الثلاثاء, أبريل 7, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 31

في يومهم العالمي.. معلمو الأرياف معاناة لا تنتهي

“حرصًا منا كمعلمين على استمرار التعليم في الريف، أواصل عملي للسنة التاسعة دون راتب حكومي، متنقلاً من مدرسة إلى أخرى حتى لا ينقطع التعليم عن طلابنا”. هكذا يصف المعلم “فواز حسان”، حاله مع العملية التعليمية في الريف، إذ لا يزال يواصل أداء رسالته التربوية التي حملها على عاتقه منذ أكثر من 17 عامًا، متحديًا تدهور الوضع المعيشي الذي يعانيه آلاف المعلمين منذ سنوات.

وتعيش العملية التعليمية في اليمن حالة تدهور غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب قبل عشر سنوات، ومعه أنهى آلاف الطلاب مراحلهم الدراسية من دون امتلاك أبسط مقومات القراءة والكتابة؛ ما جعل التعليم في الريف -على وجه الخصوص- أكثر هشاشة وضعفًا.

بحسب اليونيسيف يواجه اليمن أزمة تعليمية حادة، حيث يمكن أن يرتفع عدد الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في تعلمهم إلى 6 ملايين طفل؛ مما يؤدي إلى عواقب وخيمة طويلة المدى على الأطفال.


  مواضيع مقترحة


يخوض فواز فصلا جديدا من التحديات اليومية مع بداية كل عام دراسي، ويقطع مسافة تقارب كيلومترين سيرًا على الأقدام ذهابًا وإيابًا بين حرّ الشمس وصعوبة الطريق إلى مدرسته الواقعة في منطقة “مناقل” بمديرية جبل حبشي، دون أن يتقاضى راتبًا حكوميًا منذ العام 2017، كونه أحد النازحين الذي لم تصرف لهم رواتب.

تحديات قاهرة

يقول لـ”منصة ريف اليمن”: |في ظل استمرار انقطاع رواتب المعلمين نعمل جاهدين على استمرار التعليم في الريف، أواصل عملي دون راتب حكومي، متنقلاً من مدرسة إلى أخرى حتى لا ينقطع التعليم عن الطلاب”.

ويضيف: “منذ العام 2018 وحتى اليوم عملت في مدرستين حكوميتين ومجمع طلابي في منطقة “الرُبق” بمديرية مقبنة، دون راتب، وما اتقاضاه من مساهمات طلابية – لا يتجاوز سبعين ألف ريال شهريًا – بالكاد يغطي جزءًا من احتياجات أسرتي المكونة من ستة أفراد”.

المعلم فواز حسان أثناء شرح الدرس لطلاب في إحدى مدارس مديرية جبل حبشي غربي تعز

تنقّل فواز بين عدة مدارس ريفية في مديريتي جبل حبشي ومقبنة، حيث درّس ثلاث سنوات في مدرسة التصحيح بقرية الأشروح، ثم عامًا في مجمع طلابي بمنطقة الرُبق، متحديًا قسوة الظروف دون أي مقابل مادي سوى قناعته برسالة التعليم.

يؤكد حسان  أن أبرز التحديات التي واجهته خلال السنوات الماضية هي النزوح وانقطاع راتبه بشكل كامل، حتى أصبح بعمل بلا دخل، ولا تتوفر له أي فرص عمل أخرى. ويشير  إلى أن بعض الإدارات المدرسية لم تبدِ أي اهتمام بالمعلمين النازحين، مستغلّة حاجتهم للعمل في ظروف صعبة ودون أي مقابل.

يختصر فواز حال مئات المعلمين الريفيين الذين أجبرتهم الحرب على النزوح أو العمل دون أجر، ويقول بأسى: “منذ العام 2008 وأنا أعمل في قطاع التعليم، لكننا لم نمر بظروف كهذه من قبل، فاليوم يعيش المعلم أسوأ مراحل حياته المهنية والمعيشية”.

رغم مشقة الطريق ومتاعب الحياة، لا يزال فواز متمسكًا برسالته التربوية، مؤمنًا بأن التعليم هو الأمل الوحيد لأبناء الريف في مستقبل أفضل، حتى وإن ظل يعمل مقابل أجر زهيد من طلابه.

وفي محافظة تعز، شهد العام الدراسي 2024 – 2025 سلسلة احتجاجات وإضرابات متكررة نفذها المعلمون للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية وصرف مرتباتهم المتأخرة، حيث استمر الإضراب الشامل أربعة أشهر متتالية، وفقًا لأمين عام نقابة المعلمين اليمنيين بالمحافظة “عبدالرحمن المقطري”.

فواز يختصر حال مئات المعلمين الريفيين الذين أجبرتهم الحرب على النزوح أو العمل دون أجر

وقال المقطري لـ”منصة ريف اليمن”: “الإضراب جاء للمطالبة بتحسين المستوى المعيشي للمعلمين وحفظ كرامتهم من خلال إصلاح هيكل الأجور وزيادة الحد الأدنى، وصرف الحوافز الشهرية أسوةً ببقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، والتأمين الصحي، وتنفيذ قرارات السلطة المحلية الخاصة بإيجار المساكن”.

وأضاف أن المعلمين النازحين يعيشون أوضاعًا مأساوية، مشيرًا إلى أن بعضهم لم يتسلموا رواتبهم منذ نوفمبر الماضي، وآخرين منذ مطلع هذا العام، بينما لا يزال البعض محرومين من رواتبهم منذ عام 2017.

معاناة متفاقمة

بحسب المقطري، فإن رواتب المعلمين كانت تُصرف بانتظام حتى يناير 2018، لكن الوضع تغيّر مؤخرًا، إذ لم تُصرف المرتبات منذ يوليو الماضي وحتى أكتوبر الجاري، متسائلًا: “كيف يمكن للمعلم أن يؤدي رسالته التعليمية في ظل هذه الظروف القاهرة وانهيار الوضع المعيشي؟، مؤكدا أن الحكومة والسلطة المحلية في تعز لم تحقق أيًّا من مطالب المعلمين، ولم تلبِّ حتى أبسط حقوقهم”.

وكان المعلمون قد نفذوا إضرابا شامل شل الحركة التعليمية خلال العام الماضي، وتشهد المدارس الحكومية وخصوصًا في الريف غياباً شبه كلي للكتاب المدرسي، الأمر الذي يزيد من تعقيد العملية التعليمية لدى الطلبة، وتحديات جمة يخوضها الطلبة ويجعل مستقبلهم مهددًا أكثر من أي وقت مضى.

ووفق تقارير للبنك الدولي واليونسكو واليونيسف والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عام 2022، فإن 70% من أطفال الدول الفقيرة يعانون من مشكلة فقر التعلّم، أي عجز الطفل في سن العاشرة عن قراءة نص بسيط وفهمه، أما في اليمن، فالنسبة مرشحة لأن تكون أعلى بكثير بسبب الحرب والانقطاعات التعليمية المستمرة.

*صورة الغلاف: الجزيرة نت

كبار السن في الريف: ذاكرة المجتمع بين رماد المعاناة

كبار السن في اليمن

بين الجبال القاسية وحقول الذرة والمواشي، يعيش كبار السن في ريف اليمن حياة مليئة بالتحديات هم في الظاهر جسد منهك، لكن في الداخل ينبضون صبرا وعزيمة، عطاؤهم المستمر يذكر المجتمع بأن الشيخوخة ليست نهاية الطريق، بل امتداداً لجذور الحياة في القرى اليمنية.

في المرتفعات الجبلية الشاهقة في ريف محافظة تعز تخرج أم أحمد (70 عامًا) كل صباح متكئة على عصاها الخشبية، لتقطع مسافة طويلة إلى أقرب بئر ماء، الرحلة الشاقة تستنزف قواها لكنها لم تمنعها من الاستمرار في خدمة أسرتها، فالشيخوخة هنا ليست نهاية العطاء، بل بداية تحد جديد مع قسوة الطبيعة ونقص الخدمات.

تقول “أم أحمد” التي تنحدر أصولها من المشاولة في ريف محافظة تعز: “نعتمد على الحمير لنقل الماء، هذا العام عانينا كثيرا بسب انعدام المياه وجفاف الينابيع، لكنني اعتدت جلب الماء لأسرتي كل يوم”، لا ترى أم أحمد ذلك مرهقا لها رغم كبر سنها، بل تراه واجبا يشعرها بالحب عندما تقدم لهم ما يحتاجونه.


       مواضيع مقترحة

كبار السن في الريف

في الأول من أكتوبر من كل عام، يحيي العالم “اليوم الدولي لكبار السن” الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 1990 ليكون مناسبة للتذكير بأهمية هذه الفئة ودورها الحيوي. أما في اليمن، فيبقى هذا اليوم محطة للتأكيد على ضرورة توفير رعاية صحية واجتماعية تحفظ كرامة كبار السن، وتعيد لهم جزءا من الحقوق التي حُرموا منها.

وفي القرى لا يقتصر دورهم على النصح والإرشاد، بل يمتد إلى حفظ الأعراف والتقاليد وتسوية النزاعات، ما يجعل الحديث عنهم في هذا اليوم ليس مجرد احتفاء عالمي، بل دعوة محلية للحفاظ على قيم البر والإحسان تجاههم، وضمان استمرار دورهم المحوري في الأسرة والمجتمع.

يشكل من هم فوق 60 عاما حوالي 4.7٪ من سكان اليمن، وبحسب «Help Age International» فإن نحو 79٪ من اليمنيين فوق سن الخمسين يعانون أمراضا مزمنة تحد من قدراتهم، فيما يواجه 1.65 مليون منهم خطر الجوع والأمراض نتيجة استمرار الأزمات.


عسيران: يعاني كبار السن في الأرياف اليمنية من صعوبة الحركة بسبب طبيعة التضاريس الجغرافية، وتراجُع حجم التمويل يمثل تحديا كبيرا أمام الاستجابة الإنسانية


في قرية دير عبد بمحافظة الحديدة يعيش العم السبعيني سالم، عرف بحكمته ويديه اللتين لم تتعبا يوما من تشكيل الطين، يجتمع الأطفال حوله كل مساء عند بيته الصغير حيث يضع عجله الفخار، فيصنع أمام أعينهم أواني وأكوابا كأنها قصص تشكل من طين.

يقول العم سالم لـ “ريف اليمن”: “مع كل درس لم أكن أعلمهم كيف يشكلون الأواني فقط، بل كان يغرس فيهم الصبر والإتقان وحب التراث اليمني وحرفة أجدادنا”.

ذات يوم قرر أن يترك لهم مهمة كاملة قائلا: “تعاونا نحن والأطفال في صنع جرة كبيرة للقرية ليخزن فيها الماء، بدأ الأطفال مترددين، لكن بتشجيعي وتوجيهاتي استطاعوا أن ينجحوا في ذلك، وهو ما نأمل في زراعته في وجدان أبنائنا”.

كبار السن في الريف: ذاكرة المجتمع بين رماد المعاناة

قصة صمود وتحدٍّ

من بين قصص الصمود قصة “أحمد”، وهو رجل ستيني فقد ساقه في خضم الصراع وأحد أبنائه لاحقا، لكنه واصل عمله كمعلم ومرمم للتراث الفني؛ مستفيدا من مشاريع التمكين الاقتصادي؛ ليستعيد استقلاليته ويواصل عطاءه.

