الخميس, فبراير 26, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 2

البحث عن الكنوز.. مغامرات تدمّر الحياة والتراث

على امتداد الجغرافيا اليمنية، تقف المواقع الأثرية شاهدة على تعاقب حضارات ضاربة في القدم، غير أن هذه الشواهد التاريخية تحولت في السنوات الأخيرة إلى مسرح لعمليات تنقيب عشوائية عن الكنوز المدفونة مدفوعةً بالفقر، تنتهي في كثير من الأحيان بخسائر بشرية وتدمير لا يمكن إصلاحه.

ومع تردي الأوضاع الاقتصادية وانعدام فرص العمل؛ اندفع كثير من الشباب إلى البحث عن بدائل، ولو كانت محفوفة بالمخاطر، كالتنقيب عن الذهب المدفون والدفائن في الجبال والمواقع الأثرية، التي باتت بالنسبة للبعض خيارا أخيرا للبقاء.

يقول مدير عام الهيئة العامة للآثار والمتاحف – فرع تعز، “محبوب الجرادي”، إن الحفر العشوائي عمل تخريبي يمارسه ضعاف النفوس وهواة البحث عن الكنوز، مشيرا إلى أن الظاهرة تنامت مع تدهور الأوضاع العامة في البلاد.


مواضيع مقترحة

آثار تهامة تحت رحمة هواة التنقيب العشوائي

 شبوة.. موطن 3 ممالك يمنية قديمة الأكثر شهرة

ذهب حجة.. كنز محفوف بالموت


يحذر الجرادي، في حديثه لـ”ريف اليمن”، من أن هذه الممارسات تؤدي إلى خلط الطبقات التاريخية وتدمير السياق الأثري، وهو ما يفقد المواقع قيمتها العلمية، ويصعّب على الباحثين لاحقا دراسة التسلسل الزمني للمكان أو فهم دلالاته الحضارية.

ويرجع أسباب تفشي الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها ضعف الوعي المجتمعي بأهمية هذه المواقع التي تمثل حقبًا زمنية من تاريخ اليمن العريق، وعدم تفعيل القوانين الرادعة، وهشاشة الإطار التشريعي المنظم لحماية الآثار، إلى جانب الفقر والبطالة اللذين يدفعان البعض إلى المخاطرة بتاريخ البلاد بحثًا عن الكنوز دون مسؤولية.

ودعا الجرادي المواطنين إلى عدم التورط في مثل هذه الأعمال التخريبية والخطيرة، ومساندة الجهات المختصة عبر الإبلاغ عن أي نبش أو عبث بالمناطق الأثرية، مؤكدًا أن حماية التراث مسؤولية جماعية، خاصة في ظل الظروف الراهنة.

آثار حفر وتنقيب عن كنوز مزعومة في محافظة تعز

تنتشر المواقع الأثرية في مختلف أرجاء اليمن، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. وفي يوليو/تموز 2025 أدرجت منظمة اليونسكو 26 موقعًا أثريًا وطبيعيًا ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي، ليرتفع عدد المواقع اليمنية المدرجة إلى 35 موقعًا ومحمية طبيعية.

يعتمد المنقبون الهواة على أدوات بدائية أو أجهزة تقليدية، ويقضون ساعات طويلة في الحفر تحت ظروف قاسية، مدفوعين بأمل العثور على كنز يغيّر حياتهم. غير أن معظم المحاولات تنتهي بالفشل، أو بإصابات جسدية، أو بإحباط نفسي عميق.

“محمد سليم (28 عاما)”، يعيل أسرة مكوّنة من خمسة أفراد، يروي تجربته لـ”ريف اليمن” قائلا: “كنا نقطع مسافات جبلية وعرة ليلا تقدر بخمسة كيلومترات، حاملين معدات الحفر ومولدا كهربائيا، بحثا عن الكنوز”.

ويضيف: “كنا نحفر دون دليل دقيق، مستندين إلى تحليلات تعلمناها من بعض المهتمين. في البداية كان الحماس يدفعنا، لكن مع الوقت أدركنا أننا نبحث عن سراب. أصبت بإحباط شديد أثر علي نفسيا بشكل بالغ”.

ويتابع ناصحا: “أنصح الجميع بعدم الانخراط في مثل هذه الأعمال، لأن المخاطر كبيرة، والنتائج غالبًا محبطة”.

أما الحاج “عبد الله (55 عاما)”، فيقول إنه صنع جهازا نحاسيا لرصد المعادن، وتنقل بين عدة مواقع محاولا قراءة النقوش والإشارات القديمة، مضيفا: “كنا نظن أن الأمر مسألة وقت فقط لكن لم يكن بهذه السهولة”.


“تنص المادة (38) على معاقبة من يجري أعمال حفر وتنقيب دون ترخيص بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين أو بغرامة لا تقل عن 30 ألف ريال، أو بالعقوبتين معًا”.


ورغم إخفاق معظم المحاولات، يرى بعض الشباب في هذه المغامرات متنفسا نفسيا يمنحهم شعورا مؤقتا بالأمل في واقع اقتصادي ضاغط، وتشير تقارير محلية إلى تعرض مواقع أثرية في عدد من المحافظات لعمليات حفر وعبث متكررة، بعضها يتم بأدوات بدائية، وأخرى تقف خلفها مجموعات تستغل ضعف الرقابة.

لم تتوقف المخاطر عند التعب النفسي والجسدي، بل أصبح التنقيب العشوائي سببا في حوادث مميتة، إذ دفع البعض حياتهم ثمنا لهذه المغامرات، نتيجة انهيارات صخرية أثناء الحفر، أو لدغات ثعابين سامة، أو مخاطر طبيعية داخل المغارات.

محمد مزهر الزيلعي، أحد ضحايا الكنوز المدفونة حيث وجدته أسرته متوفىً بعد انهيار كومة ترابية عليه أثناء الحفر على عمق خمسين مترا في إحدى قرى تعز، بعد أن استمر في الحفر بجوار منزله لمدة شهر كامل.

وفي العام الماضي، أودت صخرة بحياة أحد المنقبين في قرية خربة بمديرية ميفعة عنس، أثناء قيامه بالحفر أسفلها مباشرة بعد أن لاحظ بعض النقوش الحميرية، ولقي حتفه قبل وصول المساعدة.

إلى جانب المخاطر الجسدية، يواجه المنقبون تبعات قانونية، وبحسب المحامي والناشط الحقوقي “رشيد البرطي”، فإن قانون الآثار اليمني يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 50 ألف ريال كل من يهرّب آثارًا إلى خارج البلاد وفقا للمادة (37).

ويضيف: “كما تنص المادة (38) على معاقبة من يجري أعمال حفر وتنقيب دون ترخيص بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين أو بغرامة لا تقل عن 30 ألف ريال، أو بالعقوبتين معًا”.

ويحرم قانون المناجم والمحاجر رقم (24) لسنة 2002، التنقيب عن الذهب باعتبار ملكيته للدولة، وتنص المادة (30) من هذا القانون على أنه “لا يجوز لأي شخص طبيعي أو اعتباري البحث أو الكشف أو الاستغلال أو المتاجرة، بالمعادن أو مواد الصخور الصناعية والإنشائية قبل الحصول على إذن بذلك…”، لكن القانون يظل حبرًا على ورق، والتنقيب مستمر بلا ضوابط.

يرى مختصون أن استمرار البعض في التنقيب لا يرتبط فقط بالرغبة في الثراء، بل بمحاولة الهروب من واقع اقتصادي قاس، تمنحهم المغامرة شعورا مؤقتا بالأمل والسيطرة، لكنها غالبا ما تنتهي بخيبة أمل مضاعفة.

ونتيجة لضعف الاهتمام وغياب الأجهزة الرقابية، يستمر بعض الشباب في عالم التنقيب، ليس بحثا عن الذهب فحسب، بل كملجأ نفسي للهروب من الواقع المأساوي والفقر المتفاقم، كما يقولون، متخذين من المغامرات متنفسًا مؤقتًا يمنحهم شعورا بالتحكم في حياتهم، ويخفف شعورهم بالحرمان والتعب.

زراعة التفاح: كيف تزيد الإنتاج وما هي أفضل الظروف المناخية؟

يُعد التفاح من أهم أشجار الفاكهة المزروعة في المرتفعات اليمنية، وبدأت زراعته بشكل منظم منذ ثمانينيات القرن الماضي، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، حيث تتركز زراعته في محافظات صعدة، عمران، صنعاء، وذمار، لتوفر الظروف المناخية المعتدلة والباردة الملائمة لنموه في هذه المحافظات.

وبحسب إحصاءات الوزارة لعام 2023م، فقد بلغت المساحة المزروعة بالتفاح نحو 2,259 هكتاراً، بإنتاج يقدر بحوالي 22,554 طناً، ما يعكس أهميته الاقتصادية والغذائية، خاصة في المناطق الجبلية التي تمثل بيئة مثالية لهذا المحصول.

خصائص شجرة التفاح وإنتاجيتها

التفاح شجرة متوسطة الحجم ومتساقطة الأوراق، تبدأ بالإثمار بعد سنتين إلى ثلاث سنوات من الزراعة، ويصبح إنتاجها اقتصادياً اعتباراً من السنة الرابعة، ويتراوح إنتاج الشجرة البالغة بين 40 و80 كجم بحسب الصنف ومستوى الإدارة الزراعية.

وتميل الشجرة إلى ظاهرة “تبادل الحمل”، حيث تعطي إنتاجاً غزيراً في سنة، يعقبه انخفاض في السنة التالية، ما يستدعي تطبيق برامج تقليم وتسميد متوازنة للحد من هذه الظاهرة وتحقيق استقرار في الإنتاج.


مواد ذات صلة

– السكون الشتوي وساعات البرودة للأشجار متساقطة الأوراق
–  أسباب تشقق ثمار البطيخ؟
–  ما أسباب إصابة الحيوان بالصرع؟

مرحلة الإزهار والتلقيح

يبدأ الإزهار عادة من أواخر فبراير، ويبلغ ذروته في مارس، وقد يمتد إلى أوائل أبريل في المناطق الأعلى ارتفاعاً، وتحتاج معظم أصناف التفاح إلى التلقيح الخلطي، أي زراعة صنفين متوافقين في نفس الحقل لضمان عقد جيد للثمار.

