الحمك، المعروف بـ”الخيار المقرن الأفريقي”، هو فاكهة استوائية تنتمي إلى فصيلة البطيخ وعائلة القرعيات (Cucurbitaceae)، وموطنها الأصلي إفريقيا، تؤكل طازجة مباشرة أو تضاف إلى السلطات والعصائر، كما تُعد وجبة خفيفة تقليدية في بعض المناطق.
علمياً تعرف باسم (الكيوانو- Kiwano)، البطيخ المقرن، شمام القرون، تتميز بقشرة برتقالية صفراء مغطاة بنتوءات بارزة، بينما يحتوي لبها الأخضر الشفاف على بذور صالحة للأكل.
تستعرض منصة ريف اليمن في هذا التقرير الإرشادي الموطن الأصلي للحمك وانتشاره في اليمن، ووصف النبات والثمار، والظروف المثلى للزراعة بما في ذلك درجة الحرارة، والمناخ والتربة، وطريقة الزراعة، بالإضافة إلى الفوائد الصحية للفاكهة وبذورها.
موطن الحمك الأصلي وانتشاره:
الأصل: تم زراعة الحمك في البداية في القارة الإفريقية، وخصوصاً في مناطق مثل زيمبابوي، وبوتسوانا، وجنوب أفريقيا.
الوصول إلى اليمن: جلبه مسافرون من زيمبابوي وزرعوه في محافظة تعز، حيث وجدت الفاكهة ظروفاً مناخية مناسبة للنمو والإثمار، ومن هناك انتشر إلى محافظة إب ومناطق أخرى مجاورة.
الانتشار الزراعي: لاقى انتشاراً واسعاً بسبب ملاءمة الجو المحلي، إذ تنمو الثمار بشكل مثالي عند درجات حرارة تتراوح بين 20 – 35 درجة مئوية.
النبات: نبات عشبي سنوي، منخفض النمو، متسلق أو زاحف (عبر الأرض)، يشبه نبات الخيار أو البطيخ، يتميز بالنمو القوي، والقدرة على تغطية مساحات كبيرة.
الإنتاجية: نبات شديد الخصوبة، يمكن أن ينتج أكثر من 100 ثمرة لكل نبات تحت الظروف المناسبة.
الثمرة: – الشكل والحجم: (صغيرة إلى متوسطة) بيضاوية الشكل، طولها من 10 إلى 20 سم. – القشرة: سميكة، جلدية الملمس، شبه لامعة، وممتلئة وثابتة، ومغطاة بأشواك قرنية غير حادة تبرز من جميع الاتجاهات. – اللون: يتحول أثناء النضوج من الأخضر إلى الأصفر الذهبي أو البرتقالي الفاتح، مع وجود بقع أو نقاط داكنة. – اللحم (اللب): أخضر زمردي، ذو قوام هلامي مائي ولزج، يحتوي على بذور بيضاء كريمية صلبة ومقرمشة.
الطعم: – الثمار الناضجة: حلو معتدل بمزيج من نكهات الموز والكيوي والليمون أو الباشن فروت. – الثمار غير الناضجة: طعم أقرب إلى الخيار أو الكوسا.
الظروف المثلى للزراعة
درجة الحرارة:
– الحد الأدنى للنمو: 12°م
– الحد الأعلى للنمو: 35°م
– المدى المثالي للنمو: 20–35°م
توقف النمو: عند انخفاض الحرارة عن 12°م أو ارتفاعها فوق 35°م
التوقيت المثالي للزراعة: بدء زراعة البذور في فصل الربيع (منتصف فبراير إلى مارس في اليمن)، عندما تتجاوز درجات الحرارة 15°م بشكل مستقر وتتجنب الصقيع.
المناخ:
– المناطق المعتدلة والدافئة ذات الشمس الساطعة.
– محافظات اليمن الوسطى بيئة مثالية للزراعة.
التربة: جيدة الصرف، غنية بالمادة العضوية، ويمكنها تحمل أنواع تربة مختلفة شرط عدم وجود مياه راكدة.
طريقة الزراعة:
– زراعة البذور مباشرة في الأرض أو في وعاء (أصص) ثم النقل لاحقاً.
– تحتاج النباتات دعامات للتسلق (مثل التعريشات) لتحسين الإنتاجية وجودة الثمار وتقليل الأمراض، أو يمكن تركها تزحف على الأرض. توضيح: موعد الحصاد: يمكن قطف الثمار في أي مرحلة من مراحل نموها حسب الاستخدام المطلوب.
عندما ينضّج الحمك بشكل كامل ينفجر بقوة لإطلاق البذور
بذور الفاكهة: تحتوي على حمض اللينوليك وحمض الأوليك (أوميغا 6 وأوميغا 9) التي تساعد على:
– خفض الكوليسترول.
– تحفيز نمو الشعر.
ختاماً، يظهر الحمك كفاكهة استوائية مميزة، ملائمة للزراعة في بيئات اليمن المختلفة، غنية بالقيم الغذائية والمعادن الضرورية للجسم، وبذورها التي تحتوي على أحماض دهنية مفيدة، وتبرز هذه الفاكهة أهميتها كخيار صحي ولذيذ يمكن إدراجه بسهولة ضمن النظام الغذائي اليومي.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
ومتابعتنا مواقع التواصل الاجتماعي التالية:- فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
يعود “عبدالباري علي مقبل”، (28 عاما)، من مدينة تعز ومعه احتياجات أسرته من المواد الغذائية، لكنه يضطر إلى دفع أجرة النقل مرتين، مرة للسيارة التي تنقله من المدينة إلى أقرب مكان لقريته التابعة لعزلة البريهة بمديرية جبل حبشي، ومرة لمالك دواب الحمير التي ستنقل له احتياجاته على دفعات إلى منزله، كون قريته معزولة عن الخدمات، ولا يوجد بها طرقات، وتتسم بطبيعة جغرافية وعرة.
يقول عبدالباري لـ”منصة ريف اليمن”: “منذ أن عرفنا أنفسنا، ومنذ أن سكن جدنا الأول هذه القرية ونحن ننقل مرضانا بالنعوش حتى نصل بهم إلى أقرب قرية تتواجد فيها سيارة، كقرية الكدشة أو ضرجح، كما أننا نستخدم الحمير لنقل كل احتياجاتنا من أدوات مطبخ وأدوات بناء وغير ذلك”.
ويضيف: “شق طريق إلى قريتي الجبل والدمنة، والقرى المحيطة، كان حلما، كون المسافة بعيدة ووعرة ويتواجد فيها أراضٍ منها ما هو أملاك أبناء القريتين المستهدفتين بالمشروع ومنها أملاك أناس من قرى مجاورة سبق ووصل الطريق إليهم منذ زمن، لكن الحلم بدأ يتحقق”.
تعويض سنوات الحرمان
يعاني الأهالي في القريتين وما جاورهما من قرى معلقة على سفوح الجبال من غياب شبكة الطرق التي فرضت عليهم عزلة اجتماعية تجسد الحياة البدائية المعتمدة على الحمير في نقل الأحمال، في ظل غياب أي اهتمام رسمي.
في منتصف مايو من العام الحالي بدأ سكان منطقة ضرجح بشق طريق يربط قريتهم بقريتي الجبل والدمنة، برعاية الوجاهة الاجتماعية “عبدالسلام العاقل” أحد مشائخ جبل حبشي، وبعض الوجهاء، تمثلت المبادرة بجمع الأموال والتنازل عن أراضٍ زراعية واسعة سيمر من خلالها المشروع، حيث سيبدأ من قرية المعينة بضرجح وصولا إلى قرية عناقب الأعلى.
بدأ الأهالي منتصف مايو الماضي المبادرة التي تمثلت بجمع الأموال والتنازل عن أراضٍ زراعية ستمر فيها الطريق (ريف اليمن)
يُجمع الأهالي على أن وصول الطريق إلى قرى الجبل والدمنة وعناقب ضرورة مهمة تخفيفا للمعاناة، سيما وأنهم ما زالوا في غياهب الماضي، يعانون من صعوبة التنقل، ويحملون مرضاهم بالنعش استعطافا للخلاص من جحيم المعاناة التي ما منحتهم من التطور سوى النسيان. ويقول “إياد علي”، أحد أبناء قرية الدمنة: “مجرد رؤية أبناء قريتي الدمنة والجبل إلى جانب المبادرين من منطقة ضرجح وهم يشقون الطريق، هو شعور بالفرحة والدهشة”.
ويضيف لمنصة ريف اليمن: “مبادرة شق طريق ضرجح – الجبل- الدمنة – عناقب سبقها مبادرة قبل سنتين بشق الطريق من جهة قرية الكدشة وهي المنطقة الأقرب للقريتين، لكنها تعرقلت، لتولد المبادرة اليوم من جديد على أيدي أهالي ضرجح الذين آثروا على إخوانهم في القرى المجاورة معلنين أن بداية شق الطريق ستكون من أراضيهم”.
يجسد علي فرحة أبناء القرى، قائلا: “السعادة تغمرهم، سيما وقد بدأت بوادر الحلم بالتحقق ليكتمل الحلم عند وصول أول سيارة إلى آخر نقطة في قرية عناقب الأعلى، عند انتهاء المشروع”.
مبادرة بسواعد الأهالي
“عبده صالح”، أحد وجهاء قرية الدمنة، قال إن مشروع شق طريق لقرى الجبل والدمنة وربطها بالقرى المجاورة جاء بمبادرة مجتمعية تطوعية من الأهالي، حيث تمثلت بجمع مبالغ مالية وتبرعات بأحجار ومواد بناء، وتوقيف مساحات زراعية لصالح الطريق.
ويشير إلى أنه “تم البدء بشق الطريق من جهة منطقة ضرجح حيث سواعد الأهالي وضعت البصمة الأولى لتدشين المشروع”. ويضيف في حديثه لمنصة ريف اليمن: “المشروع سيخفف عنهم نقل الأحمال، وسيتيح إمكانية وصول بقية الخدمات إلى هذه القرى”.
يعاني الأهالي من انعدام شبكة الطرق التي فرضت عليهم عزلة اجتماعية وسط غياب الجهات الرسمية (ريف اليمن)
“بعد معاناة طويلة من الحياة في أعالي الجبال محرومين من أبسط مقومات الحياة، نقلنا فيها مرضانا بالنعوش واحتياجاتنا بالحمير، بدأت ملامح إزاحة هذا المشهد القاتم بتعاون المواطنين ومبادرة وجهاء ومشائخ القرى المجاورة لربط القرى الواقعة في أعالي الجبال بالطريق الرئيس للقرى المجاورة، وهذا يجسد مدى التعاون المجتمعي والالتفاف الشعبي نحو مشاريع التنمية” يضيف صالح.
عضو لجنة التواصل مع الأهالي، “محمد الحريبي” يقول إن أهمية شق الطريق من ضرجح إلى الجبل والدمنة تأتي ترجمة لما يلاقيه سكان هذه القرى من مشقة وعناء وجهد وهم ينقلون حاجاتهم من مواد البناء أو احتياجات المنازل من متعلقات المعيشة والأثاث إما على الحمير أو على رؤوس النساء، وكذا حمل المرضى على النعوش ولمسافات بعيدة في ممرات جبلية وعرة.
وعن فكرة المشروع؛ يقول الحريبي لـ”منصة ريف اليمن”، إن الشيخ عبدالسلام العاقل وأثناء قضاء إجازة عيد الأضحى في قريته ضرجح بادر بطرح الفكرة على الأهالي، وتواصل بملاك الأرض التي سيمر فيها الطريق، فتجاوب الجميع لمد شريان الحياة من منطقة ضرجح إلى القرى الجبلية المجاورة، ومنح الطريق الأولوية في العطاء والبذل.
غياب رسمي
غياب المشاريع الحكومية ومنها الطرق في ريف اليمن، يحرم الأهالي من الوصول إلى الخدمات بشكل سريع وسليم، ومنها التعليم والصحة؛ إذ انتقلت أكثر من أسرة إلى السكن في المدينة بسبب غياب الطرق.
