الخميس, فبراير 19, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 91

الزراعة في تهامة.. سلة اليمن الغذائية لا تُشبع أبنائها من جوع

الزراعة في اليمن

ما إن ينبثق ضوء الصباح حتى تبدأ “أم احمد” بحزم امتعتها متجهة للعمل في احدى مزارع البن والتي تبعد ما يقارب إثنين كيلوا متر عن منزلها الريفي في مديرية “بُرع” بمحافظة الحديدة (غرب اليمن).

وتعد زراعة البن اليمني أولى الاهتمامات اليومية لـ”أم أحمد” التي تعيش في منتصف الاربعينات من عُمرها، فحصولها على كميات أكثر في الموسم الحالي في ظل استقرار سعر البن يسعدها كثيرا ويجعلها تؤمن مال يمنحها جزء من الأمان المعيشي بشكل نسبي لمدة قصيرة.

وللحصول على أفضل محصول للبن من حيث الكم والجودة يتطلب جهد عدد من افراد الأسرة لمدة تزيد عن ستة أشهر كما تقول “ام احمد”، لكنها في ذات الوقت تشكو من سلسلة من المشاكل تواجهها منذ بدء الحرب في البلاد قبل ست سنوات.

محمية “بُرع”

لا يعرف كثير من اليمنيين عن الزراعة في “محمية بُرع” حيث ظلت بمثابة غابة كبيرة تملؤها الأشجار، وتسكنها الحيوانات الأليفة والمفترسة، حتى جرى الإعلان عنها رسمياً كمحمية برية طبيعية في يناير 2006، وتقع في السفوح الغربية التهامية، شمال شرق محافظة الحديدة المطلة على ساحل البحر الأحمر، على بعد حوالي 50 كيلومتر، وترتفع محمية برع حوالي 300 – 800 متر عن مستوى سطح البحر.

يصل عدد الأنواع النباتية التي تنمو في أراضي محمية بُرع حوالي 315 نوعاً تتبع 83 فصيلة و209 أجناس، منها 8 أنواع متوطنة بالمحمية، ولا توجد في أي مكان آخر وتمثل 10% من النباتات في اليمن، وتبلغ مساحة محمية غابة بُرع حوالي 4,287 ألاف هكتار.

ومحافظة الحديدة أو ما يُعرف بـ “وادي تهامة” تعتبر “سلة غذاء اليمن” حيث تنتج غالبية المحاصيل من الخضار والفواكه والحبوب والبقوليات، لكنها تعيش وضع إنساني سيئ جراء الحرب، وتتوسع فيها المجاعة والفقر، رغم الجُهد الكبير الذي يبذله المواطنون في الزراعة.

قالت أم أحمد “ترتفع أسعار المواد الغذائية والاسمدة وغيرها من حاجاتنا الأساسية وعائدات حصادنا من البن لا توفر لنا كل هذا، حيث مازال السعر الذي نبيع به مستقر وينخفض في كثير من الأحيان سعر البن رغم جودته والطلب عليه عالمياً”.

ويواصل البن هبوطه المعتاد ليصل سعر ك/جم من 3000 الى 2100 ريال يمني (ما يعادل اقل من 5 دولار أمريكي)، ما يجعل من اقتلاع شجرة البن امر وارد في بعض المناطق بسبب عدم مقدرتهم على تحمل تكاليف الزراعة والعائد المادي المتراجع، وخاصة خلال السنوات الماضية.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، تقلصت مساحة زراعة البن اليمني من 33,959 ألف هكتار الى 33,544 ألف هكتار خلال عامين بفارق مقداره 415 هكتار من الأراضي الزراعية.

وسبق أن أعلنت وزارة الزراعة استراتيجية تتضمن رفع إنتاجية وتحسين جودة البن وصولا بصادراته الى 50 ألف طن بحلول 2025، وتبنت انتاج مليون شتلة بن خلال الموسم الزراعي 2019- 2020م، كما أصدرت قرار بمنع استيراد البن لتشجيع مزارعيه وزيادة انتاجه وبما يساهم في دعم الاقتصاد الوطني.

ويعتمد غالبية مزارعي البن اليمني على الامطار الموسمية الامر الذي يقلل من انتاج وجودة البن إضافة الى عدم قدرة المزارع على توفير الآلات الحديثة التي تساعد على انتاجه بما يتناسب مع متطلبات الأسواق العالمية، بالإضافة إلى أن الحرب التي تعيشها البلاد ضاعفت معاناتهم.