وقال المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط هاشم عسيران في تصريح لـ”ريف اليمن” إن “هذه النماذج تجسد قوة وإصرار كبار السن في اليمن بمواجهة تحديات الصراع الظروف القاسية”.

وتدعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر اليمني المجتمعات المتضررة من النزاع في اليمن بما في ذلك كبار السن الذين يواجهون تحديات مضاعفة نتيجة النزوح وصعوبة الوصول الى الخدمات الأساسية.

وأوضح عسيران: “تشمل أنشطتنا دعم المراكز الصحية والمستشفيات لضمان خدمات الرعاية الأساسية، وتوزيع الغذاء والاحتياجات المنزلية للأسر الأكثر ضعفا، بالإضافة إلى تحسين الوصول إلى المياه وخدمات الصرف الصحي”.

وقال عسيران إن “كبار السن في الأرياف اليمنية يعانون من صعوبة الحركة بسبب طبيعة التضاريس الجغرافية. ورغم الجهود فإن تراجُع حجم التمويل يمثل تحديا كبيرا أمام الاستجابة الإنسانية في وقت لا يزال فيه ملايين اليمنيين -ومن بينهم كبار السن- يعتمدون عليها”.

بيت الخبرة

يمثل كبار السن في المجتمع الريفي اليمني مصدرا أساسيا للخبرة والحكمة، حيث يستفاد منهم في تصويب مسار الحياة الأسرية والاجتماعية، ونقل العادات والتقاليد الحميدة من جيل إلى آخر؛ بما يسهم في الحفاظ على الموروث الاجتماعي. كما يفيد محمود البكاري أستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز.

في الريف اليمني، يواجه كبار السن واقعا قاسيا، فالمسافات الطويلة والطرق الوعرة تحول رحلة العلاج أو شراء الدواء إلى مغامرة قد تستغرق يوماً كاملاً، بحسب البكاري الذي نوه إلى أن معظمهم يفتقرون إلى وسائل النقل، ويضطرون للاعتماد على الحمير أو السير على الأقدام لمسافات مرهقة.


البكاري: كبار السن باتوا يتأثرون بعوامل التغيير الاجتماعي، مثل الهجرة الداخلية والخارجية؛ الأمر الذي يحد من قدرة الأبناء على الاهتمام بهم كما كان يحدث سابقا


وتفاقم الأوضاع الاقتصادية المعيشية من هذه المعاناة، إذ لا يمتلك الكثير منهم دخلاً ثابتا أو أي شكل من أشكال الضمان الاجتماعي؛ ما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع الفقر والمرض.

ويؤكد البكاري، في حديثه لـ”ريف اليمن” أن كبار السن يعدون مرجعا مهما في حل الخلافات والنزاعات الأسرية، سواء بين الأبناء أو الأزواج، لما يحظون به من احترام ومهابة وثقة في إطار الأسرة والمجتمع.

لكن البكاري يشير إلى أن كبار السن باتوا يتأثرون بعوامل التغيير الاجتماعي، مثل الهجرة الداخلية والخارجية، وتعليم الفتيات، والتحاق أفراد الأسرة بوظائف تتطلب التزاما بالدوام اليومي؛ الأمر الذي يحد من قدرة الأبناء على الاهتمام بهم كما كان يحدث سابقا.

أما عن أبرز التحديات التي تواجه هذه الفئة، فيوضح أن غياب برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والنفسية، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والأمنية الراهنة، تمثل عقبات كبيرة أمام توفير حياة كريمة للمسنين في الأرياف اليمنية.

كبار السن في الريف: ذاكرة المجتمع بين رماد المعاناة
لا يقتصر دور كبار السن في اليمن على النصح والإرشاد بل يمتد إلى حفظ الأعراف والتقاليد وتسوية النزاعات (الهلال الأحمر)

فئات متضررة

وخلال سنوات الصراع في اليمن تأثر كبار السن بشكل كبير. وقال أمين عام اللجنة الوطنية للمتطوعين بالهلال الأحمر اليمني “حسان العنسي” إن “كبار السن يعدون من أكثر الفئات تضررا في زمن الحرب، وأقلها قدرة على التأقلم مع ظروف الصراع”.

وأضاف العنسي في حديث لـ “ريف اليمن” أن “معاناة كبار السن اليومية لا تقتصر على فقدان المأوى أو النزوح المتكرر، بل تمتد لتشمل صعوبة الحصول على الأدوية المزمنة، ومشقة التنقل، وفقدان الأبناء أو المعيل، إلى جانب العزلة النفسية وغياب الرعاية الاجتماعية”.

وأوضح أن “هناك مسؤوليات عاجلة تجاه هذه الفئة يقوم بها الهلال الأحمر اليمني تجاههم، أبرزها: ضمان توفير الرعاية الصحية والأدوية بأسعار مناسبة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، إضافة إلى منحهم الأولوية في المساعدات الغذائية والمأوى”.

وأكد المسؤول في الهلال الأحمر على ضرورة “إدماج قضايا كبار السن في خطط الاستجابة الإنسانية محليًا ودوليا”، وشدد على أهمية تعزيز ثقافة احترام كبار السن وتقدير مكانتهم.

وقال العنسي: “كبار السن يمثلون ذاكرة الأوطان ومستودع القيم، ورعايتهم ليست خيارا، بل واجبا أخلاقيا وإنسانيا”، لافتاً إلى أن “خسارتهم تعني خسارة قصص الأرض وتاريخها ووصاياها”.

صوت الريف.. مبادرة تعيد الأمل لطلاب قرية في إب

خلال السنوات العشر الماضية تدهورت العملية التعليمية في اليمن بصورة غير مسبوقة، حتى باتت المدارس عاجزة عن القيام بدورها، مع فصول مكتظة، وأخرى مدمرة، ومعلمين بلا رواتب منذ سنوات، ونتيجة لذلك أنهى آلاف الطلاب مراحلهم الدراسية بلا قدرة حقيقية على القراءة والكتابة، وهو ما شكل فجوة تعليمية كبرى.

في ظل هذا الواقع المأساوي، برزت مبادرات فردية محاولة إحداث فارق، كمبادرة “صوت الريف” التي أطلقها الشاب “أحمد الصالح” في قريته وادي الجنات بمحافظة إب، ليعيد للأطفال نافذة أمل من خلال تعليمهم مهارات القراءة تدريجيًا، ويحول الكتاب من رفاهية مفقودة إلى أداة تمكّنهم من التعلم والفهم.

يقول الصالح لـ”منصة ريف اليمن”: “خلال إجازة عيد الأضحى الماضي، اصطحبت معي إلى قريتي مجموعة قصص كانت بناتي في الصف الرابع قد قرأنها في المدينة حيث أعيش، لكنني فوجئت أن طلاب القرية، بمن فيهم طلاب في الثانوية والإعدادية، عاجزون عن قراءتها بشكل صحيح”.


    مواضيع مقترحة


مبادرة بلا تمويل

ويضيف: “حينها أدركت أن هناك خللا عميقا فبدأت الفكرة بأن أُسهم في تعزيز المسار التعليمي، وبدأت أعلّمهم أساسيات القراءة، ثم أقودهم تدريجيا عبر قصص مناسبة لمستوياتهم حتى يصلوا إلى النصوص المتقدمة، عبر مبادرة تطوعية بلا تمويل ولا مؤسسات داعمة، هدفها البسيط أن تساعد أبناء القرية على امتلاك أول مفاتيح التعلّم وهي القدرة على القراءة”.

خلف هذا المشهد الصغير تختبئ أزمة وطنية أكبر؛ فالتعليم في اليمن يعيش انهيارًا غير مسبوق منذ قرابة عقد من الزمن، وهناك أكثر من 2,426 مدرسة خرجت عن الخدمة وفق تقارير “اليونيسف“؛ بعضها دُمِّر كليًا، وبعضها تحوّل إلى ملاجئ للنازحين أو مقار عسكرية. ومع كل مدرسة تُغلق؛ يُحرم آلاف الأطفال من أبسط حقوقهم.

لم يقف الأمر عند حدود المباني، فمنذ 2016 يعيش عشرات الآلاف من المعلمين بلا رواتب منتظمة، ما دفع الكثيرين إلى ترك المهنة، فيما لجأت مدارس إلى الاستعانة بأشخاص من خارج السلك التربوي، الأمر الذي انعكس مباشرة على جودة التعليم.

يضاف إلى ذلك الاكتظاظ الهائل في الفصول الدراسية بسبب النزوح؛ ففي كثير من المناطق يتجاوز عدد الطلاب خمسين طالبًا في الصف الواحد، وفي صميم الانهيار التعليمي هناك فجوة واضحة؛ فطلاب في المرحلة الإعدادية والثانوية لا يستطيعون قراءة نصوص مخصصة لتلاميذ الصفوف الأولى.

بدأ الصالح تعليم أساسيات القراءة تدريجيا عبر قصص مناسبة لمستوياتهم حتى وصلوا إلى النصوص المتقدمة (ريف اليمن)

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى ما يُعرف عالميًا بـ “فقر التعلّم”، أي عجز الطفل في سن العاشرة عن قراءة نص بسيط وفهمه، ووفق تقارير للبنك الدولي واليونسكو واليونيسف والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عام 2022، فإن 70% من أطفال الدول الفقيرة يعانون من هذه المشكلة، أما في اليمن، فالنسبة مرشحة لأن تكون أعلى بكثير بسبب الحرب والانقطاعات التعليمية المستمرة.

بدأ أحمد بتوفير قصص للمبتدئين، ثم انتقل معهم إلى المستوى المتوسط، وأخيرا إلى قصص أكثر تعقيدا ومتقدمة، وبحسب أحمد فإن المفاجأة كانت أن الإقبال تجاوز كل توقعاته، إذ كان يتوقع نحو عشرين طالبا، لكن العدد قفز إلى أكثر من ستين.

من الامتحان إلى التحفيز

مع مرور الوقت، تمكن خمسة وعشرون طالبا وطالبة من قراءة أكثر من ثلاثين قصة متوسطة، والانتقال إلى المستوى المتقدم (خلال ستة أسابيع)، ولا تزال عملية التقدم مستمرة، ويديرها طلاب من الذين استفادوا من التجربة تحت إشراف ومتابعة أحمد.

لم يكتف أحمد بتوزيع القصص، بل صمم برنامجا تدريبيا متكاملا يبدأ بتقييم الطلاب عبر اختبار قراءة لتحديد مستواهم الفعلي، بغض النظر عن صفهم الدراسي، بعد الفرز، جرى توزيع الطلاب على ثلاثة مستويات: تمهيدي، متوسط، متقدم، ولكل مستوى قصص مناسبة وفرها أحمد بتمويل شخصي.

المنهجية اعتمدت على تعليم الطلاب طرق القراءة الفاعلة، والاستماع إلى الطلاب وهم يسردون القصة بأسلوب يعكس فهمهم، وطرح أسئلة من داخل النصوص للتأكد من الفهم مع زيادة صعوبة الأسئلة تدريجيا، وإعادة القراءة عند ضعف مستوى الإتقان.