ويُعد النحل العامل الأساسي في نجاح عملية التلقيح، إذ إن وجود خلايا نحل داخل المزرعة يسهم في رفع نسبة العقد وتحسين جودة الثمار، وفق ما يسير إليه الخبير المختص في منصة ريف اليمن محمد الحزمي.

المتطلبات البيئية الأساسية

1) البرودة الشتوية

يحتاج التفاح إلى عدد كافٍ من ساعات البرودة الشتوية (أقل من 7°م) لضمان تكوين أزهار قوية، وتُصنَّف الأصناف وفق احتياجها للبرودة كما يلي:
– قليلة البرودة (200–400 ساعة): تناسب ارتفاع 600–900 متر.
– متوسطة البرودة (400–800 ساعة): تناسب 900–1200 متر.
– عالية البرودة (أكثر من 800 ساعة): تناسب المرتفعات الأعلى.

تنبيه: زراعة صنف غير مناسب لارتفاع المنطقة يؤدي إلى ضعف التزهير، وقلة العقد، وتساقط الأزهار، وتدني جودة الثمار.

2) درجات الحرارة

أفضل درجة حرارة للإزهار والعقد لا تتجاوز 20°م، فيما تتراوح الدرجة المثلى لنمو الثمار بين 18 و30°م، ويُعد الشتاء الدافئ من أبرز أسباب فشل الإنتاج حتى وإن بدت الأشجار بحالة خضرية جيدة.

3) الأمطار والري

ينجح التفاح في المناطق التي يزيد معدل أمطارها السنوي عن 600–700 ملم، شريطة توفر تصريف جيد للمياه، كما أن الإفراط في الري أو سوء الصرف يؤدي إلى تشقق الثمار، وضعف النمو، وتساقط الثمار الصغيرة.

4) التربة

أفضل أنواع التربة لزراعة التفاح هي الطينية الخفيفة، العميقة، جيدة الصرف، وأما الأراضي الثقيلة سيئة التصريف فتسبب اختناقات جذرية ومشكلات إنتاجية واضحة.

تبدأ شجرة التاح بالإثمار بعد 2–3 سنوات من الزراعة

توصيات عملية للمزارع

قبل التوسع في زراعة التفاح، يُنصح بالتأكد من:
– اختيار الصنف الملائم لارتفاع المنطقة.
– توفر ساعات البرودة الكافية.
– إدخال خلايا نحل خلال فترة الإزهار.
– الزراعة في تربة جيدة الصرف.
– إدارة ري متوازنة دون إفراط.

مما سبق نجد أن التفاح محصول واعد في اليمن، خاصة في المرتفعات، إلا أن نجاحه يعتمد على التخطيط السليم واختيار الصنف المناسب وإدارة العمليات الزراعية.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

أزمة مياه تعز تهدد الأجيال.. ماهي الحلول الإستراتيجية؟

أزمة مياه تعز تهدد الأجيال.. ماهي الحلول الإستراتيجية؟
صورة جوية لوداي الضباب غربي مدينة تعز اليمنية (أكرم الحميدي)

تتصدر أزمة المياه في تعز مشهد المعاناة في المدينة الأكثر كثافة سكانية في اليمن، وتبرز مستجدات مختلفة لشحة المياه كل مرة، لكنها سرعان ما تعود إلى الواجهة وهذا ما يستدعي البحث عن حلول إستراتيجية.

وأعلن وزير المياه والبيئة المهندس توفيق الشرجبي عن مساعٍ حكومية لتأمين تمويل بقيمة 20 مليون دولار من صندوق التكيف المناخي لصالح حوض وادي الضباب، ضمن جهود وضع معالجات جذرية ومستدامة لأزمة المياه المتفاقمة في تعز.

يقع حوض وادي الضباب غربي مدينة تعز (على بعد نحو 3كيلو) ويُعتبر من أهم المناطق التي تُزوّد المدينة بالمياه عبر أنظمة حصاد مياه الأمطار، وللاستفادة المثلى من المياه تحتاج سياسات استراتيجية تشمل إعادة تغذية المياه الجوفية والإنتاج الزراعي المستدام.


مواضيع مقترحة


وكانت ازمة مياه تعز على طاولة النقاش في لقاء موسع ناقش الحلول الاستراتيجية للأزمة، بحضور حكومي ومسؤولين بالسلطة المحلية، نظمها مركز الإعلام الاقتصادي (منظمة محلية) في مدينة تعز.

مياه تعز والحلول الإستراتيجية

تؤثر أزمة المياه في تعز على أكثر من 600 ألف نسمة، في ظل تراجع تغطية شبكة المياه إلى أقل من 29 بالمائة، وفق وزير المياه الشرجبي، الذي أكد التزام الحكومة بوضع ملف مياه تعز في صدارة أولوياتها.


وزير المياه توفيق الشرجبي: مشروع تحلية مياه البحر من مدينة المخا يمثل الحل الاستراتيجي طويل المدى لأزمة تعز


وقال وزير المياه والبيئة “إن مشروع تحلية مياه البحر من مدينة المخا يمثل الحل الاستراتيجي طويل المدى لأزمة تعز، وأن الوزارة تعمل على إعادة إحياء المشروع بالتنسيق مع الجانب السعودي”.

وفي مداخلة عبر الإنترنت خلال اللقاء، قال الشرجبي “أن أزمة المياه في تعز لم تعد مجرد تحدٍ خدمي، بل تحولت إلى قضية أمن إنساني واستقرار اجتماعي وتنمية اقتصادية، لا تحتمل مزيداً من التأجيل”.

وبدأت الحكومة بإعداد أبحاث متخصصة تشمل دراسة الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM)، ودراسة البنية التحتية لإمدادات المياه الطارئة، ودراسة الاستشعار عن بُعد لمراقبة المخزون الجوفي، ودراسة تقييم الهشاشة المناخية لمواجهة آثار التغير المناخي.

أزمة مياه تعز تهدد الأجيال.. ماهي الحلول الإستراتيجية؟
وزير المياه والبيئة توفيق الشرجبي، خلال اللقاء الموسع في تعز بشأن أزمة المياه الثلاثاء 17 فبراير 2026 (الإعلام الاقتصادي)

شرعت وزارة المياه في إعداد هذه الدراسات بالشراكة مع منظمة اليونيسف تخصصية، وأكد الوزير الشرجبي أنها “ستمثل مرجعية للتدخلات المقبلة”.

ورأى محافظ تعز نبيل شمسان أن أزمة المياه تحتاج “مسار تشاركي دائم يقوم على توحيد الجهود، وصولاً إلى وضع معالجات جذرية ومستدامة تنهي معاناة أبناء المحافظة الذين أرهقتهم الأزمة”.

معالجة الأزمة جذرياً تكمن في تبني حلول استراتيجية مستدامة، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر، وفق المحافظ شمسان الذي أعتبره “الخيار الواقعي والآمن لضمان مصدر مائي ثابت بالتوازي مع تنفيذ معالجات طارئة لتأمين مصادر إضافية وتخفيف حدة المعاناة الراهنة”.

مشروع تحلية مياه البحر

وبدأ التخطيط لمشرع تحلية مياه البحر في المخا قبل 20 عاماً، لإنشاء محطة تزود مدينة تعز بالمياه، وتم الإعلان عن تنسيق مع السعودية في بداياته وكانت تكلفته تقدر بنحو إثنين مليار دولار، لكن التنفيذ تعثر بسبب الفساد وسوء الإدارة.

ودعا محافظ تعز نبيل شمسان، لإحياء مشروع محطة تحلية المياه الذي أُنجزت دراساته بشكل متكامل في مراحل سابقة، وقال: “أن السلطة المحلية تبذل جهوداً مع مختلف الجهات لإعادته مسار التنفيذ باعتباره الحل المستدام الذي سيُنهي معاناة تعز من العطش”.


شوقي هائل: يجب العمل بروح الفريق الواحد لإنقاذ ملايين السكان من أزمة وجودية تهدد مستقبل الأجيال


وتجاوزت أزمة المياه كونها مشكلة طارئة بتعز وأصبحت تهديداً حقيقياً للاستقرار الاقتصادي والصحي والاجتماعي بدوره، وفق محافظ تعز الأسبق ورجل الاعمال شوقي أحمد هايل، الذي دعا إلى “تبني حلول جذرية تنهي المعاناة المزمنة”.

وقال شوقي هائل “إن الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهائها يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار ووحدة في الموقف، وأن تحلية مياه البحر تمثل خياراً استراتيجياً واقعياً ومستداماً لتأمين مصدر آمن وثابت”.

وسبق أن وصل مشروع تحلية مياه البحر إلى مراحل متقدمة بالتنسيق مع الجهات المعنية -وفق رجل الأعمال شوقي هائل- الذي دعا إلى تفعيل الملف مجدداً بالتعاون مع الجهات المختصة والمانحين، والعمل بروح الفريق الواحد “لإنقاذ ملايين السكان من أزمة وجودية تهدد مستقبل الأجيال”.

قضية أمن إنساني

من جانبه اعتبر رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي مصطفى نصر “أن أزمة المياه في تعز تحولت إلى قضية أمن إنساني وتنمية شاملة، تتطلب انتقالاً من الحلول المؤقتة إلى التخطيط الاستراتيجي المبني على أسس علمية”.

يحتاج ذلك إلى بناء توافق مؤسسي ومجتمعي حول أولويات واضحة -وفق مصطفى- “تشمل مشاريع التحلية، وإنشاء السدود والحواجز المائية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص”.


مصطفى نصر: أزمة المياه في تعز تحولت إلى قضية أمن إنساني وتنمية شاملة تتطلب انتقالاً من الحلول المؤقتة إلى التخطيط الاستراتيجي


وعن المعوقات التي تواجه أزمة مياه تعز، قال مدير عام فرع مؤسسة المياه والصرف الصحي بتعز وثيق الأغبري “إن محدودية المصادر وتضرر البنية التحتية وارتفاع كلفة التشغيل تمثل أبرز المعوقات”.

وارتفعت معدلات السحب من المياه الجوفية معدلات التغذية الطبيعية، ما أدى إلى استنزاف المخزون المائي وتباعد فترات الإمداد، وفق ما قال مدير فرع الهيئة العامة للموارد المائية بتعز أحمد شمسان.

الحلول الاستراتيجية للأزمة -وفق شمسان- تشمل حصاد مياه الأمطار، والتغذية الاصطناعية للأحواض، وتحلية مياه البحر باستخدام تقنيات حديثة واستخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية لدعم هذه التوجهات.

