نفذت منصة ريف اليمن مع شركائها في مؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية وبيت الصحافة، الأربعاء 15 أكتوبر/ تشرين أول 2025، حملة صور بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الريفية، بالإضافة إلى عرض فيلم في بيت الصحافة.
وعرضت سينما الأربعاء ضمن برنامج شهر “الحياة الريفية” بالشراكة مع منصة ريف اليمن فيلم “الفتى الذي روّض الريح”، بالتزامن مع يوم الغذاء العالمي الذي يصادف 16 أكتوبر وفق ما أعلنته منظمة الغذاء العالمي.
وعرض فيلم “الفتى الذي روّض الريح” “The Boy Who Harnessed the Wind” في إطار برنامج العروض المتخصصة لسينما الأربعاء التي تُقيمها مؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية وبيت الصحافة.
الفيلم، وهو دراما واقعية بريطانية-مالاوية من إنتاج عام 2019، مستوحى من قصة حقيقية لفتى من مالاوي يُدعى ويليام كامكوامبا، تمكن من إنقاذ قريته من المجاعة والجفاف عبر بناء طاحونة هواء لتوليد الكهرباء وضخ المياه.
يحمل الفيلم رسالة إنسانية عميقة حول الإصرار والتعلم الذاتي وقوة الأمل، ويركز على العلاقة بين المعرفة والبقاء، وكيف يمكن للعلم أن يكون وسيلة لمواجهة الفقر وتحديات الريف.
جانب من الحضور لمناقشة في بيت الصحافة في سينما الأربعاء (ريف اليمن)
وشهدت حلقة النقاش التي أعقبت العرض مشاركة عدد من الحضور والمهتمين بقضايا التعليم والتنمية الريفية، حيث دار النقاش حول إمكانات التغيير التي يحملها التعليم في المجتمعات الريفية، وتشابه الظروف بين الفيلم وواقع الأرياف اليمنية التي تعاني من تراجع فرص التعليم والبنية التحتية.
من خلال هذا العرض، تواصل سينما الأربعاء بالشراكة مع ريف اليمن تسليط الضوء على التجارب السينمائية التي تُعيد الاعتبار للريف كفضاءٍ للحياة والإبداع، وتفتح نقاشًا مجتمعيًا حول إمكانيات النهوض بالتنمية الريفية في اليمن عبر الوعي والمعرفة.
اليوم العالمي للمرأة الريفية
ويعزز نشاط سينما الأربعاء لهذا الشهر من حضور قضايا الريف والمرأة الريفية في الإعلام من خلال النقاشات التي تشملها عروض الأفلام الأسبوعية، ويتزامن ذلك من اليوم العالمي للمرأة الريفية.
وأطلقت منصة ريف اليمن بالشراكة مع مؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية وبيت الصحافة، حملة رقمية مشتركة لمناصرة حضور المرأة الريفية في الإعلام، بهدف إبراز دورها في التنمية المجتمعية وتسليط الضوء على قصصها الملهمة في مواجهة التحديات.
وشهدت الحملة تفاعلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تناولت دور المرأة الريفية وكفاحها في بناء المجتمع رغم التحديات وحالة الصراع المستمرة في البلاد، وشارك ناشطون صورا لكفاح المرأة الريفية اليمنية وقصص لمنصة ريف اليمن.
وكتب الصحافي عبد الرقيب العيسي “إن المرأة الريفية اليمنية أعتقد هي أكثر كدًّا وشقاء بين كل نساء العالم، وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة الريفية، في قريتي ومسقط رأسي، قرية جبل الشامي، تواجه النساء أشد المعاناة في جلب الماء، وتربية الأبقار، وزراعة الأرض، وجلب الحشيش من أعلى المرتفعات والأماكن الخطرة”.
وأضاف -في صفحته على “فيسبوك”- “إن المرأة في جبل الشامي هي أقوى النساء في العالم وأكثر شقاءً بفعل الظروف البيئية والجغرافية، وتشتد معاناة المرأة في أيام الجفاف الطويلة بسبب تغيرات المناخ، مما يؤدي إلى جفاف الآبار الرئيسية، ويجعل حصول المرأة على المياه أمرًا صعبًا جدًا”.
من جانبها علقت أستاذة الصحافة في كلية الإعلام بجامعة صنعاء، سامية الأغبري بالقول “فعلا قسوة الطبيعة وقسوة البشر تحمل المرأة اليمنية فوق طاقتها ولا تجد من يقدرها”.
وكانت الحملة لإبراز قصص الكفاح التي تجسدها المرأة الريفية اليمنية، ولتشجيع الجمهور على توثيق مظاهر الحياة الريفية ودعم النساء اللواتي يشكلن عماد التنمية في الريف اليمني.
تتميز الحياة الريفية في اليمن بطابعها البسيط والمعتمد على الزراعة والرعي والحرف اليدوية، في ظل ضعف الخدمات الأساسية وغياب البنية التحتية الحديثة، ومع ذلك، بدأت ملامح التحول الرقمي تتسلل تدريجيا إلى هذه القرى، عبر انتشار الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت؛ مما فتح آفاقا جديدة أمام السكان، خصوصا الشباب والنساء، للتعلم والتواصل والعمل عن بعد.
في اليوم العالمي للمرأة الريفية، تبرز الرقمنة كأحد أهم مسارات التحول التي أعادت تشكيل حياة نساء القرى اليمنيات، وجعلتهن فاعلات في التنمية رغم الأزمات الممتدة منذ سنوات الحرب، فالمرأة الريفية اليمنية، لم تعد تلك التي تكتفي بالمعول وسعف النخيل، بل أصبح العديد منهن يحملن هواتف ذكية متطورة.
تقول “انتصار الفقيه”، رئيسة تنمية المرأة بمحافظة الضالع: “إن الريف اليمني يشهد تحولا رقميا متسارعا خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد الهواتف وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت نافذة للتعليم، والخدمات، والتجارة، والتمكين الاجتماعي، خصوصا في أوساط الفتيات؛ إذ أتاح لهن فرص التعليم عن بعد وتسويق المنتجات الحرفية والزراعية عبر الإنترنت؛ ما منحهن استقلالية اقتصادية وقدرة على مواجهة القيود الاجتماعية”.
وأوضحت الفقيه خلال حديثها لـ”منصة ريف اليمن”، أن هذا التحول مر بعدة مراحل، بدأت بدخول الهواتف البسيطة التي خففت من عزلة القرى، مرورا بتحسن تغطية شبكات الاتصالات وانتشار الإنترنت، ووصولا إلى استخدام الهواتف الذكية، والتطبيقات التعليمية، والتجارية، والخدمية.
تبرز الرقمنة كأحد أهم مسارات التحول التي أعادت تشكيل حياة نساء القرى اليمنيات (ريف اليمن)
من العزلة إلى الاتصال
لكنها تشير أيضا إلى وجود تحديات تواجه هذا التحول، منها ضعف البنية التحتية للاتصالات، وارتفاع تكلفة الإنترنت، والأمية الرقمية، بالإضافة إلى المخاوف الثقافية المرتبطة باستخدام الفتيات للتقنية، ومخاطر التعرض للمضايقات الإلكترونية.
وأكدت الفقيه أن التحول الرقمي ليس مجرد اقتناء هاتف ذكي، بل هو عملية تنموية متكاملة، مشددة على أهمية بناء قدرات الفتيات في مجال المهارات الرقمية والسلامة الإلكترونية، وإنشاء مراكز رقمية مجتمعية في القرى، وتطوير تطبيقات محلية تراعي اللغة والثقافة اليمنية، إلى جانب تبني سياسات حماية وتشريعات لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
بدورها تقول الإعلامية “سميرة عبداللطيف” إن الريف اليمني ظل لفترة طويلة رمزا للعزلة، سواء كانت عزلة جغرافية تحول دون الوصول إلى الأسواق، أو عزلة معلوماتية تحرم سكانه من الوصول إلى المعرفة والفرص. لكن اليوم غيرت التكنولوجيا هذه المعادلة جذريا؛ إذ لم تفتح الرقمنة آفاقًا جديدة أمام المرأة الريفية فحسب، بل أعادت تعريف دورها الاقتصادي والاجتماعي، وسهّلت عليها الكثير من جوانب الحياة اليومية.
سميرة عبداللطيف: الريف اليمني ظل لفترة طويلة رمزا للعزلة سواء كانت عزلة جغرافية تحول دون الوصول إلى الأسواق، أو عزلة معلوماتية تحرم سكانه من الوصول إلى المعرفة والفرص
وتضيف عبداللطيف خلال حديثها لـ”منصة ريف اليمن”: الإنترنت أصبح بمثابة جسر عبور للمرأة الريفية من سوق القرية المحدود إلى نافذة تجارية مفتوحة على العالم، حيث تحولت الحسابات البسيطة على “إنستغرام” و“فيسبوك” إلى منافذ بيع تتجاوز حدود المحافظات والدول.فالنساء اللواتي كنّ ينتظرن الأسواق الأسبوعية أو تجار الجملة لبيع منتجاتهن من الزيوت أو المنسوجات، أصبحن اليوم يتلقين طلبات شراء من خارج اليمن.