كما وسع البرنامج ليشمل تحسين الخط والإملاء بعد أن لاحظ ضعفا كبيرا فيهما، ولم يغفل عن عنصر التحفيز؛ إذ كان يعلّق أسماء المتميزين أسبوعيا عند مدخل القرية لرفع المعنويات وزيادة المنافسة، وحتى العادات الاجتماعية التي منعت بعض الفتيات من الحضور لمقر التدريب، وجد لها حلا عبر تكليف فريق ميداني متطوع من الطلاب للنزول إلى بيوتهن واختبارهن.

قائمة بأسماء الطلاب المتميزين معلقة على أحد جدران القرية تشجيعا لهم (ريف اليمن)

سرعان ما ظهرت النتائج، يؤكد الأستاذ خليل، مدرس اللغة العربية في المدرسة لـ “منصة ريف اليمن”: “لقد لاحظت تحسنا كبيرا في مستوى طلاب القرية، فقد أصبح مستواهم متقدما على أبناء القرى المجاورة”.

كما رصد مراسلنا، انطباعات الطلاب عن المبادرة لقصص نجاح فردية ملهمة، فقد قالت أماني لـ “منصة ريف اليمن”: “تخليت عن مشاهدة التلفاز وتضييع الوقت في أشياء غير مهمة. أصبح وقتي كله قراءة، وتحسّن مستواي بشكل كبير”.

أما الطالب عاصم، وهو في الصف الرابع، يقول لـ “منصة ريف اليمن”: “ما ناش مصدق أني وصلت لهذا المستوى. أصبحت أقرأ أفضل من طلاب في الإعدادية.” أما عبده، الطالب في الثاني الثانوي، فيؤكد: “لقد تحسنت مهارتي بالقراءة كثيرا، وهذه المبادرة وفرت لي كتبا كنت أتمنى أن أجدها منذ زمن”.

نشاط ثقافي ملهم

لم تكن مبادرة أحمد مجرد نشاط ثقافي عابر، بل مثلت فعل مقاومة ذكيا في وجه أزمة وطنية خانقة، فهي تتصدى مباشرة لجذر المشكلة المتمثل في “فقر التعلّم”، من خلال تزويد الطلاب بمواد قرائية مناسبة، وتدريبهم على الفهم والسرد، وخلق بيئة جماعية محفزة. الأهم من ذلك أن التجربة أثبتت قابليتها للتطبيق في أي قرية يمنية أخرى، لتكون بمثابة نموذج يمكن تكراره وتوسيعه في مناطق متعددة.

إشراك الطلاب المتفوقين كمدربين لم يكن مجرد فكرة تنظيمية، بل خطوة استراتيجية نحو الاستدامة؛ فهؤلاء الطلاب تحولوا إلى قدوات لغيرهم، وأصبحوا جزءا من حلقة تعليمية قادرة على تجديد نفسها بنفسها، حتى في ظل غياب الإمكانات وغياب صاحب المبادرة والاكتفاء بالإشراف والزيارات المؤقتة.

بإصرار أحمد، نجحت مبادرة “صوت الريف” في أن تجعل من القراءة عادة يومية لعشرات الطلاب، لكنها لا تزال حتى اللحظة حبيسة جهود فردية وإمكانات محدودة، فأحمد يدرك أن ما تحقق حتى الآن مجرد بداية، ويعترف بأن حلمه يتجاوز الواقع بكثير، ويقول: “أتمنى أن أكرم الطلاب بشهادات وجوائز، وأن أؤسس لهم مكتبة كبيرة، وأن تتوسع التجربة لتصل إلى القرى المجاورة، لكن ضعف الإمكانات هو العائق الأكبر”.

بريق النجاح انعكس سريعا حتى خارج حدود القرية، حيث بدأ أولياء الأمور في القرى المجاورة بالمطالبة بتكرار التجربة عند أبنائهم، فيما اكتفى بعضهم بالقصص القليلة التي وزعها أحمد، لكنها لم تكن كافية لتلبية الطلب المتزايد، ما يكشف بوضوح أن المبادرة لم تعد حاجة محلية ضيقة، بل صارت مطلبا مجتمعيا أوسع يحتاج إلى غطاء رسمي ودعم من المؤسسات التعليمية والجهات المانحة.

رغم نجاحها، تواجه مبادرة “صوت الريف” سؤالا جوهريا: كيف تستمر وتتوسع؟ الإجابة تبدو بسيطة من حيث الشكل، لكنها عميقة في أثرها، فتوفير مكتبة مجتمعية صغيرة مجهزة بالقصص والروايات المناسبة للمراحل المختلفة كفيل بمضاعفة عدد المستفيدين، كما أن تقديم شهادات تقدير وجوائز للمشاركين من شأنه أن يعزز روح التحدي ويحفّز الطلاب على مواصلة القراءة في القرية.

الأمر يتطلب أيضا تدريب المزيد من المتطوعين القادرين على إدارة الجلسات القرائية والإشراف على الأطفال في القرى المجاورة؛ لضمان استدامة الجهود وعدم توقفها عند حدود قرية واحدة.

يقف أحمد الصالح وأطفاله القراء على مفترق طرق التجربة أثبتت أن التغيير ممكن حتى في أقسى الظروف، وأن القراءة قد تكون أداة مقاومة ذكية في وجه الحرب والحرمان، وكل قصة يقرأها طفل ريفي هي انتصار صغير على الجهل واليأس، وخطوة جديدة نحو جيل مختلف، يملك شغف المعرفة وإرادة التغيير.

ما حققته هذه التجربة يؤكد أن الحلول قد تبدأ من خطوات متواضعة، وأن وجود دعم من مؤسسات التعليم أو منظمات المجتمع المدني أو حتى الأفراد القادرين قد يحول مبادرة شخصية إلى مشروع وطني واسع النطاق، ورغم نجاحها تقف المبادرة منتظرة شراكات أوسع، رسمية أو مجتمعية، حتى تتحول القراءة من مبادرة فردية إلى ثقافة عامة تعيد للتعليم شيئا من عافيته المفقودة.

بالشراكة مع منصة ريف اليمن.. “سينما الأربعاء” تدشن شهر أفلام الحياة الريفية

منشور instagram عن الأفلام الملهمة - 1

بالشراكة مع “منصة ريف اليمن”، دشنت “سينما الأربعاء”، بمحافظة تعز، شهر أفلام “الحياة الريفية” بعرض فيلم “الأرض” للمخرج المصري العالمي يوسف شاهين، أحد أبرز رواد السينما العربية، وذلك في إطار مشروع “سينما الأربعاء” الذي تُقيمه مؤسسة أرنيادا وبيت الصحافة.

وخصص شهر أكتوبر الحالي لأفلام الحياة الريفية تزامنا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية/ وبهدف إبراز قضايا الريف اليمني ومعاناة سكانه عبر الفن السابع، وربطه مع الإنتاج الصحفي بالشراكة مع منصة ريف اليمن.

العرض الأول كان لفيلم “The Land” وهو فيلم مصري أُنتج في نهاية عام 1969، وعرض في عام 1970. يُعد من روائع السينما المصرية، وصُنف كثاني أفضل فيلم ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية. مأخوذ عن رواية الأديب عبد الرحمن الشرقاوي، ويتناول قصة قرية مصرية حُرمت من حصتها في مياه الري، وكيف واجه الفلاحون هذه القرارات الجائرة التي تهدد حياتهم ووجودهم.

أثناء عرض فيلم “الأرض” للمخرج المصري العالمي يوسف شاهين في سينما الأربعاء

يمثل هذا العرض بداية سلسلة عروض تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في الحياة الريفية وربطها بواقع الأرياف اليمنية، وتؤكد “سينما الأربعاء” و” منصة ريف اليمن” حرصهما على استخدام السينما كأداة توعوية وثقافية تقرب المضمون السينمائي من الجمهور المحلي.

ساقية الملكة أروى.. تحفة هندسية في مواجهة النسيان

تُعد ساقية جبلة في محافظة إب وسط اليمن، إنجازاً هندسياً ومعلماً تاريخياً شيدته الملكة أروى بنت أحمد الصليحي قبل أكثر من تسعة قرون، وشاهداً على حنكة المرأة اليمنية حتى وقتنا الحاضر، فهي تمتد قرابة ستة كيلومترات، بدءاً من جبل التعكّر وصولاً إلى قصر الملكة أروى والجامع الكبير في مدينة جبلة.

شيدت الساقية بأسلوب هندسي بديع من حيث نحت الصخور في المنحدرات الجبلية الصعبة؛ لضمان انسياب الماء بقوة دفع مثالية عبر مسارها الطويل والمتعرج، بما في ذلك جريانها بشكل لولبي في بعض الأجزاء، وكان الهدف الأساسي لهذا المشروع العملاق هو إيصال مياه الشرب النقية إلى كل منازل مدينة جِبلة، وذلك خلال فترة حكم الملكة أروى للدولة الصليحية (1085 – 1138 ميلادية).

مشروع هندسي تراثي

يوضح الدليل في الجامع الكبير ومتحف الملكة أروى، “هشام الجشاعي”، أن تشييد الملكة أروى للكثير من الساقيات ومنها ساقية جبلة، تبقى شاهدة على هدفها المتمثل بتأسيس دولة قوية، إذ يُعد الماء أحد أهم ركائز بناء الدول واستقرارها.


       مواضيع مقترحة

يقول الجشاعي لـ “منصة ريف اليمن” إن “ساقية جبلة مشروع هندسي تقني وتراثي تاريخي مرموق وكأنها منظومة تقنية ري حديثة، تظل شاهدة على إبداع الدولة الصليحية، وإنجازات الملكة أروى”، ولا تزال الساقية قائمة حتى يومنا هذا رغم تعرضها للخراب والإهمال.

ويضيف: “ساقية جبلة التي تم تشييدها من الأحجار والقضاض، الممتدة من على قمم الجبال المرتفعة وفي بطون الأودية وعلى المنحدرات المتعرجة ووسط الصخور، تمثل وجهة سياحية قائمة بذاتها لمحبي الثقافة والتراث والريف اليمني الأصيل”.

وتابع: لكن مع الإهمال المتعمد من قبل الدولة وعوامل التعرية تتعرض الساقية بين الفينة والأخرى للانهيارات الجزئية، ورغم أن الساقية لديها مخصص مالي ضمن نفقة أوقاف الملكة أروى التي خصصت جزءاً منه لترميم الساقية، إلا أن هناك مبادرات مجتمعية وفردية تقوم بعملية الترميم”.

كانت مدينة جبلة بلدة عامرة أسسها الأمير عبد الله محمد الصليحي عام (458هـ) (1066م) وتُعرف باسم مدينة النهرين لتوسطها نهرين كبيرين دائمي الجريان على مدار العام، وما تزال من أجمل المدن اليمنية طبيعةً، وأطيبها هواءً، وأعذبها ماءً، وازدهرت بعد اتخاذها عاصمة للدولة الصليحية، بحسب كتاب معجم بلدان اليمن وقبائلها للحجري.