رمضان في ريف اليمن: تكافل اجتماعي وأهازيج تراثية

يتميز شهر رمضان المبارك في القرى الريفية في اليمن بعادات وتقاليد فريدة تتمثل باستقبال الشهر الكريم بأدعية وتسابيح مختلفة، بالإضافة لقيام النساء في المنازل والرجال في الأحياء بحملات نظافة واسعة، ويجتمع الصائمون على موائد الإفطار في المساجد بدلا من المنازل.

كما تتبادل النساء أطباق الطعام، ويدعو الرجال ضيوفهم للمائدة كنوع من التآلف المجتمعي وتجسيد قيم التكافل الاجتماعي الذي يرسم ملامح الطقوس الرمضانية، أما الأطفال فلهم طقوسهم الخاصة التي ترافقهم من قبل دخول شهر رمضان وحتى حلول عيدالفطر المتمثلة بإشعال النار وترديد الأهازيج وغيرها.

وعلى الرغم من القواسم المشتركة، تنفرد بعض المحافظات بتقاليد تميزها عن غيرها تبعاً لتنوعها الجغرافي والثقافي، نستعرض في هذا التقرير ملامح الإرث الرمضاني وتجلياته في خمس محافظات هي: المحويت، وشبوة، وأرخبيل سقطرى وتعز ولحج.


مواضيع مقترحة


سقطرى.. إرث الأصالة وقيم التراحم

تتفرد محافظة أرخبيل سقطرى بعادات وتقاليد رمضانية تعكس هوية الجزيرة؛ إذ يوضح التربوي “محمد سعيد”، وهو أحد سكان سقطرى، أن طقوس أبناء سقطرى في الشهر الكريم متنوعة وفريدة حيث تبدأ ملامحها باجتماع النساء ليلاً في منزل يُوقد فيه النار كعلامة معلنة للقاء، حيث يتبادلن القصص والأحاديث في أجواء اجتماعية دافئة.

ويضيف سعيد لـ “ريف اليمن”: يمارس الأطفال لعبة “الأجاشل” المعتمدة على الأحجار، بينما يقضي كبار السن أوقاتهم قبل الإفطار في لعبة “الطيبانات” التي تُستخدم فيها العيدان الخشبية، وهي عادات موروثة عبر الأجيال، رغم دخول بعض المظاهر المستحدثة بفعل التكنولوجيا، إلا أن شخصية “المسحراتي” لا تزال حاضرة بندائه الشهير: “فلاح يا صائمين.. فلاح يا صائمين”.

تتجلى قيم التراحم في الأرياف من خلال مبادرات التكافل؛ حيث يحرص مُلاك المواشي على ذبح الأغنام كزكاة وتوزيعها على الجيران، في مشهد يملؤه الفرح حين يتسابق الأطفال بأوانيهم للحصول على اللحم والشحم لإعداد “الشوربة”.

كما يحرص الرجال على تجسيد قيم الضيافة، فلا يفطر أحدهم وحيداً، بل يسعى لجلب ضيف إلى منزله، أو يذهب بفطوره إلى المسجد لمشاركة الآخرين، وفي حال تعذر ذلك، يحرص على دعوة جاره مسبقاً لليوم التالي.

وعن مائدة الإفطار، يوضح سعيد أنها تعتمد أساساً على التمر السقطري والقهوة وخبز “بو خمري” والشوربة، وحساء القمح المسلوق باللحم أو التونة، بالإضافة الروبة وهو اللبن الذي يُخضُّ لمدة ساعة لاستخراج الزبدة منه، ويُقدم مع الأرز والصيد السمك.

إفطار جماعي في محافظة حضرموت شرقي اليمن

تتشابه صلوات القيام وحلقات الذكر في سقطرى مع الطقوس الصوفية في حضرموت، حيث تقام صلاة التسبيح التي يطيل فيها الإمام الركوع والسجود، إضافة إلى صلاة السجود في ليلة السابع والعشرين من رمضان، مع ترديد أدعية مأثورة.

ومن العادات التي قد تبدو غريبة، يذكر سعيد تقليد حلاقة شعر الأطفال في العشر الأواخر من رمضان، استناداً إلى معتقد شعبي قديم يزعم أن العيد يتبول على من في رأسه شعر. أما النساء، فيبدأن الاستعداد منذ منتصف شهر شعبان بتنظيف المنازل وجمع حطب الوقود الذي يكفي الشهر كاملاً، ويتفرغن في ليالي رمضان للزيارات المتبادلة ولعب “الورق” و”الضمنة”، وهي ألعاب يرتبط ممارستها في سقطرى بهذا الشهر الفضيل تحديداً.

المحويت.. طقوس إيمانية واجتماعية

يتحدث الصحفي “محمد الشيخ”، أحد أبناء ريف محافظة المحويت، عن الخصوصية التي تتمتع بها العادات والتقاليد الرمضانية في منطقته، مشيراً إلى أنها ترسم لوحة اجتماعية تتشارك فيها كافة الفئات العمرية من أطفال وكبار سن.

ويوضح الشيخ لـ “ريف اليمن” أن ملامح الاستعداد للشهر الفضيل تبدأ لدى الأطفال من منتصف شهر شعبان، حيث يسارعون لجمع إطارات السيارات التالفة، والصناديق الكرتونية، وبقايا الملابس، لإيقادها في ليلة ثبوت رؤية الهلال فوق قمم الجبال العالية.

على صعيد التدابير المنزلية، تبدأ النساء بتجهيز طحين “اللحوح المحويتي” الذي يحظى بشهرة واسعة، فيقمن بإعداد “الملحة” (أداة الخبز الفخارية) وبقية الأدوات لضمان جاهزية مائدة الإفطار قبل حلول الشهر.

كما يحيي الرجال طقوساً إيمانية واجتماعية في المساجد، حيث يجتمعون في حلقات لتلاوة القرآن وتبادل الأحاديث الودية، وصولاً إلى تجهيز القهوة العربية الأصيلة التي تشتهر بها المحويت، ليتشارك الجميع بعدها موائد الإفطار التي تصل إلى المساجد من المنازل المجاورة.

ويلفت الشيخ إلى تغير بعض العادات بفعل الزمن؛ فقبل نحو عشر سنوات، كانت هناك ركيزة أساسية تُعرف بـ “الفِطارة”، وهي وجبات من اللحوح تُوزع على كافة المساجد قبل أذان المغرب، إلا أنها انحسرت حالياً لصالح توزيع التمور.

وعلى الرغم من التحديات، يؤكد الشيخ بقاء قيم التراحم والتكافل متجذرة في ريف المحويت، والتي تتجسد في تبادل أطباق الطعام بين الأسر، وتوزيع “الحقين” (اللبن) على البيوت من قِبل العائلات التي تمتلك الأبقار، في صورة تعكس أبهى أشكال التضامن الاجتماعي التي تمتاز بها الأرياف اليمنية.

شبوة.. موروثات تقاوم الاندثار

تتميز أرياف محافظة شبوة بعادات وتقاليد رمضانية فريدة فمع إطلالة شهر شعبان، تبدأ الاستعدادات في مشهد يجسد قيم التآلف والتراحم؛ حيث يتفقد الميسورون احتياجات جيرانهم المعسرين، بينما تنهمك النساء في تنظيف المنازل وتزيينها، وتصدح المساجد بالأهازيج والتسابيح الترحيبية، في حين يجوب الأطفال الأحياء مرددين ببهجة: “إرحب إرحب يا رمضان.. يا شهر محمد عليك السلام”.

يمنيون مجتمعون على سفرة إفطار في ريف شبوة شرقي اليمن

يؤكد الباحث في التراث الشبواني، “عيظة عبدالعزيز”، أن من أبرز المظاهر التاريخية في الأرياف عادة “ذبح المواشي”؛ حيث تخصص كل أسرة ريفية ذبيحة لإقامة مأدبة إفطار جماعية يحضرها الضيوف وعابرو السبيل. وفي الماضي، كانت النساء يقمن بطحن القمح يدوياً فيما يُعرف بـ”التوقير”، وسط أهازيج شعبية مرافقة لعملية الطبخ.

وتتزين المائدة الشبوانية بأطباق تقليدية مميزة، أبرزها: المسيلي، وهو خبز يُصنع من حبوب الدخن،
والمندي الوجبة الأشهر في المناطق الجنوبية والشرقية، بالإضافة إلى الأطباق الرمضانية: كالشفوت، والسمبوسة، والباجية، والعصيد، والفتة.

كما تحافظ الأسر على عادة “العَذَل”، وهي إرسال مائدة خاصة لبنتهم المتزوجة تضم أقراص الخبز، فيما يُعرف بـ”الهدية والقديّة”، تقديراً لها في المناسبات.

ارتبط المسحراتي في شبوة بشخصية “باشعفل”، الذي يقرع الطبول لإيقاظ الناس منادياً: “فلاح، فلاح، فلاح”. وفي نهار الـ27 من رمضان، يطوف باشعفل مع الأطفال على المنازل لتوديع الشهر بأهازيج خاصة، ليمنحهم الأهالي الهدايا من حبوب ونقود.

وفي منتصف الشهر، يحتفل أهالي شبوة بليلة “حبة الدجاج”، حيث يشكل الأطفال مجموعات تجوب المنازل مرددة: “حبة الدجدج يا حبة.. والبعير يهدر والرحى تطحن”. ومع مغيب الشمس، يوقد الأطفال شعلة اللهب فوق القمم والأسطح، وتُسمى “الهُشَّلة” أو “الشعملة”، وهي من العادات التي باتت تقاوم الاندثار حالياً.

كما تمتلئ ساحات المساجد بجلسات الذكر من العصر حتى المغرب، حيث يسبق الأذان أدعية ملحنة ومشوقة، ومن الجوانب الإيجابية التي ميزت قبائل شبوة قديماً، الالتزام بـ”الأعراف القبلية” التي تقضي بإيقاف الحروب والنزاعات وإطلاق سراح الأسرى خلال الشهر الكريم، احتراماً لقدسيته وتعزيزاً لروابط الإخاء.