مدير مدرسة الخير ضرجح، وأحد المبادرين والمتطوعين بشق الطريق الأستاذ “عارف هزاع” يقول “معاناة سكان هذه القرى كبيرة، وتبرز بشكل كبير عندما يكون هناك أمر طارئ، مثل المرض، حيث يضطر الأهالي إلى نقل المريض على نعش بمسافة ساعة إلى ساعتين على الأقل للوصول إلى أقرب قرية تتواجد فيها المواصلات، ومنها يتم نقل المريض إلى المدينة”.
ويضيف لمنصة ريف اليمن أن تحرك أهالي قرى ضرجح والجبل والدمنة والقرى المجاورة لشق هذه الطريق يشكل مبادرة اجتماعية تعوض غياب الجهات الرسمية المعنية بمثل هذه المشاريع.
ينقل السكان حاجاتهم الأساسية على ظهور الحمير أو على رؤوس النساء بسبب انعدام الطرقات (ريف اليمن)
ويشير إلى أن أهالي منطقة ضرجح بادروا بمنح المشروع مساحات وأراضٍ واسعة خدمة لأهالي القرى المجاورة من سكان قرى الجبل والدمنة وعناقب الأعلى وما جاورها، بالإضافة لتبرع الأهالي من مختلف القرى بالمال والأرض والأيادي العاملة، وهذا يأتي مواصلة للحراك التنموي المجتمعي الذي تشهده المديرية لإيصال الخدمات، ومنها الطرق إلى كل منزل، بحسب هزاع.
ويقول الحريبي إن أهالي هذه القرى -ونظرا لظروفهم الصعبة- عملوا على شق الطريق، وبناء الجدران الساندة بأيديهم وجهودهم الذاتية، والجميع يعمل ويساهم خصوصا في ظل غياب الدولة عن تقديم مثل هذه المشاريع.
أرقام
ويشكل افتقار سكان الريف لشبكة الطرق تحديا كبيرا لتنمية المجتمعات هناك، وتحسين ظروف الحياة. وحتى الوقت الحالي، لم تُعبّد إلا ٣٧٤٤ كم من الطرق الريفية، وهذا لا يمثل سوى ٦.٤ في المائة من إجمالي شبكة الطرق و ٢١.٦ في المائة من إجمالي الطرق المُعبّدة بحسب دراسة نشرتها مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية والموارد والتعليم وفرص العمل والإمدادات الغذائية.
المشروع سيمتد من 3 إلى 4 كيلو مترات تقريبا، وسينفذ على مراحل، ومن المتوقع أن يشمل 7 من قرى المنطقة (ريف اليمن)
ممثل الأهالي والمشرف على المشروع الأستاذ “معمر غالب الجبلي” يقول إن المشروع سيمتد من 3 إلى 4 كيلو مترات تقريبا، وسينفذ على مراحل؛ إذ سيشمل قرية المعنية ضرجح مرورا بقرية الجبل ثم قرية الأكمه فقرية الدمنة وصولا إلى قرية عناقب الأعلى، وقد يصل حال استمرار الدعم والمشاركة إلى قرية دُجين الأعلى حتى يرتبط بالطريق الرئيسي لقرية الكدشة.
ويضيف الجبلي لمنصة ريف اليمن أن عدد الأُسر المستفيدة من المشروع تصل إلى قرابة 84 أسرة، عدا عن الأُسر التي تركت هذه القرى لوعورة تضاريسها وصعوبة العيش فيها والتي يُتوقع عودتها بعد استكمال المشروع.
يأتي هذا المشروع مواصلة للحراك التنموي الذي شهدته مديرية جبل حبشي منذ بدء الحرب بتعاون الأهالي، وسط غياب الجهات الرسمية والمتمثل بشق طرق جديدة وتوسعة ورصف طرق أخرى، بالإضافة إلى مشاريع بناء وتوسعة المرافق الأخرى من مدارس ومستوصفات ومعاهد.
من المتوقع أن تشهد مدينة الحديدة غربي اليمن أمطاراً غير معتادة نتيجة منخفض جوي يشمل أيضاً جنوب غرب السعودية (جازان)، وستصل كمية الأمطار المتوقعة حوالي 50 ملم، وهي كبيرة مقارنة بالمعدلات السنوية.
وتشهد جنوب شبه الجزيرة العربية هذا الأسبوع مستويات غير معتادة من الأمطار، نتيجة موجة استوائية (منطقة ضغط منخفض ممتدة) تتحرك عبر المنطقة، مما يؤدي إلى نشاط رعدي متزايد في غرب اليمن وجنوب غرب السعودية.
وفقًا لتحليل أجرته صحيفة الغارديان البريطانية، يُتوقع هبوب عواصف رعدية حتى يوم الأربعاء، حيث قد يصل إجمالي هطول الأمطار إلى حوالي 50 ملم في كل من محافظة الحديدة اليمنية ومنطقة جازان السعودية.
وعلى الرغم من أن 50 ملم قد لا تُعتبر كمية كبيرة في مناطق أخرى، إلا أنها تُعد هائلة في هذه المنطقة فالحديدة تسجل عادةً 65 ملم فقط سنويًا، بينما يبلغ متوسط هطول الأمطار في جازان حوالي 150 ملم.
إن ما يعرف بالترسخ أو التعزيز الجبلي، أي عندما يعمل الهواء الصاعد فوق الجبال أو غيرها من التضاريس المرتفعة على تنشيط أو إنتاج مناطق من الأمطار الغزيرة على طول المنحدرات الساحلية للبحر الأحمر يزيد من خطر هطول أمطار غزيرة.
إلى جانب الظروف السطحية القاحلة، تجلب العواصف الرعدية معها خطراً كبيراً من الفيضانات المفاجئة، حيث يتم توجيه مياه الأمطار المرتفعة بكفاءة إلى الوديان، وغالبا نحو المستوطنات الساحلية الأكثر كثافة سكانية.
ومن المحتمل أن تتسبب العواصف الرعدية في هطول حبات البرد ورياح قوية، مع إمكانية أن تؤدي هذه الرياح إلى عواصف غبارية شديدة قصيرة الأمد ولكنها مؤثرة بسبب التضاريس الصحراوية الجافة؛ مما يؤدي إلى انخفاض مفاجئ في الرؤية واضطرابات النقل المحلية.
يُتوقع هبوب عواصف رعدية حتى يوم الأربعاء، حيث قد يصل إجمالي هطول الأمطار إلى حوالي 50 ملم في كل من محافظة الحديدة اليمنية ومنطقة جازان السعودية
وفي حين يرجح أن تقتصر التأثيرات على ساحل البحر الأحمر، هناك احتمالات بأن الرطوبة المنقولة من بحر العرب بالاشتراك مع هذه الموجة الاستوائية قد تمتد إلى الداخل، مع إمكانية هطول أمطار نادرة داخل صحراء الربع الخالي.
المنخفض الجوي يؤدي إلى نشاط رعدي متزايد في غرب اليمن وجنوب غرب السعودية
تحذيرات منظمة الفاو
والأسبوع الماضي حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في تقريرها الموسمي من مخاطر مناخية متزايدة تهدد اليمن خلال موسم الأمطار الحالي، مشيرة إلى أن البلاد قد تشهد فيضانات مفاجئة واسعة النطاق، خاصة في المرتفعات الغربية والجنوبية؛ مما ينذر بتداعيات خطيرة على الأمن الغذائي وسبل العيش الزراعية.
يتوقع التقرير هطول أمطار غزيرة تتجاوز 300 ملم في محافظات مثل المحويت، إب، صنعاء، حجة، الحديدة، ريمة، وذمار، وهي كميات تفوق المعدلات المعتادة في هذه المناطق. في المقابل، ستشهد المناطق الشرقية مثل حضرموت والمهرة وشبوة أمطارًا محدودة لا تتجاوز 40 ملم.
كما أشار التقرير إلى تقلبات حادة في درجات الحرارة، حيث يُتوقع أن تتجاوز 35 درجة مئوية في المناطق الساحلية والشرقية، بينما تنخفض إلى أقل من 25 درجة مئوية في المرتفعات.
وأشار إلى أن أكثر من 113 ألف هكتار من الأراضي الزراعية معرضة لخطر الفيضانات؛ ما يهدد إنتاج محاصيل الذرة الرفيعة والدخن، التي تُعد من المحاصيل الأساسية في اليمن. وقد أدى تأخر هطول الأمطار ونقص الرطوبة إلى إجهاد كبير في نمو هذه المحاصيل، خاصة في محافظات إب، تعز، لحج، الضالع، وذمار.
ويتوقع التقرير تعرض نحو 884 ألف رأس من الأغنام والماعز لمخاطر الفيضانات، وهو ما يمثل حوالي 5% من إجمالي المجترات الصغيرة في البلاد. وتواجه الحيوانات الناجية خطرًا متزايدًا للإصابة بالأمراض نتيجة تدهور الظروف الصحية وصعوبة الوصول إلى الخدمات البيطرية.
في المناطق المصنفة ضمن المرحلة الثالثة أو أعلى من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، قد تؤدي الفيضانات إلى تفاقم الوضع الغذائي، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات. وتعاني العديد من الأسر الزراعية من ضعف القدرة على الاستجابة والتعافي، في ظل غياب أنظمة الإنذار المبكر وموارد الطوارئ.
دعت الفاو إلى اتخاذ إجراءات عاجلة في تعزيز أنظمة الإنذار المبكر المحلية، خاصة بمناطق السيول في وادي سردود وسهام، وتوسيع نطاق المساعدات الغذائية في المناطق المتضررة، وتجهيز خطط الطوارئ قبل ذروة موسم الأمطار.
في أعماق جبال الضالع جنوبي اليمن، يتسلل خطر صامت إلى أجساد الأطفال من ماء الشرب لا يُرى بالعين المجردة لكنه يترك بصماته القاسية على صحة الأسنان والعظام، ويتمثل ذلك بـ”التسمم بالفلوريد” في ظل شحة المياه التي يعاني منها السكان.
يكشف تحقيق منصة “ريف اليمن” عن كارثة ارتفاع نسبة الفلوريد بمصادر المياه وتأثيرها على تفشي تصبغات الأسنان وهشاشة وتقوس العظام، واستند التحقيق على شهادات متضررين من المواطنين ومسوحات ميدانية رسمية تقارير طبية، وأجرى مقابلات مع الضحايا وأطباء ومسؤولين في السلطة المحلية.
والفلوريد هو معدن معروف بفوائده في حماية الأسنان من التسوس وتقويتها، إلا أن ارتفاع نسبة تركيزه في مصادر المياه يتحول إلى مادة سامة، ويسبب مشاكل صحية وخاصة للأطفال؛ حيث يصابون بتصبغ الأسنان أو تشوه العظام الذي يسبب إعاقة جسدية.
“فيصل محسن” من قرية المرفد بمديرية الحصين، من المواطنين الذين يعانون من آثار هذه الكارثة الصحية، حيث يواصل علاج اثنين من أولاده “عارف” (21 سنة) و”محسن” (19 سنة) منذ سنوات بعد أن ظهرت عليهم صعوبات في المشي، وتقوس واضح في الساقين في وقت مبكر من أعمارهم.
وقال في حديث لمنصة ريف اليمن: “بدأت أعراض التسمم تظهر عليهما منذ سنوات الدراسة الابتدائية، وفي العام 2012 نقلتهم إلى مدينة عدن للعلاج في مستشفيات مختلفة، واستمرت الرحلة العلاجية نحو ثماني سنوات”.
وأظهرت الفحوصات أنهم يعانون من مضاعفات واضحة تتمثل في نقص حاد في عنصري المغنيسيوم والكالسيوم في الدم -وفق ما تحدث والدهم- وهو ما أدى إلى انحناء الأطراف السفلية، وتسبب لهم بإعاقة دائمة في الحركة.