تجدر الإشارة إلى أن الملكة أروى بنت أحمد الصليحي تعد من النساء القلائل اللاتي بلغن منصباً رفيعاً وقيادياً في العصر الإسلامي، حيث جمعت بين القيادة الدينية والسياسية، مما جعل منها الشخصية الأكثر دبلوماسية وحضوراً في عهد المملكة الصليحية التي اتخذت من مدينة جبلة التاريخية عاصمة لها، كما لقبت ببلقيس الصغرى نظراً لرجاحة عقلها وذكائها، وفقا لما ورد في كتاب موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي.

الساقية دلالة تاريخية

تعتبر ساقية الملكة أروى دلالة تاريخية تمثل شاهدا على عظمة تلك الحقبة من تاريخ اليمن وخاصة الدولة الصليحية؛ إذ إن المشروع الذي يمتد من قرية حديد مرورا بعزلة الاسلاف وصولا إلى مدينة جبلة، يعد واحدا من المشاريع الجريئة التي مثلت معجزة في الهندسة المعمارية، وُعدَّت سابقة في مجال البناء، ومغامرة في إنشاء مثل هكذا مشاريع”.

يقول “إبراهيم البعداني”، مسؤول التوثيق الإعلامي السابق في مكتب هيئة الآثار والمتاحف بمحافظة إب: “شكلت ساقية جبلة تحدياً كبيراً في إتمامها، ومن المستحيل إتمامه، خاصة وأن موقع الساقية يمر بمنحدرات وطبيعة جغرافية برغم ذلك تم العمل عليها بحرفية ودقة متناهية”.

ومن وجهة نظر البعداني فإن “نجاح هذا المشروع كان إضافة أخرى للإنجازات التي حققتها الدولة الصليحية، وبدأت كثير من الدويلات التي تعاقبت معها بإنشاء مشاريع مشابهة”. وضمن حديثه لـ” منصة ريف اليمن” أكد أن “ساقية السيدة أروى تعرضت للإهمال في فترات متعددة فكان الأهالي حينها سباقون في ترميمها، إلا أن الإهمال يطالها بين فترة وأخرى، ومع ذلك لا تزال بحالة جيدة”.

إهمال متعاقب

“محسن الخولاني (78 عاما)” أحد المسنين الذين يقطنون جبلة يشكو كيف كانت “ساقية جبلة” قبل نحو عقدين من الزمان وكيف أصبح حالها اليوم، بعد استبدال شجرة القات بدلا عن زراعة الحبوب والثمار.

في حديثه لـ “منصة ريف اليمن” يقول الخولاني الذي أفنى غالبية عمره في مجال البناء: “لم نكن نتوقع أن مياه هذا المشروع الممتد منذ قرون ستنقطع عن المدينة، وستحرم منه غالبية الأسر، حتى في موسم هطول الأمطار، بسبب شجرة القات”.

أما البعداني فأشار إلى أن الساقية حاليا بحاجة إلى متابعة واهتمام من الجهات المختصة لحمايتها من العبث؛ كونها من المعالم التاريخية التي لا تزال قائمة حتى وقتنا الحالي. مشددًا على أن الدولة ممثلة بالهيئة العامة للآثار والهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية ملزمة بل ومسؤولة عن تعرض الساقية للإهمال أو التخريب، وعلى المجتمع المحلي الحفاظ عليها كونها تمثل واجهة وموروثاً حضارياً لليمن.

زراعة الشّمار.. من وضع البذور إلى الحصاد

يُعد الشّمار(Foeniculum vulgare Miller) نباتاً عطرياً وطبياً ذا قيمة عالية، ويشتهر بتعدد استخداماته في الغذاء والطب والصناعة، ويزداد الاهتمام بزراعته في العديد من المناطق نظراً لفوائده الغذائية والعلاجية وإمكاناته الاقتصادية، ويطلق عليه في بعض المناق بـ”الشُّمر”.

يعرض هذا التقرير الإرشادي على منصة “ريف اليمن” زراعة الشّمار، بما في ذلك متطلبات التربة والمناخ، وطرق التكاثر، وأساليب الري، وفترات الحصاد، والاستخدامات العملية.

الوصف النباتي

الشّمار نبات عشبي معمر ينتمي إلى الفصيلة الخيمية يتميز بما يلي:

  1. سيقان خضراء طويلة ومتفرعة بكثرة.
  2. أوراق رفيعة مقسمة تشبه الريش وتنبعث منها رائحة عطريّة مميزة.
  3. أزهار مرتبة في مجموعات على شكل مظلة (سُرُب).
  4. بذور طويلة وعطرية تستخدم في الطهي والأغراض الطبية.

    مواد ذات صلة:


متطلبات التربة والمناخ

التربة:

  • ينمو الشّمار جيداً في التربة الطينية جيدة التصريف والمخصبة بالمواد العضوية.
  • يجب تجنب التربة المغمورة بالمياه لأن النبات حساس لتعفن الجذور.

المناخ:

  • يفضل المناخ المعتدل إلى الدافئ.
  • يتحمل الحرارة والجفاف الجزئي، لكنه حساس للصقيع.
  • في المناطق المعتدلة، يفضل الزراعة بعد انتهاء موسم الصقيع.
  • في المناطق الحارة، يُزرع الشّمارفي الخريف أو الشتاء بعد ذروة الحرارة الصيفية.

التكاثر والزراعة

  • طريقة التكاثر: يعتمد الشّمار أساساً على البذور في التكاثر.
  • المسافات:
    – بين الصفوف: 40–50 سم
    – بين النباتات داخل الصف (بين الحفرة والأخرى – بين الجورة والأخرى)): 20–30 سم
  • الزراعة:
    – زرع البذور في تربة جيدة التحضير وخصبة.
    – ضمان تعرض النباتات لأشعة الشمس والمسافات المناسبة لتعزيز النمو الصحي وتوفير تهوية جيدة.

إدارة الري

  1. يحتاج الشّمار إلى ري منتظم، خاصة خلال مرحلة الإنبات والنمو الخضري المبكر.
  2. الحفاظ على رطوبة معتدلة للتربة مع تجنب الركود المائي.
  3. تقليل الري تدريجياً مع نضج النبات، خصوصاً أثناء تكوين البذور.

الحصاد

  • مرحلة الإزهار: بعد 3–4 أشهر من الزراعة.
  • نضج البذور: بعد 5–6 أشهر من الزراعة.

نصائح الحصاد:

  • تُحصد البذور عندما تتحول إلى اللون البني وتصبح عطرية.
  • يمكن حصاد الأوراق مبكراً لاستخدامها في الطهي أو الأغراض الطبية.

الاستخدامات والفوائد

الشّمار متعدد الاستخدامات ويقدم فوائد عديدة:

  1. الاستخدامات الطبية:
    – يساعد على تخفيف الغازات والانتفاخ.
    – ينشط الطمث، ويزيد إفراز الحليب، ويحفز عملية التبول.
    – يخفف آلام الكلى.
    – يطرد الديدان المعوية.
  2. الاستخدامات الغذائية والصناعية:
    – تُستخدم الأوراق في صناعة الحلويات والأطعمة وإضفاء النكهة.
    – تُستخدم البذور كتوابل ومنكهات.
    – تُستخلص الزيوت العطرية لاستخدامها في العطور ومستحضرات التجميل.
  3. الفوائد الصحية والتغذوية:
    – يقوي الجهاز العصبي والهضمي.
    – يدعم صحة الفم والأسنان واللثة.
يفضل الشمار المناخ المعتدل إلى الدافئ، ويتحمّل الحرارة والجفاف إلى حدٍّ ما، لكنه لا يتحمّل الصقيع.

توصيات لنجاح الزراعة

  • اختيار تربة جيدة التصريف وخصبة مخصبة بالسماد العضوي.
  • الالتزام بالتوقيت المناسب للزراعة حسب المناخ المحلي.
  • الحفاظ على المسافات الموصى بها بين النباتات لتفادي الأمراض وتعزيز النمو.
  • توفير الري المنتظم خلال مرحلة النمو المبكرة وتقليله تدريجياً مع نضج البذور.
  • مراقبة الآفات والأمراض واستخدام أساليب الإدارة المتكاملة عند الحاجة.
  • حصاد البذور عند اكتمال نضجها للحصول على أعلى محتوى من الزيت العطري.
  • اتباع تدوير المحاصيل وإدارة التربة للحفاظ على خصوبتها واستدامة الإنتاج.

مما سبق توصلنا إلى أن الشّمار محصولاً ذا قيمة عالية يمكن زراعته في مختلف المناخات، إذا ما توفرت متطلبات التربة والمياه الملائمة، وعند الالتزام بأساليب الزراعة الصحيحة، يمكن للنبات أن ينمو بشكل مثالي، مع تحقيق إنتاجية مرتفعة ومستدامة على المدى الطويل.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

تحذيرات من تدهور دورة المياه العالمية

تحذيرات من تدهور دورة المياه العالمية
وفقًا لتقرير شبكة "سي إن إن" الأمريكية، فإن تغير المناخ -الناجم عن حرق الوقود الأحفوري- يقلب هذه الدورة رأسًا على عقب، مما يؤدي إلى زيادة حدة التقلبات المائية ونتائجها الكارثية.

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن دورة المياه العالمية أصبحت غير منتظمة ومتطرفة بشكل متزايد، مع تقلبات حادة بين الجفاف والفيضانات مما ينذر بمشاكل كبيرة تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للكثير من المجتمعات.

ومؤخراً، أدت أزمة المناخ المتفاقمة إلى تخلخل دورة المياه على الأرض، وخلفت أضرارا كبيرةً في مخزون المياه الجوفية على الكوكب مما ينذر بكوارث مستقبلية لا حصر لها، وباتت تلوح في الأفق أكثر فأكثر لا سيما في ظل العبث المناخي من قبل الإنسان.

وتُعد اليمن من أكثر دول العالم تعرضًا لأزمة مائية مزمنة، إذ تقع ضمن حزام جغرافي يعرف بندرة الموارد المائية، وتُسيطر عليه ظروف مناخية قاسية تتراوح بين الجفاف وشبه الجفاف.


      مواضيع مقترحة

دورة المياه والمناخ

تُشير دورة المياه إلى النظام المعقد الذي يتحرك الماء من خلاله حول الأرض، إذ تبدأ العملية بتبخر المياه من المسطحات المائية واليابسة، ليرتفع بخار الماء إلى الغلاف الجوي مُشكلًا تيارات كبيرة قادرة على الانتقال لمسافات طويلة، قبل أن يعود في النهاية إلى الأرض على شكل مطر أو ثلج.

ووفقًا لتقرير شبكة “سي إن إن” الأمريكية، فإن تغير المناخ -الناجم عن حرق الوقود الأحفوري- يقلب هذه الدورة رأسًا على عقب، مما يؤدي إلى زيادة حدة التقلبات المائية ونتائجها الكارثية.