أوبئة وآفات بلا مكافحة

وهناك تحديات عديدة تواجه المزارع اليمني منها طبيعية كحشرات “المّن” و”حفار اغصان الأشجار” (حشرات تأكل المحصول) وغيرها من الآفات الا ان اكثرها خطورة “المن الأسود” والذي تتجمع بكميات كبيرة على أوراق وثمار وسيقان النبات، بالإضافة إلى مشاكل أخرى تواجه المزارعين.

وقال مصدر في وزارة الزراعة – طلب عدم الكشف عن اسمه – “إن البن اليمني يمر بأسوأ مرحلة منذ اكتشافه في عملية غش تتم عن طريق خلطه مع بن مستورد اقل جوده مما يؤثر على سمعة وسعر البن اليمني، إضافة الى تهريب بذوره الاصلية لبلدان أخرى وسيطرة نافذين على سعره محليا رغم أسعاره الباهظة عالميا”.

وأضاف المصدر “ثمة تحديات كثيرة تواجه القطاع الزراعي في اليمن بشكل عام والحديدة بشكل خاص ومن أهمها غياب الجانب الحكومي بشقيه والمتمثل بتقديم الدعم اللازم للمزارعين من حيث المعدات وأدوات الري الحديثة للوصول الى اعلى مستوى في الإنتاج ومكافحة استيراد المبيدات الغير قانونية والتي تتسبب بكوارث بيئية وإنسانية من جهة اخري”.

وأنعشت سنوات الحرب التهريب بشكل عام، وفي مجال الزراعة يمتلئ السوق بكثير من الأسمدة والمبيدات الضارة، والتي يستخدمها المزارعون وتعمل على اتلاف محاصيلهم أو تقليل جودتها وإصابة الأشجار بأمراض عضوية، ويتكبدون خسائر بشرائها وإتلاف محصولهم.

ووفقا لإحصائيات رسمية تم استيراد ما يزيد عن 4.036.011 طن سماد صلب، فيما بلغ كمية السماد السائل 147,332 لتر خلال شهر ديسمبر من العام المنصرم 2020، بخلاف الأطنان الأخرى التي تدخل عن طريق التهريب.

الزراعة في تهامة
زراعة البن في برع (منصة ريف اليمن)

أزمات الزراعة في تهامة

يعاني المزارع اليمني من مصاعب وتحديات كثيرة تثقل كاهله بشكل مستمر في ظل أزمات متتالية وكوارث طبيعية وأوضاع اقتصادية صعبة تعيشها البلاد منذ بداية الحرب في العام 2015، وتتركز الازمات المتتالية في قطاع الزراعة بسهل تهامة في ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والبذور والاسمدة وقلة الامطار في مواسم الزراعة، واسراب الجراد.

ويقول “مصلح ثابت” (55 عام) – مزارع بمديرية بُرع – “أحيانا تتلف المحاصيل علينا بسبب عدم توفر الديزل، حيث يصعب على المزارع شراءه من السوق بسبب أسعاره الباهظة وأحيانا يكون غير متوفر بأي سعر، وهذا ما يجعل المزارع يعيش مغامرة سنوية لا يعرف نتائجها”.

ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، يستورد اليمن أكثر من 90 بالمائة من الحاجات الأساسية للإنتاج، ويعاني أكثر من 17 مليون يمني يمثلون ما يقرب من ثلثي السكان، انعداماً حاداً للأمن الغذائي، مع تجريف الحرب لسبل العيش والتغذية.

ويقدر انتاج محافظة الحديدة 40% من احتياجات اليمن في مختلف المحاصيل الزراعية والحيوانية، ويبلغ اجمالي المساحة المزروعة بالمحافظة 251.098 هكتار تتوزع في زراعة الحبوب والخضروات والفواكه والبقوليات والاعلاف، وفق تقارير رسمية.

وخسرت الزراعة في محافظة الحديدة خلال السنوات الماضية، ما يزيد عن مليون نخلة من اجمالي 2 مليون و200 ألف نخلة في حين يبلغ عدد أشجار النخيل في اليمن حوالي 4.680 مليون نخلة منها 67% أشجار مثمرة، بحسب احصائيات صادرة عن وزارة الزراعة.