حصلت منصة “ريف اليمن” على تشخيص طبي لنحو 65 حالة، غالبيتهم من الأطفال يعانون من مشكلة في الأسنان أو مشاكل تقوس أو إعاقة في العظام
وفي النصف الأول من العام الجاري، أظهرت آخر نتائج الفحص الميداني لبئر المياه في قرية “مرفد” في مديرية الحصين، نسبة تركيز معدن الفلوريد 12 ملغ/ لتر، وهذا يعني أن التركيز مضاعف، ووصل إلى مرحلة سامة وخطيرة جدًا، وأصبح مصدر المياه مهدداً لصحة جميع السكان الذين يستخدمونه.
ووفق التقرير الطبي -الذي حصلت عليه منصة “ريف اليمن”- من المستشفى يوضح أن الشقيقين “فيصل” و”عارف” يعانيان من حالات متقدمة من آثار ارتفاع تركيز الفلوريد؛ ما يؤكد أن مياه الشرب الملوثة هي السبب الرئيسي في ظهور هذه الحالات المرضية.
معاناة طويلة عاشها عارف ومحسن؛ فرغم إنهاء مرحلة العلاج في العام 2020، إلا أن التشوّهات في الساقين ماتزال قائمة، وترافقهما في تفاصيل حياتهما اليومية.
أما المواطن “عمار عبد الله علي” (37عاماً) من مديرية قعطبة، كانت مشكلته مختلفة، إذ بدأت بمعاناة في الأسنان فقط، وبعد التشخيص الطبي، أكد الأطباء أن سبب تآكل أسنانه يعود أيضًا إلى تركيز الفلوريد المرتفع في مياه الآبار.
الحصين الأكثر تضرراً
لم تكن هذه الحالات فردية، بل متفشية، وحصلت منصة ريف اليمن، على تشخيص طبي لنحو 65 حالة، غالبيتهم من الأطفال، يعانون من مشكلة في الأسنان، أو مشاكل تقوس، أو إعاقة في العظام، وتؤكد وجود علاقة مباشرة بين هذه الحالات المرضية وبين تلوث مياه الشرب بعنصر الفلوريد.
تلك الحالات التي تم توثيقها عام 2018 من قبل الدكتور “أحمد عباس”، أخصائي جراحة الفم والأسنان، من قرى مديرية الحصين، والتي يبلغ عدد سكانها أكثر من 57 ألف نسمة، وفق إحصاءات الاحتياج الإنساني لمنظمة تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) 2021.
وقال عباس، الذي يدير مركزاً صحياً بمحافظة الضالع إن “معظم أبناء قرى مديرية الحصين يعانون من تلون الأسنان وتآكلها، وهذا منتشر منذ عام 2004، ويصيب الأطفال من عمر ثماني سنوات، وتسجّل قريتا خوبر ومرفد أعراضًا أكثر حدة بهشاشة وليونة العظام”.
وقال “محمد عبد الله مثنى” مدير مكتب الصحة في مديرية الحصين إن “السكان يعانون من ظاهرة صحية خطيرة، تتمثل في تلون الأسنان وكُساح العظام، وتم اكتشاف هذا التفشي عام 2016، وخلال عامي 2017 و2018، نفّذنا مسحًا ميدانيًا شمل 20 قرية وكانت قريتا مرفد وخوبر الأكثر تضرراً”.
وأضاف في تصريح لمنصة ريف اليمن أن “نتائج المسح سجّلت 301 حالة إصابة بمرض الكساح، و1027 حالة تآكل في الأسنان، رغم أن كثيرًا من المصابين لم تظهر عليهم أعراض واضحة”.
وبسبب شح الأمطار وندرة المياه السطحية، اضطر السكان إلى حفر آبار جوفية بعمق أكثر من 1100 متر، وهذا ضاعف نسبة الفلوريد، وفق دراسة مركز “سوث24” والتي كشفت أن الجفاف زاد من عمق الحفر للوصول إلى المياه خلال السنوات الماضية، ويبرز ذلك من خلال الشكل التالي:
آثار صحية واجتماعية
رغم خطورة الوضع الذي يحتاج إلى حلول جذرية، يشعر مدير مكتب الصحة مثنى، بخيبة أمل، وقال إنه أبلغ السلطة المحلية ومنظمات عدة عاملة في مجال الإصحاح البيئي، وشرح لها حجم الكارثة، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل.
وأوضح لـ”ريف اليمن”، أنه تم حفر بئر بعمق 400 متر في قرية مرفد بتمويل منظمة محلية، التي تشجعت عندما وجدت أن مياهها منخفضة الفلوريد، لكن في قرى أخرى مثل خوبر ولكمة الأشعوب، لم تنجح المحاولات؛ إذ أظهرت الفحوصات أن نسبة الفلوريد بقيت مرتفعة؛ مما دفع المنظمات إلى التراجع عن تنفيذ المشاريع المائية فيها.
وقال إن آخر مسح صحي أجري للمنطقة كان عام 2017، ومنذ ذلك الوقت لم تُحدّث البيانات، رغم أن المؤشرات الميدانية تشير إلى تفاقم الحالة، وزيادة الأعراض والأمراض الناتجة عن استمرار استهلاك المياه الملوثة.
مدير مكتب الصحة مثنى: تشوهات الأسنان والعظام جعل العديد من الفتيات يشعرن أنهن عبء على أسرهن ومجتمعهن في ظل العجز عن ممارسة حياة طبيعية، أو حتى الاندماج في المحيط الاجتماعي
وأوضح أنه تواصل مع السلطات الحكومية، والصندوق الاجتماعي في العاصمة المؤقتة عدن، لكنه لم يتلق أي استجابة، بينما تتهرب المنظمات المعنية من التدخل؛ بحجة التكاليف الباهظة التي تتطلبها مشاريع تحلية المياه.
ولم تقتصر الكارثة على الآثار الجسدية، بل امتدت لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية، خصوصًا لدى الفتيات المصابات، اللواتي حُرمن من الزواج بسبب تشوهات الأسنان والعظام. وقال مدير مكتب الصحة إن “العديد من الفتيات يشعرن أنهن عبء على أسرهن ومجتمعهن، في ظل العجز عن ممارسة حياة طبيعية، أو حتى الاندماج في المحيط الاجتماعي”.
تزايد نسبة تسمم المياه
يعتمد الأهالي بشكل شبه كامل على المياه الجوفية، لكن التحاليل كشفت عن نسب فلورايد تفوق الحد المسموح به صحياً ما بين 0.7 و1.5 ملم/ لتر، وفق التقديرات العالمية؛ ما أدى إلى انتشار أمراض خطيرة؛ أبرزها تسمم الأسنان والعظام، خصوصًا في المناطق الريفية كمديرية الحصين.
وأظهر مسح ميداني لهيئة مياه الريف في الضالع في 2021 -حصلت عليه منصة ريف اليمن- شمل 96 مصدراً لمياه الشرب في أربع مديريات في الضالع وجود 18 بئراً تركيز الفلورايد فيها سام جدا تراوح بين 7,1 إلى 13 ملغ/ لتر وهي النسبة الأعلى الموجودة من بين عينات الفحص للآبار.
وشمل المسح مصادر مياه في مديريات الضالع، الحصين، الأزارق، قعطبة، وتعد هذه المديريات ذات كثافة سكانية عالية تمثل نحو 75 بالمئة من سكان المحافظة التي يقدر عدد سكانها 818 ألف نسمة، وفق إحصاء مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية 2021.
الفحص الميداني للآبار كشف نسبة ارتفاع كبيرة للفلورايد في المياه الجوفية، حيث تراوحت ما بين 1.56 و13.33 ملغم/لتر وهذا يعني أن جميع تلك الآبار خطرة وليست آمنة؛ لأنها أعلى من المعدل الطبيعي، وكانت مديرية الحصين الأكثر تضرراً، وفق المسح الذي أجرته الهيئة العامة لمشاريع مياه الريف في الضالع بدعم من اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية.
هذه النسبة المرتفعة تضاعفت مؤخراً؛ وفق ما أظهرته آخر عملية فحص ميداني نُفذ في الربع الأول من العام الجاري 2025. وكشف مدير مختبر مراقبة جودة المياه في الضالع “ماهر العقيلي”، لمنصة ريف اليمن، أن “آخر عملية فحص العام الجاري سجلت النسبة الأعلى من الفلوريد في قرية حبيل الجلب، حيث بلغت 17 ملغم/لتر”.
وأكد العقيلي أن الفحص أُجري عدة مرات، ووجد أن النسبة مرتفعة مقارنة بما كانت عليه في المسح الميداني عام 2021، وقال إن “القرى الأخرى في مديرية الحصين كانت نسبها كالتالي: في خوبر وصلت إلى 13 ملغم/لتر، ومرفد إلى 12 ملغم/لتر، ولكمة الأشعوب إلى 9 ملغم/لتر”، ولفت إلى أن منطقة سناح 6 ملغرام/لتر، وسناح 5 ملغرام/ لتر وهذه تقع ضمن مديريتي الضالع وقعطبة”.
وشدد على أهمية رفع الوعي لدى السكان بخطورة استهلاك هذه المياه، مع ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة المشكلة صحياً وبيئياً، بما في ذلك البحث عن بدائل صالحة للشرب، وتطبيق حلول تقنية للحد من التلوث، وتحسين جودة المياه.
كل آبار مياه الضالع ملوثة
وقال الدكتور “جمال باوزير” أستاذ الجيولوجيا في جامعة عدن إن “التحاليل المخبرية الأخيرة، المستندة إلى دراسات ميدانية سابقة، كشفت أن معظم مياه الآبار في الضالع غير صالحة للشرب، نتيجة تجاوز تراكيز العناصر الكيميائية والفيزيائية الحد الأقصى المسموح به وفقًا لمعايير منظمة الصحة العالمية”.
وأضاف في حديث خاص لمنصة ريف اليمن أن “الفلوريد هو الأكثر خطورة، وأن الحد الأقصى المسموح به في مياه الشرب هو 1.5 ملغم/لتر، إلا أن التحاليل أظهرت تجاوزًا كبيرًا لهذا الرقم في العديد من المواقع في الضالع”.
وعن سبب تضاعف تركيز مصدر الفلورايد في الضالع، أوضح باوزير أن ذلك يعود في الغالب إلى التكوين الجيولوجي للمنطقة، حيث تتفاعل المياه الجوفية مع صخور تحتوي على معادن غنية بأيونات الفلورايد، وهذا يفسر التركيزات العالية المكتشفة في المياه.
وفي المناطق التي تعتمد كليًا على مياه الآبار -كمديرية الأزارق- لوحظ انتشار واضح لتآكل الأسنان عند الأهالي وحتى المواشي، وفق الدكتور باوزير، الذي لفت إلى أن “تلوث المياه لا يقتصر فقط على الفلورايد، بل يتفاقم بفعل عوامل بشرية، مثل مياه الصرف الصحي المنزلية، واستخدام المبيدات والأسمدة النيتروجينية”.
وتؤدي هذه الملوثات إلى حمل العديد من المركّبات العضوية وغير العضوية عبر مياه الأمطار والسيول؛ ما يزيد من تدهور نوعية المياه الجوفية، ويساهم في ارتفاع عدد الآبار غير الصالحة للاستخدام البشري، وفق أستاذ الجغرافيا بجامعة عدن.
تصبغات الأسنان والكساح
ويؤكد المختصون أن الحل لا يقتصر فقط على المعالجة الطبية للمرضى المتضررين، بل يستوجب تنفيذ حملات توعية واسعة، وتوفير محطات تحلية أو فلاتر متخصصة، إلى جانب فحص شامل لجميع مصادر المياه.
وناشد السكان -الذين تحدثت إليهم منصة “ريف اليمن”- الجهات الرسمية والمنظمات الدولية بسرعة التدخل لتأمين مياه شرب نظيفة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن تتحوّل مشكلة التلوث إلى أزمة مستعصية تهدد مستقبل جيل من الأطفال في هذه المناطق المنسية.
وحذّر “حسين المشبعي”، طبيب وجراح الفم والفكين في المستشفى الأمريكي بعدن، من المخاطر الصحية الناتجة عن ارتفاع تركيز الفلوريد في مياه الشرب، خاصة على الأطفال، أبرزها تصبغات الأسنان، ومشاكل بالعظام، وحتى الكساح.