بحسب تقرير حالة موارد المياه العالمية الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن ما يقرب من ثلثي أحواض الأنهار العالمية لم تشهد “ظروفاً طبيعية” في العام الماضي، حيث عانت من فرط المياه أو قلة المياه، وهو تحليل سنوي للمياه العذبة العالمية، بما في ذلك الجداول والأنهار والبحيرات والخزانات والمياه الجوفية والثلوج والجليد.

ونتيجة لذلك عانت مناطق عديدة من شحّ المياه في عام 2024 وهو العام الأكثر حرارةً على الإطلاق على كوكب الأرض، وانخفضت منسوب مياه أنهار الأمازون إلى مستويات غير مسبوقة، كما تعرضت أجزاء من جنوب أفريقيا لجفافٍ دفع الحكومات المتطرفة إلى إعلان إعدام مئات الحيوانات ، بما في ذلك الأفيال، وذبلتِ المحاصيل في مناطق بالولايات المتحدة مثل تكساس وأوكلاهوما وكنساس.تحذيرات من تدهور دورة المياه العالمية

شح الموارد المائية

تعاني اليمن من شح الموارد المائية، لا سيما في ظل تفاوت هطول الأمطار السنوية، وتتابُع أزمات الجفاف التي بدورها أدت إلى انخفاض المحاصيل الزراعية بشكل ملحوظ، وتفاقمت أزمة شحة المياه في الكثير من المناطق .

وتشير تقارير دولية ومحلية إلى أن نحو 70% من سكان الريف في اليمن يفتقرون إلى المياه المأمونة، وتُعد أزمة شح المياه من أبرز التحديات الاستراتيجية طويلة الأمد في اليمن، نتيجة للاستنزاف المستمر للمياه الجوفية.

ووفقاً لتقرير شبكة “سي إن إن” فإن درجات الحرارة المرتفعة أثرت أيضًا على جودة المياه في كل بحيرة تقريبًا من البحيرات الرئيسية الـ75 في العالم.

تشير دراسة حديثة لمركز صنعاء للدراسات أن ندرة المياه هي المشكلة البيئية الأكثر وضوحًا وتهديدًا في اليمن، إذ تفتقر البلاد إلى الأنهار دائمة الجريان، مع وجود تفاوت كبير في مستوى هطول الأمطار من منطقة إلى أخرى.

وبحسب الدراسة فإن المصدرين الرئيسيين للحصول على المياه لتلبية الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية في اليمن يتمثلان في استخراج المياه من الآبار الجوفية، وحصاد وتجميع مياه الأمطار بالاعتماد على الطرق والممارسات التقليدية.

ووفقًا للمنظمة الدولية للهجرة في اليمن (IOM)، يفتقر 27% من السكان إلى إمكانية الوصول إلى المياه الآمنة. وفي مثال ملموس، دمرت الفيضانات الموسمية في وادي تريم بحضرموت الأراضي الزراعية وأنظمة الري، مما أدى إلى خسائر زراعية جسيمة وتفاقم انعدام الأمن الغذائي

يتعرض نحو 50% من سكان اليمن لخطر مناخي كبير واحد على الأقل – مثل الارتفاع الشديد في درجة الحرارة أو موجات الجفاف أو الفيضانات. وتؤثر هذه الأخطار على المجتمعات المحلية المهمشة بصورة أكبر من غيرهم، مما يزيد من انعدام الأمن الغذائي واتساع دائرة الفقر وفق مجموعة البنك الدولي.

فيضانات متعددة

على الرغم من الحرارة والجفاف “لوحظت فيضانات متعددة، وحتى فيضانات أكثر من السنوات الأخرى”، كما قال ستيفان أولينبروك، أحد المؤلفين الرئيسيين للتقرير ومدير علم المياه والمحيط الجليدي في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.

وشهدت أوروبا أسوأ فيضانات منذ عام 2013، كما جلب الإعصار هيلين فيضانات كارثية إلى أجزاء من الولايات المتحدة، مما أسفر عن مقتل 230 شخصًا على الأقل ، كما أدت الفيضانات الواسعة في غرب ووسط أفريقيا إلى وفاة نحو 1500 شخص.

كما شهدت الأنهار الجليدية خسائر واسعة النطاق للعام الثالث على التوالي، إذ فقدت 450 جيجا طن من الجليد – أي ما يعادل كتلة جليدية طولها 4.3 ميل وعرضها 4.3 ميل وعمقها 4.3 ميل، أي ما يكفي من الماء لملء 180 مليون حمام سباحة أولمبي. وخلص التقرير إلى أن الدول الاسكندنافية وأرخبيل سفالبارد في القطب الشمالي وشمال آسيا شهدت جميعها ذوبانًا جليديًا قياسيًا.

عواقب وخيمة

يحذر الخبراء من أن ذوبان الأنهار الجليدية ينذر بعواقب وخيمة تتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر وخطر الفيضانات، ويهدد البلدان التي تعتمد على الأنهار الجليدية لتوليد الطاقة والري ومياه الشرب.

من الصعب تحديد التكلفة الاقتصادية الإجمالية لدورة المياه المضطربة بشكل متزايد، لكن فيضانات العام الماضي تسببت في أضرار بالمليارات، وفقًا لأولينبروك.

وأضاف أن تغير توافر موارد المياه وإمكانية الوصول إليها قد “يؤجج التوترات والصراعات “.

من جانبها قالت سيليست ساولو، الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في بيان: “الماء هو أساس مجتمعاتنا، ومحرك اقتصاداتنا، ومُرسِّخ أنظمتنا البيئية.

وأضافت: “لكن مع ذلك، تتعرض موارد المياه في العالم لضغط متزايد، وفي الوقت نفسه، تُؤثِّر المخاطر المائية الشديدة بشكل متزايد على حياة البشر وسبل عيشهم بمختلف دول العالم”.

كيف تنقل خلايا النحل إلى المراعي دون خسائر؟

تُعد اليمن من البلدان الجافة وشبه الجافة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة المطرية، الأمر الذي دفع النحالين اليمنيين إلى ابتكار نظام “النحالة المُترحلة” كوسيلة للتكيف مع هذه الظروف، حيث يتيح هذا النظام التقليدي الحفاظ على قوة الطوائف والاستفادة من المراعي الموسمية لإنتاج العسل ومشتقاته مثل الشمع وحبوب اللقاح.

تستعرض منصة ريف اليمن في هذا التقرير الإرشادي أهم الإجراءات المتبعة أثناء ترحيل النحل لضمان بقاء الطوائف سليمة وتحقيق إنتاجية جيدة، وذلك بناءً على ما ذكره المهندس الزراعي محمد الحزمي.

إجراءات نقل النحل إلى المراعي

أولاً: اختيار الموقع الجديد

  • المعاينة الميدانية: زيارة الموقع شخصياً والتأكد من ملاءمته، بحيث يكون محمياً من الرياح، مشمساً شتاءً، ومعتدل الظل صيفاً.
  • المراعي الرعوية: التأكد من توفر مصادر غنية ومتنوعة من النباتات المزهرة (مثل السدر، السمر، الطلح، والأعشاب البرية) ضمن نطاق طيران النحل (3–5 كم).
  • المياه: ضمان وجود مصدر ماء نظيف قريب أو تجهيز المشارب المناسبة.
  • البُعد عن الملوثات: اختيار موقع بعيد عن الطرق المزدحمة والمزارع المعرضة للرش بالمبيدات.

    مواد ذات صلة:


ثانياً: تقييم البيئة والمخاطر

  1. المنافسة: تجنب الاكتظاظ بمناحل أخرى في نفس المنطقة لتفادي ضعف المرعى والصراعات بين النحالين.
  2. الأعداء الطبيعية: فحص انتشار طائر الوروار، الدبابير، النمل، أو غيرها من المفترسات واتخاذ التدابير الوقائية.

ثالثاً: تجهيز الخلايا للنقل

  • الفحص الأخير: التأكد من قوة الملكة وصحة الحضنة وتوفر مخزون كافٍ من الغذاء والعسل.
  • تثبيت الإطارات والأغطية:
    – في الخلايا الحديثة (لانجستروث أو الحضرمي المعدل):
    تثبيت الإطار الأخير والذي قبله بالمسامير (الصغيرة) أو السلك المجلفن، وربط الغطاء بالجسم الأساسي بلاصق كرتوني قوي.
    – في الخلايا البلدية (التقليدية): فحص متانة الخلية، إزالة أقراص العسل الزائدة (حتى لا تتعرض للهدم أثناء النقل)، ورص الخلايا بإحكام (دون فراغات) لتقليل الاهتزاز أثناء النقل.
    يجب على النحال الحرص على تجنب وضع الخلايا التالفة في مكان شد الحبل

رابعاً: تجهيزات النقل والسلامة

  1. وسيلة النقل: استخدام مركبة مناسبة (شاحنة بسطح مستوٍ، مفتوحة أو مغلقة) مع أحزمة أو أسلاك لتثبيت الخلايا.
  2. التهوية: تركيب شبكات تهوية خاصة عند النقل لمسافات طويلة لتفادي اختناق النحل.
  3. مستلزمات الطوارئ: تجهيز أدوات أساسية مثل الدخان، القفازات، أدوات الفحص، وزجاجة رذاذ ماء للتبريد.
  4. المواد المساندة: تحضير خليط القطران (الشوب) (¼ لتر قطران لكل لتر ماء) لاستخدامه عند الحاجة للتثبيت أو الطرد.

خامساً: أثناء النقل

  • توقيت النقل: يُفضل أن يتم النقل ليلاً أو في ساعات الفجر الباكر، حيث تكون الطوائف هادئة وجميع النحل داخل الخلية، كما تساعد درجات الحرارة المنخفضة على تقليل الإجهاد الحراري.
  • الغذايات: تثبيت أو إزالة الغذايات الداخلية والخارجية لتفادي تسربها أثناء الحركة.
  • التحميل والتفريغ:
    – التعامل مع الخلايا بهدوء وتجنب الهزات العنيفة أو قلبها.
    – رصّ الخلايا بشكل متلاصق على سطح مستوٍ لتقليل الاهتزاز أثناء الرحلة.
  • الظروف الطارئة (توقف أو مبيت داخل السيارة):
    – التهوية:
    ضمان تيار هواء كافٍ داخل السيارة باستخدام شبكات تهوية مناسبة.
    – الحماية من الحرارة: وضع الخلايا في مكان مظلل وتغطيتها بكرتون أو أقمشة فاتحة اللون تعكس أشعة الشمس، مع الحفاظ على التهوية.
    – التبريد: رش فتحات التهوية برذاذ ماء خفيف لتقليل درجة الحرارة ومنع الجفاف.
    – التغذية الطارئة: في حال تأخر التفريغ، يُزوّد النحل بماء وسكر عبر مشارب مؤقتة.
    ملاحظة: الخلايا الحديثة تكون مجهزة للنزول إلى الأرض.

