أجزائه على عصارة لبنية غزيرة، وينتج ثمرة خضراء منتفخة كبيرة الشكل من الخارج.
تظهر المراجع النباتية القديمة أن العشار يحمل خصائص علاجية فعالة عند الاستخدام الموضعي الدقيق وتحت إشراف مختص، لكنه في الوقت ذاته يعد من النباتات الخطرة التي لا ينصح باستخدامها الشعبي العشوائي، ويُعرف بعدة أسماء منها: الحرير، اليباج، شجرة الجن في السعودية، والأشخر في الإمارات.
يروي “ماجد الطياشي”، من أبناء محافظة ريمة، أن هذه النبتة تستخدم على نطاق واسع في قريته وقرى مجاورة، إلا أنه يؤكد أنه لا يعرف حالة واحدة تعافت بسببها فعليا، إلا أن الأهالي ما زالوا يؤمنون بفائدتها التي لا مثيل لها، ويتمسكون بها في علاج امراضهم.
“أحلام صالح” من فتيات الحديدة هي الأخرى تقول لـ” ريف اليمن” إنها استخدمت اللبن المستخرج من العشار لعلاج صنفور في جسدها، لكنها أكدت أنها لم تجد الفائدة المرجوة ولم يكن ذا جدوى كما قيل لها.
على خلاف ذلك، ورغم التحذير من استخدامها عبر الفم، إلا أن “بسمة محمد” قالت إنها استخدمت أوراق العشار في علاج ألم معدتها والقولون، مشيرة إلى أنها استطببت به. أما “أفراح بورجي” مازالت تتذكر وصايا جدتها بأهمية استخدامهم للعشار كمادة مضادة للجروح.
“أمة الغفور وعبدالقادر عنين” ذكرا بأن والدتهما كانت تحذرهما من التعامل مع هذه الشجرة كونها سامة وقد تسبب العمى أو التسمم عند ملامستها أو تناولها.
العشار نبات صحراوي معمر، ينمو دون زراعة، دائم الخضرة يصل ارتفاعه من 2- 5 أمتار (ريف اليمن)
ينقسم العشار إلى نوعين أحدهما آمن نسبيا، والآخر سُمّي يسبب أوراما خطيرة وتشنجات وربما الوفاة عند الاستخدام الخاطئ، ويستعمله البعض موضعيا لعلاج البهاق والثعلبة وتساقط الشعر والأكزيما، لكن بجرعات محسوبة وبحذر شديد لأنه قد يحرق الجلد.
العُشّار داء ودواء
وبحسب دراسة منشورة في مجلة أسيوط للدراسات البيئية (العدد العشرون، يناير 2001) بعنوان “نبات العُشار: داء ودواء” للدكتورة وفاء محروس عامر، فإن العشار نبات ذو فائدة محتملة، استخدم قديما لعلاج العديد من الأمراض، لكنها أكدت أن فيه مادة سامة ومستخلصات أزهاره لها تأثيرات سرطانية.
وبينت الدراسة أن العشار استخدم منذ آلاف السنين في الطب الشعبي لعلاج أمراض الجلد، آلام المفاصل، الدوسنتاريا، الربو، الصداع، والجذام، كما استعملت أجزاؤه في صناعة البارود، الوقود، المطاط، الألياف، وحتى شبك صيد السمك.
رغم ذلك، حذرت الدراسة من الشجرة كون العصارة اللبنية للنبتة تحتوي على مركبات جليكوسيدية قلبية (مثل الكالوتروبين) ذات تأثيرات سامة على الكبد والقلب، وقد أظهرت تجارب على الفئران أنها تسبب أوراما سرطانية وتلفا في الخلايا، داعية إلى مزيد من البحث لفهم هذا التناقض واستغلال إمكاناته بشكل آمن.
نداء العزي: نحذر من الاستخدام العشوائي للأعشاب الطبية دون إشراف علمي لما قد يسببه من مضاعفات صحية خطيرة على الإنسان
“مختار جبران اليافعي” باحث في النباتات البرية، يصف “العشار” بأنه سام جدا، لافتا إلى أنه وللاستفادة من سميته يتم استخدامه في الطب الشعبي كعلاج للفطريات الجلدية منها البهاق والأكزيما والجرب من خلال دهن المنطقة المصابة.