وأشارت إلى أن الأمر لا يقتصر على التسويق فقط، بل يمتد إلى المعرفة والتمكين؛ إذ وفّر الإنترنت للنساء في الريف فرصا للتدريب والتعليم عن بعد لم يكن يحلمن بها من قبل، وتختم بقولها إن التكنولوجيا لم تمنح المرأة الريفية أدوات بيع فحسب، بل منحتها المعرفة والقدرة على التطوير، لتصبح قادرة على تحسين جودة منتجها وتسويقه من منزلها، “وذلك هو التمكين الحقيقي الذي قدمه العالم الرقمي لنساء الريف اليمني”.
تغير العادات
إلى جانب خدمتها للمرأة الريفية، أحدثت الرقمنة نقلة نوعية في أنماط التواصل داخل القرى؛ إذ لم تعد المجالس واللقاءات الأسبوعية هي المصدر الوحيد لتبادل الأخبار، بل انتقلت العلاقات الاجتماعية والتعليم والتسوق إلى الفضاء الرقمي.
ويقول الباحث الاجتماعي “فضل الربيعي” إن تأثير الهواتف الذكية والإنترنت على الحياة الريفية يحمل بُعدين، إيجابيا وسلبيا في آن واحد؛ من حيث الإيجابي أسهمت الهواتف الذكية في تسهيل التواصل بين أفراد الأسر الريفية المشتتة، خصوصا في ظل واقع اجتماعي تتوزع فيه العائلات بين القرى والمدن أو في دول الاغتراب.
أما من الجانب السلبي، فأشار الربيعي إلى أن الاستخدام المفرط أو الخاطئ للتقنيات الرقمية قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والإدمان الإلكتروني؛ مما ينعكس سلبا على العلاقات الأسرية والتفاعل المجتمعي في البيئة الريفية، ، داعيًا إلى توجيه استخدام التكنولوجيا بما يخدم الترابط الاجتماعي والتنمية، لا أن يبددها.
كما أحدث التحول الرقمي أثراً اقتصادياً ملموساً في الحياة الريفية، حيث بدأت التكنولوجيا تدخل مجالات الزراعة والتجارة المحلية، وساهمت في تحسين الإنتاج والتسويق، واستخدم المزارعون الهواتف الذكية للحصول على معلومات حول الطقس والأسعار والأسمدة، فيما فتح الإنترنت آفاقًا جديدة أمام الشباب والنساء لإطلاق مشاريع منزلية صغيرة، وتسويق منتجاتهم إلكترونيًا.
أثر اقتصادي
ويقول المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية “فارس النجار”، لـ”منصة ريف اليمن” إن الحديث عن مستقبل الاقتصاد الريفي في اليمن لا يمكن أن يتم دون التطرق إلى الدور المتزايد للتكنولوجيا، التي لم تعد مجرد أدوات رفاهية، بل أصبحت وسيلة بقاء في ظل تراجع البنية التحتية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأوضح أن التحول نحو الطاقة الشمسية في الزراعة يمثل أبرز مظاهر الرقمنة الاقتصادية في الأرياف؛ إذ غيّر من بنية الإنتاج الزراعي بشكل ملموس. وأكد النجار أن هذه التحولات وفّرت على المزارعين ما بين 35% إلى 45% من كلفة التشغيل، وساعدتهم على الاستمرار بالإنتاج رغم أزمات الوقود.
خلق الانترنت فرص تجارية للنساء لتسويق منتجاتهن من المشاريع الصغيرة
وأضاف أن التكنولوجيا أسهمت أيضًا في خلق فرص اقتصادية جديدة عبر التجارة الرقمية والمشاريع الصغيرة، مستندًا إلى تقرير DataReportal (مارس 2025) الذي أشار إلى وجود 7.29 مليون مستخدم للإنترنت في اليمن بنسبة 17.7% من السكان، بينهم 4.4 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي.
وبرغم أن النسبة لا تزال منخفضة، إلا أنها فاعلة في المدن والمناطق شبه الحضرية، حيث نشأت مئات المشاريع المنزلية التي تديرها النساء، معتمدات على التسويق الإلكتروني. ووفقًا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2024، فقد شهدت تلك المشاريع زيادة في المبيعات بأكثر من 30% خلال عام واحد، خاصة في مجالات العسل والبن والمشغولات اليدوية.
وبيّن النجار أن برامج التدريب الرقمي التي نفذتها منظمة SMEPS في محافظات حضرموت وتعز وعدن وفّرت أكثر من 2000 فرصة عمل غير مباشرة في مجالات التسويق الإلكتروني والتغليف والتوصيل المحلي. لكنه في المقابل، أشار إلى تحديات كبيرة تواجه الريفيين في الوصول إلى الأسواق الرقمية، منها ارتفاع تكلفة الإنترنت وضعف سرعته، كما أن انقطاع الكهرباء وضعف الشمول المالي يشكلان عقبات إضافية، حيث لا يمتلك سوى 7% من اليمنيين حسابات مصرفية رسمية.
فجوة كبيرة
ولفت النجار إلى أن نقص المهارات الرقمية يمثل تحديًا آخر، حيث أظهرت دراسة لليونسكو عام 2023 أن 60% من سكان الريف لا يمتلكون المهارات الكافية لاستخدام الأدوات التقنية الحديثة.
وأضاف: “إذا تم توفير الإنترنت بأسعار عادلة، ودُعمت مبادرات التدريب الرقمي، وتم توسيع أنظمة الدفع المحلية، يمكن للتكنولوجيا أن تفتح آفاقًا جديدة لآلاف اليمنيين في القرى، وتحوّل الريف من منطقة استهلاك إلى منطقة إنتاج ونمو اقتصادي حقيقي”.
إنتصار الفقية: الريف اليمني يشهد تحولا رقميا متسارعا خلال السنوات الأخيرة إذ لم تعد الهواتف وسيلة للتواصل فقط بل نافذة للتعليم والخدمات والتجارة والتمكين الاجتماعي
رغم ما أحدثته الرقمنة من فرص وتغييرات إيجابية في الأرياف اليمنية، إلا أن الطريق لا يزال مليئا بالتحديات والعوائق، فضعف البنية التحتية للاتصالات وانعدام الكهرباء يعرقلان استفادة الريفيين من التكنولوجيا بشكل فعّال.
كما تمثل الأمية الرقمية وغياب برامج التدريب والتأهيل عقبة أمام الكثيرين، خاصة النساء والشباب، في التعامل مع الأدوات الحديثة وإدارة المشاريع عبر الإنترنت، إلى جانب ذلك ما تزال هناك فجوة واضحة بين الريف والمدينة، في الوصول إلى الخدمات الرقمية، ما يجعل فرص التعليم والعمل والابتكار في الريف محدودة مقارنة بالمناطق الحضرية.
وتؤكد الحقوقية إسراء النجار أن الرقمنة في الأرياف اليمنية ما زالت تعاني من فجوة واضحة في العدالة الرقمية بين الريف والمدينة، مؤكدة أن غياب البنية التحتية وضعف التدريب يشكلان حرمانًا من حق أساسي هو الوصول إلى المعرفة.
وأوضحت خلال حديثها لـ”منصة ريف اليمن”، أن الإنترنت لم يعد ترفًا، بل حقًّا من حقوق التنمية، مشيرة إلى أن النساء في القرى أكثر تأثرًا بهذه الفجوة بسبب الأمية الرقمية وغياب المبادرات التي تراعي احتياجاتهن.
وتشير النجار إلى أن النساء في القرى أكثر تضررا بسبب الأمية الرقمية وغياب برامج التدريب، مؤكدة أن تحقيق شمول رقمي حقيقي يتطلب دمج الريف في خطط التحول الرقمي الوطني وتوفير برامج تدريب تراعي الفوارق التعليمية والجغرافية.
* تم إنتاج هذه المادة من قبل منصة ريف اليمن ضمن مشروع سينما الأربعاء بالشراكة مع بيت الصحافة ومؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية.
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الريفية، تطلق منصة ريف اليمن، الساعة الثامنة والنصف من مساء اليوم الأربعاء، حملة تفاعلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتسليط الضوء على دور المرأة الريفية وكفاحها في بناء المجتمع رغم التحديات.