سادساً: عند الوصول إلى المرعى الجديد

  1. إنزال الخلايا وترتيبها:
    – تثبيت الخلايا في المكان المختار بعناية، مع ترك مسافات مناسبة لتسهيل حركة النحال ومتابعة الطوائف.
    – توجيه فتحات الطيران (السروح) عكس اتجاه الرياح لتسهيل حركة النحل والحفاظ على توازن حرارة الخلية.
    – فك الأشرطة وفتح فتحات الطيران بعد استقرار الخلايا، ويفضل أن يتم ذلك في المساء أو الليل لتهدئة النحل ومنع طيرانه العشوائي.
  2. مصادر الماء: تجهيز مشارب نظيفة ورفعها مسافة 1–1.5 متر عن الأرض لحمايتها من تلوث الحيوانات (مثل تبول الكلاب) وضمان بقاء المياه صالحة.
  3. الحماية من الآفات والأعداء: فحص الموقع مرة أخرى عقب الوصول للتأكد من خلوّه من النمل والحشرات الضارة.
  4. التنسيق مع النحالين الآخرين: الاتفاق مع المناحل المجاورة على تحديد مناطق الرعي وأوقات الفحص لتجنب التداخل والمشاكل.
  5. المراقبة اللاحقة: متابعة الطوائف بعد يوم أو يومين للتأكد من استقرارها وبدء نشاطها الطبيعي في جمع الرحيق وحبوب الطلع.
عند نقل النحل يجب تجهيز مستلزمات التربية بشكل كامل مثل الماء، المشارب، والسكر

نصائح:

  • اختيار أوقات مناسبة للترحيل (ليلاً أو فجراً) لتقليل فقدان النحل (اضافة الى ما سبق ذكره).
  • التحقق من قوة الطوائف قبل النقل، حيث إن الطوائف الضعيفة لا تتحمل الترحال.
  • تسجيل بيانات المرعى (التاريخ، نوع الأزهار، قوة الطوائف) كمرجع للتقييم المستقبلي.
  • الاستفادة من الأدوات الوقائية مثل الأقنعة والدخان لتقليل توتر النحل.

مما ذكرناه سابقاً نجد أن النحالة المترحلة في اليمن ليست مجرد وسيلة لنقل الخلايا بين المراعي، بل منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط الدقيق والتنفيذ السليم بهدف تحقيق التوازن بين استغلال الموارد الطبيعية والحفاظ على صحة الطوائف، حيث يضمن الالتزام الصحيح بأساليب نقل النحل للنحال استقرار الطوائف وزيادة إنتاجية العسل ومشتقاته، ويسهم في استدامة هذه المهنة العريقة وتعزيز مكانة العسل اليمني كواحد من أجود أنواع العسل في العالم.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

صيد الطيور في حجة خطر يهدد التنوع الحيوي

في ظاهرة مقلقة تهدد التنوع الحيوي، وتعرض البيئة المحلية لاختلال خطير، تشهد مديرية كعيدنة بمحافظة حجة عمليات صيد جائر للطيور البرية بشكل شبه يومي، حيث تحولت هذه الممارسة إلى نشاط واسع النطاق يمارسه العشرات من شباب المنطقة.

لم يعد الأمر مجرد هواية فردية كما كان في السابق، بل أصبح سلوكا جماعيا يتنامى بصورة غير مسبوقة، مدفوعا بغياب الوعي البيئي من جهة، وانعدام الرقابة والإجراءات الرادعة من جهة أخرى، ما ينذر بخسائر فادحة في التوازن الطبيعي، ويضع مستقبل الحياة البرية في المنطقة على المحك.

غياب الوعي البيئي

“عامر فقيه (29 عامًا)”، أحد سكان قرية المواهبة، أكد أن رحلات الصيد أصبحت تُنظَّم بشكل يومي. حيث تنطلق مجموعات من الشباب على متن دراجاتهم النارية باتجاه العزل المجاورة بحثًا عن الطرائد.

وأوضح “لمنصة ريف اليمن”، أنهم يصطادون ما بين 12 إلى 20 طيرًا في اليوم الواحد، وغالبًا ما تكون من النوع نفسه. وأضاف: “هذا هو السبب الذي جعل الأودية القريبة من قريتنا شبه خالية من الطيور”. مشيرًا إلى أن الصيادين المتمرسين يعرفون جيدًا أماكن تجمع الطيور المتبقية في الأودية البعيدة.


     مواضيع مقترحة

ويستخدم الصيادون في تلك القرى وسائل تقليدية مثل بندقية الصيد الصغيرة، والمنبال الخشبي، إضافة إلى الفخاخ التي تُنصب قرب مصادر المياه وتُخفى بعناية لاصطياد الطيور التي تظن أنها في مأمن.

وعن أنواع الطيور التي تتعرض للاصطياد يوضح الصيادون أنها: العُقب والحجل. ومؤخرا انقرض ونادرا ما تجده بفعل الصيد، بالإضافة للهُجف والدَغل و(المكاوعة)، بالنسبة للأصغر والسامل والقلاقل وغيرها من الطيور.

وتقع محافظة حجة شمال غرب صنعاء، وتبعد عنها مسافة 127 كيلومتر، ويقع جزء كبير منها في نطاق سهل تهامة، وتتسم تضاريسها بالتنوع، حيث تشمل سلاسل مرتفعات جبلية وسهولًا ساحلية واسعة وسلسلة من الهضاب المتصلة بهضاب حجور، بالإضافة إلى المناطق السهلية في ميدي، وحرض، وعبس.

الطيور التي يتم اصطيادها لا تحتوي على لحم يؤكل أو مائدة دسمة فأكبرها حجمًا لا يزن ربع كيلو

تسلية على حساب الطبيعة

أما “بدر ماهوب”، وهو في العقد الثالث من عمره وأحد سكان مديرية كعيدنة، قال إن هذه الطيور لا تحتوي على لحم يؤكل أو مائدة دسمة، فأكبرها حجمًا لا يزن ربع كيلو.

وأوضح لـ”منصة ريف اليمن” أن متعة الصيد ليست في أكل الطيور، بل في لحظة إسقاطها، واصفًا إياه بالشعور بالنصر. واستدرك قائلًا: “بعد الصيد، يوزع الطيور على من يحبها، وإنه لا يأكلها إطلاقًا”. يكشف حديث ماهوب جانبًا من الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد سد جوع أو تأمين وجبة، فهي متعة وربما إدمان أو عادة تجمع بين التحدي والترفيه، لكنها تنتهي دائمًا بخسارة للطبيعة.


الطيور الصغيرة تُشكل جزءًا حيويًا في دورة الحياة البيئية، فهي تساهم في الحد من انتشار الحشرات، وتعمل على نشر البذور في التربة، وتُغذي الطيور الجارحة


الحاج “علي جهيني”، أحد المزارعين القريبين من وادي “المدبش” في المديرية ذاتها، قال إن “قتل الطيور الصغيرة تعرية للطبيعة، لا تقل خطورة عن قطع الأشجار أو تشطيب الجبال”.

بحسرة يروي جهيني لـ”منصة ريف اليمن”، كيف أن صيادين من قرى أخرى بدأوا يتوافدون إلى واديهم بعد أن استنزفوا وديان قراهم، مؤكدا أنه أصبح يدخل في مشادات مع الصيادين لحماية الطيور، خاصة عندما يكون حارسًا في الوادي، لكنه غالبًا ما يجد نفسه وحيدًا بلا دعم فعلي من الجهات المعنية.

وتابع: “رفعت شكاوى إلى عاقل القرية وشخصيات اجتماعية كثيرة، لكن لا فائدة، ما يحدث أمام الجميع”، يقولها بحزم. وعن دور الجهات الرسمية، أضاف: “لم أجربهم، لكن الكارثة تحصل في وضح النهار، فلا عذر لهم إن كانوا يرون ولا يتحركون”.

اختلال التوازن

ويؤكد الخبير البيئي والناشط في قضايا التنوع الحيوي، المهندس الزراعي “جهاد طلان”، أن هذا النوع من الصيد العشوائي يسبب اختلالًا خطيرًا في التوازن الطبيعي للمنطقة.

ويضيف في حديث لـ”منصة ريف اليمن”: “الطيور الصغيرة تُشكل جزءًا حيويًا في دورة الحياة البيئية، فهي تساهم في الحد من انتشار الحشرات، وتعمل على نشر البذور في التربة، وتُغذي الطيور الجارحة”.


جهاد طلان: الحل ليس في المنع القسري، بل في تقديم بدائل ثقافية وتوعوية، فالمجتمع بحاجة إلى ثقافة جديدة تحترم الحياة الفطرية وتراها جزءًا من هوية الأرض


ويحذر طلان من أن استمرار هذه الظاهرة بهذا الشكل قد يؤدي إلى فقدان بيئي تدريجي يصعب تعويضه في المستقبل القريب، خصوصًا في بيئة تعاني أصلًا من التصحر وتراجع التنوع البيولوجي بفعل تغير المناخ.

ويرى الأستاذ “علي زيدي”، وهو شخصية اجتماعية معروفة من أبناء كعيدنة، أن الحل ليس في المنع القسري، بل في تقديم بدائل ثقافية وتوعوية. وأضاف في حديثه لـ”منصة ريف اليمن”: “الشباب يبحثون عن الترفيه والانتصار، وعلينا أن نوفر لهم وسائل ترفيه أخرى تُشبع غرائز التحدي وتُبعدهم عن الطبيعة”، مضيفاً أن المجتمع بحاجة إلى ثقافة جديدة تحترم الحياة الفطرية، وتراها جزءًا من هوية الأرض.

وتتمتع اليمن بتنوع حيوي فريد من النباتات والطيور والموارد البحرية والساحلية والجزر، وبحسب وزارة الزراعة، تشكل مناطق الغابات الطبيعية 1.04% من مساحة الأراضي في اليمن، إضافة إلى ما تزخر به من الأسماك والمنتجات البحرية والساحلية والشعاب المرجانية والطيور والأراضي الرطبة، وهي بحاجة إلى وضع خطة عمل وطنية.

الجوف موطن مملكة معين: حين كانت اليمن تصدر الحضارة

الجوف ومملكة معين

تُعَدّ الجوف من أبرز محافظات اليمن الغنية بالآثار التاريخية، وفي الذاكرة الثقافية اليمنية يقترن اسمها بمدن ومعالم مملكة معين القديمة التي ازدهرت على ضفاف الأودية الخصبة، وخلّفت تراثا معماريّا ودينيّا وفنيّا فريدا.

وبرغم هذا الثراء ماتزال المحافظة خارج خارطة الاستثمار السياحي المنظم؛ فالبنية التحتية الخدمية محدودة، والبرامج السياحية المركّزة تكاد تغيب، والمواقع الأثرية بحاجة ماسّة إلى حفريات علمية منهجية وترميم شامل يليق بمكانتها وأصالتها، والأهم من ذلك ماذا نعرف عن “معالم مملكة معين”.

الجوف ليست مجرد جغرافيا مفتوحة على السهل والصحراء والجبل، بل كانت ممرّاً تاريخياً وطريقاً للحجاج والتجّار، ومسرح تحالفاتٍ وصراعاتٍ بين ممالك اليمن القديم، وأرضاً تُزرع فيها الحبوب والفاكهة على ضفاف الأودية، وسماءً كانت تُرى فيها النجوم هادئة في رحلة القوافل، وطقوس عبادةٍ فلكيةٍ صاغت جزءا عميقا من الضمير الحضاري القديم.