أرياف تعز.. تكافل وروحانية

وفي أرياف تعز تبدأ بشائر قدوم شهر رمضان الكريم، بالاستعداد له من شعبان بتجهيز المؤن، وتنظيف البيوت، وترميم المساجد، وتهيئة أماكن الوضوء والصلاة، في مشهد يعكس مركزية المسجد في حياة الريف، يقول “نبيل ناجي”، أحد سكان مديرية صبر.

ويضيف لـ”يف اليمن”، أن النساء يجهزن الحبوب البلدية مثل الذرة والدخن والقمح والحُلبة وطحنها مبكرا ويُعد السمن البلدي، وتُجفف بعض الخضروات، وتتبادل النساء أطباق الطعام وأبرزها الشفوت والعصيد، وأطباق الحلوى ومنها المشبك والطرمبا.

وحول التكافل الاجتماعي في الأرياف، تتحول القرية في ريف اليمن إلى أسرة واحدة، حيث تُحل الخلافات القديمة، وتُعاد صلات القربى، في قناعة راسخة بأن رمضان لا يُستقبل بقلوب متخاصمة، وتستمر الزيارات الليلة المتبادلة بين الأسر، وذوي القربى، وصلة الأرحام التي قد تكون مقطوعة طوال السنة.

” الشفوت” وجبة رمضانية تنتشر في مختلف المحافظات اليمنية خلال الشهر الفضيل

دينيا، يقول ناجي إن الليالي تتحول إلى فضاءات عامرة بالذكر، وصلاة التراويح في مساجد صغيرة ما زالت تحتفظ بعبق الماضي وروائح التاريخ، حيث تمتزج، أصوات القرآن بصوت الريح، ونجوم قريبة كأنها تُصغي لهذه الروحانية، ويفرغ الجميع بعد الصلاة لسمر بسيط، وشاي على ضوء القمر، وحديث عن الزرع والمطر والدعاء، وبعض التكايا ” الزوايا ” الصوفية في بعض القرى الجبلية التي تقام فيها جلسات الموالد والذكر، ويختم بما يمارس الأطفال من طقوس خاصة بالألعاب كـ”الغماية” و” غاب القمر والا عاده”.

لحج..جلسات وزيارات عائلية

نختم سرديتنا عن طقوس ريف اليمن في شهر رمضان من محافظة لحج جنوبي اليمن، حيث تقول التربوية “نسرين الحبيشي” إن النساء يخرجن للأسواق قبل وصول رمضان لشراء احتياجات رمضان بالإضافة لشراء جلابيات وأرواب جديدة للصلاة.

وتضيف لـ”ريف اليمن”، أن الأهل يتزاورون ويمارسون طقس خاص يسمى “دقة الحنش” وهو طقس نسوي يتضمن تحضير وجبة تتكون من الحلبة والكدر والصالونة والصيد والبصل والفتة، وهذا يكون قبل رمضان بيوم.

وتشير الحبيشي إلى مائدة رمضان المختلفة عن بقية الأيام والمكونة من الشوربة والعتر والباجية والسنبوسة والعشار وبنت الشيخ والمشبك والقهوة والعصير.

ومن عادات ما بعد العِشاء في لحج، اجتماع العائلة حتى آخر الليل وتبادل الزيارات فيما يمارس الأطفال ألعابهم مثل لعبة السرى، والحوك شوك، والتوف وغيرها من الألعاب.

وفي آخر يوم من رمضان، تقول الحبيشي أن الأطفال يمارسون ما يعرف ب”حبة الكشري”، حيث يرتدون الملابس الجديدة الخاصة بهذا الطقس ويمسكون بسلل ثم يجرون بين البيوت مرددين “اندونا اندونا ..لا انتو تبونا، يا حبة الكشري الله الله..يا حبة الكشري” ويدقوا أبواب البيوت ويخرج الكبار ويعطوهم الحلويات والعصائر والمعجنات، احتفالا بحلول العيد.

أشجار ‹الضبر› المعمرة: وجود يتحدى الانقراض

على امتداد الطرق الرئيسية التي تشق السهول الجبلية وصولا إلى أعماق الأرياف التهامية غربي اليمن، ترافق الزائر واحة بيئية غنية ومتنوعة من الأشجار والنباتات، من بينها أشجار الضبر والسدر وغيرها، في مشهد يعكس طبيعة زراعية أصيلة تستند إلى إرث تراثي وإنساني عريق يمتد لمئات السنين.

هذه اللوحة الطبيعية بدأت تفقد بعض ملامحها،؛ إذ كشفت عمليات البحث والزيارات الميدانية التي أجراها معدّ التقرير عن تراجع مقلق في أعداد وأحجام أشجار الضبر المعمرة، وهي أشجار تحتاج إلى فترات زمنية طويلة للنمو.

يشكل هذا التراجع تهديدا مباشرا للتنوع البيولوجي والزراعي، ولسبل عيش السكان المحليين الذين يعتمدون عليها في تغذية بعض المواشي ودعم المناحل، ولا تزال بعض الأسر في القرى التهامية تحاول الحفاظ على ما تبقى من هذه الأشجار، في مساع فردية لمواجهة خطر اندثارها.


مواضيع مقترحة


يقول الباحث الزراعي حسن زايد، وهو أحد أبناء تهامة، في حديثه لـ”ريف اليمن”، إن شجرة الضبر تنتج بذورا وثمارا صالحة للأكل تجمع عادة للبيع في الأسواق المحلية.

لافتا أن هذه الأشجار تستخدم أيضا للزينة في المنازل كونها توفر مساحة واسعة من الظل، وتتميز بقدرتها على تحمل الظروف المناخية القاسية، ولا تتأثر بشكل كبير بتأخر هطول الأمطار يمنحها قيمة غذائية وشعبية محلية تستحق الدعم والإسناد.

رحلتنا في السهول الجبلية القريبة من تهامة قادتنا إلى جملة من التساؤلات حول تأثر سكان المناطق التهامية بالتغير المناخي، وكيف يمكن للمزارعين الحفاظ على هذه الأشجار في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم؟

بنظرة فاحصة إلى هذه الأشجار، سعينا إلى جمع معلومات حول أهميتها الزراعية والاقتصادية، نظرا لدورها الحيوي في الحفاظ على التوازن البيئي، وما توفره من غذاء للإنسان والمواشي، فضلا عن دورها في توفير الظل لسكان القرى والمناطق الريفية التي تشتهر بارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، كما أنها تعتبر مصدر مهما للأخشاب والحطب الذي يستخدم كثيرا في الأرياف اليمنية كبديل للغاز المنزلي.

التوصيف العلمي

تنمو أشجار الضبر بشكل أساسي في المناطق الصحراوية والجافة، وهي أشجار دائمة الخضرة ومتفرعة، يتراوح ارتفاعها ما بين 4 إلى 7 أمتار، وتتميز بقدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية القاسية ولا تتأثر بتأخر مواسم هطول الأمطار.

كما أن للضبر أزهار صغيرة وبيضاء اللون، فيما تكون بذورها بيضاء مغطاة بقشرة حمراء لزجة، وتُطهى وتؤكل في العديد من المناطق التهامية، في حين تؤكل نيئة في مناطق أخرى فور قطفها من الشجرة.

يشير خالد مكي وهو مواطن لديه شجر ضبر في منزله إلى أن التغير المناخي أثر على الكثير من الأشجار المعمرة في تهامة وأن الجفاف وانعدام مادة الغاز دفع بعض السكان إلى قطع أشجار الضبر وبيعها لاستخدامها كحطب، نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، متجاهلين السنوات الطويلة التي تحتاجها الشجرة لتنمو من جديد، ما جعل الحفاظ عليها يمثل تحديا حقيقيا.

يجلس خالد بجوار جذع شجرة ضبر ورث العناية بها عن والده وجده، اللذين أوصياه بالحفاظ عليها وحمايتها من أي عوامل قد تؤثر على نموها، ورغم انحصارها داخل فناء المنزل، تظل الشجرة خضراء على مدار العام، وأشار إلى أن أطفال القرية يجتمعون حولها خلال موسم الجني للحصول على ثمارها.

الحلول وسبل الحماية

يشير مختصون إلى أن تكثير شجرة الضبر يمكن أن يتم عبر نثر بذورها مباشرة بعد استخراجها، ويفضل أن يكون ذلك قبل موسم هطول الأمطار، وعلى الرغم من أن الشجرة بطيئة النمو، إلا أنها تصبح شديدة التحمل بمجرد اكتمال نموها.

تنبت البذور الطازجة، في حال توفرت الظروف المناسبة، خلال فترة تتراوح بين 40 و60 يومًا، ويُنصح بزراعتها في المناطق الجافة، ويفضّل أن تكون التربة طينية مالحة أو ثقيلة أو جيرية، ما يعزز فرص بقائها واستدامتها.

في جولة سريعة بالمنطقة، تحدثنا مع الكثير من كبار السن عن أسباب تناقص أعداد أشجار “الضبر”، والتي أوعز الكثير منهم ذلك إلى أن مشكلة التوسع العمراني تسببت بحالة من عمليات التدمير التي طالت العديد من الأشجار المعمرة في مناطق تهامة، في ظل غياب الرؤية الواضحة للمحافظة على هذا النوع من الأشجار.


تنمو أشجار الضبر في المناطق الصحراوية ويتراوح ارتفاعها ما بين 4 إلى 7 أمتار، وتتميز بقدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية القاسية


يوضح السكان المحليون في عدد من قرى عزلة الدانعي بمحافظة حجة، ومنها دير الضبري والمسلام، أن شجرة الضبر تعد من الأشجار ذات الأهمية الكبيرة للحيوانات، وخصوصا الإبل، ويؤكد الأهالي أن هذا النبات يُستخدم كعلف جيد، ويعرف بكونه مكملا طبيعيًا للمعادن التي تحتاجها الإبل، ما يمنحه قيمة عالية.

ويحظى نبات الضبر بتقدير واسع لدى السكان المحليين، باعتباره مصدرًا مهمًا للغذاء وعلفًا للماشية، إضافة إلى قدرته العالية على التكيف مع البيئة المحلية القاسية، غير أن الرعاة يشيرون إلى وجود مشكلات حرجة تهدد بقاء هذا النبات القيم، من بينها تراجع أعدادها بشكل لافت.