وتدعو المنصة جميع المواطنين والمصورين والمهتمين إلى مشاركة صور لنساء ريفيات من مختلف مناطق اليمن، توثق واقعهن اليومي في العمل الزراعي أو الحرفي أو الاجتماعي، وقصص نجاحهن وذلك باستخدام الهاشتاج التالي: #اليوم_العالمي_للمرأة_الريفيه #منصة_ريف_اليمن
وأكدت إدارة المنصة أن الحملة تأتي لإبراز قصص الكفاح والإبداع التي تجسدها المرأة الريفية اليمنية، ولتشجيع الجمهور على توثيق مظاهر الحياة الريفية ودعم النساء اللواتي يشكلن عماد التنمية في الريف اليمني.
مع فجر كل يوم جديد، تخرج “نبيلة قاسم (37 عاما)” من بيتها الواقعة في منطقة الصرم التابعة لمديرية المسراخ، جنوبي تعز، محملة على رأسها عدداً من الجوالين الصغيرة المخصصة لتعبئة الماء، وأخرى على ظهر حمار اشترته ليعينها على نقل الماء، قبل أن تبدأ نهارها الطويل في مزرعتها الصغيرة.
الأرض التي كانت يوما قاحلة تحولت إلى مصدر حياة بفضل جهدها وإصرارها المتواصل رغم التعب والمشقة. تعد نبيلة مثالا لآلاف النساء الريفيات اللواتي يصنعن الحياة من قلب الأزمات، ويواجهن الجفاف والحرب والفقر بما تبقى لهن من عزيمة.
مع حلول اليوم العالمي للمرأة الريفية الذي يصادف 15 أكتوبر من كل عام، تتجدد الدعوات إلى ضرورة دعم النساء الريفيات، وتعزيز البرامج التعليمية والتدريبية التي تتيح لهن فرصا أوسع للمشاركة في الاقتصاد المحلي، فالمرأة الريفية ليست مجرد عاملة في الحقل، بل عمود الحياة في المجتمعات الريفية، لكن تلك الدعوات سرعان ما تغيب ولا يحدث لها أثر.
تقول نبيلة وهي أم لأربعة أطفال: “أستيقظ مع ساعات الفجر الأولى، وأقوم بتجهيز الطعام لأولادي حتى لا يتأخروا عن موعد الذهاب للمدرسة، وبعدها أتوجه إلى بئر القرية، وأقوم بجلب ما نحتاجه من الماء ليوم كامل”، وتضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “أحمل جزءا من دباب الماء (جوالين صغيرة) فوق رأسي وفي يدي، والجزء الآخر على ظهر الحمار”.
معركة يومية للبقاء
بعد عودتها من جلب الماء، تبدأ نبيلة رحلة جديدة من المعاناة، إذ تتوجه نحو الوادي لرعي ثلاثة رؤوس من الأغنام اشترتها لتعينها على صعوبات الحياة، بالإضافة للعمل داخل الأرض التي يملكها زوجها، من خلال جمع الحشائش وإصلاح التربة وغيرها من الأعمال المتعلقة بالزراعة.
لم تعد الزراعة في الأرياف اليمنية مجرد مهنة، بل معركة بقاء يومية تخوضها النساء في الحقول، حيث تؤكد تقارير البنك الدولي أن النساء يشكلن نحو 95٪ من القوى العاملة الزراعية في البلاد، وأكثر من 90% في مجال الثروة الحيوانية، ويقمن بأدوار متعددة تشمل الزراعة، والرعي، وإدارة المياه، وحفر القنوات، وتحسين أنظمة الري.
خلال السنوات الماضية، نفذت الحكومة اليمنية بالتعاون مع منظمات دولية، منها البنك الدولي ومنظمة الفاو، برنامج “الاستجابة الطارئة للأزمة”، الذي ساعد النساء على تعلم تقنيات الري الموفرة للمياه، والزراعة المقاومة للتغير المناخي. كانت هذه الخطوات بمثابة بصيص أمل في بيئة ينهشها الجفاف والتصحر، لكنها لم تكن كافية لتغطية احتياجات آلاف الأسر الريفية التي تقودها النساء.
تجبر الكثير من الفتيات على ترك التعليم مبكرا في الأرياف اليمنية إما بسبب الفقر أو بُعد المدارس أو العادات والتقاليد المجتمعية
رغم هذه المبادرات، تبقى المرأة الريفية اليمنية محاطة بجملة من التحديات اليومية التي تجعل حياتها شديدة القسوة، كما أن نقص المياه وانقطاعها المستمر يشكل عبئا إضافيا، حيث تقع على عاتق النساء مهمة جلب الماء من مسافات بعيدة، إلى جانب أعمال الطبخ والزراعة ورعاية الأطفال.
بعد عودتها قبل الظهيرة، تبدأ نبيلة عملاً جديداً من خلال تجهيز وجبة الغداء، ومذاكرة الدروس لأولادها. “درست إلى ثامن ابتدائي، لكنني أحاول أن أذاكر لهم الدروس التي أستطيع فهمها، والمواد الصعبة كالرياضيات والفيزياء وغيرها تبقى دون مذاكرة، لا يوجد لنا حل آخر، خاصة مع تراجع جودة التعليم”، تقول نبيلة.
أنوار تضيئ عتمة الريف
تجبر الكثير من الفتيات على ترك التعليم مبكرا في الأرياف اليمنية؛ إما بسبب الفقر أو بعد المدارس أو العادات والتقاليد المجتمعية؛ مما يقلل من فرصهن في الحصول على مهارات مهنية جديدة أو المشاركة في مشاريع التنمية، ويزيد من ذلك الضغط الاجتماعي الذي يقيد حركتهن أو يحبط مبادراتهن بحجة العادات والتقاليد.
قصة نبيلة ليست استثناء، فهناك مئات القصص المضيئة في عتمة الريف، في قرية رحبان، التابعة لمديرية خدير، تحولت حياة أم محمد إلى معاناة بعد وفاة زوجها، لكنها بدأت رحلة كفاح طويلة، تتمثل في تربية أبنائها والعمل على توفير لقمة عيش كريمة لهم، فتقول: “تركني زوجي وحيدة بعد وفاته، لدي خمس أولاد، اثنان منهم مصابون بمرض فقر الدم، حاولت أن أتغلب على صعوبات الحياة، قمت ببيع ذهب كنت أمتلكه واشتريت مكينة خياطة وسجلت ضمن دورات لتعليم الخياطة”.
تضيف أم محمد لـ “منصة ريف اليمن”: “بدأت العمل، وعند البداية كان العمل متحركا، والنساء قمن بتشجيعي لكن العمل تراجع والحركة قلت نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة للمواطنين، فاضطررت لشراء بقرة وعدد من الأغنام، وحاليا أقوم برعايتها مع العمل في الوادي”، وتؤكد: “نحن نقاوم لكننا لم ننكسر”.
بحسب استطلاع أجرته منصة “WINDAP”، أشار أكثر من 92٪ من المشاركين إلى أن النساء اليمنيات يسهمن بشكل فعال في تمكين الاقتصاد المحلي، من خلال خلق فرص عمل، وتقليل البطالة، وتحسين معيشة أسرهن.
رغم هذه الأرقام الإيجابية، تبقى العقبات كثيرة، فالوصول إلى التمويل يمثل تحديا كبيرا، كما أن وعورة الطرق الريفية وبُعدها عن مراكز المدن يجعل من عملية التسويق عبئا إضافيا يزيد من كلفة الإنتاج، ويضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية؛ ما يجعل الاستدامة في المشاريع أمراً بالغ الصعوبة، كما أن العادات والتقاليد تعد من العوائق أيضا، إذ تواجه كثير من النساء نظرة مجتمعية تقلل من شأن العمل النسوي خارج المنزل؛ مما يحد من مشاركتهن.
رئيسة مؤسسة خطوات للتنمية “أنيسة اليوسفي” قالت إن المرأة الريفية في اليمن تواجه واقعا صعبا لا يختلف كثيرا عن نظيرتها في المدينة؛ إذ إن الخدمات في كلا البيئتين تكاد تكون معدومة، مؤكدة أن انهيار التعليم يمثل السبب الجوهري لتراجع وضع المرأة.
وأضافت خلال حديثها لـ”منصة ريف اليمن” قائلة: “طالما أن التعليم منهار، فإن المرأة الريفية لن تحصل على حقوقها، لأن غياب الوعي والدورات والفعاليات التي تنشر التثقيف في الريف يؤدي إلى انهيار منظومة القيم بأكملها”، مؤكدة أن المرأة الريفية تعاني من الظلم وحرمان الحقوق والمواريث والإقصاء في مختلف المجالات.
رعاية وتمكين
وتشير اليوسفي إلى أن المرأة الريفية تتحمل أعباء جسيمة داخل المنزل وخارجه؛ حيث تعمل في الحقل، وتعد الطعام، وتربي الأطفال، وتوفر المياه. تعمل كآلة لا تتوقف دون أي دعم أو تقدير، ودون أن تنال أبسط حقوقها، لكن أكدت أن التعليم هو المفتاح الحقيقي لتمكين المرأة الريفية، لافتة إلى أن كثيرا من الفتيات في الأرياف يحرمن من مواصلة تعليمهن بعد المرحلة الابتدائية، بينما لا يسمح للبعض حتى بالالتحاق بالمدرسة، وإن حرمت الفتاة من التعليم، حرمت من الوعي والمعرفة بحقوقها، وبالتالي من القدرة على الدفاع عنها.