وقال في حديث لمنصة ريف اليمن: “سبق لنا أن نزلنا ميدانيًا إلى بعض المدارس لمعاينة أسنان الطلاب، ووجدنا نسبة مهولة من حالات التصبغ، المعروفة طبيًا بـ “تسمم الفلورايد”، خصوصًا في مديريات مثل الأزارق، جحاف، الجليلة، وغيرها من المناطق التي تعتمد بشكل كلي على المياه الجوفية”.
طفل أصيب بتصبغ الأسنان تطور إلى تآكلها في محافظة الضالع جنوب اليمن (ريف اليمن)
ووفق توصيات منظمة الصحة العالمية، فإن التركيز المقبول للفلورايد في مياه الشرب يتراوح بين 0.5 إلى 1.5 ملغ/لتر، بينما تُعد نسبة 0.7 ملغ/لتر الأفضل لصحة الأسنان، وهو المستوى المعتمد في كثير من الدول الغربية، وفق الدكتور المشعبي الذي استدرك بالقول “لكن ما نشهده اليوم في الضالع وبعض المناطق اليمنية يتجاوز هذا الحد، ويهدد الصحة العامة”.
وعن الحلول؛ يشير الدكتور المشبعي إلى أن “الدول المتقدمة لا تترك مستويات الفلورايد في مياه الشرب للصدفة، بل تعمل على تعديل الفلورايد صناعيًا، ففي حال كان تركيز الفلورايد أقل من 0.7 ملغ/لتر، تُضيف البلديات مركبات مثل فلوريد الصوديوم أو حمض هكسافلوسيليسيك لتعزيز وقاية الأسنان”.
وأضاف “أما إذا زاد التركيز عند 1.5 ملغ/لتر، فيتم إزالته باستخدام تقنيات متقدمة مثل الفحم المنشّط، أو الألومينا النشطة (Activated Alumina)، أو أنظمة التناضح العكسي (Reverse Osmosis)”.
وأشار إلى أن وزارة الصحة الأمريكية كانت قد خفّضت في عام 2015 المستوى المستهدف للفلورايد في مياه الشرب من 1.0 إلى 0.7 ملغ/لتر، بعد مراجعات علمية طويلة لتقييم التوازن بين الفوائد والمخاطر الصحية.
السلطات بلا دور حقيقي
رغم التقارير والتحذيرات الطبية التي تكشف تجاوزات خطيرة في نسب الفلوريد والعناصر الكيميائية الأخرى، لم تتخذ السلطات حتى الآن خطوات فعلية تضمن رقابة صارمة على مصادر المياه، أو تقدم حلولًا مستدامة للأهالي، وهذا يُفاقم من حجم الكارثة، ويترك السكان في مواجهة مباشرة مع مرض لا تسببه الطبيعة القاسية وشحة المياه فقط؛ بل التجاهل من قبل السلطات التي تفتقر لأي إجراءات أو خطط واضحة لتأمين مياه آمنة وصالحة للشرب.
طرحنا السؤال على مدير هيئة الموارد المائية في محافظة الضالع، المهندس “بدر محسن” عن دور السلطة، وقال “نعمل حاليًا على توفير فلاتر تنقية لإزالة الفلوريد من المياه، وقد قدمت منظمة الفاو تقنية فعّالة وسهلة التطبيق، وذات تكلفة منخفضة تقوم على التخلص من الفلورايد باستخدام الحجر الجيري، كما ندرس استخدام مياه الأمطار لتغذية المياه الجوفية، وتعديل تركيز الفلوريد”.
وأضاف لمنصة “ريف اليمن” أن “الهيئة لا تقوم بمتابعة جميع مصادر المياه على مستوى المحافظة، وإنما يقتصر عملها على معامل المياه ومحطات التحلية فقط، في حين تعود مشاريع مياه الريف إلى اختصاص الهيئة العامة لمشاريع مياه الريف”.
وقال محسن “لا يوجد أي دعم حكومي في هذا الجانب، وكل الجهود المبذولة تعتمد على تدخلات منظمات دولية، قامت بعضها بتركيب محطات تحلية في بعض المناطق لتحسين جودة المياه”، وأشار إلى أن “أكبر التحديات هي إيجاد مصادر مياه آمنة منخفضة الفلوريد”.
الحق في ماء نظيف
يُعدّ الحصول على مياه شرب نظيفة وآمنة من أبسط الحقوق الإنسانية، إلا أن هذا الحق يتحوّل في كثير من مناطق محافظة الضالع، إلى رفاهية مفقودة؛ إذ يجد المواطن نفسه محاصرًا بين خطر العطش، ومخاطر التسمم بمياه ملوثة بالفلوريد.
وبينما يكافح العالم من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ما يزال آلاف المواطنين في الضالع يضطرون إلى شرب مياه ملوثة قد تفتك بصحتهم، وسط غياب الحلول الفعّالة والتدخلات الكافية من الجهات المعنية، رغم أنها ممكنة.
المحامية “ولاء الفقيه” قالت لمنصة ريف اليمن: “القانون اليمني يؤكد على أن الوصول إلى مياه نظيفة وآمنة هو حق من حقوق الإنسان، وتتحمّل الدولة مسؤولية توفير هذا المورد الحيوي لكافة المواطنين”.
يُلزم القانون اليمني للمياه رقم (33) لسنة 2002، الجهات المختصة بمراقبة جودة المياه ومنع تلوثها، واتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة أي مصادر تهدد سلامتها. وقالت الفقيه إن هذه النصوص تتوافق مع الميثاق الدولي الذي ينص على أن “لكل شخص الحق في الحصول على ما يكفي من الماء المأمون والصالح للشرب، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من التمتع الكامل بالحق في مستوى معيشي لائق”.
ورغم هذا الإطار القانوني الواضح، إلا أن أداء الجهات الحكومية المعنية، من هيئات المياه إلى إدارات مشاريع الريف، لا يرقى لمستوى التحدي ولا يعكس حجم الأزمة، خصوصًا في مناطق مثل محافظة الضالع، التي تعاني من تلوث مزمن في مصادر مياه الشرب بسبب ارتفاع نسبة الفلورايد والمعادن الثقيلة، دون تدخل فعّال أو إجراءات وقائية ملموسة.
ويُلاحظ أن ضعف الرقابة، وغياب المتابعة الدورية لمصادر المياه، وعدم التنسيق بين الجهات الرسمية، زاد من حجم الكارثة، بينما تكتفي بعض المؤسسات بإلقاء المسؤولية على غيرها، ما يُعد إخلالاً مباشرًا بمسؤولياتها القانونية، وفي ظل هذا الإخفاق المؤسسي، يجد المواطن اليمني نفسه بين مطرقة العطش وسندان التلوث.
أمام هذا الواقع المأساوي الذي يهدد صحة جيل كامل في محافظة الضالع، تحتاج هذه الكارثة تدخلاً حكومياً وإنسانياً عاجلاً، فاستمرار اعتماد السكان على مياه ملوثة بالفلوريد دون وجود بدائل آمنة؛ يُنذر بكارثة صحية تتفاقم يومًا بعد يوم.
وتعد “المياه المأمونة ضرورية لصحة الإنسان ورفاهيته، وهي عنصر أساسي لتحقيق التنمية المستدامة” وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وترى الأمم المتحدة أن “الحق في مياه الشرب المأمونة والكافية والميسورة التكلفة هو حق من حقوق الإنسان المعترف بها”.
في أعماق جبال الضالع جنوبي اليمن، يتسلل خطر صامت إلى أجساد الأطفال من ماء الشرب لا يُرى بالعين المجردة لكنه يترك بصماته القاسية على صحة الأسنان والعظام، ويتمثل ذلك بـ”التسمم بالفلوريد” في ظل شحة المياه التي يعاني منها السكان.
يكشف تحقيق منصة “ريف اليمن” عن كارثة ارتفاع نسبة الفلوريد بمصادر المياه وتأثيرها على تفشي تصبغات الأسنان وهشاشة وتقوس العظام، واستند التحقيق على شهادات متضررين من المواطنين ومسوحات ميدانية رسمية تقارير طبية، وأجرى مقابلات مع الضحايا وأطباء ومسؤولين في السلطة المحلية.
والفلوريد هو معدن معروف بفوائده في حماية الأسنان من التسوس وتقويتها، إلا أن ارتفاع نسبة تركيزه في مصادر المياه يتحول إلى مادة سامة، ويسبب مشاكل صحية وخاصة للأطفال؛ حيث يصابون بتصبغ الأسنان أو تشوه العظام الذي يسبب إعاقة جسدية.
“فيصل محسن” من قرية المرفد بمديرية الحصين، من المواطنين الذين يعانون من آثار هذه الكارثة الصحية، حيث يواصل علاج اثنين من أولاده “عارف” (21 سنة) و”محسن” (19 سنة) منذ سنوات بعد أن ظهرت عليهم صعوبات في المشي، وتقوس واضح في الساقين في وقت مبكر من أعمارهم.
وقال في حديث لمنصة ريف اليمن: “بدأت أعراض التسمم تظهر عليهما منذ سنوات الدراسة الابتدائية، وفي العام 2012 نقلتهم إلى مدينة عدن للعلاج في مستشفيات مختلفة، واستمرت الرحلة العلاجية نحو ثماني سنوات”.
وأظهرت الفحوصات أنهم يعانون من مضاعفات واضحة تتمثل في نقص حاد في عنصري المغنيسيوم والكالسيوم في الدم -وفق ما تحدث والدهم- وهو ما أدى إلى انحناء الأطراف السفلية، وتسبب لهم بإعاقة دائمة في الحركة.
حصلت منصة “ريف اليمن” على تشخيص طبي لنحو 65 حالة، غالبيتهم من الأطفال يعانون من مشكلة في الأسنان أو مشاكل تقوس أو إعاقة في العظام
وفي النصف الأول من العام الجاري، أظهرت آخر نتائج الفحص الميداني لبئر المياه في قرية “مرفد” في مديرية الحصين، نسبة تركيز معدن الفلوريد 12 ملغ/ لتر، وهذا يعني أن التركيز مضاعف، ووصل إلى مرحلة سامة وخطيرة جدًا، وأصبح مصدر المياه مهدداً لصحة جميع السكان الذين يستخدمونه.
ووفق التقرير الطبي -الذي حصلت عليه منصة “ريف اليمن”- من المستشفى يوضح أن الشقيقين “فيصل” و”عارف” يعانيان من حالات متقدمة من آثار ارتفاع تركيز الفلوريد؛ ما يؤكد أن مياه الشرب الملوثة هي السبب الرئيسي في ظهور هذه الحالات المرضية.
معاناة طويلة عاشها عارف ومحسن؛ فرغم إنهاء مرحلة العلاج في العام 2020، إلا أن التشوّهات في الساقين ماتزال قائمة، وترافقهما في تفاصيل حياتهما اليومية.
أما المواطن “عمار عبد الله علي” (37عاماً) من مديرية قعطبة، كانت مشكلته مختلفة، إذ بدأت بمعاناة في الأسنان فقط، وبعد التشخيص الطبي، أكد الأطباء أن سبب تآكل أسنانه يعود أيضًا إلى تركيز الفلوريد المرتفع في مياه الآبار.
الحصين الأكثر تضرراً
لم تكن هذه الحالات فردية، بل متفشية، وحصلت منصة ريف اليمن، على تشخيص طبي لنحو 65 حالة، غالبيتهم من الأطفال، يعانون من مشكلة في الأسنان، أو مشاكل تقوس، أو إعاقة في العظام، وتؤكد وجود علاقة مباشرة بين هذه الحالات المرضية وبين تلوث مياه الشرب بعنصر الفلوريد.
تلك الحالات التي تم توثيقها عام 2018 من قبل الدكتور “أحمد عباس”، أخصائي جراحة الفم والأسنان، من قرى مديرية الحصين، والتي يبلغ عدد سكانها أكثر من 57 ألف نسمة، وفق إحصاءات الاحتياج الإنساني لمنظمة تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) 2021.