وفي يوليو 2025 أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، إدراج مدن ومعالم مملكة معين القديمة ضمن 30 موقعاً ثقافيا وطبيعيا في القائمة التمهيدية للتراث العالمي بانتظار اعتمادها رسمياً إلى الخمسة المواقع السابقة المعتمدة.


      مواضيع مقترحة

أين تقع الجوف؟

تقع محافظة الجوف شمال شرق العاصمة صنعاء (142 كيلو متراً) في الظروف العادية يعد الوصول إليها عبر الطريق الأسفلتي الذاهب إلى مأرب، ويبدأ المسار من نقيل فرضة نهم حيث ينفتح المشهد على سهلٍ فسيح، ثم يظهر مفرق الجوف إلى اليسار مارّا عبر براقش والروض والسلمات وصولا إلى مدينة الحزم؛ المركز الإداري للمحافظة.

وترتبط المحافظة بطرق مختصرة غير معبّدة، من أبرزها الطريق الذي يبدأ من صنعاء – بني الحارث -وادي سنوان – الجوف، وهي مسالك تقليدية عرفت نشاطا أهليا متقطعا وتحتاج إلى تحسينات لتعزيز الأمان وسهولة الحركة، وهناك طرق أخرى غير معبدة تربطها بمحافظات يمنية أخرى.

أهمية الجوف الجيوستراتيجية لا تتبدّى فقط في كونها بوابة تواصل بين وسط اليمن وشمال الجزيرة العربية، بل محطة رئيسية على خطوط القوافل القديمة، ومُلتقى طرق بين مأرب شرقا وصعدة غربا ونجران شمالا وحضرموت بعيدا في الشرق عبر الامتدادات الصحراوية، هذه الشبكة التاريخية جعلت منها قديماً ساحة تفاعلٍ تجاري وثقافي، ومخزنا للخبرة العملية في إدارة الموارد المائية والزراعية وتبادل السلع والمعرفة والرموز الدينية.

الجوف موطن مملكة معين: حين كانت اليمن تصدر الحضارة
منازل مبنية من الطين في منطقة وادي خب بمحافظة الجوف شمالي اليمن، 2025 (فيسبوك)

معين.. حضارة النهر والنجمة

على ضفاف وادي جوف المعينيين تشكّلت مملكة معين التي عاصرت مملكة سبأ وازدهرت معها، ولا يُمكن الحديث عن الجوف دون استحضار المدن التي شيّدها المعينيون، والمعابد التي زخرفوها، والسدود والقنوات التي حفروها لتروي أراضيهم وتؤمّن غذاءهم. كانت ديانتهم، شأن أغلب ممالك اليمن القديم، ديانة فلكية تستقرئ حركة النجوم والكواكب، وتنسج من مسامات السماء نظاما رمزيّا وأخلاقيّا يعكس رؤية الإنسان اليمني للعالم العلوي.

تجلّت وحدة التطور الثقافي في أبجدية خط المسند ولغة العرب الجنوبية (السبئية والمعينية والقتبانية والحميرية بتفرعاتها)، ما أتاح تواصلا سلسا بين مراكز الممالك، وساعد على تماثلٍ نسبي في نظم الحكم وتحالفاته وصراعاته تبعا لتغيّر المصالح، فإن ما يميزها حقّا هو روح المبادرة التجارية والتوسع شمالا خارج الجغرافيا المباشرة للمملكة.

أسّس المعينيون مستوطنات على طريق اللبان التجاري في مواقع استراتيجية مثل الفاو (على درب نجران- البحرين) ودادان (بين يثرب والبتراء)، وترددت أصداء أسمائهم في سجلات حضارات العالم القديم بوصفهم وسطاء تجاريين مهرة. وعُثر على نقوشٍ مسندية لهم في مصر وغزة وأنطاكيا وجزيرة ديلوس اليونانية، دلالة على عمق التأثر المتبادل بفنون الشرق القديم واليونان والرومان. وقد عاد هذا الانفتاح بمنجزاتٍ ملموسة في العمارة المعينية: تخطيطٌ محكم، وزخارفٌ غنية، وذوق رفيع يطبع المعبد والبيت والسور والزخارف بطابعٍ فنيٍّ متفرّد.

كما تميّزت معين بتوثيق معاهداتها التجارية، وذكرَتْها التشريعات القتبانية ومنحتها امتيازات، رغم أنها لم تدخل الحلف العسكري-السياسي الثلاثي (السبئي الحضرمي القتباني) ضد أوسان. وبالمقابل عرف تاريخها حملاتٍ سبئية لإخضاع بعض مدنها، أشهرها حملة المكرب كرب إيل وتار التي خُلّدت تفاصيلها في نقش النصر.

الجوف موطن مملكة معين: حين كانت اليمن تصدر الحضارة
البيوت الطينية في محافظة الجوف 2024 (خالد الثور)

ومثل غيرها من الممالك الشرقية في اليمن، واجهت معين عوامل الأفول، وفي مقدمتها تحوّل طرق التجارة من البر إلى البحر؛ إذ تراجعت مركزية محطات القوافل البرية مع صعود خطوط الملاحة البحرية، ما أحدث تبدّلات اقتصادية واجتماعية قلّصت من أدوار تلك المرافئ البرية تدريجيا.

تنوع بين الجبل والوادي والصحراء

تجمع الجوف بين الجبال والسهول والأودية والأراضي الصحراوية وشبه الصحراوية في لوحةٍ جغرافية بديعة. إداريّا، تتكون المحافظة من ١٢ مديرية، وتمتد على مساحة إجمالية تقارب ٣٩,٤٩٦ كم². وتعد مديرية خب والشعف الأكبر مساحة تصل إلى ٨٢.٣٪، إذ تلامس حدود زمخ ومنوخ في حضرموت شرقا وحدود نجران السعودية شمالا، فيما تتوزع ١٧.٧٪ من المساحة على ١١ مديرية أخرى، وهو اختلال ينعكس على فرص التنمية وتوزيع الخدمات.

المناخ في الجوف شبه جاف إلى جاف في معظم الأنحاء، تتخلله مناطق وأدوية أكثر اعتدالا بفعل الرطوبة الموسمية، وتراكم التربة الرسوبية الغنية التي تجلبها السيول من مرتفعات صنعاء وعمران وصعدة. هنا ترقد سرّ الخصب الزراعي الذي جعل من ضفاف الأودية حقولا مُنتجة للحبوب والخضروات والفاكهة والأعلاف.

يعتمد غالبية سكان الجوف على الزراعة وتربية الحيوانات، وتتوزع التجمعات البشرية على ضفاف الأودية الكبرى، وفي مقدمتها وادي الخارد (جوف المعينيين) بطولٍ يقارب ٦٠ كم وعرضٍ بنحو ٣٠ مترا، يليه وادي مذاب ووادي العولة. تُعدّ هذه الأودية بمثابة خزانات تربة؛ فكل سيلٍ يهبط من الجبال يحمِل معه مواد طميٍ ومعادنَ دقيقة تُخصب الأرض وتجدّد دورتها الحيوية.

وحول هذا الاقتصاد الزراعي ينشأ نمط حياةٍ ريفي متوازن: بيوتٌ طينية أو حجرية متواضعة، مخازن للحبوب، حيازات صغيرة وأخرى متوسطة، ومراعي للإبل والأبقار والأغنام. ويُرفَد هذا النمط بنشاطٍ تجاري محلي عبر أسواق يومية وأسبوعية، أبرزها سوق مدينة الحزم الذي يخدم المديريات المحيطة.

مدينة الحزم

الحزم هي العاصمة الإدارية ومركز المحافظة التجاري لكن البنية التحتية السياحية لا تزال محدودة وغالبية الشوارع غير معبدة، ولا يوجد منشآت فندقية مناسبة، والمعلومات الإرشادية السياحية نادرة، والطرق التي تربط المدينة بالمعالم الأثرية مازلت غالبيتها رملية.

وعلى الرغم من المكانة الحضارية للجوف، فإن البرامج السياحية المنظمة خلال العقود الماضية قبل اندلاع الصراع في البلاد، لم تُدمج مدينة الحزم ومحيطها في مساراتها، وظلت بعض الزيارات تقتصر على مواقع تقع ضمن مخططات زيارة مأرب مثل مدينة براقش (يثل) بحكم التبعية الإدارية لمديرية مجزر.

وما تزال قرناو (عاصمة مملكة معين) والمواقع الأثرية التي تحيط بها مطمورة تحت الأنقاض، أو مكشوفة جزئيا على نحوٍ لا يليق بعرضها للزوار أو السائحين، وتعرّضت المواقع لعمليات حفرٍ عشوائي ونهبٍ وتهريب، ويُعتقد أن كثيرا مما يُعرض في مزادات التحف الدولية يعود في أصله إلى مواقع الحضارة المعينية في الجوف، وكل ذلك يستدعي خطة إنقاذ متكاملة: حفريات علمية، ترميم، أسوار حماية، مسارات زيارة، لوحات تعريف، ومراكز استقبال.

عواصم ومعابد على طريق التاريخ

  • قرناو: حاضرة مملكة معين

على بعد ٧ كم شمال مدينة الحزم تقع أطلال قرناو، التي تذكرها النقوش بالاسم هجرن/قرنو وتعرف شعبيا بخربة معين، زارها المستشرق الفرنسي جوزيف هاليفي عام ١٨٦٩م، فنسخ نقوشها ووصف ما بدا له من أناقة عمارتها وزخارفها.

اليوم معظم مكوّنات المدينة الذي يتم الوصول إليها عبر طريقٍ ترابي، مطمور بالكثبان الرملية والأنقاض، لا يظهر منه إلا أجزاء من السور والبوابة الغربية والبوابة الشرقية ببعض تفاصيلهما الفنية، وجدرانٌ عليها نقوش مسندية، وأعمدة متناثرة، وبقايا معبدٍ إلى الشمال.

وتجري جهود لإدراج آثار الجوف ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي، وهي خطوة مهمة لكنها لا تُغني عن الواجب الوطني المباشر بحفريات لإنقاذ الموقع التاريخي، توثيق ثلاثي الأبعاد، ترميم علمي، وتصميم عرضٍ متحفي موقعي يليق بمدينةٍ كانت رمزا لذائقة معماريّة عالية قبل ٣٥٠٠ عام.

الجوف موطن مملكة معين: حين كانت اليمن تصدر الحضارة
تظهر الصورة معبداً لمملكة معين في منطقة “قرناو” عثر عليه تحت منزل أحد المواطنين عام 2021 (وسائل التواصل)
  • مدينة هَرَم

تقع جنوب غرب الحزم بنحو 1.5 كم، وتظهر في نقش النصر حين أخضعها المكرب السبئي كرب إيل وتار في القرن السابع قبل الميلاد. تُعرف شعبيا بـ “الخربة” أو “خربة همدان”، وأُقيمت مبانٍ طينية على بعض أطلالها، وشرق المدينة تبرز بقايا أطلال معبدٍ كبير لا تزال أعمدته تحمل نقوشا وزخارف تُذكّر بزخارف معبد عثتر “ذو رصفم”.