داليا محمد: واجب الدولة أن تنظر إلى المرأة الريفية كشريك أساسي في المجتمع فهي تتحمل مسؤوليات كبيرة جدا، في ظل ظروف صعبة وانعدام كثير من الخدمات
كما تناولت الناشطة المجتمعية الوضع الصحي قائلة إن الجهل وغياب التوعية الصحية يتسببان في فقدان كثير من النساء والفتيات حياتهن نتيجة أمراض بسيطة يمكن علاجها لو وجدت الرعاية الصحية اللازمة أو التوعية الكافية، واختتمت بالتأكيد على أن المرأة المتعلمة الواعية قادرة على النهوض بنفسها ومجتمعها، سواء كانت تعمل في الزراعة أو في أي مجال آخر، موضحة أن التعليم والتمكين يوفران للمرأة الأدوات والأساليب التي تجعلها أكثر إنتاجًا وإبداعا.
في حين أكدت الناشطة الحقوقية “داليا محمد”، أن من واجب الدولة أن تنظر إلى المرأة الريفية كشريك أساسي في المجتمع وليس كمجرد فئة مهمشة، فالمرأة الريفية في اليمن تتحمل مسؤوليات كبيرة جدا، في ظل ظروف صعبة وانعدام كثير من الخدمات.
ودعت محمد خلال حديثها لـ “منصة ريف اليمن”، الحكومة إلى أن تضمن للمرأة الريفية حقوقها الأساسية في التعليم، والصحة، والمشاركة الاقتصادية، وأن توفر بيئة آمنة تساعدها على العيش بكرامة، وتشرك في اللجان المحلية، واتخاذ القرار على مستوى القرى والمديريات، لأنها الأعرف باحتياجات مجتمعها، مؤكدة أن تخفيف معاناة المرأة الريفية لن يتحقق بالمساعدات المؤقتة، بل من خلال سياسات عادلة وتنمية مستدامة تضعها في قلب الخطط الحكومية.
في بلدٍ أنهكته حربٌ مستمرة منذ أكثر من عقد، وتحوّل فيه تأمين المعيشة معركة يومية في ظل تبدّد فرص العمل، وتتهاوى الخدمات الأساسية، لم تنكسر إرادة المرأة اليمنية، بل أعادت صياغة حضورها لتصبح في كثير من الأحيان عماد الأسرة وسندها الأول، وفاعلة في المجتمع المحلي بالعمل.
ومن رحم قسوة الحرب ولدت محاولات شجاعة، حيت اتجهت النساء في المناطق الريفية إلى الأرض للزراعة وتربية الماشية، والبعض منهن انخرطن في مشاريع وأعمال صغيرة متواضعة، مثل الخياطة وصناعة منتجات تغليفية وحرفية بسيطة، وفتحن المحلات لتتحول تلك الجهود الصغيرة إلى جدار يحمي أسرهن من السقوط الكامل في هوة الحاجة.
وخلال السنوات الماضية أخذت هذه المحاولات في التبلور على شكل مبادرات فردية وأخرى جماعية، ظهرت في محافظات عدة، ولم تكن مجرد أعمال للرزق، بل رسائل مقاومة هادئة في وجه واقع ثقيل، ودليلاً حيّاً على أن النساء، رغم كل الانكسارات التي شملت الجميع، قادرات على الوقوف والبقاء في وجه أزمات معقدة، ومتداخلة ومتراكمة منذ ما قبل الصراع.
وبالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة الريفية، نبرز كيف صنعت النساء في اليمن فارقاً في المشاريع الصغيرة، التي وفرت سبل العيش وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والاعتماد على الذات في توليد الدخل، على الرغم من التحديات.
مبادرات مزدوجة للنساء
في واحدة من أكثر مناطق اليمن هشاشة، مديرية القبيطة بمحافظة لحج، عملت عشرات النساء في مبادرة غير مألوفة؛ تقوم بتصنيع منتجات تعمل بالطاقة الشمسية، في مسعى لتأمين دخل ثابت، وتحسين أوضاع أسرهن وتوفير موارد قيّمة لمجتمعاتهن في مهمة مزدوجة توفر مصدراً معيشياً للنساء، وتوفر خدمة للمجتمع.
وتدعم الطاقة الشمسية النساء لتعزيز سبل عيشهن وتوفير موارد قيّمة لمجتمعاتهن، حيث تم تدريب 175 امرأة على استخدام وتجميع وتسويق منتجات الطاقة الشمسية، مثل الفوانيس والأفران الشمسية، مع توفير إرشادات عملية ودعم مالي وعيني لإنشاء مشاريع دخل خاصة بهن؛ وفق تقرير البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة في اليمن.
وأشار في تقرير له إلى أنه تم إنتاج نحو 3000 فانوس شمسي و18000 فرن شمسي، تم توزيعها على الأسر المحتاجة، بما في ذلك أسر النازحين داخلياً، مؤكدة أن أثر هذا المشروع لا يقتصر على تلبية الاحتياجات الفورية للطاقة فحسب، بل يمتد أيضاً إلى تعزيز الاقتصادات المحلية المستدامة.
وقالت أماني، إحدى المبادرات: “منحت فرصة عمل وأصبحتُ أمتلك الآن مهارات أستطيع استخدامها لإعالة نفسي ومساعدة الآخرين في منطقتي”، مشيرة إلى أن ذلك “سيُحسّن حياة الأسر المحتاجة في المجتمع المحلي”.
نساء يعملن على إنتاج الأدوات الشمسية في مديرية القبطية – لحج (UNDP)
بدورها تعتزم “رندة”، استغلال المعرفة لبناء مشروعها الخاص، ورأت أن هذا “لا يعود بالنفع عليّها وعلى عائلتها فحسب، بل يوفر أيضاً منتجات طاقة شمسية آمنة وبأسعار معقولة في مديرية القبيطة وخارجها.
وتُبرز المبادرة -وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي- تركيزها على الاستدامة والشمولية على المدى الطويل، إذ تُعزّز قدرة النساء، وتُرسي الأساس لمجتمعات أكثر اعتماداً على الذات.
وفي مديرية القطن بمحافظة حضرموت، انطلقت تجربة مشابهة ضمن ذات المشروع. “دلال” -إحدى المتدربات- قالت إنها تعلمت فهم كيفية بدء مشروع من الصفر وتحسين الدخل. وقالت: “يحتاج سوق العمل في اليمن بشدة إلى مثل هذه المبادرات لمعالجة صعوباتنا المعيشية، مثل الدخل المحدود”.
كما اعتبرت “مريم”، أن مشروع الطاقة الشمسية يهدف إلى “حماية البيئة والحد من معاناة الناس خلال فترة نقص الغاز من خلال الترويج للطاقة الشمسية المتجددة، وهو يُحسّن حياة الجميع هنا”، بدورها قالت سارة: “لقد تبنى مجتمعنا هذه المنتجات لأنها صديقة للبيئة وآمنة للاستخدام”.
وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “حصلت نحو 375 امرأة على تدريبات متقدمة في تقنيات الطاقة الشمسية ومهارات ريادة الأعمال، وتمكنت بعضهن من إنشاء مشاريع صغيرة لإنتاج وتسويق المنتجات الشمسية، كما جرى توزيع آلاف الفوانيس والأفران على الأسر المحتاجة، بما عزز الأمن الطاقي وخفّض الاعتماد على الوقود التقليدي”.
نساء الريف
“بالنسبة للنساء في ريف اليمن، لا يعد الحصول على الطاقة مسألة ممتلكات منزلية فحسب، بل يتجاوز ذلك كونه تعبيرا عن الكرامة والأمان، وصوتًا مسموعًا في مستقبل مجتمعاتهن”. وفق تقرير الأمم المتحدة.
تواجه المرأة في اليمن محدودية العبء اليومي الناجم عن انعدام الطاقة، يفتقر أكثر من 70% من سكان اليمن إلى كهرباء دائمة، مما يجبر النساء بصفتهن الأكثر تضررا من الفقر على قضاء ساعات في جمع الوقود، وهي معاناة مضاعفة.
عن التحديات التي تواجهها النساء، قالت “بشرى سلامة”، رئيسة جمعية المرأة للتنمية في حضرموت “تواجه النساء عوائق كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، وتحتاج المجتمعات الريفية إلى مزيد من الوعي بالإمكانيات التي توفرها الطاقة الشمسية بالحصول على الطاقة والدخل معاً”.