وقال عباس، الذي يدير مركزاً صحياً بمحافظة الضالع إن “معظم أبناء قرى مديرية الحصين يعانون من تلون الأسنان وتآكلها، وهذا منتشر منذ عام 2004، ويصيب الأطفال من عمر ثماني سنوات، وتسجّل قريتا خوبر ومرفد أعراضًا أكثر حدة بهشاشة وليونة العظام”.
وقال “محمد عبد الله مثنى” مدير مكتب الصحة في مديرية الحصين إن “السكان يعانون من ظاهرة صحية خطيرة، تتمثل في تلون الأسنان وكُساح العظام، وتم اكتشاف هذا التفشي عام 2016، وخلال عامي 2017 و2018، نفّذنا مسحًا ميدانيًا شمل 20 قرية وكانت قريتا مرفد وخوبر الأكثر تضرراً”.
وأضاف في تصريح لمنصة ريف اليمن أن “نتائج المسح سجّلت 301 حالة إصابة بمرض الكساح، و1027 حالة تآكل في الأسنان، رغم أن كثيرًا من المصابين لم تظهر عليهم أعراض واضحة”.
وبسبب شح الأمطار وندرة المياه السطحية، اضطر السكان إلى حفر آبار جوفية بعمق أكثر من 1100 متر، وهذا ضاعف نسبة الفلوريد، وفق دراسة مركز “سوث24” والتي كشفت أن الجفاف زاد من عمق الحفر للوصول إلى المياه خلال السنوات الماضية، ويبرز ذلك من خلال الشكل التالي:
آثار صحية واجتماعية
رغم خطورة الوضع الذي يحتاج إلى حلول جذرية، يشعر مدير مكتب الصحة مثنى، بخيبة أمل، وقال إنه أبلغ السلطة المحلية ومنظمات عدة عاملة في مجال الإصحاح البيئي، وشرح لها حجم الكارثة، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل.
وأوضح لـ”ريف اليمن”، أنه تم حفر بئر بعمق 400 متر في قرية مرفد بتمويل منظمة محلية، التي تشجعت عندما وجدت أن مياهها منخفضة الفلوريد، لكن في قرى أخرى مثل خوبر ولكمة الأشعوب، لم تنجح المحاولات؛ إذ أظهرت الفحوصات أن نسبة الفلوريد بقيت مرتفعة؛ مما دفع المنظمات إلى التراجع عن تنفيذ المشاريع المائية فيها.
وقال إن آخر مسح صحي أجري للمنطقة كان عام 2017، ومنذ ذلك الوقت لم تُحدّث البيانات، رغم أن المؤشرات الميدانية تشير إلى تفاقم الحالة، وزيادة الأعراض والأمراض الناتجة عن استمرار استهلاك المياه الملوثة.
مدير مكتب الصحة مثنى: تشوهات الأسنان والعظام جعل العديد من الفتيات يشعرن أنهن عبء على أسرهن ومجتمعهن في ظل العجز عن ممارسة حياة طبيعية، أو حتى الاندماج في المحيط الاجتماعي
وأوضح أنه تواصل مع السلطات الحكومية، والصندوق الاجتماعي في العاصمة المؤقتة عدن، لكنه لم يتلق أي استجابة، بينما تتهرب المنظمات المعنية من التدخل؛ بحجة التكاليف الباهظة التي تتطلبها مشاريع تحلية المياه.
ولم تقتصر الكارثة على الآثار الجسدية، بل امتدت لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية، خصوصًا لدى الفتيات المصابات، اللواتي حُرمن من الزواج بسبب تشوهات الأسنان والعظام. وقال مدير مكتب الصحة إن “العديد من الفتيات يشعرن أنهن عبء على أسرهن ومجتمعهن، في ظل العجز عن ممارسة حياة طبيعية، أو حتى الاندماج في المحيط الاجتماعي”.
تزايد نسبة تسمم المياه
يعتمد الأهالي بشكل شبه كامل على المياه الجوفية، لكن التحاليل كشفت عن نسب فلورايد تفوق الحد المسموح به صحياً ما بين 0.7 و1.5 ملم/ لتر، وفق التقديرات العالمية؛ ما أدى إلى انتشار أمراض خطيرة؛ أبرزها تسمم الأسنان والعظام، خصوصًا في المناطق الريفية كمديرية الحصين.
وأظهر مسح ميداني لهيئة مياه الريف في الضالع في 2021 -حصلت عليه منصة ريف اليمن- شمل 96 مصدراً لمياه الشرب في أربع مديريات في الضالع وجود 18 بئراً تركيز الفلورايد فيها سام جدا تراوح بين 7,1 إلى 13 ملغ/ لتر وهي النسبة الأعلى الموجودة من بين عينات الفحص للآبار.
وشمل المسح مصادر مياه في مديريات الضالع، الحصين، الأزارق، قعطبة، وتعد هذه المديريات ذات كثافة سكانية عالية تمثل نحو 75 بالمئة من سكان المحافظة التي يقدر عدد سكانها 818 ألف نسمة، وفق إحصاء مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية 2021.
الفحص الميداني للآبار كشف نسبة ارتفاع كبيرة للفلورايد في المياه الجوفية، حيث تراوحت ما بين 1.56 و13.33 ملغم/لتر وهذا يعني أن جميع تلك الآبار خطرة وليست آمنة؛ لأنها أعلى من المعدل الطبيعي، وكانت مديرية الحصين الأكثر تضرراً، وفق المسح الذي أجرته الهيئة العامة لمشاريع مياه الريف في الضالع بدعم من اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية.
هذه النسبة المرتفعة تضاعفت مؤخراً؛ وفق ما أظهرته آخر عملية فحص ميداني نُفذ في الربع الأول من العام الجاري 2025. وكشف مدير مختبر مراقبة جودة المياه في الضالع “ماهر العقيلي”، لمنصة ريف اليمن، أن “آخر عملية فحص العام الجاري سجلت النسبة الأعلى من الفلوريد في قرية حبيل الجلب، حيث بلغت 17 ملغم/لتر”.
وأكد العقيلي أن الفحص أُجري عدة مرات، ووجد أن النسبة مرتفعة مقارنة بما كانت عليه في المسح الميداني عام 2021، وقال إن “القرى الأخرى في مديرية الحصين كانت نسبها كالتالي: في خوبر وصلت إلى 13 ملغم/لتر، ومرفد إلى 12 ملغم/لتر، ولكمة الأشعوب إلى 9 ملغم/لتر”، ولفت إلى أن منطقة سناح 6 ملغرام/لتر، وسناح 5 ملغرام/ لتر وهذه تقع ضمن مديريتي الضالع وقعطبة”.
وشدد على أهمية رفع الوعي لدى السكان بخطورة استهلاك هذه المياه، مع ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة المشكلة صحياً وبيئياً، بما في ذلك البحث عن بدائل صالحة للشرب، وتطبيق حلول تقنية للحد من التلوث، وتحسين جودة المياه.
كل آبار مياه الضالع ملوثة
وقال الدكتور “جمال باوزير” أستاذ الجغرافيا في جامعة عدن إن “التحاليل المخبرية الأخيرة، المستندة إلى دراسات ميدانية سابقة، كشفت أن معظم مياه الآبار في الضالع غير صالحة للشرب، نتيجة تجاوز تراكيز العناصر الكيميائية والفيزيائية الحد الأقصى المسموح به وفقًا لمعايير منظمة الصحة العالمية”.
وأضاف في حديث خاص لمنصة ريف اليمن أن “الفلوريد هو الأكثر خطورة، وأن الحد الأقصى المسموح به في مياه الشرب هو 1.5 ملغم/لتر، إلا أن التحاليل أظهرت تجاوزًا كبيرًا لهذا الرقم في العديد من المواقع في الضالع”.
وعن سبب تضاعف تركيز مصدر الفلورايد في الضالع، أوضح باوزير أن ذلك يعود في الغالب إلى التكوين الجيولوجي للمنطقة، حيث تتفاعل المياه الجوفية مع صخور تحتوي على معادن غنية بأيونات الفلورايد، وهذا يفسر التركيزات العالية المكتشفة في المياه.
وفي المناطق التي تعتمد كليًا على مياه الآبار -كمديرية الأزارق- لوحظ انتشار واضح لتآكل الأسنان عند الأهالي وحتى المواشي، وفق الدكتور باوزير، الذي لفت إلى أن “تلوث المياه لا يقتصر فقط على الفلورايد، بل يتفاقم بفعل عوامل بشرية، مثل مياه الصرف الصحي المنزلية، واستخدام المبيدات والأسمدة النيتروجينية”.
وتؤدي هذه الملوثات إلى حمل العديد من المركّبات العضوية وغير العضوية عبر مياه الأمطار والسيول؛ ما يزيد من تدهور نوعية المياه الجوفية، ويساهم في ارتفاع عدد الآبار غير الصالحة للاستخدام البشري، وفق أستاذ الجغرافيا بجامعة عدن.
تصبغات الأسنان والكساح
ويؤكد المختصون أن الحل لا يقتصر فقط على المعالجة الطبية للمرضى المتضررين، بل يستوجب تنفيذ حملات توعية واسعة، وتوفير محطات تحلية أو فلاتر متخصصة، إلى جانب فحص شامل لجميع مصادر المياه.
وناشد السكان -الذين تحدثت إليهم منصة “ريف اليمن”- الجهات الرسمية والمنظمات الدولية بسرعة التدخل لتأمين مياه شرب نظيفة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن تتحوّل مشكلة التلوث إلى أزمة مستعصية تهدد مستقبل جيل من الأطفال في هذه المناطق المنسية.
وحذّر “حسين المشبعي”، طبيب وجراح الفم والفكين في المستشفى الأمريكي بعدن، من المخاطر الصحية الناتجة عن ارتفاع تركيز الفلوريد في مياه الشرب، خاصة على الأطفال، أبرزها تصبغات الأسنان، ومشاكل بالعظام، وحتى الكساح.
وقال في حديث لمنصة ريف اليمن: “سبق لنا أن نزلنا ميدانيًا إلى بعض المدارس لمعاينة أسنان الطلاب، ووجدنا نسبة مهولة من حالات التصبغ، المعروفة طبيًا بـ “تسمم الفلورايد”، خصوصًا في مديريات مثل الأزارق، جحاف، الجليلة، وغيرها من المناطق التي تعتمد بشكل كلي على المياه الجوفية”.
طفل أصيب بتصبغ الأسنان تطور إلى تآكلها في محافظة الضالع جنوب اليمن (ريف اليمن)
ووفق توصيات منظمة الصحة العالمية، فإن التركيز المقبول للفلورايد في مياه الشرب يتراوح بين 0.5 إلى 1.5 ملغ/لتر، بينما تُعد نسبة 0.7 ملغ/لتر الأفضل لصحة الأسنان، وهو المستوى المعتمد في كثير من الدول الغربية، وفق الدكتور المشعبي الذي استدرك بالقول “لكن ما نشهده اليوم في الضالع وبعض المناطق اليمنية يتجاوز هذا الحد، ويهدد الصحة العامة”.
وعن الحلول؛ يشير الدكتور المشبعي إلى أن “الدول المتقدمة لا تترك مستويات الفلورايد في مياه الشرب للصدفة، بل تعمل على تعديل الفلورايد صناعيًا، ففي حال كان تركيز الفلورايد أقل من 0.7 ملغ/لتر، تُضيف البلديات مركبات مثل فلوريد الصوديوم أو حمض هكسافلوسيليسيك لتعزيز وقاية الأسنان”.
وأضاف “أما إذا زاد التركيز عند 1.5 ملغ/لتر، فيتم إزالته باستخدام تقنيات متقدمة مثل الفحم المنشّط، أو الألومينا النشطة (Activated Alumina)، أو أنظمة التناضح العكسي (Reverse Osmosis)”.