يؤكد الأهالي أن ما تبقى حاليًا يقتصر في الغالب على الأشجار القديمة، في حين لا تشاهد أجيال جديدة أو شتلات صغيرة من نبات الضبر، وهو ما يعد مؤشرا خطيرا على أن هذا النبات بات مهددا بالانقراض بشكل شديد، ويحذر السكان من أن اختفاء الضبر خلال المستقبل القريب قد يصبح أمرا حتميا، ما لم تتخذ إجراءات عاجلة للحفاظ عليه وإعادة تكاثره.

غذاء متنوع

وبسؤال المزارع يحيى عبدالله، عن أهمية أشجار الضبر، أجاب”: كانت من أهم النباتات التي توفر مأوى للطيور المهاجرة والكبيرة والتي كانت لا تتواجد إلا لفترات زمنية مؤقتة، كما أن الكثير من الأسر اعتمدت عليها في رعي الأغنام والمواشي خصوصا خلال فترات القحط أو أثناء انحسار الغطاء النباتي نتيجة لقلة هطول مياه الأمطار.

وأضاف لـ”ريف اليمن” كنا نعتمد عليها كثيرا حتى في أثناء خروجنا لرعي الأغنام كانت تمثل أشجار ظل مميزة وكنا لا نعود للمنازل، بل نعتبرها مكانا للاستراحة من وقت صلاة الظهر حتى العصر لنعود مرة أخرى لرعي المواشي، كما كنا نجمع منها الثمار (المصع) والبعض يطلق عليها “فاكهة البادية”، ونقوم بأكلها وهي تحتوي على مادة حمراء تخفف الشعور بالعطش، وكثيرا ما كنا نقوم بطباخة البذور ونعتبرها طعاما و مكملا غذائيا.

خلال الحديث، أشار إبراهيم عبدالرحمن سبتان، الذي يعمل في تربية النحل، إلى أن أشجار الضبر تمثل موردا مهما في تربية النحل، إذ تتميز أزهارها بأنها مريحة للنحل وخفيفة عليه؛ لأنها تزهر بعد شجرة السلم، التي تنمو في شدة الحر ويكون رحيقها مرهقا للنحل الضعيف ما يؤدي أحيانا إلى إنهاكه ونقص أعداده.

متذكرا أن والده كان يكلفه بنقل المناحل إلى مناطق انتشار أشجار الضبر، ليستعيد النحل نشاطه وحيويته، وتنتعش الخلايا بإنتاج نحل جديد، لتزداد قوتها وتصبح مهيأة لإنتاج ملكات جديدة، ما يبرز الأهمية البيئية والاقتصادية لهذا النوع من الأشجار في دعم منظومة تربية النحل.

حلول ومعالجات

المهتم بالشأن الزراعي صالح المري، قال إن عملية انحسار أشجار الضبر عائد إلى عمليات القطع العشوائي من أجل استخدامه في عمليات التحطيب، وأن ما شجع هذه الطرق هي غياب رقابة ومتابعة الجهات المعنية بالحفاظ على البيئة والهيئات الزراعية.

لا تزال عدد من المناطق في محافظة الحديدة، من بينها الزهرة والضحي والكدن وباجل، وعلى وجه الخصوص قاع الجريزي، تحتفظ بأعداد ملحوظة من أشجار الضبر. كما تمتد هذه الأشجار إلى مناطق أخرى تتبع محافظة المحويت، أبرزها منطقة الخبت والمناطق المجاورة لها.

يؤكد مزارعون محليون أن قاع الجريزي بمديرية باجل يتميز بانتشار كثيف لأشجار الضبر مقارنة ببقية المناطق، وفي هذا السياق، أوضح المزارع أحمد الزيلعي، أن عدم زيادة أعداد هذه الأشجار يعود إلى جملة من التحديات، أبرزها قيام الحيوانات بإتلاف عدد من الشتلات الصغيرة.

وطالب الزيلعي الجهات الرسمية بالتدخل العاجل لحماية أشجار الضبر، والحد من الممارسات السلبية التي تتعرض لها، وعلى رأسها الاحتطاب الجائر، لما لذلك من أثر مباشر في تراجع انتشارها وتهديد استدامتها.

سن قوانين وتشريعات

ويرى الباحث حسن زايد الدانعي، أنه لضمان عملية الاستدامة لمثل هذه الأنواع يتطلب التوعية المجتمعية بأهميتها الغذائية والاقتصادية، مع الدعوة لسن القوانين والتشريعات التي تحمي مثل هذه الأنواع من الأشجار وتفعيل الرقابة واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال ذلك.

وقال إنه يمتلك خطة بحثية للعمل على إنشاء عدد من المشاتل القروية، في خطوة مهمة للحفاظ على استدامة هذه الأشجار، إلى جانب تركيز الأبحاث العلمية المختصة للاستفادة أكثر منها.

تشير البيانات الزراعية إلى أن شجرة الضبر تتميز بسهولة زراعتها وإكثارها بالبذور، وقدرتها العالية على التكيف مع مختلف أنواع التربة، بما فيها الصخرية والرملية، فضلًا عن تحمّلها للجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة.

وكما كانت تستخدم قديما كمعلم بارز للمسافرين والتجار على طول الطرق التجارية القديمة في اليمن، لا تزال شجرة الضبر تمثل منارة طبيعية تساعد على تحديد المسارات في الصحراء، وشاهدًا حيًا على ارتباط الإنسان ببيئته.

ما أسباب إصابة الحيوان بالصرع؟

حليب الأبقار.. طوق نجاة للأسر الريفية في الحديدة
حليب الأبقار.. طوق نجاة للأسر الريفية في الحديدة

ورد إلى بريد منصة “ريف اليمن” سؤال من أحد المتابعين يقول: ما أسباب إصابة الحيوان بما يُعرف شعبياً بـ”الصرع”؟

وللإجابة على هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن النوبات العصبية التي تظهر أحياناً لدى الأبقار والأغنام والماعز لا تُعد في معظم الحالات مرضاً مستقلاً، بل تكون عرضاً لاضطرابات بكتيرية أو تغذوية أو طفيلية تصيب الجهاز العصبي، ومن هنا تبرز أهمية التشخيص البيطري المبكر، إذ إن بعض هذه الحالات قد تتفاقم خلال 24–48 ساعة، ما يجعل فرص العلاج محدودة عند التأخر في التدخل.

في هذا التقرير الإرشادي نستعرض أبرز الأسباب العصبية المرتبطة بهذه النوبات، مع توضيح العلامات المميزة لكل حالة، وآليات التشخيص والعلاج المتاحة، إضافةً إلى أهم الإجراءات الوقائية التي تساعد مربّي الماشية على الحد من المخاطر وحماية قطعانهم من المضاعفات المحتملة.

الأسباب الرئيسية

1) داء الليستيريا (Listeriosis) – “مرض الدوران”
مرض بكتيري يصيب جذع الدماغ مسبباً التهاب السحايا والدماغ.
طرق العدوى: غالباً عبر أعلاف ملوثة، خاصة السيلاج رديء التخزين أو الأعلاف المتعفنة، وقد توجد البكتيريا في التربة والمياه الراكدة.
الأعراض الأبرز:
– دوران قسري أو ميلان لجانب واحد.
– شلل جزئي غير متماثل في عضلات الوجه (تدلي الأذن أو الشفة أو الجفن)، وسيلان اللعاب.
– فقدان شهية وحمى في بعض الحالات.
– إجهاض في أواخر الحمل: خلال الشهرين الأخيرين في الأغنام والماعز، وبين الشهر الخامس والثامن في الأبقار، وقد يعقبه احتباس للمشيمة.
تنبيه صحي: المرض مشترك بين الإنسان والحيوان، وقد ينتقل عبر منتجات ألبان غير مبسترة أو ملامسة الأجنة المجهضة.


مواد ذات صلة


2) Thiamine deficiency (نقص فيتامين B1 – الثيامين)
اضطراب استقلابي يمنع الدماغ من الاستفادة من الجلوكوز لغياب الثيامين، ما يؤدي إلى تلف خلايا المخ، ويُعرف مرضياً باسم تلين الدماغ الرخوي (Polioencephalomalacia).
العوامل المساعدة:
– تغذية غير متزنة والإفراط في المركزات مع نقص الألياف.
– اضطراب بكتيريا الكرش المنتجة للثيامين.
– ارتفاع الكبريت في العلف أو الماء.
– تناول نباتات تحتوي عوامل مضادة للثيامين.
– صغر العمر وعدم اكتمال نمو الكرش.
الأعراض:
– عمى وظيفي مع سلامة العين ظاهرياً، ورفع الرأس أو الضغط به على الجدار.
– ترنح وارتعاش في عضلات الوجه.
– في المراحل المتقدمة: استلقاء وتشنجات تشبه الصرع.

3) الأكياس المائية (الكيسة العداريّة) – Hydatid cyst
مرض طفيلي تسببه Echinococcus granulosus. الكلاب (وأحياناً الذئاب والثعالب) هي العائل النهائي، وتطرح البيوض مع البراز فتلوّث المراعي.
مسار العدوى: تبتلع المجترات البيوض أثناء الرعي، فتنتقل اليرقات عبر الدم إلى أعضاء مختلفة (الكبد والرئتين وأحياناً الدماغ)، حيث تتكون أكياس تنمو تدريجياً وتضغط على أنسجة المخ.
الأعراض: تظهر ببطء مع زيادة حجم الكيس وتشمل الدوران، رفع الرأس، اختلال التوازن، وأحياناً تشنجات.

اتدخل العلاجي

– لا يُنصح بأي علاج قبل الفحص السريري والتشخيص المخبري عند الإمكان.
– عند ملاحظة الأعراض العصبية، يجب التواصل فوراً مع طبيب أو مركز بيطري لتحديد السبب الدقيق قبل بدء العلاج.
– قد يُستخدم المضاد الحيوي المناسب، ويُعد البنسلين من الخيارات المتداولة في حالات العدوى البكتيرية.
– إعطاء فيتامين B1 في حالات الاشتباه بالنقص.
– استخدام الإيفرمكتين في حالات الإصابة الطفيلية، وفق الجرعات المقررة بيطرياً.

إجراءات وقائية

الإدارة الغذائية:
– تجنب تقديم سيلاج فاسد أو أعلاف متعفنة، والحفاظ على نظافة المعالف.
– تقديم علائق متوازنة غنية بالألياف والحد من الإفراط في المركزات.
– توفير مكملات فيتامينات وأملاح معدنية دورياً، مع الاهتمام بفيتامين B1.