وتواجه اليمن أزمة كهرباء مزمنة تفاقمت مع الصراع المستمر منذ أكثر من 11 عاماً؛ ما جعل معظم السكان في مختلف المحافظات محرومين من هذه الخدمة الأساسية التي يفترض على الجهات المعنية أن توفرها.
وحتى في المناطق الحضرية التي ما تزال تتوفر فيها الكهرباء، فإن تكلفتها باتت تزيد بأكثر من 25 ضعفاً عمّا كانت عليه قبل الحرب، الأمر الذي دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على الألواح الشمسية المستوردة من الخارج، ومع ذلك، يظل سكان المناطق النائية يواجهون هذه الأزمة بصورة مستدامة دون حلول عملية تلبي احتياجاتهم لاسيما في ظل ضعف قدرتهم الشرائية.
واقع الأزمة الإنسانية
وتشير بيانات رسمية وأخرى تابعة للأمم المتحدة، إلى أن الحرب المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات أدت إلى أزمة اقتصادية خانقة انعكست على مختلف المؤشرات التنموية والمعيشية، حيث ارتفعت معدلات البطالة إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل اندلاع الصراع، لتصل إلى نحو 35 في المائة مقارنة بـ14 في المائة سابقاً، فيما فقد مئات آلاف العمال وظائفهم نتيجة توقف الأنشطة الإنتاجية وانكماش الاقتصاد، حسب ما سبق ونشرته صحيفة الشرق الأوسط.
وذكرت تقارير حكومية أن ما يقرب من 66 في المائة من السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في وقت تجاوزت فيه نسبة الفقر 78 إلى 80 في المائة من إجمالي السكان البالغ عددهم 32.6 مليون نسمة، يشكّل الشباب نحو 70 في المائة منهم، ما يجعل هذه الفئة أمام مستقبل غامض، وخيارات شبه مسدودة.
وأوضحت البيانات أن الاقتصاد اليمني انكمش بنحو 50 في المائة من الناتج المحلي، وتراجعت الإيرادات العامة، وارتفعت المديونية الخارجية، في حين وصلت نسبة التضخم إلى نحو 40 في المائة، وفق الصحيفة.
وتزامن ذلك مع تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي التي طالت نحو 60 في المائة من السكان، فضلاً عن نزوح أكثر من 4.3 إلى 4.5 مليون شخص داخلياً، يفتقر معظمهم إلى الخدمات الأساسية.
وتتكبد المرأة الريفية في اليمن العناء الأكبر في ظل الأزمة الإنسانية في البلاد وانعدام الأمن الغذائي، وتتحمل مشاق كبيرة في توفير المياه والعمل بالزراعة، وتتفاقم معاناتها بالنزوح المستمر، لكنها في ذات الوقت تمثل قوة ملهمة في الكفاح والحفاظ على تماسك أسرتها وخدمة المجتمع بتفاني.
تُعد معرفة تأثير المحاصيل الزراعية على التربة من العوامل الأساسية لضمان استدامة الإنتاج، إذ تسبب بعض محاصيل الخضر إجهاداً كبيراً للتربة نتيجة استنزاف العناصر الغذائية، بينما تُسهم محاصيل أخرى في تحسين خصوبتها واستعادة توازنها.
ويساعد هذا الفهم المزارعين على اختيار المحاصيل المناسبة وفق قدرة التربة على التحمل، وتخطيط الدورة الزراعية بفعالية للحد من الاستنزاف وزيادة العائد الاقتصادي، وهو ما سنتطرق إليه في التقرير الإرشادي التالي.
المحاصيل المُجهِدة للتربة
تُعد هذه المجموعة من المحاصيل من أكثر الأنواع استهلاكاً للعناصر الغذائية الأساسية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، مما يؤدي إلى إجهاد واستنزاف التربة عند زراعتها بشكل متكرر دون تعويض العناصر المفقودة بالأسمدة العضوية أو الكيميائية.
تصنيف محاصيل الخضر وفقاً لدرجة إجهادها للتربة يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الزراعة المستدامة
إجهاد كبير للتربة بعد الحصاد، ما لم يتم تجديد خصوبتها بالتسميد المنتظم.
قابلية مرتفعة للإصابة بالأمراض التي تتراكم في التربة، خصوصاً في محاصيل العائلة الباذنجانية مثل الطماطم والباذنجان.توصية: يُفضل عدم زراعتها في نفس الأرض إلا بعد دورة زراعية لا تقل عن 3 سنوات، أو زراعتها بالتناوب مع محاصيل بقولية غير مجهدة لتحسين خصوبة التربة.
تُعد هذه المحاصيل من الفئة متوسطة التأثير على خصوبة التربة، إذ تستهلك العناصر الغذائية بمستوى معتدل دون أن تؤدي إلى استنزافها الكامل، مما يجعلها مناسبة للزراعة ضمن خطط التناوب الزراعي.
أبرز المحاصيل نصف المُجهِدة:
البصل
الثوم
الكراث يُعرف محلياً بـ”البيعة أو الخضرة أو القشم أو الخصار”
الخيار
البطيخ (الحبحب)
الشمام
الفجل يعرف أيضاً بـ”البقل – القشمي”
البنجر يعرف أيضا بـ “الشوندر، الشمندر”
البقدونس
الكرفس
الخصائص:
استهلاك متوسط للعناصر الغذائية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، وتأتي في مرتبة وسط بين المحاصيل المجهِدة وغير المجهِدة.
مرونة عالية في الدورة الزراعية، إذ يمكن زراعتها بعد المحاصيل المجهِدة لتقليل إجهاد التربة، أو قبلها مع إضافة الأسمدة الأساسية.
تأثيرات متباينة في التربة؛ فبعضها كالبصل والثوم يمتلك تأثيراً مثبطاً لنمو بعض الميكروبات الضارة، لذا يُستحسن عدم تكرار زراعته المفرط في نفس التربة.توصية:يُنصح بزراعة هذه المحاصيل مع إضافة الأسمدة العضوية بانتظام، للمحافظة على خصوبة التربة واستمرار الإنتاج الجيد.
المحاصيل غير المُجهِدة للتربة
تُعد هذه المحاصيل من الأقل استهلاكاً للعناصر الغذائية للتربة، وغالباً ما تكون من البقوليات التي تساهم في تحسين خصوبتها عبر تثبيت النيتروجين الجوي.
أبرز المحاصيل غير المجهدة:
الفاصوليا
البازلاء
الفول
اللوبياء معروف محلياً بـ”الدجر”، ولها مسميات أخرى.
الخصائص:
تثبيت النيتروجين الجوي: تتعايش هذه المحاصيل مع بكتيريا “الريزوبيا” في عقد جذورها، حيث تحول نيتروجين الجو إلى مركبات نيتروجينية قابلة للامتصاص من قبل النباتات، وبالتالي تعزز خصوبة التربة.
تحسين بنية التربة: تمتلك أنظمة جذرية تساعد على تفكيك التربة وتحسين تهويتها.
دور أساسي في الدورة الزراعية: يُفضل زراعتها بعد المحاصيل المجهدة لتعويض العناصر الغذائية المستنزفة وإراحة التربة.
استخدام مخلفاتها: يمكن الاستفادة من مخلفاتها النباتية كسماد طبيعي لتعزيز خصوبة التربة.
تنويه: ينبغي للمزارعين الاعتماد على تحليل دوري للتربة ومراعاة ظروف المناخ والري لضمان نجاح الزراعة المستدامة.
مما سبق، يتضح أن تصنيف محاصيل الخضر وفقاً لدرجة إجهادها للتربة يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الزراعة المستدامة، إذ يتيح للمزارعين إدارة مواردهم بكفاءة، والحفاظ على خصوبة التربة وجودة الإنتاج، وضمان استمرارية العطاء الزراعي عاماً بعد عام.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
في قرية عقاقة بمديرية صبر الموادم بمحافظة تعز، يقف “عبدالرحمن ناجي” في دكانه (متجر صغير) الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، لبيع الاحتياجات الأساسية لسكان قريته، إذ ساهم في تخفيف مشقة السفر إلى أسواق المدينة التي تبعد مسافات طويلة وتكلف أجور نقل مضاعفة.
يواجه سكان القرى الريفية صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية؛ بسبب انعدام المحلات التجارية في القرى وبعد المسافة إلى المدينة، لا سيما النساء اللواتي يتكبدنَ معاناة مضاعفة، خصوصاً في المناسبات والأعياد حين تصبح الحاجة إلى شراء الملابس والأدوات المنزلية أمرًا لا يمكن تأجيله.
معاناة السكان هي التي دفعت بعض الأشخاص إلى افتتاح محلات تجارية في القرى، ووسط هذا الواقع، بدأت تتفتَّح قصص نجاح صغيرة، صنعت فرقًا ملموسًا، وخلقت اقتصادًا محليًا يزدهر رغم التحديات.