وأشار إلى أن وزارة الصحة الأمريكية كانت قد خفّضت في عام 2015 المستوى المستهدف للفلورايد في مياه الشرب من 1.0 إلى 0.7 ملغ/لتر، بعد مراجعات علمية طويلة لتقييم التوازن بين الفوائد والمخاطر الصحية.
السلطات بلا دور حقيقي
رغم التقارير والتحذيرات الطبية التي تكشف تجاوزات خطيرة في نسب الفلوريد والعناصر الكيميائية الأخرى، لم تتخذ السلطات حتى الآن خطوات فعلية تضمن رقابة صارمة على مصادر المياه، أو تقدم حلولًا مستدامة للأهالي، وهذا يُفاقم من حجم الكارثة، ويترك السكان في مواجهة مباشرة مع مرض لا تسببه الطبيعة القاسية وشحة المياه فقط؛ بل التجاهل من قبل السلطات التي تفتقر لأي إجراءات أو خطط واضحة لتأمين مياه آمنة وصالحة للشرب.
طرحنا السؤال على مدير هيئة الموارد المائية في محافظة الضالع، المهندس “بدر محسن” عن دور السلطة، وقال “نعمل حاليًا على توفير فلاتر تنقية لإزالة الفلوريد من المياه، وقد قدمت منظمة الفاو تقنية فعّالة وسهلة التطبيق، وذات تكلفة منخفضة تقوم على التخلص من الفلورايد باستخدام الحجر الجيري، كما ندرس استخدام مياه الأمطار لتغذية المياه الجوفية، وتعديل تركيز الفلوريد”.
وأضاف لمنصة “ريف اليمن” أن “الهيئة لا تقوم بمتابعة جميع مصادر المياه على مستوى المحافظة، وإنما يقتصر عملها على معامل المياه ومحطات التحلية فقط، في حين تعود مشاريع مياه الريف إلى اختصاص الهيئة العامة لمشاريع مياه الريف”.
وقال محسن “لا يوجد أي دعم حكومي في هذا الجانب، وكل الجهود المبذولة تعتمد على تدخلات منظمات دولية، قامت بعضها بتركيب محطات تحلية في بعض المناطق لتحسين جودة المياه”، وأشار إلى أن “أكبر التحديات هي إيجاد مصادر مياه آمنة منخفضة الفلوريد”.
الحق في ماء نظيف
يُعدّ الحصول على مياه شرب نظيفة وآمنة من أبسط الحقوق الإنسانية، إلا أن هذا الحق يتحوّل في كثير من مناطق محافظة الضالع، إلى رفاهية مفقودة؛ إذ يجد المواطن نفسه محاصرًا بين خطر العطش، ومخاطر التسمم بمياه ملوثة بالفلوريد.
وبينما يكافح العالم من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ما يزال آلاف المواطنين في الضالع يضطرون إلى شرب مياه ملوثة قد تفتك بصحتهم، وسط غياب الحلول الفعّالة والتدخلات الكافية من الجهات المعنية، رغم أنها ممكنة.
المحامية “ولاء الفقيه” قالت لمنصة ريف اليمن: “القانون اليمني يؤكد على أن الوصول إلى مياه نظيفة وآمنة هو حق من حقوق الإنسان، وتتحمّل الدولة مسؤولية توفير هذا المورد الحيوي لكافة المواطنين”.
يُلزم القانون اليمني للمياه رقم (33) لسنة 2002، الجهات المختصة بمراقبة جودة المياه ومنع تلوثها، واتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة أي مصادر تهدد سلامتها. وقالت الفقيه إن هذه النصوص تتوافق مع الميثاق الدولي الذي ينص على أن “لكل شخص الحق في الحصول على ما يكفي من الماء المأمون والصالح للشرب، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من التمتع الكامل بالحق في مستوى معيشي لائق”.
ورغم هذا الإطار القانوني الواضح، إلا أن أداء الجهات الحكومية المعنية، من هيئات المياه إلى إدارات مشاريع الريف، لا يرقى لمستوى التحدي ولا يعكس حجم الأزمة، خصوصًا في مناطق مثل محافظة الضالع، التي تعاني من تلوث مزمن في مصادر مياه الشرب بسبب ارتفاع نسبة الفلورايد والمعادن الثقيلة، دون تدخل فعّال أو إجراءات وقائية ملموسة.
ويُلاحظ أن ضعف الرقابة، وغياب المتابعة الدورية لمصادر المياه، وعدم التنسيق بين الجهات الرسمية، زاد من حجم الكارثة، بينما تكتفي بعض المؤسسات بإلقاء المسؤولية على غيرها، ما يُعد إخلالاً مباشرًا بمسؤولياتها القانونية، وفي ظل هذا الإخفاق المؤسسي، يجد المواطن اليمني نفسه بين مطرقة العطش وسندان التلوث.
أمام هذا الواقع المأساوي الذي يهدد صحة جيل كامل في محافظة الضالع، تحتاج هذه الكارثة تدخلاً حكومياً وإنسانياً عاجلاً، فاستمرار اعتماد السكان على مياه ملوثة بالفلوريد دون وجود بدائل آمنة؛ يُنذر بكارثة صحية تتفاقم يومًا بعد يوم.
وتعد “المياه المأمونة ضرورية لصحة الإنسان ورفاهيته، وهي عنصر أساسي لتحقيق التنمية المستدامة” وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وترى الأمم المتحدة أن “الحق في مياه الشرب المأمونة والكافية والميسورة التكلفة هو حق من حقوق الإنسان المعترف بها”.
التراب يُعد عنصراً أساسياً في بيئة الدجاج، حيث يسهم بشكل كبير في تعزيز صحتهم وسلوكهم الطبيعي، يعمل التراب على مكافحة الطفيليات، وتنظيم درجة حرارة الجسم، وتحفيز عملية الهضم، كما يساهم في تحسين نظافة الريش والجلد، مما يجعله جزءاً لا غنى عنه في تربية الدواجن.
يستعرض هذا التقرير الإرشادي على ريف اليمن فوائد التراب للدجاج، بدءاً من مكافحة الطفيليات وتحسين صحة الريش، وصولاً إلى تنظيم درجة الحرارة وتعزيز الهضم، كما يتناول تأثيره على سلوك الدجاج وراحته النفسية، مع توضيح مكونات التراب المثالية، وتقديم توصيات فنية لاستخدامه بشكل صحيح في بيئة تربية الدواجن.
التخلص من الطفيليات: يساعد الاستحمام بالتراب في القضاء على الطفيليات مثل القمل والعث، من خلال امتصاص الزيوت الزائدة والرطوبة، مما يجفف الطفيليات ويمنع تكاثرها.
تنظيف الريش والمحافظة عليه: التمرغ في التراب يساهم في إزالة الأوساخ الزائدة والزيوت من الريش، مما يعزز تهوية الجلد، ويمنع التهابات الجلد، ويحتفظ بصحة الريش.
تحسين الهضم: الحصى الموجودة في التراب تساعد في طحن الطعام داخل الحوصلة، مما يعوض غياب الأسنان، كما أن التراب يحتوي على معادن ضرورية، مثل الكالسيوم والفسفور التي تدعم صحة الدجاج.
تنظيم درجة حرارة الجسم: في الطقس الحار، يساعد التراب البارد في تبريد الجسم عبر الحفر فيه؛ مما يحسن الراحة الجسدية، ويجنب الدجاج حرارة الطقس الزائدة.
تعزيز السلوك الطبيعي والرفاهية: التمرغ في التراب يعد سلوكاً غريزياً يساعد على استرخاء الدجاج وتقليل التوتر؛ مما يعزز من رفاهيته، ويحفز النشاط الطبيعي.
تحسين بيئة التربية: يساعد التراب في امتصاص الروائح الكريهة وتجفيف الفضلات بسرعة؛ مما يحسن جودة البيئة، ويقلل من تراكم البكتيريا والمشاكل الصحية المحتملة.
حماية البيض: التراب يوفر بيئة ناعمة وآمنة لاحتضان البيض، مما يحميه من الكسر.
وقاية ونظافة: تنظف التربة المنقار والأقدام من خلال الاحتكاك، ولكن من المهم تجنب التربة الرطبة جدًا لتفادي التهابات الأقدام التي قد تصيب الدجاج.
مكونات التراب المثالية للدجاج:
التراب الناعم: لامتصاص الزيوت والأوساخ من الريش.
الرمل: يساعد في عملية الهضم وتنظيف الريش.
الرماد: يساهم في مكافحة الطفيليات والحفاظ على صحة الجلد.
كمية صغيرة من الجير: لتعقيم التراب ومكافحة الطفيليات (مع استخدامه بحذر).
الدواجن التي يتم تربيتها في المناطق النائية والريفية تكون أكثر تماساً بالتراب مقارنة بتلك التي في المزارع
التوصيات الفنية:
توفير منطقة مخصصة للاستحمام بالتراب الجاف والنظيف في حظيرة الدجاج.
تجنب التربة الرطبة أو الملوثة للحد من الإصابة بالأمراض الجلدية.
إضافة الرماد أو الرمل الناعم لتحسين الفوائد الصحية للتراب.
ضمان تعرض منطقة الاستحمام لأشعة الشمس بشكل دوري لتجفيفها بشكل مناسب.
رش القليل من الماء على التراب في أيام الصيف الحارة للمساعدة في تبريد الجسم.
في الختام، يعد التراب عنصراً حيوياً في الحفاظ على صحة ورفاهية الدجاج، ويجب توفيره بشكل مناسب في بيئة تربيتهم، ومن خلال استثماره في تنظيف الريش، مكافحة الطفيليات، وتحسين الهضم، يمكن ضمان بيئة صحية تدعم نمو الدواجن بشكل سليم.
في محاولة لإيقاف انجراف التربة الزراعية بسبب سيول الأمطار؛ اتجه العديد من المزارعين في مديرية بني سعد بمحافظة المحويت، نحو زراعة نبات القصب على أطراف الحقول وفي المناطق الرطبة والوديان لتقليل فقدان التربة الخصبة، وتعزيز ثبات الأرض الزراعية.
والقصب نبات ينمو بكثافة، ويتميز بسيقانه الطويلة والمتينة التي تشكل حاجزاً طبيعياً يمنع تدفق المياه بسرعة كبيرة عبر الأراضي الزراعية خلال موسم الأمطار، ويعمل كشبكة مرنة تمتص وتبطئ من سرعة تدفق المياه؛ مما يحد من انجراف التربة.
ويؤكد المزارع “ناجي أحمد (77 عامًا)”، وهو من أوائل من تبنوا زراعة القصب أنه قبل زراعتها كان يخسر طبقات من أرضيه كل موسم، ويقول: “منذ أن بدأت بزراعة القصب قبل خمس سنوات، صارت أرضي أكثر تماسكا، واستفدت منه كعلف للماشية وأبيع الفائض في السوق المحلي”.
يشكل القصب حاجزاً طبيعياً يمنع تدفق المياه بسرعة كبيرة عبر الأراضي الزراعية خلال موسم الأمطار(ريف اليمن)
ويضيف ناجي: “كنت ألاحظ كل موسم كيف تفقد الأراضي الكثير من التربة بسبب السيول التي تتدفق من وادي سارع أو سردد وكيف كانت تقلل من محصولي، لكن منذ أن بدأت أزرع القصب على أطراف الحقل لاحظت تحسناً كبيراً في تماسك الأرض وتقليل انجراف التربة”. ويشير إلى أن زراعة القصب لم تتطلب منه نفقات كبيرة حيث يعتمد على أشواك وأعواد القصب المنتشرة برفق في حواشي الحقول ليعمل كحاجز.
أما المزارع “علي الراشدي (50 عاماً)”، فيقول: “قمت بزراعة القصب قبل ثلاث سنوات على حدود مزرعتي، وكانت النتيجة ممتازة؛ حيث لفت انتباهي أن جذوره تمسك التربة بقوة والسيقان الطويلة تحجب الرياح القوية عن المحاصيل”.