وتنشط الأسواق السوداء منذ اندلاع الحرب عام 2015، فيما تواصل أسعار المشتقات النفطية بالصعود لأعلى مستوى ليصل سعر 20 لتر من الديزل 12000 ألف ريال يمني فيما سعر الكمية نفسها من البترول 18 ألف ريال يمني (الدولار 602) ما يجعل من خسارة الأراضي الزراعية امر محتوم.

وتكبد المزارع التهامي خسائر فادحة إثر اسراب الجراد الموسمية والتي ساعد المناخ على زيادة اعدادها، ويصل عدد اسراب الجراد في كيلو متر مربع ما بين 40- 80 مليون جرادة ماي جعل من سرب صغير كهذا التهام خلال يوم واحد ما يكفي لإطعام 35 ألف شخص.

الزراعة في تهامة
الزراعة في تهامة غربي اليمن (هلال المرقب/ منصة ريف اليمن)

الحصول على المياه.. مهمة يومية شاقة للمواطنين

الحصول على المياه.. مهمة يومية شاقة للمواطنين
مواطنون في ريف إب ينقلون الماء على الحمير مسافات طويلة (منصة ريف اليمن)

على بعد مسافات طويلة من قرية (سَنب) الواقعة في مديرية السياني بمحافظة إب (وسط اليمن) يتجمع العشرات من المواطنين بينهم أطفال ونساء أمام منبع للمياه (عين طبيعية) أملا في الحصول على الماء في مشهد يومي يعكس حجم الكارثة التي يعاني منها المواطنين نتيجة انقطاع مشروع المياه الحكومي.

“أحمد ناجي” -وهو أحد سكان القرية- يقول “للحصول على مياه صالحة للشرب علينا أن نسابق شروق الشمس، وأن نقطع مسافات طويلة للوصول إلى ذلك المكان الذي يبعد مسافات طويلة عن قريتنا للحصول على المياه، قبل انقضاء الفترة المحددة التي يتوفر فيها الماء في المنبع”.

وأضاف لـ“ريف اليمن”، “بأن فترة خروج الماء من المنبع لا تتجاوز أكثر من ساعة واحدة في اليوم ومن ثم يعود إلى الانقطاع إلى يوم آخر فيحرم غالبية المواطنين من الحصول على مياه صالحة للشرب”.

وإلى جانب صعوبة تأمين متطلبات الحياة اليومية يعاني المواطنون في ريف محافظة إب، من صعوبة الحصول على المياه بشكل عام والمياه الصالحة للشرب على وجه الخصوص، بالإضافة إلى توقف مشروع المياه الحكومي عن غالبية المناطق الريفية منذ اندلاع الحرب في اليمن.

 المياه وأزمة الوقود

وتعاني كثير من المحافظات من أزمة وقود خانقة، وخلال الفترة الماضية تضاعفت الأزمة بشكل غير مسبوق في محافظة إب، وكانت لها انعكاسات سلبية على مختلف مجالات الحياة، وتضاعفت أسعار صهاريج المياه إلى أضعاف ما كانت عليه سابقا.

ومع استمرار أزمة الوقود فإن شريحة كبيرة من سكان المناطق الريفية غير قادرون على شراء المياه نظرا لارتفاع أسعارها مقارنة بدخل المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر خصوصا في ظل انعدام فرص العمل، وانقطاع الرواتب الحكومية منذ نحو أكثر من أربع سنوات.

يقول سكان بريف إب بأن تكلفة صهاريج المياه وصل ببعض المناطق الريفية التي تبعد مسافات قصيرة عن المدنية إلى نحو30 ألف ريال يمني (أي ما يعادل نحو 50 دولار أمريكي بسعر صنعاء) بينما وصلت ببعض المناطق البعيدة إلى الضعف، في ظل عدم مقدرة غالبية السكان على تحمل هذه التكلفة.

وبالنسبة لهذه الأسعار فهي للمياه العادية التي تستخدم للغسيل والاغراض الأخرى اليومية للسكان، فيما يختلف الوضع فيما يخص المياه الصالحة للشرب، فهي معاناة أخرى حيث يعتمد السكان في الريف عن العيون الطبيعة النقية، لكنها ليست متوفرة في غالبية المناطق والتجمعات السكنية.

الحصول على المياه.. مهمة يومية شاقة للمواطنين
الحصول على المياه مهمة شاقة في الريف (هلال المرقب/ ريف اليمن)

انقطاع شبكة المياه الحكومية

وتسببت الحرب بانقطاع شبكات المياه الحكومية، في العديد من المحافظات والمدن وعلى وجه الخصوص في المناطق الريفية، حيث أدى الإهمال وارتفاع أسعار مادة الديزل إلى انقطاع شبكات المياه المتواجدة في غالبية المديريات بريف إب خلال السنوات الماضية، ومازالت مستمرة حيث عادت بشكل جزئي في المدن الرئيسية.