في البداية، لم يكن ناجي يملك سوى غرفة خشبية بجوار منزله ورأس مال متواضع لم يتجاوز 300 ألف ريال يمني (ما يعادل نحو 180 دولارا أمريكيا) لكنه بدأ ببيع الأساسيات من الأرز والسكر والزيت والدقيق، دون أن يتوقع أن يتحول متجره بعد سنوات قليلة إلى شريان حياة يغذي قريته.
شريان حياة
يقول إنه كان يبيع لِقُرابة 20 إلى 30 زبونًا يوميًا، لكن مع أول موسم دراسي أضاف أدوات بسيطة للطلاب، فارتفع الإقبال تدريجيًا. جاء التحول الأكبر مع أول عيد فطر بعد افتتاح متجره، إذ كان الأهالي يعانون من مشقة السفر إلى تعز لشراء الملابس.
ويضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “تمكنت من جلب كمية محدودة من الملابس والأحذية من أحد تجار المدينة، لكن المفاجأة أن البضاعة نفدت خلال أسبوع، فقررتُ أن أجعل من متجري وجهة موسمية للأهالي في الأعياد”.
أسهمت المحلات الصغيرة الريفية في تخفيف معاناة المواطنين، وتقليل الاعتماد على أسواق المدن الرئيسية، وخلقت نوعًا من الاكتفاء الجزئي الذي انعكس على حياة مئات الأسر
ورغم الإقبال يواجه عبدالرحمن تحديات النقل التي تكلف مبالغ كبيرة، نتيجة وعورة الطرق في القرى اليمنية، إذ يشكل افتقار سكان الريف لشبكة الطرق تحديا كبيرا لتنمية المجتمعات هناك وتحسين ظروف الحياة.
بحسب دراسة نشرتها مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن، لم تُعبّد إلا ٣٧٤٤ كم من الطرق الريفية حتى الوقت الحالي، وهذا لا يمثل سوى ٦.٤ في المائة من إجمالي شبكة الطرق و ٢١.٦ في المائة من إجمالي الطرق المُعبّدة.
تقول أم أحمد، إحدى نساء قرية عقاقة في صبر: “كنتُ أضطر للسفر إلى مدينة تعز قبل العيد بأيام، أتنقَّل في المواصلات مع أولادي لأشتري لهم ملابس العيد، وكنا نتعب كثيرًا”. وأكدت لـ “منصة ريف اليمن” أن المتجر “سهَّل علينا الكثير، حتى لو كانت الأسعار أعلى قليلًا من السوق؛ المهم أننا نرتاح ونجد ما نحتاجه قريبًا من بيوتنا”.
خدمات متنوعة
مع مرور الوقت، كوّن عبدالرحمن شبكة علاقات مع ثلاثة تجار جملة في تعز، يزوّدونه بالبضائع أسبوعيًا عبر سيارات النقل الصغيرة و توسّع متجره ليضم قسمًا للمواد الغذائية، وآخر للملابس والأحذية، وزاوية للأدوات المنزلية والتجميل، وأصبح عدد زبائنه يصل إلى 100 شخص يوميًا، ووفّر فرص عمل لشقيقه الأصغر واثنين من شباب القرية.
بحسب عبدالرحمن فإن أكثر من 70% من أسر القرية تعتمد على متجره بشكل شبه كامل، إذ ساعدهم على توفير 40% من تكاليف المواصلات الشهرية، وخفف عنهم مشقة السفر إلى المدينة لا سيما في المناسبات. ويضيف عبدالرحمن بابتسامة: “كنتُ أظن أني أفتتح مجرد بقالة عادية، لكني اكتشفت لاحقًا أني أُساهم في بناء حياة جديدة لقريتي”.
غياب الرقابة على متاجر الأرياف جعل سكان الأرياف يواجهون زيادات سعرية غير مبررة على كافة المواد الأساسية أنهكت مصادر دخلهم المحدودة، وضاعفت معاناتهم اليومية
وفي قرية الأصابح بمديرية الشماتيين افتتح أحد الشباب متجرًا صغيرًا للمواد الغذائية، ومع الوقت أضاف أدوات مدرسية وزاوية للألبسة. كذلك منطقة جبل حبشي، تحوّل متجر أسرة بسيطة إلى وجهة رئيسية للنساء لشراء مستلزمات المنازل الأساسية.
تجدر الإشارة إلى أن المحلات الصغيرة رغم بساطتها، أسهمت في تقليل الاعتماد على أسواق المدن الرئيسية، وخلقت نوعًا من الاكتفاء الجزئي الذي انعكس على حياة مئات الأسر، لكن سكان الأرياف يواجهون زيادات سعرية غير مبررة على كافة المواد الأساسية تنهك مصادر دخلهم المحدودة، وتضاعف معاناتهم اليومية.
اقتصاد ريفي
ويصف الخبير الاقتصادي الدكتور “سامي الشرعبي” ظاهرة المتاجر الريفية بأنها اقتصاد ظل إيجابي، موضحاً أن “ما يحدث في الأرياف بتعز هو مثال واضح على قدرة المجتمعات على التكيف، هذه المتاجر الصغيرة ليست مجرد مبادرات فردية، بل هي منظومة اقتصادية موازية تخفف من حدة الفقر والبطالة”.
وأوضح الشرعبي لـ “منصة ريف اليمن” أن هذه المتاجر تُعيد توزيع الحركة التجارية من المدن إلى القرى. مشيرًا إلى أنه إذا تم دعمها رسميًا وتوفير قروض صغيرة لأصحابها، فإنها قد تتحول إلى مشاريع متوسطة تخلق فرص عمل وتبني اقتصادًا ريفيًا متماسكًا.
وتقدر “حنان الشريف”، وهي موظفة في مكتب وزارة الصناعة والتجارة قسم المشاريع الصغيرة في محافظة تعز أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة بنسبة 35% في عدد المتاجر الصغيرة بالأرياف، خاصة بعد الحرب وتراجع القدرة على التنقل. وبحسب الشريف تغطي هذه المتاجر تقريبا ما نسبته 60% من احتياجات الأسر الريفية الأساسية، كما أنها أسهمت في تقليص حجم الإنفاق الأسري على المواصلات بما يقارب 30 إلى 40% شهريًا.
أقر لقاء تشاوري موسع عقد في مديرية تريم بمحافظة حضرموت، منع صيد الوعول لمدة سنتين كمرحلة أولى، وذلك بهدف حماية الحياة البرية من خطر الانقراض والحفاظ على التنوع البيولوجي في مناطق وادي ذهب (الهجاج) ووادي الخون (سويدف).
جاء ذلك خلال اللقاء الذي نظمه مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة بتريم والمديريات الشرقية تحت شعار “معًا من أجل حماية التراث الطبيعي والتنوع البيولوجي”، بالشراكة مع مركز خبراء الأرض لحماية البيئة ومؤسسة الرناد للتنمية الثقافية، بحسب وكالة الأنباء الحكومية.
وأقر اللقاء تشكيل لجنة من عقال الحارات وأبناء القنيص لمتابعة تنفيذ القرار، إلى جانب تكثيف التوعية المجتمعية، ومنع وفود القنيص من خارج المحافظة، ووضع لوائح إرشادية وتوعوية في مداخل الأودية والمدن والقرى.
وأكد مدير المديرية عبدالكريم بابطاط، أن هذا القرار يأتي في إطار الجهود المحلية للحفاظ على التراث الطبيعي، مشيرا إلى أن حماية التنوع البيولوجي مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا وتعاونا مشتركا بين المواطنين والجهات المعنية.
من جانبه، أوضح مدير مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة بتريم والمديريات الشرقية المهندس ماجد يادين، أن اللقاء يندرج ضمن برامج الهيئة لنشر الوعي البيئي وتعزيز مفهوم القنيص المسؤول، بما يسهم في حماية الأنواع المهددة وضمان استدامة الموارد الطبيعية في حضرموت.
وتواجه العديد من الحيوانات البرية في اليمن خطرا متزايدا بالانقراض، نتيجة التصاعد المقلق لظاهرة الصيد الجائر من قبل بعض السكان المحليين، في ظاهرة باتت تشكل تحديا حقيقيا يهدد مستقبل التنوع الحيوي في المحافظة.
وبحسب تقرير صادر عن مركز صنعاء للتنوع البيولوجي، فإن 7 أنواع من أصل 71 نوعًا من الثدييات البرية في اليمن تواجه خطرا شديدا أو انقراضا فعليا، بينها الوعل العربي، النمر العربي، الفهود، والظباء، ويؤكد التقرير أن معظم الثدييات الكبيرة تم اصطيادها حتى انقرضت، ويعزو ذلك إلى الصيد غير المنضبط، وتأثير الحرب على جهود الحماية البيئية.