مكافحة الطفيليات:
– تطبيق برنامج دوري كل 3–4 أشهر لمضادات الطفيليات الداخلية المناسبة.
– عدم إطعام الكلاب أحشاءً نيئة للحيوانات المذبوحة.
– تجريع كلاب المزرعة دورياً بمستحضرات تحتوي على البرازيكوانتيل.

الرعاية العامة:
– متابعة يومية للقطيع وعزل أي حيوان تظهر عليه أعراض.
– توفير مساكن نظيفة وجافة مع رش دوري لمكافحة الحشرات وفق التعليمات.

إذاً تظل الوقاية والكشف المبكر الركيزتين الأساسيتين للحد من الخسائر، إذ يرفع التدخل السريع فرص الشفاء، بينما يؤدي التأخر إلى مضاعفات قد تكون غير قابلة للعلاج.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

نساء بلا سند: حكايات المهمشات في ريف اليمن

تحت طربال متهالك في أطراف ريف حجة غربي اليمن، تجلس “سعاد” (اسم مستعار) من فئة النساء المهمشات، تتأمل يديها اللتين حفرت فيهما سنوات الشقاء أخاديد عميقة، لم تصبغهما الشمس وحدها بذلك السواد الداكن، بل مجتمع قرر مسبقا أن يحبسها في خانة “الدونية”.

سعاد ليست مجرد امرأة فقيرة فحسب؛ بل تعاني من تحديات كثيرة بسبب انتمائها لـ”فئة المهمشين”، فبينما تتزاحم النساء للحصول على المساعدات، تقف عاجزة، لا يمنعها الجوع بل غياب البطاقة الشخصية؛ تلك القطعة البلاستيكية الصغيرة التي تمثل للآخرين إجراء روتينيا، لكنها بالنسبة لها جدار يفصلها عن العلاج والتعليم وحتى الاعتراف بإنسانيتها.

من ريف حجة تروي الخمسينية “أم صحيح”، المصابة بالفشل الكلوي، فصولا من معاناة مزدوجة المرض والتمييز، وتقول: “مشكلتي ليست في البطاقة، بل في لوني الذي يعتبرونه تهمة”.


مواضيع مقترحة


وتضيف: “عند نقطة تفتيش أمنية، وأثناء توجهي للعلاج، أنزلني أحد الجنود من المركبة قائلا: “انزلي يا خالة، هذه نقطة تفتيش مش مكان للتسول”، بحجة عدم حملها هوية.

في مكتب الأحوال المدنية، واجهت إذلالا آخر؛ سخر الموظف من ملابسها وطالبها برسوم تعجيزية: “ادفعي خمسين ألفا”، في إشارة غير مباشرة إلى رشوة لا تملكها، وحتى المساعدات الإغاثية حرمت منها بذريعة عدم امتلاك الوثائق، تختصر أم صحيح مأساتها بعبارة موجعة: “أنا يمنية، لكن في نظرهم مجرد لون لا يستحق ورقة تثبت آدميته”.

الخبز مقابل التعليم

نادية (15 عاما)، تجلس في أحد مخيمات النزوح بريف حجة، وهي في الصف الخامس الابتدائي، بعد سنوات دراسية ضاعت بين النزوح وتحمل المسؤولية المبكرة، تقول: “كنت أترك المدرسة لأجمع الخبز لإخوتي، واليوم أبلغ الخامسة عشرة وما زلت في الابتدائية”.

لم تواجه عنفا جسديا، لكن الكلمات كانت أكثر قسوة “كانوا ينادونني شحاتة، وأنا أشقى لأجل أسرتي”، وجدت نفسها زوجة وهي قاصر، في قرار تقول إنها اتخذته بدافع البحث عن الاستقرار، ورغم الفقر المدقع وعمل زوجها بالأجر اليومي، تؤكد أنه متفهم لوضعها الصحي، ويؤجل الإنجاب حتى تبلغ السن القانوني.

مهمشو الأرياف:تعايش مجتمعي رغم التحديات

أما صباح فلا يفصل بين “طربالها” في ريف صنعاء ومنزل جارتها الطيني سوى شارع ضيق، لكن توزيع المساعدات كشف عن فجوة اجتماعية سحيقة بينهما، إذ تروي صباح (أم لتسعة أطفال)، كيف تحول طلب كيس دقيق إلى رحلة إذلال بسبب لون بشرتها ونظرة المجتمع.

لا تزاحمي المتعففين

وتقول لـ”ريف اليمن”: “دفعني العاقل بعصاه صائحاً: ارجعي وراء يا خادمة، لا تزاحمي المتعففين، أنتم متعودون على الشحاذة”؛ وقفتُ منكسرة، بينما حين نودي على جارتي (أم ناصر) انشق لها الصف احتراما لنسبها، وتسابق الشباب لحمل حصتها إلى دارها قائلين: عيب تتعب البنت”.

المفارقة المؤلمة لم تكن في الحصة الغذائية فحسب، بل في طريقة الوصول إليها؛ فبينما عادت الجارة مكرمة، عادت صباح بنصف كيس وقلب مكسور، تختصر مأساتها قائلة: “عدنا بنفس الدقيق؛ هي بكرامة محفوظة وأنا بالذل.. الفقر واحد، لكن الوجع ليس واحداً..”.

تشير “نزيهة زايد”، موظفة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى وجود فجوة ديموغرافية هائلة في بيانات رصد فئة “المهمشين”، حيث تتراوح التقديرات لأعدادهم ما بين 500 ألف إلى 3.5 مليون نسمة، يتركز ثقلهم السكاني في محافظات الحديدة، صنعاء، ذمار، حجة، تعز، إب، لحج، المحويت، وحضرموت.

المهمشين في اليمن
المهمشون في اليمن (ريف اليمن)

وتؤكد زايد لـ”ريف اليمن”، أن هذه الفئة تُعد “الحلقة الأضعف”؛ إذ تشكل النساء والأطفال ما نسبته 76% من النازحين، لافتةً إلى أن حياتهم كانت مبنية على عدم الاستقرار والنزوح حتى ما قبل الصراع، لتزداد أوضاعهم سوءاً مع الحرب، وهو ما ساهم في تصنيف اليمن رابعاً عالمياً في معدلات النزوح الداخلي.

وفي هذا السياق توضح زايد أن المهمشين يواجهون ما وصفته بـ “النزوح المركب”؛ فهم يسقطون من شبكات الأمان الإغاثي نتيجة عدم امتلاكهم وثائق الهوية، الأمر الذي يحرمهم من مساعدات المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي، مشيرة إلى تفاقم مأساتهم في ظل معدلات أمية تتجاوز 90%، وعيشهم في مساكن عشوائية تفتقر لأدنى الخدمات؛ مما يجعلهم مجرد “أرقام منسية” في معادلة الاستجابة الإنسانية.

صناعة الأمل

ليست كل القصص انكسارا كاملا، فسارة” (25 عاما) نزحت من عدن إلى أحد مخيمات ريف حجة بعد أن كانت تعيش حياة مستقرة، وتقول: “حين دخلنا المخيم فكرنا بالعودة إلى الموت تحت القصف بدل العيش هنا”.

لكنها رفضت الاستسلام، أكملت تعليمها حتى تخرجت “مساعد طبيب”، وكانت تساعد أسرتها بضرب الإبر للجيران مقابل مبالغ بسيطة، واليوم تعمل في مستشفى خارج المحافظة، وتعيل أسرتها بالكامل. “سأبني لهم بيتا يعوضهم عن كل ما فقدناه”، تقول سارة بثقة.

رصد معد التقرير، حالات اعتداء على فتيات في أرياف صنعاء وحجة، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، كـ”نجيبة” (29 عامًا) التي تروي مأساة بدأت بعد تعرضها لاعتداء جنسي، لتجد نفسها متهمة بدل أن تُعامل كضحية.

تقول: “أهل المنطقة يرونني مذنبة، نسوا المجرم وجعلوني أنا المدانة”، تعرضت لتعنيف أسري قاس، وأُجبرت على الخروج للتسول بطفلها الرضيع، كل ما تحلم به اليوم أن تعيش في مكان لا يعرفها فيه أحد “أريد فقط أن أحمي ابني مما عشته”.

يرى أستاذ علم الاجتماع، “د. منصور العنسي”، أن جذور التمييز تاريخية ومرتبطة بالبنية القبلية، مما جعل غالبيتهم يعيشون في أحياء فقيرة بضواحي المدن والأرياف، ويفتقرون فيها لفرص العمل والخدمات الأساسية كالمياه والتعليم”.

مفارقة قانونية

ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن النزوح فاقم الأزمة، مشيرا إلى أن النزوح ضاعف من مأساة النساء؛ فإحدى النساء التي كانت تعيل أسرتها من تنظيف المنازل، باتت اليوم عاجزة عن توفير مبلغ (12 ألف ريال) لتأمين المستلزمات المدرسية لأطفالها بعد أن فقدت مصدر دخلها الوحيد.

المهمشات في اليمن: بين الفقر والنزوح والتهميش الاجتماعي
المهمشات في اليمن: بين الفقر والنزوح والتهميش الاجتماعي

المحامية “تيسير حمود” تشير إلى وجود مفارقة قانونية صارخة في اليمن؛ فبينما كفل الدستور نظريا المساواة التامة، تأتي الممارسات الواقعية والتشريعية لتفرغ هذه النصوص من محتواها؛ مما يضاعف مأساة النساء وتحديدا “المهمشات” وذلك عبر انعدام الحماية الجنائية.

وتضيف لـ”ريف اليمن”: “إذا كانت المرأة القبلية تعاني من هذا القصور، فإن معاناة “المهمشة” أشد قسوة، حيث يستباح جسدها وحقوقها بصمت مطبق لافتقارها للسند الاجتماعي والقانوني، كمآسي الأحوال الشخصية المتمثل بزواج القاصرات فهو يمثل حكماً بـ”الإعدام البطيء” للفتيات المهمشات، ويوقعهن في دوامة صحية وقانونية مهلكة”.

تؤكد حمود أن العادات والتقاليد تمارس دورا أقوى من القانون، حيث يمارس العرف “عنصرية” تحرم المهمشة من حقوقها الدستورية، لتصبح في النهاية ضحية لجلادي قصور القانون، وقسوة الأعراف الاجتماعية، مشيرة أن غياب الحماية القانونية يطال النساء عموما، لكنه يكون أكثر قسوة على “المهمشات” لافتقارهن للسند القبلي والاجتماعي.