ويضيف لمنصة ريف اليمن: “بالإضافة الى وظيفته في حماية التربة، فهو أيضا يجذب الطيور والنحل وهذا ساعد في زيادة التلقيح للمحاصيل الأخرى”، لافتا إلى أن القصب نبات يتميز بتحمل الجفاف، ويناسب المناخ الحار.
فوائد القصب لا تقتصر على الحماية من السيول، بل يحمل مجموعة من الفوائد البيئية المهمة التي تنعكس على صحة الأرض والمجتمع، ويساعد في تحسين جودة التربة
رأي الخبراء
المهندس الزراعي “علي المقطري” فيوضح أن القصب “حاجز طبيعي يحمي التربة من الانجراف، وأحد الحلول البسيطة والفعالة مقارنة بالأساليب المكلفة لحماية الأراضي”.
ويضيف لمنصة ريف اليمن: “القصب يعزز من ثبات الأرض الزراعية، وهذا ينعكس إيجابياً على إنتاجية المحاصيل، وعلى الرغم من بساطة هذا الحل إلا أن زراعة القصب ونشره في المناطق المعرضة للسيول يعتبر من الطرق الفعالة اقتصادياً وبيئياً مقارنة بأساليب الحماية المكلفة”.
بينما يشير الخبير البيئي الدكتور “طارق حسان” إلى أن “فوائد القصب لا تقتصر على الحماية من السيول، بل يحمل مجموعة من الفوائد البيئية المهمة التي تنعكس على صحة الأرض والمجتمع، ويساعد في تحسين جودة التربة عن طريق منع انجراف الطبقات العلوية التي تحتوي على المواد العضوية والمواد المغذية الضرورية لنمو المحاصيل”.
بالإضافة لدوره في حماية التربة يُستخدم القصب في بناء العُشش لما له من خصائص عزل حرارية جيدة(ريف اليمن)
كما يساهم في تحسين التنوع البيولوجي في المناطق الزراعية حيث يشكل موطناً طبيعياً للعديد من الطيور والحشرات النافعة لافتا أن تشجيع زراعة القصب يمكن أن يشكل ركيزة أساسية في تبني أنظمة الزراعة المستدامة التي تحترم الطبيعة وتقلل من استخدام الأساليب المدمرة.
مورد اقتصادي
لا تقتصر قيمة القصب على كونه حارساً طبيعياً لأطراف الحقول، ودرعاً واقياً يحمي الأرض، فهو أيضا يشكل مورداً اقتصادياً متجدداً يعزز دخل الأسر الريفية من خلال استخدامه في صناعة الأعلاف ومواد البناء التقليدية المعروفة محلياً بـ”العُشش”. وتعتبر صناعة العُشش من استخدامات القصب التقليدية التي حافظ عليها السكان المحليون عبر الأجيال؛ حيث توفر بيوتاً مؤقتة بسيطة تحمي من حرارة الشمس وتوفر تهوية جيدة.
لا تقتصر قيمة القصب على كونه حارساً طبيعياً لأطراف الحقول، ودرعاً واقياً يحمي الأرض فهو أيضا يشكل مورداً اقتصادياً متجدداً يعزز دخل الأسر الريفية
ويقول المزارع “نبيل الجليحي 54 عاماً”: “نبيع القصب بعد حصاده في الأسواق المحلية؛ حيث يستخدمه الناس في بناء العُشش خاصة في فصل الصيف؛ لما له من خصائص عزل حرارية جيدة”. ويضيف: “بيع القصب يساعدني على زيادة دخلي خصوصاً خارج مواسم الزراعة”. كما يُستخدم القصب في صناعات محلية مثل الحصير، السلال، الأسمدة العضوية، الورق، وحتى صناعة آلة “الناي” الموسيقية.
تجارب عالمية وتحديات
رغم مزاياه، يشير مسؤول مكتب الزراعة في المحويت “أحمد السعدي” إلى أن “ضعف الوعي بأهمية القصب وغياب الدعم المؤسسي يشكلان تحديًا رئيسيًا”، مؤكدًا الحاجة إلى سياسات تشجع المزارعين على تبنيه وحمايته وربطه بحلول هندسية وممارسات زراعية مستدامة حتى يصبح أكثر فعالية.
الباحث في الزراعة المستدامة الدكتور “عبد الله عمر” قال إن القصب من النباتات التي تظهر فاعلية عالية في تقليل انجراف التربة وتحسين بنية التربة، مستشهدا بأن دراسات في الهند وإثيوبيا أثبتت أن زرع القصب على حواف الأراضي يعزز من مقاومة السيول، ويحسن من إنتاجية الأراضي الزراعية.
دعوات لدمج القصب مع تقنيات حديثة مثل حصاد مياه الأمطار كونه يشكل منظومة متكاملة تحافظ على البيئة الزراعية(ريف اليمن)
كما أن هناك العديد من الدول تستخدم القصب العملاق، منها مصر على ضفاف نهر النيل وأثيوبيا والسودان وليس اليمن فقط؛ مما يبرهن أهميته في الترميم البيئي، والحفاظ على الأراضي الزراعية، كما يستخدم القصب العملاق في الولايات المتحدة (كاليفورنيا وتكساس) في مشاريع استعادة الأنهار وحماية ضفافها من التآكل.
ويشدد المهندس الزراعي “عارف ناصر” خلال حديثه لمنصة ريف اليمن، على أهمية دمج القصب مع تقنيات حديثة، مثل حصاد مياه الأمطار كونه يشكل منظومة متكاملة تحافظ على البيئة الزراعية في ظل التغيرات المناخية.
ويؤكد أن استخدام القصب في أطراف الحقول ينسجم مع مبادئ الزراعة المستدامة؛ حيث يقلل من فقدان المياه، ويحافظ على التربة، ويوفر موارد طبيعية منخفضة التكلفة للاستفادة منها، وهذا يعزز استدامة الأراضي الزراعية.
تواجه الدول العربية التي تعاني من عدم الاستقرار والصراعات، خطر التأثير المتزايد لظاهرة التغيرات المناخية المتطرفة، من أبرزها موجات الجفاف الشديد التي بدورها تنعكس سلباً على المجتمعات الريفية.
في تقرير حديث، حذر المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية من تداعيات مناخية خطيرة وموجات جفاف غير مسبوقة خصوصاً على المجتمعات الريفية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
في بعض الحالات، لا يكون الجفاف مجرد نتيجة للإهمال أو سوء التخطيط، بل هو نتيجة مُدبرة، لكن ما يثير القلق أن ارتفاع درجات الحرارة وتراجع هطول الأمطار قد زاد بسرعة من الطلب على الطاقة والمياه ، مما زاد من التوترات على المستويين المحلي والإقليمي.
على الصعيد الداخلي، يُهدد شح المياه الناجم عن تفاقم تغير المناخ سبل عيش المجتمعات الريفية، كما هو الحال في جنوب العراق، التي تعتمد على الزراعة والثروة الحيوانية، مما يُسرّع من وتيرة الهجرة إلى المراكز الحضرية الكبرى.
لعلّ الأمر الأكثر دراماتيكية هو أن شمال سوريا، الذي يمرّ بالفعل بمرحلة انتقالية سياسية واجتماعية دقيقة بعد الحرب، يشهد أسوأ موجة جفاف منذ عقود، مما يزيد الضغط على القطاع الزراعي المنهك أصلًا ويُعيق الأمن الغذائي .
ولم تسلم دول شمال إفريقيا أيضًا، حيث عانت المغرب من جفاف دام سبع سنوات، مما أدى إلى انخفاض حاد في المحاصيل وقطعان الماشية، مما زاد الضغط على إنتاج الغذاء.
تتصاعد التوترات بين الدول التي تتشارك في أحواض المياه نفسها، حيث لا يزال العراق يتلقى مياهًا غير كافية من السدود التركية على نهري دجلة والفرات. من جانبها، لا تزال دول الخليج تعتمد على محطات تحلية المياه، حيث تتناقص إمداداتها من المياه المتجددة منذ فترة طويلة.
الكثير من الدول العربية غير قادرة على تنفيذ سياسات فعالة للتكيف مع أزمة المناخ والتخفيف من مشكلة نقص المياه
انعدام الأمن المائي
بحسب خبراء تُقوّض تخفيضات المساعدات الإنمائية الدولية بشكل خطير قدرة قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية على تلبية الاحتياجات المائية الأساسية للفئات السكانية الضعيفة في جميع أنحاء بلاد الشام، وخاصةً مجموعات اللاجئين والمجتمعات الريفية الفقيرة.
وتظل المنطقة، التي تعاني أصلاً من شحّ موارد المياه العذبة، وتدهور البنية التحتية، وتزايد الطلب على المياه، معرضةً لخطر ندرة المياه المستمر. وقد أدّت الصراعات المستمرة والماضية، من سوريا إلى غزة، إلى نزوح أعداد لا تُحصى من الناس وإلحاق الضرر بشبكات المياه الأساسية، مما جعل الكثيرين يعتمدون على الدعم الخارجي.
ومع تراجع المساعدات، تُقلّص حتماً الجهود المبذولة لتوفير المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية، مما يُعرّض هذه الفئات لمخاطر صحية وسلامة متزايدة. وتُنذر هذه التخفيضات بعكس مسار سنوات من التقدم الهش، مما يُفاقم تحديات المياه القائمة، ويُعمّق عدم الاستقرار في منطقة يُمثّل فيها انعدام الأمن المائي أزمة إنسانية وجيوسياسية.
المعهد الإيطالي: تخفيضات المساعدات الإنمائية الدولية تؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن المائي في الشرق الأوسط
ندرة المياه في الخليج والعراق
لا تزال ندرة المياه تُمثل أحد أهم التحديات التي تواجه المنطقة، وتُوفر الجهود السابقة، مثل مشروع ربط شبكات المياه بين دول مجلس التعاون الخليجي، أساسًا لتجديد التعاون. حيث ينبغي على دول المجلس إعادة النظر في قضية التعاون الإقليمي القائمة في مجال المياه منذ فترة طويلة.
ويُعدّ العراق من أكثر دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأثرًا بتغير المناخ، حيث ترتفع درجات الحرارة بمعدل أسرع بسبع مرات من المتوسط العالمي، وازدادت حدة الجفاف الشديد وتواترًا في السنوات الأخيرة.
يواجه العراق أزمة مياه متفاقمة، إذ انخفضت منسوب مياه نهري دجلة والفرات بنسبة 30% إلى 40% خلال الأربعين عامًا الماضية . ويعود هذا الانخفاض إلى تغير المناخ، وعدم كفاءة الري، وبناء السدود عند المنبع، لا سيما في تركيا، ولكن أيضًا في إيران وسوريا، اللتين تتحكمان في روافد رئيسية في نظام النهر المشترك.
وقد أثّرت هذه الظروف بشكل كبير على سبل عيش العديد من المجتمعات، وخاصةً المجتمعات الزراعية، مما أدى إلى نزوح ما يصل إلى 23,364 أسرة حتى 15 مارس/آذار 2024. وقد اتخذت الحكومة العراقية بعض الخطوات لمواجهة هذه التحديات.
ففي عام 2025، أطلقت مشروعًا ممولًا من صندوق المناخ الأخضر (GCF) باستثمار إجمالي قدره 39 مليون دولار لدعم الأسر الريفية في محافظات كربلاء والنجف والمثنى. ومع ذلك، لا تزال هذه الجهود محدودة بالنظر إلى حجم الأزمة، مما يقلل من كمية ونوعية المياه المتاحة للمجتمعات الزراعية المحلية.
شح المياه في سوريا
أدى الصراع في سوريا إلى تدمير البنية التحتية وتأثر قطاع المياه بشكل خاص، مع تدمير واسع النطاق لشبكات المياه، وتلوث مصادر المياه الرئيسية، وانهيار مؤسسات إدارة المياه، حيث أدت الحرب إلى تفكيك الخدمات العامة الهشة أصلاً في سوريا، مما أثر على القدرات المؤسسية على المستويين الوطني والمحلي، كما تفاقم التغيرات المناخية حدة التحديات.