يقف المزارع الثلاثيني “متوكل ردمان”، المنحدر من محافظة ريمة غربي اليمن، هذا العام حائرا على أطلال أرضه الزراعية التي ابتلعت السيول الموسمية الجارفة جزءا كبيرا منها، تاركة خلفها مساحات واسعة غير صالحة للزراعة.
يقلب ردمان كفيه بحسرة على محصول عامه الزراعي، وسط غياب أي وسائل حماية فعالة تحد من توسع مجاري السيول، وتحافظ على ما تبقى من أرضه الزراعية، أو تعيد تأهيل ما يمكن إصلاحه من الأراضي المطمورة لتزرع من جديد.
بمرارة يقول ردمان لـ”منصة ريف اليمن”: “نتقاسم السيول كل عام أرزاقنا، فتطمر أراضينا وآبارنا، ولا أحد يسأل عنا من الجهات المعنية”، مشيرًا إلى محاولة سابقة نفذها الصندوق الاجتماعي للتنمية عام 2012 لإنشاء مصدّات لحماية الأراضي الزراعية، لكنها ــ بحسب قوله ــ انهارت خلال عام واحد بسبب سوء التخطيط، والتنفيذ غير المتقن.
وتعد محافظة ريمة الواقعة وسط السلسلة الجبلية الغربية من أكثر المحافظات وعورة، وتتميز بمدرجاتها الزراعية المهددة بالانهيار، ومع غياب الحواجز المائية وقنوات تصريف الأمطار، تتعرض الأراضي الزراعية سنويًا لخطر الطمر والانجراف؛ ما يفاقم معاناة المزارعين ويهدد الأمن الغذائي المحلي.
خسائر بشرية ومادية
ويضيف ردمان، مسلطًا الضوء على هشاشة البنية التحتية في منطقته: “تفتقر منطقتنا في وادي جرمة بمديرية السلفية، وكغيرها من مديريات المحافظة، لأي حواجز مائية تحفظ مياه الأمطار الموسمية أو تحد من تدفق السيول الجارفة على الأراضي الزراعية، كما لا توجد قنوات لتصريف مياه الأمطار أو مصدات فعالة لحماية التربة من الانجراف، ويجد المزارع نفسه وحيدًا في مواجهة هذه التهديدات البيئية، وسط غياب شبه تام لدور الجهات المعنية في معالجة الكارثة أو تقديم دعم وحلول مستدامة”.
ولا تقتصر تداعيات الأمطار الموسمية في المحافظة على طمر الأراضي وجرفها، بل تمتد لتطال الأرواح والممتلكات، وتكشف هشاشة البنية التحتية في مختلف المديريات. ففي أواخر أغسطس الماضي، شهدت مديرية الجعفرية حادثة مأساوية راح ضحيتها أحد المواطنين أثناء تنقله مع نجله على دراجة نارية، وقد نجا الابن بأعجوبة، فيما عُثر على جثة والده بعد عمليات بحث استمرت أكثر من ست ساعات، وفق شهادة المواطن “أحمد الواقدي”.
يوضح الواقدي أن أحد المنازل انهار على ساكنيه نتيجة الانهيارات الجبلية دون تسجيل خسائر بشرية، إلا أن عددًا من المنازل بات مهددًا بالانهيار، كما تعرض أكثر من 40 حاجزًا مائيًا في المديرية للجرف أو الطمر؛ ما أدى إلى تفاقم الأضرار في مزارع البن والفواكه المنتشرة، بالإضافة إلى نفوق عدد من المواشي والأبقار، وقطع الطرق المؤدية إلى قرية سحمة، مما زاد من عزلة السكان وصعوبة وصول المساعدات التي قدمها المجتمع المحلي.
تفتقر مديريات ريمة لأي حواجز مائية تحفظ مياه الأمطار أو تحد من تدفق السيول الجارفة (ريف اليمن)
من جهته، وصف الشيخ “علي قايد سعد” ما حدث في الجعفرية بأنه “نكبة بيئية واجتماعية”، موضحًا أن الأمطار الأخيرة تسببت في انهيار حاجزين مائيين رئيسيين في قرية سحمة بشكل كامل، ما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من المياه وتضرر الأراضي الزراعية المجاورة. كما تسببت السيول في طمر وانهيار خزانات المياه المنزلية، مما فاقم أزمة مياه الشرب والاستخدام اليومي لدى الأهالي.
استجابة غائبة
ويشير سعد إلى تضرر الطرقات الداخلية والخارجية في بعض القرى بشكل شبه كامل؛ ما أدى إلى عزل التجمعات السكانية عن محيطها، وأعاق وصول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية التي قدمها المغتربون ورجال الأعمال من أبناء المنطقة. كما تعرضت عشرات المنازل والمزارع لأضرار متفاوتة، بعضها مهدد بالانهيار في حال استمرار الأمطار خلال الأيام المقبلة.
يرى المهندس المدني “هايل منصور” أن ما تشهده مناطق محافظة ريمة من كوارث بيئية خلال مواسم الأمطار يمثل مؤشرًا صارخًا على هشاشة البنية التحتية في المناطق الريفية، وغياب منظومات الطوارئ والاستجابة السريعة لتلافي الأضرار.
ويؤكد خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أن السيول الموسمية كشفت مجددًا عن ثغرات مزمنة في التخطيط العمراني بالمحافظة، أبرزها غياب الحواجز المائية الفعّالة، وانعدام قنوات تصريف الأمطار، وافتقار القرى الجبلية إلى وسائل مقاومة الكوارث.
لا توجد قنوات لتصريف مياه الأمطار، أو مصدات فعالة لحماية التربة من الانجراف ما يجعل المزارع وحيدًا في مواجهة هذه التهديدات البيئية.
ويضيف: “تكرار هذه الكوارث البيئية في ظل تغيرات مناخية متسارعة يضع المجتمعات الريفية في مواجهة مباشرة مع مخاطر متزايدة دون امتلاك أدوات المواجهة أو شبكات الأمان، ويرى أن الحل يكمن في تبني رؤية تنموية طويلة الأمد تبدأ بإنشاء صناديق مجتمعية في مراكز المديريات، تُدار بالشراكة بين الأهالي والسلطات المحلية، وتُموّل من جهات حكومية ومنظمات دولية.
ويوضح أن هذه الصناديق يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تمويل مشاريع حماية الأراضي الزراعية من الانجراف، وإعادة تأهيل المدرجات التي طمرتها السيول، إضافة إلى دعم المزارعين المتضررين عبر برامج جبر الضرر، وتوفير أدوات الزراعة المقاومة للمناخ، وتدريب المجتمعات المحلية على إدارة الموارد المائية. كما يشدد على ضرورة بناء قدرات فرق الاستجابة المجتمعية وتزويدها بالمعدات الأساسية، وإنشاء خرائط خطر تُحدث سنويًا لضمان التدخل المبكر والحد من الخسائر البشرية والمادية.
أهمية دعم المتضررين
ويوضح أن هذه الصناديق يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تمويل مشاريع حماية الأراضي الزراعية من الانجراف، وإعادة تأهيل المدرجات التي طمرتها السيول، إضافة إلى دعم المزارعين المتضررين عبر برامج جبر الضرر، وتوفير أدوات الزراعة المقاومة للمناخ، وتدريب المجتمعات المحلية على إدارة الموارد المائية. كما يشدد على ضرورة بناء قدرات فرق الاستجابة المجتمعية وتزويدها بالمعدات الأساسية، وإنشاء خرائط خطر تُحدث سنويًا لضمان التدخل المبكر والحد من الخسائر البشرية والمادية.
جُرفت حواجز مائية في ريمة وتسببت بتفاقم الأضرار في مزارع البن والفواكه المنتشرة (ريف اليمن)
وفي السياق ذاته، أوضح مدير مركز الدفاع المدني في مديرية الجعفرية المهندس “عبدالرقيب السعيدي” أن المديرية تُعد من أكثر المناطق تضررًا في محافظة ريمة جراء الأمطار والسيول الأخيرة، غير أن غياب الإمكانيات الفنية واللوجستية حال دون توثيق حجم الأضرار بدقة، نظرًا للطبيعة الجغرافية المعقدة للمديرية وتوزع السكان على قمم الجبال ومناطق يصعب الوصول إليها، ما يجعل عمليات الحصر شبه مستحيلة في ظل الإمكانيات المحدودة.
وأشار السعيدي إلى أن مركز الدفاع المدني في الجعفرية يعمل بشكل تطوعي بالكامل دون أي دعم من الجهات المختصة، مؤكدًا أن المركز يفتقر إلى المعدات الأساسية والكوادر المدربة ووسائل النقل، مما يجعل دوره في مواجهة الكوارث محدودًا للغاية، وقد يكون معدومًا في بعض الأحيان.