الملاريا في تعز: قاتل يفتك بالآلاف

كشف المسؤول الإعلامي بمكتب الصحة في تعز، تيسير السامعي، عن أرقام مقلقة تعكس حجم الأزمة الصحية في المحافظة، قائلاً إن السلطات سجلت 14,349 حالة مصابة بملاريا خلال عام 2025، إضافة إلى عشرات الآلاف من الحالات المشتبه بها.

وأوضح السامعي في منشور له على فيسبوك، أن الملاريا ما تزال من أخطر المشكلات الصحية في اليمن؛ حيث يتعرّض نحو 60% من السكان لخطر الإصابة. وقال إن البلاد تشهد سنوياً بين 2 و3 ملايين حالة إصابة بالملاريا مع معدل وفيات يقارب 1%.

وحذّر من تداعيات المرض في المناطق الريفية والنائية المحرومة من الخدمات الطبية، مشيراً إلى أن الأطفال والنساء يموتون أحياناً دون أن يصل إليهم الرعاية المناسبة بسبب شح الأدوية وندرة الفحوصات التشخيصية التي وصفها بأنها “باهظة الثمن” ومتاحة لعدد قليل فقط.

وأشار السامعي إلى أن “البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا” حقق قبل الانقلاب إنجازات مهمة في الحد من انتشار المرض، لكن الحرب أدت إلى تراجع هذه الجهود وتدمير جزء من المكاسب، ما سهّل انتشار الوباء مجدداً وبوتيرة أعلى.

الملاريا في تعز: قاتل يفتك بالآلاف

ونبّه أيضاً إلى أن كثيراً من المنظمات الإنسانية المحلية أو ودولية لم تولِ وباء الملاريا الاهتمام الكافي، مُنصرفة إلى قضايا أخرى رغم خطورة المرض وأولوية الحاجة للتعامل معه.

وطالب السامعي الدولة والمنظمات الإنسانية بتقديم دعم عاجل وجدي للبرنامج الوطني لمكافحة الملاريا، مؤكداً أن البرنامج يواجه حالياً أحد أخطر الأوبئة في البلاد بإمكانيات محدودة جداً.

دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض بسبب الجفاف والإهمال

في خمسينيات القرن الماضي، كانت آلات “محلج الكود” تدور ليلا ونهارا في محافظة أبين، تحول القطن الأبيض إلى ذهب يصدر إلى بريطانيا، فيما كان الفلاحون يصدحون بالأغاني وهم يجنون البسباس الأحمر الذي يملأ أسواق عدن وصنعاء ويشق طريقه إلى الخارج.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة تماما، دلتا أبين التي كانت تعرف بـ”سلة الجنوب”، تئن تحت وطأة الجفاف والإهمال؛ صمتت آلات الجني، وغزت أشجار السيسبان مساحات واسعة من الأراضي الخضراء، بينما يراقب المزارعون موت أرضهم ببطء.

القطن طويل التيلة، أو “الذهب الأبيض”، شكل يوما أحد أعمدة اقتصاد الجنوب، في ذروة ازدهاره خلال موسم 1962/1963، تجاوز الإنتاج 30 مليون رطل، وأسهم بأكثر من 27% من اقتصاد جنوب اليمن.


مواضيع مقترحة


يقول “عبد الله سند”، مدير عام التخطيط بوزارة الزراعة، إن القطن كان من أهم المحاصيل النقدية في البلاد، وكان محلج الكود بوابة التصدير إلى العالم، غير أن الحروب المتعاقبة إلى جانب توقف مصانع الغزل والنسيج، أدت إلى انهيار القطاع بشكل شبه كامل.

ويضيف لـ”ريف اليمن”: “لم يتبق اليوم سوى فدان واحد يزرع في محافظة لحج للحفاظ على البذور، بينما لا تتجاوز المساحة المزروعة في أبين 300 فدان”. وبحسب تقديرات زراعية، تراجع الإنتاج من عشرات الملايين من الأرطال إلى بضع مئات من الأطنان سنويًا.

“أحمد هادي”، مزارع من منطقة الطرية بمحافظة ابين ، يقول: “أزرع القطن لأن لدي بذور فقط، وإلا فأنا خاسر، لا أستفيد شيئا”، ويتفق معه المزارع “ناجي سعيد”: “لا يوجد دعم ولا تسعير عادل، ولا مبيدات أو بذور محسنة” متسائلا: “ماذا نفعل؟”.

أما محلج الكود، الذي كان رمزا للازدهار، فيعمل اليوم بطاقة محدودة، بعد أن فقد أسواقه ولم يجد سياسة حكومية تشجع استمرار زراعة هذا المحصول النقدي

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
صورة للقطن متوسط التيلة في مزرعه تجريبيه في أبين

المهندس الزراعي “عبد القادر خضر السميطي”، عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي، يوضح أن تدني الأسعار هو السبب الرئيسي للعزوف عن زراعة القطن؛ إذ يبيع المزارع الرطل بـ250 ريالا فقط، في حين أن تكاليف الإنتاج تفوق ذلك بأضعاف.

براثين الانقراض

ليس وحده الذهب الأبيض من يتعرض لخطر الفقد؛ فأيضا الذهب الثاني “الفلفل الأحمر (البسباس)” لدلتا أبين بات معرضا اليوم للانقراض بعد أن كان يغطي السوق المحلي ويصدر إلى الخارج لجودته، بسبب منافسة الفلفل الصيني الرخيص، وتحديات التغير المناخي.

المزارع “سليم فؤاد” من منطقة الخبرة بمحافظة أبين يحكي أن بسبب ارتفاع تكاليف زراعة البسباس وشحة المياه وإصابة المحاصيل بالأمراض اتجه المزارعون لترك أرضهم، والتخلي عن زراعة الفلفل الأحمر بعد أن كان مصدر قوتهم.

ويتفق “أحمد حسين”، مزارع من منطقة الحصن مع سليم، ويضيف: “الفلفل الصيني أغرق السوق وبأسعار منافسو لما نقدمه، وهذا يجعل محصولنا يتكدس ولا أحد يشتريه، وإن بعناه بعنا بخسارة كبيرة عن ما أنفقناه أثناء الإنتاج، إضافة لتغير المناخ الذي أصبح عائقاً أمامنا”.

الضربة القاضية

التغيرات المناخية زادت الطين بلة، فالدلتا تشهد ارتفاعا حادا في درجات الحرارة، وجفافا متكررا وسيولا مفاجئة تجرف التربة. بحسب دراسة ميدانية أعدها مركز المخا للدراسات فقد تدهور القطاع الزراعي في أبين بشكل خطير، وفقد نحو 50% من إنتاجه.

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
زراعة القطن في اليمن (منصة ريف اليمن)

وفي دراسة تحليلية حديثة لشبكة بيئة أبوظبي أعدها الباحث البيئي عبد الغني اليوسفي أن دلتا أبين فقدت 30 ألف فدان من أراضيها الزراعية الخصبة؛ ما يعادل 35% من مساحتها. وأرجعت الدراسة الكارثة إلى الزحف العمراني العشوائي، وانهيار البنية التحتية للري منذ 1994، والتغيرات المناخية التي تسببت بعجز مائي يبلغ 2.6 مليار متر مكعب.

وحذرت الدراسة من تحول “سلة غذاء المنطقة” التاريخية التي اشتهرت بالقطن طويل التيلة والمحاصيل المتنوعة  إلى أرض قاحلة ما لم يتم التدخل العاجل لإحياء مشاريع السدود المعطلة وإيقاف التعدي على الأراضي الزراعية.

تلك التغيرات المناخية جعلت المزارع الذي كان يحصد ثلاثة مواسم في السنة أصبح بالكاد يجني موسم واحد المياه الجوفية أصبحت مالحة والرياح الشديدة تدمر المحاصيل وانتشار الآفات والأمراض نتيجة عدم توفر المكافحة العلمية، وارتفاع تكلفة الوقود الذي يعيق حراثة الأرض وضخ المياه، كما يشرح السميطي.

الغازي الأخضر

إلى جانب المناخ، برز خطر آخر، أشجار السيسبان، التي تحولت من حل بيئي إلى ما يسميه المزارعون سرطانا أخضر يلتهم الأراضي الخصبة، ويشرح السميطي أن السيسبان يستنزف المياه الجوفية، ويقلل خصوبة التربة، ويشكل بيئة للآفات والزواحف، وقد حوّل آلاف الأفدنة إلى غابات غير منتجة، في ظل غياب أي حملات رسمية لمكافحته.

الدكتور “نجيب سلام”، أستاذ وقاية النبات بجامعة لحج، يشير إلى أن الفلفل الأحمر من أكثر المحاصيل حساسية للتغيرات المناخية، ويقترح حلولا علمية تشمل تطوير أصناف تتحمل الحرارة والجفاف، واستخدام الري بالتنقيط، والتسميد المتوازن، وتعديل مواعيد الزراعة، لكنه يؤكد أن ذلك يتطلب دعما حكوميا وتمويلا للبحث العلمي.

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
صورة للقطن طويل التيلة في مزرعة البحوث الزراعية بأبين جنوبي اليمن

غياب الدور الحكومي هو العامل الأكثر إيلاما، فالمزارعون يشيرون بأصابع الاتهام إلى السلطات المحلية وإلى الحكومة المركزية لعدم تقديم أي دعم ملموس، ويقول أحد مزارعي القطن بمحافظة أبين: “ننتظر منذ سنوات أن تتدخل الدولة بتقديم البذور والأسمدة المدعومة أو حتى بتوفير سعر مرضي لمحاصيلنا، لكن لا حياة لمن تنادي”.

ويشرح السميطي أن منظمة الفاو وغيرها أطلقت مشاريع، لكن النتائج لم تكن ملموسة؛ إذ لم نر تحسنا في قنوات الري ولا في مقاومة الآفات ولا في زيادة الإنتاج، فهذه المشاريع كانت شكلية ولم تنفذ بالشراكة الحقيقية مع المزارعين.

بدروه يوضح مدير مكتب الزراعة بأبين الدكتور “حسين الهيثمي” أن الحرب أسهمت في دمار البنية التحتية، وقطع الوقود، وارتفاع الأسعار وذلك ما جعل المزارع عاجزا عن شراء مستلزمات الإنتاج، ما جعل المزارعين يعتقدون أن الإدارة نفسها غير جادة في البحث عن حلول.