لا تكترث السلطات في محافظة إب لصيانة شبكة المياه وإعادة تشغليها، في الوقت التي تبرز عوائق أمامها أيضا، وأرجع مسؤول حكومي سابق في مؤسسة المياه في المحافظة السبب في توقف شبكات المياه عن معظم المديريات والمناطق الريفية إلى “الإهمال المتعاقب من قبل الجهات الحكومية بالإضافة إلى المشاكل الإدارية في إدارة المشاريع، والفساد المالي”.

وأضاف المسؤول – الذي طلب عدم الكشف عن هويته – “بأن غالبية المسؤولين في مشاريع المياه بالمحافظة يحاولون الثراء على حساب المواطنين في الوقت الذي يعيش فيه المواطن الريفي أوضاع إنسانية قاسية بفعل الحرب المدمرة”.

وفيما يتعلق بمشاريع المياه التابعة لمستثمرين في المحافظة توقفت بعضها نتيجة لتراكم الديون لدى المواطنين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن سداد فاتورة المياه بعد أن أثقلت كاهلهم تبعات الحرب وأصبحوا غير قادرين على توفير لقمة العيش لأفراد أسرهم في بلد تعصف به الحرب منذ سنوات.

ويعتمد غالبية سكان المناطق الريفية على مياه الأمطار الموسمية ومع تراجع كمية هطول الأمطار خلال السنوات الماضية تضاعفت معاناة المواطنين خصوصا في المناطق الجبلية التي تبعد مسافات طويلة عن آبار المياه.

وبصرف النظر عن نسبة الاعتماد على مياه الأمطار فإن المخاوف ماتزال حاضرة بين أوساط المواطنين من انتشار بعض الأمراض مثل “البلهارسيا” وحمى الضنك، والكوليرا وغيرها من الأمراض الناجمة عن تلوث المياه خصوصا وأن غالبية سكان المناطق الريفية يفتقرون إلى أبسط الأشياء التي من شأنها تعقيم وحفظ المياه من التلوث.

في العام 2019 كانت المناطق الريفية بمحافظة إب من أكثر الأماكن تضررا من تفشي وباء الكوليرا التي حصدت أرواح العشرات من المواطنين في مديريات مختلفة من ريف المدنية كان من أبرزها العدين، والسبرة، والسياني، في ظل تردى الأوضاع الصحية في المستشفيات والمراكز الصحية في المحافظة.

الحصول على المياه.. مهمة يومية شاقة للمواطنين
المياه بريف إب

صعوبة الوقاية من الأوبئة

منذ بدء تفشي فيروس كورونا منتصف العام الماضي يخشى المواطنون في ريف إب من انتشار فيروس كورونا في ظل بيئة صحية تفتقر إلى أبسط المقومات للحياة ومن ضمنها “الماء”، ناهيك عن توفر المراكز صحية.

وفي ظل أزمة المياه يتساءل المواطنون في ريف إب عن الطريقة التي يستطيعون من خلالها حماية أنفسهم من الإصابة بالفيروس في ظل شح المياه التي لا تكاد تكفي لغسل الأيدي وللقيام بأبسط أساسيات النظافة.

ومع استمرار إعلان السلطات الصحية في الحكومة المتعرف بها دوليا عن تسجيل إصابات جديدة بفيروس كورونا في المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، فإن المخاوف لدى سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تتضاعف خصوصا في المناطق الريفية التي تعاني من شح المياه وصعوبة الحصول على مياه الشرب والاستخدام المنزلي منذ سنوات.

ولعل أساس المشكلة التي فاقت معاناة المواطنين وتسببت بحرمان مئات المواطنين من الحصول على المياه الصالحة للشرب هو استمرار الحرب في اليمن التي كانت لها انعكاسات سلبية على مختلف جوانب حياة المواطنين.

وفقاً لتقدير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) فإن نحو 16 مليون يمني، لا يحصلون على المياه النظيفة، وتعاني البلاد من محدودية الوصول إلى المياه حتى قبل الأزمة التي تعيشها البلاد، إذ أن وصول السكان إلى المياه النظيفة بلغ 51 بالمائة، وهي النسبة التي انخفضت في ظل الحرب.