وكانت الأمطار والسيول التي شهدتها المحافظة خلال أغسطس من العام الماضي 2024 قد تسببت في وفاة 6 أشخاص وتهدم أكثر من 430 منزلًا في 140 قرية و56 عزلة بمديريات المحافظة، بالإضافة إلى انقطاع 45 طريقًا فرعية ورئيسية، بحسب تقرير مركز الإعلام بالمحافظة. وحتى الآن، لا تتوفر إحصائيات رسمية حديثة عن حجم الأضرار التي لحقت بالمحافظة خلال العام 2025.
يشير الدكتور “مسعد عقلان”، المحاضر والباحث في مركز المياه والبيئة بجامعة صنعاء، إلى أن اليمن تشهد منذ عام 2015 تصاعدًا ملحوظًا في الأحداث المناخية المتطرفة، من أمطار غزيرة وفيضانات إلى ارتفاع درجات الحرارة ودورات جفاف متكررة. ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في كمية الأمطار، بل في غزارتها المفاجئة التي تتسبب بفيضانات واسعة خلال وقت قصير، ما يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة.
تسببت السيول في وفاة 6 أشخاص وتهدم أكثر من 430 منزلًا في 140 قرية و56 عزلة بمديريات المحافظة، بالإضافة إلى انقطاع 45 طريقًا فرعية ورئيسية، بحسب تقرير مركز الإعلام بالمحافظة
ويضيف عقلان أن السدود الخرسانية، رغم تقادمها ومشكلاتها، لا تمثل سوى جزء بسيط من التحديات، في ظل غياب الاستعداد المؤسسي والمجتمعي لمواجهة آثار التغير المناخي على الإنسان والحيوان والنبات. ويشدد على ضرورة صيانة مجاري السيول من أعالي المصب وحتى المناطق السكنية، وتفعيل التقنيات التقليدية لتوجيه المياه نحو الأراضي المفتوحة دون نقل المشكلة من منطقة إلى أخرى، وحماية الأراضي الزراعية والتربة من الانجراف بفعل السيول.
ويختم الدكتور عقلان بالتنبيه إلى أن المدن الأثرية والمباني التاريخية تأثرت أيضًا بالعوامل المناخية، وهي بحاجة إلى صيانة عاجلة من الجهات الرسمية والدولية، وعلى رأسها منظمة اليونيسكو. وعلى المدى البعيد، يدعو إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة تشمل التمويل المستدام، وشبكة إنذار مبكر واسعة النطاق، لتعزيز قدرة المجتمعات على التكيّف مع تقلبات الطقس والاستجابة لها وتجنّب مخاطرها.
نجحت اليمن في تسجيل عشر قطع أثرية منهوبة ضمن قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة، وهو إنجاز في إطار الكشف عن الآثار اليمنية التي تعرضت للنهب خلال العقود الماضية.
وقال الباحث اليمني المتخصص في الآثار، عبد الله محسن إن “هذه الخطوة جاءت بعد فقدان آلاف القطع الأثرية من المتاحف والمواقع التاريخية في مختلف المحافظات اليمنية، دون أي توثيق رسمي أو تحرك قانوني فعّال”.
وأضاف -في منشور على فيسبوك– “يُعد هذا التسجيل أول تحرك جماعي منذ 17 عامًا، حين تم إدراج تمثال المرأة البرونزية الجاثية على ركبتيها، المعروف إعلاميًا بـ”تمثال الراقصة”، في قاعدة البيانات الدولية”.
وشهدت اليمن خلال العقود الماضية موجة واسعة من نهب وتهريب الآثار، تفاقمت بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في العام 2015 ما أدى إلى فقدان آلاف القطع الأثرية من المتاحف والمواقع التاريخية، وسبقها عمليات نهب للمتاحف في عدد من المدن اليمنية.
الآثار اليمنية المنهوبة
جاء هذا التسجيل كشرط أساسي لإدراج صور وبيانات هذه القطع في متحف اليونسكو الافتراضي، الذي يعرض أكثر من 600 قطعة مسروقة من مختلف دول العالم بتقنية ثلاثية الأبعاد، بتمويل سعودي يُقدر بـ2.5 مليون دولار.
انتقد الباحث عبد الله محسن مرور أكثر من 30 عامًا على سرقة متحف عدن دون أي إعلان رسمي عن المسروقات أو توزيع نشرات للجمارك والجهات الأمنية، أو تسجيلها في قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة.
ودعا الباحث محسن، إلى مواصلة هذه الجهود وتوسيعها لتشمل تسجيل كافة القطع المفقودة من متاحف عدن، زنجبار، عتق، سيئون، وظفار، وغيرها من المواقع الأثرية، مؤكدًا أن حماية التراث اليمني مسؤولية وطنية وإنسانية.
وكشف تقرير يمني، بيع نحو 4,265 قطعة أثريةً يمنية في 6 دول غربية، عن طريق 16 مزاداً عالمياً أمريكياً وأوروبياً، وعرضت في أبرز صالات المزادات العالمية خلال 31 عاماً (1991-2022).
ووفق تقرير أصدره مركز الهدهد للدراسات الأثرية “فإن عملية ازدياد نشاط وتيرة بيع الآثار اليمنية خلال فترة الحرب، حيث بلغت 2,610 قطعة، منها 2,167 قطعة في الولايات المتحدة لوحدها، تجاوزت قيمتها 12 مليون دولار، وهناك 7 متاحف عالمية على 1,384 قطعةً أثريةً يمنيةً مهربةً ومسـروقة”.
وأصدرت السلطات الامريكية في فبراير 2020 قرارا يقضي بمنع دخول واستيراد أي قطع اثرية يمنية، وفي أغسطس 2023 وقعت الحكومة اليمنية مع الولايات المتحدة حول حماية التراث ومنع تهريب الاثار اليمنية المسروقة.
وأعلن في العام 2022 استرداد 79 قطعة اثرية ومخطوطة قرآنية قديمة تم ضبطها من قبل السلطات الامريكية وسلمت للحكومة اليمنية، وتم وضعها بصورة مؤقتة في متحف السميثسونيان بواشنطن حتى استعادة الاستقرار في البلاد، كما تم استرداد قطعتين اثريتين يمنيتين نادرتين في متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك.
تفاصيل 10 قطع أثرية؟
وتتضمن الوثيقة الرسمية الصادرة عن الإنتربول، والتي حصل عليها “ريف اليمن”، تتضمن معلومات تفصيلية عن عشر قطع أثرية يمنية، لوح حجري من الرخام، تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، بنقش مسندي باسم “معمّر” وقطع أخرى يعود تأريخها لآلاف السنين.
بالإضافة إلى تمثال راقصة برونزي: يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وهو أول قطعة يمنية سُجلت في الإنتربول، و25 قطعة ذهبية صغيرة على شكل دبوس، وهي عبارة مجموعتان من الزينة الدقيقة، بعضها مزين بزهور ثمانية البتلات، كانت تُستخدم لتزيين الشعر والملابس.
تمثال الراقص البرونزي من آثار اليمن المهوبة من المتحف في العام ٢٠٠٨
كما تم تسجيل 21 قطعة ذهبية على شكل دائرة زخرفية، عُثر على خمس منها، وكانت محفوظة في مخزن متحف عدن الوطني و سُرقت عام ٢٠١٠، وأيضا عدد من القطع الأثرية المسجلة شواهد قبور وتماثيل حجرية، تشمل رؤوس بشرية، نقوش لحيوانات، وتماثيل واقفة، تعكس التنوع الفني والمعماري في اليمن القديم.
ماذا يعني تسجيل الأثار لدى الإنتربول؟
تسجيل هذه الآثار في قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة (ID-Art) يعني أن هذه القطع مُدرجة رسميًا “مفقودة أو مسروقة”، وتخضع لمراقبة دولية حتى استعادتها إلى بلدها الأصلي اليمن.
وإدراج هذه الآثار في قاعدة بيانات الإنتربول يجعلها معروفة عالميًا، وهذا يعد تنبيه للجهات الأمنية والمتاحف والمعارض ودور المزادات وتجار التحف، والهدف منع بيعها أو تصديرها أو عرضها في أي مكان بالعالم.
ويمنح التسجيل حماية قانونية وآمال باستعادة القطع الأثرية المنهوبة، بحيث إذا عُثر على إحدى هذه القطع في دولة أخرى، يمكن لليمن المطالبة بها قانونيًا، تُستخدم هذه البيانات المسجلة في الإنتربول الدولي كدليل في قضايا استرداد الآثار أمام المحاكم الدولية.
وتمتلك اليمن إرث ثقافي وحضاري عريق منذ قرون قبل الميلاد، إذ تعاقبت عليه حضارات عريقة مثل سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وخلفت كنوزًا أثرية من معابد وتماثيل ونقوش ومدن كاملة بعضها ما زالت مطمورة لم تكتشف وتعود لآلاف السنين.