ورغم المشهد القاتم، لا تزال بعض المبادرات الفردية تمنح أملا بإمكانية استعادة جزء من المجد الزراعي المفقود، حيث تبرز تجربة المزارع عامر المعسل الذي نجح في موسم 2019 بزراعة 25 فدانا من القطن و5 أفدنة من القمح باستخدام السماد العضوي وتجنب المبيدات الكيماوية ووصل إنتاج قطنه إلى 40 ألف رطل ليكون بذلك بارقة أمل امام المزارعين الاخرين.

وتأتي اليمن في المرتبة 52 عالمياً في إنتاج القطن، وبلغ الإنتاج حسب رئيس هيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي د. عبدالله علوان 5 مليون و 272 ألف طن من القطن مقابل ما نسبته 27 مليون طن عالمياً، ويعد القطن واحد من أهم خمسة محاصيل زراعية في اليمن منذ السبعينات، إضافة لكونه مصدر اقتصادي يستفاد منه للتصدير سابقاً.

في اليوم العالمي للإذاعة.. كيف شكّل المذياع ذاكرة الريف؟

في قرية معلقة بين الجبل والوادي شمال غرب محافظة حجة، تبدأ صباحات أم داوود، بإشعال موقد الحطب ووضع دلة القهوة على الجمر، ثم تمد يدها إلى مذياع قديم معلق على جدار غرفة إسمنتية عتيقة، تدير الزر، فينساب صوت خافت ودافئ، كهمس جار قديم يروي الحكايات.

لم يكن ذلك الصوت مجرد نشرة أخبار، بل مدرسة غير معلنة، ورفيق وحدة، وجسرا يصل القرية بالعالم الخارجي، في ظل طرق جبلية وعرة، وانقطاع الكهرباء، وضعف شبكات الاتصال. في مثل هذه القرى ظل المذياع لعقود الوسيلة الأكثر حضورا واستقرارا، خصوصا لدى النساء وكبار السن والمزارعين.

يصادف الثالث عشر من فبراير من كل عام اليوم العالمي للإذاعة، تقديرا لدورها في تشكيل وعي المجتمعات. وفي الريف اليمني ما يزال المذياع حاضرا في حياة الفلاح والخياط وبائع الدكان والنجار، بفضل سهولة استخدامه وانخفاض تكلفته، رغم زحف التكنولوجيا وانتشار الهواتف الذكية.


مواضيع مقترحة


تقول أم داوود لـ”ريف اليمن”، وهي تضبط الهوائي بحركة اعتادتها:”تعلمت من الإذاعة أشياء كثيرة، كيف أعتني بالمحصول، كيف أقرأ القرآن، وكيف أعرف ما يحدث خارج الريف ولولا هذا الصوت، لبقينا معزولين”.

بدايات مبكرة

لم يكن حضور المذياع في الريف اليمني حدثا عابرا، بل امتدادا لبدايات مبكرة للبث الإذاعي في البلاد، فقد انطلق أول بث إذاعي عام 1940 من مدينة عدن مع إنشاء “إذاعة عدن”، التي عرفت لاحقا بـ”راديو عدن”، كأول إذاعة رسمية في الجزيرة العربية ببث يومي منتظم.

وفي شمال اليمن، بدأ البث عام 1947 بمحتوى ديني وإمكانات محدودة، قبل أن يشق الصوت طريقه تدريجيا إلى القرى، حيث تحول المذياع إلى نافذة للخبر وركن ثابت في الذاكرة الريفية.

ومع الوقت، أصبح الريف جزءا أساسيا من الخارطة البرامجية للإذاعات اليمنية، إذ ركزت العديد من البرامج على الزراعة والمطر والثروة الحيوانية، إلى جانب قضايا الصحة والتعليم والتراث.

يقول مدير إذاعة سيئون الأسبق، “أحمد بن زيدان”، لـ”ريف اليمن”: “تبنى برامج الريف على احتياجات المجتمع ونتائج استبيانات المستمعين، وتشمل مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتراث، إلى جانب البرامج الثقافية والترفيهية والدرامية التي تلامس واقع وآمال المجتمع الريفي”.

يتحدث “محمد يحيى”، وهو مزارع تجاوز الخمسين، قائلا:” قبل عقدين أو ثلاثة من الألفية، كان المذياع الوسيلة الإعلامية الوحيدة تقريبا، لذلك كان أهل القرية يتحلقون حول جهاز واحد، ثم بدأ الناس يشعرون بأهمية امتلاكه مهما كان ثمنه”.

رفيق المطبخ والحقول

كما فعلت أم داوود حين باعت بعض حليّها لشراء جهاز يعوضها عما فاتها من تعليم، وسرعان ما تبعتها نساء القرية، فأصبح المذياع رفيق المطبخ والحقول، يملأ البيوت بأصوات البرامج المختلفة.

الحاج صالح، مزارع حضرمي تجاوز السبعين، يستعيد تلك المرحلة بابتسامة: “كنا نجتمع مساء في الديوان حول المذياع، نسمع الأخبار من صنعاء وعدن، ونتابع البرامج الزراعية؛ تعلمنا مواعيد الأمطار، وأنواع البذور، وطرق مكافحة الآفات”.


بن زيدان: ما تزال الإذاعة قادرة على الوصول إلى المناطق النائية، وصناعة ذاكرة جماعية عبر برامجها الإخبارية والثقافية والدرامية


ويضيف لـ”ريف اليمن”: “لم يكن الصوت ناقلا للمعلومة فقط، بل صانعا للوقت والطقوس اليومية، فنشرة الظهيرة تعلن استراحة العمل، وبرنامج المساء يرافق جلسات السمر، وإذاعة القرآن الكريم تلازم الفجر والمغرب”.

تحتفظ القرى بذاكرتها عبر الحكايات والأغاني والأصوات، وجاءت الإذاعة لتضيف أرشيفا سمعيا غير مكتوب: صوت مذيع أعلن حدثا تاريخيا، أو حذر من سيول، أو بشر بموسم زراعي جيد. لحظات لم تُدوَّن في دفاتر، لكنها استقرّت في الوجدان.

تقول “بشرى الغيلي”، مذيعة في إذاعة “أثير إف إم”: “أن يسكن صوتي ذاكرة قرية، يعني أنني أصبحت ابنة لتلك الأرض، وصوتا لمن لا صوت لهم في القرى، الذاكرة ليست رفاهية، بل تاريخ يحفر في الوجدان”.

الإذاعة والعصر الرقمي

“خديجة علي”، معلمة ريفية تقول: “حين أسمع نشيدا قديما من الإذاعة، أعود فورا إلى طفولتي، إلى بيتنا الطيني، وإلى أمي وهي تخبز. الصوت يحمل الذاكرة أقوى من الصورة”.

وتستحضر الغيلي موقفا مؤثرا حين تواصلت معها إحدى المستمعات بعد حلقة تناولت تسرب الفتيات من التعليم، وأخبرتها أنها قررت العودة إلى الدراسة متأثرة بما سمعت. “كانت تلك أعظم مكافأة يمكن أن يمنحها الصوت لإنسان”، تقول الغيلي.

المزراع محمد يحيى والمذياع يلازمه منذ ثلاثة عقود(ريف اليمن)

لم تستطع التكنولوجيا أن تقضي على الراديو، ويقول “عبدالمجيد صالح”، طالب بجامعة سيئون: “أستمع إلى الراديو أحيانا في السيارة أو عند انقطاع الإنترنت، لكنه ليس خياري الأول”. ويضيف: “في العصر الرقمي نلجأ إليه حين لا تتوفر الخيارات الأخرى”.

مع تغيّر علاقة الجيل الجديد بالصوت، إذ أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل المصدر الأول للمعلومة والترفيه ومع ذلك، لا تزال الإذاعة تحتفظ بأهميتها في القرى التي تعاني من ضعف الشبكة وارتفاع كلفة الإنترنت وانقطاع الكهرباء.

مستقبل الصوت

يؤكد مدير إذاعة سيئون أن الإذاعة المحلية ما تزال قادرة على الوصول إلى المناطق النائية، وصناعة ذاكرة جماعية عبر برامجها الإخبارية والثقافية والدرامية، إلى جانب إبراز التراث والفنون الشعبية، ويرى أن مستقبل الصوت الإذاعي واعد، خاصة مع مواكبة الإذاعات المحلية للتطور الرقمي عبر البث التقليدي والتطبيقات والمنصات الإلكترونية.

ما يزال المذياع حاضرا بقوة في الأرياف، كونه الوسيلة الأسهل وصولا والأقل كلفة، ولا يشغل المستمع عن عمله كما تفعل الشاشات، يمكن للفلاح أن يزرع، وللخياط أن يخيط، وللنجار أن يعمل، بينما يرافقهم الصوت.


ما يزال المذياع حاضرا في الريف اليمني رغم زحف التكنولوجيا وانتشار الهواتف الذكية بفضل سهولة استخدامه وانخفاض تكلفته


ورغم التحولات الرقمية المتسارعة، لا يبدو أن الإذاعة في الريف اليمني تتجه إلى الزوال، لكنها مطالبة بإعادة تعريف دورها، عبر برامج تفاعلية ومحتوى محلي يعكس لهجة الناس وهمومهم، وربط البث التقليدي بالمنصات الرقمية للوصول إلى الأجيال الجديدة.

تؤكد الغيلي أن الخطاب الإذاعي لم يعد رسميا جافا كما كان، بل أصبح أكثر قربا من الناس، إنسانيا وبسيطا، يلامس همومهم اليومية، خصوصا قضايا المجتمع الريفي، إنه ذاكرة جماعية، وصوت لا يشيخ، ونافذة تفتحها بطارية صغيرة على عالم أوسع من الجبال والوديان.

وكانت دراسة لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي أظهرت أن إقبال اليمنيين على الإذاعات تنامى لعوامل كثيرة، أهمها توقف الصحف الورقية وانعدام الكهرباء والتكلفة المالية للإنترنت، إضافة إلى سهولة وصول الإذاعة للمستمعين في كل مكان بوسائل ممكنة ورخيصة.

وأكدت الدراسة أن هذه الطفرة في الإذاعات المحلية لم تكن إلا نتيجة للاستجابة الواسعة من شريحة واسعة في المجتمع والإقبال على سماعها لظروف استثنائية قد تتغير.