يضيف اليافعي لـ”ريف اليمن”، أن من الاستخدامات كذلك حرق أوراق العشار لاستخدام مادة الرماد لنزع الأثاليل، كما تستخدم الأرواق لعلاج آلام المفاصل؛ حيث يتم جمعها وتسخينها من ثم توضع في قطعة قماش ويربط بها فوق موضع الألم لفترة قليلة.
في حديثها لـ”ريف اليمن”، حذرت الصيدلانية “نداء العزي” من الاستخدام العشوائي للأعشاب الطبية دون إشراف علمي، لما قد يسببه من مضاعفات صحية خطيرة على المدى البعيد، تشمل تهيّج أنسجة الأمعاء والتسمم، وقد تتطور في بعض الحالات إلى تسمم الدم.
وتشير العزي إلى أن بعض الأعشاب، ومنها نبتة الشعار ورغم شيوع استخدامها في الطب الشعبي، قد تُحدث آثارًا عكسية عند إساءة استخدامها أو تناولها بتركيزات غير مضبوطة، خاصة في بيئات تفتقر للخبرة الطبية والرقابة.
بحسب دراسة علمية أظهرت تجارب على الفئران أن العشار تسبب أوراما سرطانية وتلفا في الخلايا (ريف اليمن)
وتؤكد أن الاعتماد على الأعشاب الطبيعية كبديل للعلاج الطبي، لا سيما في الأمراض الخطيرة، يشكل خطرا حقيقيا على صحة المرضى، داعية الى الاستفادة من التطور العلمي الهائل في مجال الطب والأدوية، مع الاستفادة الصحيحة من الأعشاب غير الخطيرة.
وخلال العقود القليلة الماضية، خضعت جل أجزاء نبات العشار لمزيد من الأبحاث والتجارب العلمية، التي أثبتت احتواء النبات على سُميَّات بتركيزات عالية، سواء في أوراقه أو أزهاره أو ثماره، تؤثر مباشرة على عضلة القلب، وتتسبب في القيء والإسهال الشديد.
ويأتي في مقدمة العناصر السامة، التي يحتويها نبات العشار، ما يعرف بمجموعة الفلوكوزيدات، والتي من بينها الكلا كتين، وجيجانتين، ومدارين، وكالوزو ياجنين، وفوروشارين، إضافة إلى مواد راتنجية وقلويدات، كما ثبت أن العصارة اللبنية، التي يفرزها النبات، تحتوي على عناصر عديدة سامة، يمكن أن تقتل الماعز والأغنام في غضون ساعات قليلة، تبعـا لمعدل الجرعة.
قبل أن ينزح الكفيف محمد عارف، 16 عاما، برفقة عائلته من محافظة الحديدة إلى عزلة شرجب بمديرية الشمايتين غرب محافظة تعز بسبب الحرب، كان يتلقى تعليمه في إحدى المدارس المخصصة لتعليم المكفوفين، وكان طالبا مجتهدا له آمال وطموح مستقبليه لكن أحلامه تبخرت بسبب انعدام وسائل التعليم المتخصصة.
يقول محمد لـ “ريف اليمن”: “بعد استقرارنا في عزلة شرجب، بدأنا نبحث عن مدراس أو جمعيات مختصة بتعليم المكفوفين بلغة برايل في منطقة سكننا والمناطق الأخرى المجاورة في المديرية، لكن للأسف لم نجد”.
لا يزال المكفوفون في الأرياف اليمنية يواجهون حرمانا واسعا من حقهم الأساسي في التعليم، في ظل انعدام كامل للخدمات التعليمية المتخصصة، وعلى رأسها تعليم لغة برايل الخاصة بهم، ما يجعلهم أمام تحد مضاعف.
يزداد هذا الواقع تعقيدا بسبب غياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة حول أعداد المكفوفين في اليمن، وهو ما أكده الأمين العام للجمعية اليمنية لراعية وتأهيل المكفوفين، ضيف الله عجلان خلال حديثه لـ”ريف اليمن.