أدى ارتفاع درجات الحرارة وتزايد وتيرة الجفاف وطول أمده إلى تدهور جودة وكمية المياه المتاحة. ولهذا التدهور البيئي عواقب فورية وطويلة الأجل على الصحة العامة، وإنتاج الغذاء، وانهيار سبل العيش الريفية بسبب ندرة المياه، مما يؤدي إلى النزوح الداخلي وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية، مع إضعاف آليات الصمود المحلية في سوريا.
وفي حين تدق كل هذه الأزمات ناقوس الخطر في جميع أنحاء المنطقة، والوقت ينفد في مواجهة التحديات المتزايدة التي تفرضها التغيرات المناخية. يبقى السؤال المُلِحّ: كيف تستجيب دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
في قرية هادئة بمديرية المعافر جنوب محافظة تعز، ولد حلم مؤجل ظل حبيس القلب لأربعة عقود. “رضية شمسان”، امرأة خمسينية، لم تدخل المدرسة يوما في طفولتها، كونها نشأت وسط بيئة ترى المدرسة مساحة حكرا على الذكور، لكنها لم تستسلم، ونسجت قصة نجاح ملهمة بعد سنوات.
تستعيد رضية ذكريات طفولتها بحسرة وتقول لمنصة ريف اليمن: “أبي حرمني من التعليم لما كنت صغيرة، لأنه كان يشوف أن تعليم البنات عيب، مثل كثير من الآباء وقتها، كان يعتبر أن البنت مكانها في البيت، مش في المدرسة”.
وتُضيف: “كان إخواني يروحوا المدرسة، وأنا أنظر لهم من بعيد وأتمنى أكون معهم، لكني كنت مجبورة أظل في البيت، أطبخ وأشتغل في الزراعة، لم أدخل المدرسة في طفولتي، ولا عرفت طريقها”.
كغيرها من فتيات الريف، انشغلت رضية منذ الصغر بين أعمال الزراعة والطهي ورعاية الأسرة، وبينما كانت ترى أطفال القرية يحملون دفاترهم في طريقهم إلى المدرسة كانت تتمنى أن تكون بينهم، لكن الواقع فرض مسارا آخر، لكنّ الحلم ظلّ يسكنها.
ورغم تحسّن نسبي في وعي المجتمعات المحلية خلال السنوات الأخيرة، لا تزال نسبة الفتيات الملتحقات بالتعليم في الريف متدنية. ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة اليونيسف عام 2021، فإنه “يوجد في اليمن أكثر من مليوني طفل خارج المدرسة، والغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال هنّ من الفتيات، لا سيما اللواتي يعشن في المناطق الريفية النائية”.
مرت السنوات، وكبرت المسؤوليات، خاصة بعد إصابة زوجها بمرض جعله غير قادر على العمل، لتجد نفسها المعيلة الوحيدة لتسعة أبناء، افتتحت مشغل خياطة صغيرا داخل منزلها، عملت فيه لساعات طويلة لتأمين قوت العائلة وتعليم أبنائها، لكن شعور العجز عن قراءة كلمة أو كتابة جملة ظل يثقل قلبها.
افتتحت رضية مشغل خياطة داخل منزلها لتأمين قوت أطفالها بعد مرض عائلها (ريف اليمن)
تضيف رضية: “عندما كان أولادي يطلبون مساعدتي في دروسهم، كنت أبكي لأني مش قادرة أقرأ أو أكتب كان وجعًا ما أقدر أوصفه.”، وبعد سنوات طويلة من الحرمان، وتحديدًا في عمر الثانية والأربعين، قرّرت أن تُغيّر مصيرها وأن تمنح نفسها فرصة ثانية.
التحقت بمركز لمحو الأمية، تعلّمت الحروف، وكتبت أول كلمة في حياتها، وسط فرحة أبنائها الذين أصبحوا سندها ومعلميها، بعدها التحقت بمدرسة النعمان، متحدية فارق العمر، وصعوبة المواد الدراسية، وضعف البصر، وحتى التنمر أحيانًا، قسمت يومها بين المدرسة والمشغل والمنزل.
واصلت رضية دراستها بإصرار، وتقول: “كنت أرجع من المدرسة، أشتغل في الخياطة، وبعدها أذاكر. أولادي كانوا يساعدوني كثير، آمنوا فيّ أكثر من نفسي حتى نلت شهادة الثانوية العامة بمعدل 77%”. لم تكن النتيجة مجرد رقم، بل انتصارًا شخصيًا ورسالة أمل لقريتها. تحولت قصتها إلى حديث الناس، وتلقت تكريمًا من السلطة المحلية تقديرًا لكفاحها.
رضية شمسان أثناء مذاكرة دروسها وكتابة واجباتها المنزلية (ريف اليمن)
ابنها عبد العزيز، الذي عايش رحلتها عن قرب، يروي جزءًا من هذه التجربة لمنصة ريف اليمن قائلاً: “كان شعوري مختلطًا بين الفرح والألم؛ فرح لأنها لن تحتاج بعد اليوم لمن يقرأ لها، وألم لأنها بدأت متأخرة بعد أن فات من عمرها الكثير”.
ويتابع بصوت تغمره مشاعر الفخر: “كنت أراها تعود من المدرسة وهي تبكي من صعوبة مادة الرياضيات، لكنّها لم تستسلم. كانت، رغم انقطاع الكهرباء وآلام الظهر، تشعل شمعة وتذاكر حتى منتصف الليل. وقتها أدركت أنني أعيش مع امرأة عظيمة، ومشروع أمل وإصرار لا يُهزم”. ويضيف: “منذ تلك اللحظة، لم أعد أستشير أحدًا في قراراتي إلا أمي، لأنها من جعلتني أؤمن أنني قادر على الوصول لأهدافي، مهما كانت بعيدة”.
عبد العزيز لم يكن مجرد ابن داعم، بل كان المُحرّك الأهم حين كادت تتوقف عن التعليم: “أقنعتها بمواصلة الطريق، واليوم أنا فخور بها جدًا. ومن لا يفخر بأمه، فكيف إن كانت مثل رضية شمسان؟”
لم يمرّ هذا الحدث بصمت، بل تحوّل إلى حدث محلي مُلهِم بعد نجاحها، تداول الناس صور رضية وتهانيهم لها على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحوّلت قصتها إلى حديث أبناء القرية والناشطين على مستوى محافظة تعز، حصلت على تشجيع واسع، وتكريم رسمي من السلطة المحلية في تعز، تقديرًا لإصرارها على التعليم، ولكونها نموذج حي للتحدّي.
صورة أثناء تكريم “رضية” من السلطة المحلية تقديرا لإصرارها على التعليم (ريف اليمن)
اليوم، لم تعد “رضية” مجرد ربة منزل منسية على هامش الريف، بل تحوّلت إلى نموذج نسوي مُلهم يُحاكيه الجميع، حتى في محيطها الصغير. تقول جارتها “تقوى ياسين”، وهي واحدة من القريبات منها منذ سنوات: “في البداية، المجتمع كان ينظر لها بنظرة إحباط، والناس في الريف ما يرحموش؛ سخرية وكلام جارح، خصوصًا إنها بدأت في عمر كبير. بس رضية كانت أقوى من كل هذا”.
هذه التجربة الفردية، فتحت النقاش مجددًا حول واقع تعليم الفتيات في القرى اليمنية، وهو واقع يقول عنه الصحفي والناشط المجتمعي “تيسير السامعي”، في حديثه لمنصة ريف اليمن: “واقع تعليم الفتيات في الريف اليمني حزين جدًا”.
ويضيف في حديثه لمنصة ريف اليمن: “كثير من البنات ما درسوش أصلًا، والبعض تركوا الدراسة في سن مبكر، بسبب الوضع الاقتصادي، وغياب الوعي، والعادات والتقاليد التي ما زالت ترى في البنت مجرد مزارعة أو ربة بيت فقط”.
ويلفت إلى أن “بعض هذه التقاليد بدأنا نتجاوزها فعلاً خلال السنوات الماضية، لكن للأسف الحرب الدائرة أعادت الناس خطوات إلى الوراء، وغيّبت الوعي في بعض المناطق”، مؤكدا أن قصة رضية “حالة استثنائية، وستخلق بيئة تشجّع كثير من النساء اللواتي حُرمن من التعليم في الصغر على الالتحاق بمراكز محو الأمية والمدارس”.
رضية شمسان أثناء ذهابها للمدرسة التي تلقت فيها تعليمها خلال السنوات الماضية (أرشيف)
ويختم بالتأكيد على أهمية الحلول الجذرية، قائلاً “يجب أن تكون هناك مبادرات لتوعية الآباء في الريف. وهناك تجارب ناجحة بالفعل في مناطق استطاعت أن تُحدث فرقًا من خلال منظمات عملت على تغيير نظرة المجتمع لتعليم الفتيات، وخففت كثيراً من تأثير العادات والتقاليد”.
مع مرور الوقت، تغيّرت النظرة تدريجيًا: “بعد نجاحها وانتشار قصتها، تغيّر كل شيء، صارت مصدر إلهام للنساء في القرية، والكل صار يقول: (ليش ما نرجع ندرس زي رضية؟)” بحسب “تقوى ياسين”.
حاليا تخطط رضية لمواصلة تعليمها الجامعي في تخصص “مساعد طبيب” لتخدم مجتمعها، مؤمنة بأن “العمر لا يمنع التعليم”. وبات اسمها في القرية مرادفًا للإصرار، حتى أن كثيرين من جيرانها ونساء قريتها بدأوا يتحدثون عن العودة إلى الدراسة على خطاها.
تعد مدينة شبام في محافظة حضرموت شرقي اليمن واحدة من أعظم الشواهد الحية على عبقرية العمارة اليمنية القديمة، حتى أطلق عليها لقب “مانهاتن الصحراء”، وضمتها منظمة اليونسكو إلى قائمة التراث الإنساني العالمي منذ عام 1982.
اشتهرت شبام بمبانيها الطينية الشاهقة التي يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 30 متراً، وهي أقدم ناطحات سحاب في التاريخ، شُيّدت قبل مئات السنين بمواد بسيطة من الطين والتبن وجذوع النخل، لكنها لا تزال حتى اليوم صامدة أمام العواصف ومظاهر الزمن، مجسدة روح الإبداع والدقة في الهندسة والبناء.
تقع مدينة شبام في قلب وادي وصحراء حضرموت، تحديداً بين مدينتي سيئون والقطن، ويبلغ عدد سكانها حوالي 16 ألف نسمة وفق تعداد عام 2004، وبنيت المدينة بشكل شبه منحرف أقرب إلى المستطيل، بهدف الحفاظ على الأراضي الزراعية المحيطة بها، ويحيط بها سور تاريخي كان يمتد لمسافة 550 متراً.
يعود تاريخ شبام إلى أكثر من 600 عام، لكنها قامت على جذور أقدم بكثير من ذلك، وكانت في عصور سابقة أكبر حجمًا وتمتد إلى المرتفعات المجاورة، وتعرضت المدينة على مر التاريخ لفيضانات وسيول مدمرة، أبرزها في القرنين الثاني عشر والخامس عشر، إضافة إلى فيضان عام 2008 الذي ألحق أضراراً جسيمة بأساسات بعض المباني.
رغم شهرتها العالمية، تواجه شبام اليوم مخاطر حقيقية تهدد تراثها، أبرزها الفيضانات والإهمال، ما دفع اليونسكو عام 2015 إلى إدراجها ضمن المدن المهددة بالخطر، فيما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 150 مبنى تعرضت للانهيار الجزئي أو الكلي في العقود الأخيرة.
تنشر منصة ريف اليمن هذه اللقطات الفريدة بعدسات المصورين نبيل الأزوري، محسن العولقي، عبدالرحمن القديمي، وعبدالله الجرادي، الذين وثّقوا المدينة من زوايا متنوعة، بينها مشاهد جوية تكشف روعة تخطيطها العمراني وأسرار ارتفاعاتها المذهلة.
التُقطت هذه الصور في أوقات متفرقة خلال السنوات الأخيرة