معاناة مكفوفو الأرياف
تشير التقديرات إلى أن عدد المكفوفين في البلاد يقارب 800 ألف شخص، لكن عجلان يقول إن هذه الإعداد شهدت تصاعدا خلال السنوات الماضية، لافتا إلى أن النسبة الأكبر من المكفوفين تتركز في المناطق الريفية.
هذا الواقع الصعب للمكفوفين في الأرياف دفع محمد لإكمال تعليمه في جمعية الشمايتين لذوي الاحتياجات الخاصة مع المبصرين على الرغم من عدم استفادته وحصوله على التعليم بالشكل المطلوب، بسبب عدم توفر التعليم بلغة برايل في الجمعية.
بجانب معاناته في التعليم، يقطع محمد يوميا مسافة تبعد حوالي ثلث ساعة من منزله إلى الجمعية بمساعدة شقيقته، متحملا بعد المسافة وتكاليف المواصلات، متمسكا بأحلامه على أمل أن تستطيع الجمعية مستقبلا توفير آلات برايل وكوادر متخصصة، حتى لا يضيع ما تعلمه سابقًا سدى.
طلاب كفيفون في قرية ضية بريف تعز جنوب غربي اليمن (ريف اليمن)
محمد انموذجا لواقع المكفوفين في الأرياف اليمنية حيث تنعدم الجمعيات أو المراكز المتخصصة في تعليم لغة برايل، في مقابل تركز معظمها في المدن، الأمر الذي يترك مكفوفو الأرياف بعيدا عن التعليم، في انتظار تدخل حاسم من قبل المعنيين.
يوضح عجلان أن للجمعية التي تأسست عام 1989م، فروعا في ثماني محافظات يمنية، غير أن معظم هذه الفروع والمراكز تتركز في المدن الرئيسية والمناطق الحضرية، بينما تظل فرص انتشار خدمات تعليم لغة برايل في الأرياف ضعيفة جدًا أو معدومة.
ويقول في حديثه لـ”ريف اليمن”: “نتلقى طلبات كثيرة من أسر في الأرياف والمناطق النائية لتعليم لغة برايل وتقديم خدمات تدريب وتأهيل للمكفوفين، إلا أن ضعف الموارد المالية، وصعوبة الوصول إلى المناطق الريفية، وقلة الكوادر المدربة، إلى جانب غياب التنسيق المؤسسي مع وزارة التربية والتعليم لدمج تعليم برايل ضمن النظام التعليمي، حالت دون قدرتنا على تلبية هذه الاحتياجات”.
الحاجة إلى تعليم لغة برايل
هذا الغياب الكلي للخدمات التعليمية للمكفوفين في الأرياف، نجد صورته بوضوح في أرياف مديرية الشمايتين، (كبرى مديريات محافظة تعز)، التي تمثل نموذجا واضحا لواقع التعليم في الريف اليمني، فالمديرية، التي تضم 33 عزلة، توجد فيها ثلاث جمعيات تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، ولا يوجد في أي منها تعليم لغة برايل الخاصة بالمكفوفين.
تقول خيرية الكباب، رئيسة جمعية الشمايتين لذوي الاحتياجات الخاصة، لـ “ريف اليمن”، إن الجمعية استقبلت عددا من المكفوفين الراغبين في التعلم، لكنها عجزت عن تقديم خدمة تعليمية لهم بسبب عدم حصولها على دعم لتوفير آلة برايل والأدوات المخصصة لتعليم المكفوفين، رغم سعيها الدؤوب.
عجلان: نتلقى طلبات من أسر في الأرياف لتعليم لغة برايل للمكفوفين لكن ضعف الموارد المالية تحد من قدرتنا على تلبية الاحتياجات
ينطبق الحال ذاته على جمعية ذبحان لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يقول محمد قاسم، رئيس الجمعية، في حديثه لـ”ريف اليمن”: ” تلقت الجمعية طلبات من أكثر من 25 كفيفا للتعلم، لكننا لم نتمكن من توفير التعليم لهم لغياب المعدات والوسائل الخاصة بتعليم لغة برايل”.
ويوضح أن الجمعية تمكنت من توفير فصلان لتعليم المكفوفين إلا أنه ينقصهم الأدوات التعليمية الخاصة بهم، مشيرا إلى أنهم سعوا لتوفيرها من خلال التواصل مع عدة جهات ومنظمات، لكن حتى كتابة التقرير لم يصل لهم شيء.
قصة محمد هي مرآه لقصص الكثير من المكفوفين في الأرياف اليمنية الذين حرمهم غياب تعليم برايل من فرصة التعليم، إذ لا يتوقف أثر غياب التعليم عند حدود الأمية، بل يمتد ليؤثر سلبًا على الحالة النفسية والاجتماعية للكفيف.
آثار نفسية عمقية
رأى أستاذ علم النفس، جمهور الحميدي، إن الحرمان التعليمي يخلّف آثارًا نفسية عميقة لدى المكفوفين، تتمثل في تزايد الضغوط النفسية والشعور بالعجز وعدم الأمان والاستقلالية.
ويضيف في حديثه لـ “ريف اليمن”، أن هذا الحرمان يضع المكفوف في حالة نفسية هشّة، حيث تصبح احتياجاته مكشوفة دون قدرة على حماية خصوصيته أو إدارة شؤونه بنفسه، الأمر الذي ينعكس سلبًا على ثقته بذاته وتوازنه النفسي، مشيرًا إلى أن هذه الآثار تتفاقم بشكل أكبر في الأرياف نتيجة غياب الخدمات التعليمية المتخصصة.
وعن الأثر الاجتماعي تقول الأخصائية الاجتماعية، سوسن رشيد، إن غياب لغة أدوات التواصل التعليمي للمكفوفين في الريف وعلى رأسها لغة برايل يجعلهم يواجهون صعوبة في التفاعل الاجتماعي والاندماج مع المجتمع المحيط بهم الأمر الذي يؤدي إلى انعزالهم مجتمعيًا.
وتتابع حديثها لـ “ريف اليمن”:” كما أن حرمان المكفوفين من التعليم يؤثر على تعلمهم للمهارات الاجتماعية وتحقيق الاستقلالية التي يمنحها التعليم، مما يحد من مشاركتهم في الحياة الوظيفية ويجعلهم في حالة اعتماد دائم على الآخرين”.
فجوة تعليم المكفوفين
يعود الأمين العام للجمعية اليمنية لراعية وتأهيل المكفوفين، ضيف الله عجلان ليؤكد أن معالجة فجوة تعليم برايل في الأرياف تتطلب تدخلات سريعة وواقعية، في مقدمتها تأهيل معلمين مختصين في تعليم لغة برايل، سواء من كوادر الجمعية نفسها أو عبر شراكات فاعلة مع منظمات محلية ودولية، بما يضمن قدرتهم على العمل في المناطق الريفية والنائية.
لافتا أن زيادة التمويل المخصص للمراكز والفروع تمثل خطوة أساسية لتمكينها من توفير آلات برايل والمواد التعليمية اللازمة، إلى جانب تنفيذ مشاريع تعليمية متنقلة وحملات ميدانية تصل بشكل دوري إلى القرى المحرومة من أي خدمات تعليمية متخصصة.
كما يشدد على أهمية تعزيز الشراكات مع وزارة التربية والتعليم والمنظمات الدولية لتوفير المناهج الدراسية بصيغ برايل، بالتوازي مع حملات توعية مجتمعية تستهدف الأسر في الريف، لرفع الوعي بحق المكفوفين في التعليم وتحفيز الطلب عليه.
من جهته يؤكد الأمين العام لجمعية ذبحان لذوي الاحتياجات الخاصة، أن التخفيف من معاناة المكفوفين في التعليم يبدأ بـ توفير أدوات وكتب تعليم برايل بشكل عاجل، إلى جانب تدريب المدربين على تعليم اللغة واستخدام التقنيات المساعدة.
ويضيف في حديثه لـ “ريف اليمن” أن تطوير المناهج التعليمية بما يتلاءم مع احتياجات المكفوفين يُعد ضرورة ملحّة، إلى جانب توفير التكنولوجيا المساعدة، مثل قارئات برايل الإلكترونية وأجهزة الحاسوب المزوّدة ببرامج ناطقة.
داعيا إلى توفير الموارد المالية واللوجستية، والعمل المشترك مع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وتوسيع الفرص التعليمية والتدريبية للمكفوفين، بما يضمن دعمهم في تحقيق طموحاتهم والاندماج الكامل في المجتمع.