  • مدينة كَمْنَهُو

إلى الغرب من الحزم بنحو ٩ كيلو مترات، وعلى بعد كيلو متر جنوب وادي مذاب، ترتفع كمنهو عن مجرى السيل الكبير في الجوف. وكشفت البعثة الأثرية الفرنسية عام ١٩٨١م أنها كانت مستطيلة من الشمال والجنوب بما يقارب ٤٩٠ مترا، وتحيط بها أسوار منيعة لا يزال جزء منها قائما من الجهات الأربع، وطُمرت بواباتها وأبراجها الدفاعية مع الزمن، لكن تظهر داخل السور خرائب وجدرانٌ مهدّمة. وخارج السور، شرقا، كما في تقاليد مدن معين، كان يقوم المعبد الرئيس.

  • معبد النصيب

يقع شرق كمنهو بمسافة كيلو متر على مرتفعٍ صغير، ويتكوّن من منشأتين متلاصقتين متساويتين، تتقدمهما أروقة مكشوفة مبنية بأحجارٍ مهندمة متقنة، وتقوم عند المدخل عتبةٌ منقوشة بزخارف تشبه ما على عمودي مدخل معبد عثتر ذو رصفم في نشن. تُشير نقوشٌ عُثر عليها إلى أن المعبد مكرّس للإله “ذو”، الإله الرئيس في مدينة كمنهو ضمن مجمع رموز العبادة المعينية.

  • نَشَن “خربة السوداء”

إلى الغرب من الحزم بنحو ١٤ كيلو متراً تمتد أطلال نشن (خربة السوداء)، ثاني أكبر مدن معين بعد قرناو، تتحدث المصادر عن تمرّدين للمدينة على السلطة السبئية، انتهيا بحملة تأديبية لأنصار المكرب كرب إيل وتار، اليوم ترتفع الأنقاض إلى ١٠ أمتار في بعض المواضع، مع بقايا أسوار وأعمدة وصخورٍ منقوشة تنتظر الحفريات.

  • معبد عثتر “ذو رصفم”

شرق نشن بمسافة قصيرة يقع معبد عثتر ذو رصفم الذي يعرفه الناس باسم معبد بنات عاد بسبب الزخارف الجميلة بصور فتياتٍ يحملن جرارا أو عصيا، هذا المعبد شاهدٌ معماريٌّ فريد على الرقي الفني المعيني، وقد كشفت عنه البعثة الفرنسية وأعادت ترميمه في فترة وجيزة بين ديسمبر ١٩٨٨م ومارس ١٩٨٩م بالتعاون مع الهيئة العامة للآثار.

الجوف موطن مملكة معين: حين كانت اليمن تصدر الحضارة
معبد الإله عَثْتَر في الجوف

ويبلغ طول المعبد نحو ١٥.٥ متر وعرضه ١٤.١ متر، ويتألّف من مدخل وفناء وأروقة ومنصة ومقصورة، مع نقوش زخرفية تُشير إلى طقوس عبادة الإله عثتر (نجمة الصبح/الزهرة) المعبود الرسمي لمملكة معين. وتعرّض المعبد عبر الزمن إلى هدمٍ وإعادة بناء وتوسعة، وصيغته الراهنة تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد على الأرجح.

  • نَشَق “خربة البيضاء”

على بعد ٢٠ كيلو متراً غرب الحزم تقع نشق (خربة البيضاء)، بعد إخضاعها لسلطة سبأ شُيّد فيها معبدٌ للمقه (الإله الرسمي لسبأ) إلى جانب معبد عثتر، في تعبيرٍ عن تجاور رمزي بين مرجعيتين دينيّتين في موقعٍ واحد. ما يظهر اليوم أسوارٌ منهدمة وأعمدة وصخورٌ منقوشة متناثرة.

  • جبل اللوذ “الجبل المقدّس”

عند الطرف الشمالي لسلسلة الجبال التي تحدّ منخفض الجوف من الشمال، يبرز جبل اللوذ (سُمّي قديما كورن)، بارتفاعٍ يقارب ١٢٠٠ متر عن محيطه، وفي قمّته موضعٌ يُسمى “ترح” كانت تُشعل فيه النار المقدسة تكريما للإله عثتر، وهي شعيرة ملكية مقصورةٌ على الملك، فيما كانت المواكب الدينية تصعد عبر طريقٍ مرصوفٍ بالأحجار بطول ٧ كم يربط منشآت السفح بالقمة.

تنتشر على الجبل نقوشٌ مسندية وثّق بعضها الباحث كريستيان روبن (١٩٨٢م) تتناول طقوس التنصيب والمواكب، وتدلّ بقايا القاعات والمقاعد الحجرية على مآدب شعائرية كانت تُقام “لآلهة الجبل”، يكتسب الموقع فرادة في اليمن القديم من حيث شمول طقوسه لعهود المكربين والملوك، وحاجته اليوم ماسّة إلى دراسةٍ ميدانية شاملة وحفريات متكاملة.

  • وادي الشظيف وقبيلة أمير

بين خب والشعف والمطمة يمتد وادي الشظيف، وهو وادٍ عريض ذو ضفافٍ رحبة تُحيط به جبالٌ منخفضة، وفي تسعينات القرن الماضي بدأت قصة الاهتمام العلمي به حين قدّم الأهالي كمية كبيرة من النقوش البرونزية للمؤرخ الراحل محمد عبد القادر بافقيه (1928-2002) حيي كان رئيساً الهيئة العامة للآثار، وأدرك قيمتها ونقلها إلى المتحف الوطني بصنعاء لتصبح مادة أولى للدراسة والتوثيق.

الجوف موطن مملكة معين: حين كانت اليمن تصدر الحضارة
المؤرخ محمد بافقيه بمنطقة “لباخ” إحدى قرى مديرية قارة بمحافظة حجة عام 1989 (كرستيان روبان)

وشكّلت لجنةٌ علمية برئاسة الدكتور أحمد بن أحمد باطايع لتنفيذ مسوحاتٍ ميدانية في أنحاء الوادي، وأظهرت النتائج أن الوادي صار موطنا لقبيلة أمير بعد انتقالها من هرم، وأنه كان موطناً لمعبد مهم يُعرف باسم “يغرو” لعبادة الإله ذو سماوي.

وتُشير النقوش إلى أن قبيلة أمير كانت حلقة وصلٍ تجارية على درب محطات الطريق بين اليمن وشمال الجزيرة وبلاد الرافدين ومصر واليونان، فأخذت وأعطت من الثقافة والفكر الديني، وكانت فاعلا في التحالفات السياسية بين ممالك اليمن القديم.

تكشف النقوش اليمنية القديمة عن أدوار مركّبة للقبائل في نشأة الممالك وتبدّل موازين القوى. من بين هذه القبائل تبرز أمير بوصفها جماعة تجارية تمتلك قوافل من الجمال، تُجهّزها بالبضائع، وتؤمّن خطوط الإمداد والخدمات على الدروب، وتدير مستوطناتٍ خارجية لها معابدها وجالياتها.

ومع تحوّل التجارة إلى البحر، تكيّفت أمير مع الواقع الجديد، وأقامت جالية في جبأة والسواء (في نطاق تعز والمعافر)، واستفادت من ميناء موزع الذي كان ثاني موانئ اليمن أهمية بعد عدن، فاستمرت قوافلها في النقل بين محطاتها الداخلية ومراكزها الخارجية، واتسع نطاق تأثير إلهها ذو سماوي.

  • مدينة حنان

على ضفة وادي الشظيف تمتد أطلال مدينة حنان التي احتضنت معبد يغرو المخصص للإله ذو سماوي، ومعه معبدٌ للإلهة الشمس التي ترمز لها النقوش بـ “ذات حميم” و”ذات بعدان”، ويُمثّلها على الصخر النسر السبئي رمز الرفعة والعلو. المدينة اليوم خرائب تحت الأنقاض؛ لكنها تحتفظ بقدرةٍ فريدة على سرد تاريخٍ ديني متحوّل حين تُستأنف الحفريات.

  • معبد يغرو

يقع المعبد على سفح جبلٍ يطلّ على الوادي، ويختلف عن غيره بطقسٍ أخلاقي-ديني لافت: يأتيه المتعبدون ليُقرّوا علانية بخطاياهم، سواء ما تعلّق بالعلاقات الاجتماعية المحرّمة، أو المعاملات التجارية مثل الغش ومغالطة الكيل، ثم يطلبون العفو ويتقدّمون بالنذور والقرابين.

ووثّقت النقوش تلك الاعترافات وأماكن وقوعها وتعهدات عدم التكرار؛ ما يعكس تطوّرا في فكرة الضمير وارتباط العبادة بالسلوك اليومي، وكأنهم كانوا يؤمنون بأن إله السماء والأرض يعلم ما يُخفون وما يُعلنون، هذه الشعائر موجود في “المسيحية” وتسمى “الاعتراف” وهو أحد الأسرار السبعة المقدسة، وفيه يعترف المسيحي بخطاياه للكاهن، الذي يمنحه حلول المغفرة والإرشاد الروحي “نيابة عن الله”، بحسب معتقداتهم.

الجوف العالي: عمارة الزابور وطبقات المجتمع

تضم برط العنان وخراب المراشي ورجوزة، وتتقاسم جغرافية جبل برط جزءاً من سلسلة جبال الظهرة، وهو معقل قبيلتي ذو محمد وذو حسين الدهميتين، ومن هنا تبلورت في مسار التاريخ الاجتماعي طبقة تعرف بـ “الأذواء” (النبلاء أو أصحاب النفوذ)، ومع اتساع الملكيات الزراعية وارتفاع الإنتاج نشأت طبقة الأقيال (الإقطاعيون الزراعيون) التي انتقلت إلى القيعان الخصبة مثل قاع الحقل، واتسعت صلاتها بمناطق جبلة ومذيخرة وذي السفال في إب.

تجمع قرى الجوف العالي بين الجبل والهضبة والوادي، وتعرض نمطا معماريا فريدا قوامه الزابور الطيني حتى مع توافر الحجر في الجبل، ترتفع المنازل عدّة طوابق بزخارف جصية وألوانٍ حمراء وصفراء يتخللها الجص الأبيض، ويزدان المشهد في المراشي ورجوزة وسوق العنان حيث تتجاور البيوت ذات الحزام الزخرفي العلوي، في تكوينٍ بصريٍّ تقليدي ساحر.

  • منطقة المساجد

جنوب غرب الحزم بنحو ٢٥ كم تمتد منطقة المساجد التي تضم مواقع أثرية متقاربة لم تُجر فيها حتى الآن دراسات أو مسوحات علمية كافية، وتتشابه في خصائصها مع مواقع القارة المجاورة. ومن أبرزها مدينة حزم الثور في أعالي وادي الخارد.

وكشفت السيول جزءا من معالمها مؤخرا، وهذا يشير إلى أن محافظة الجوف أرض بكر تخفي تحت الرمال كنوزا أثرية تحتاج إلى حفريات متكاملة وترميمٍ شامل يعيد رسم تاريخ المنطقة واكتشاف الكثير من أسرارها المطمورة تحت الرمال.

  • السلمات

على الطريق الأسفلتي بين مفرق الجوف- مأرب وعلى بعد ١٠ كيلو مترات من مدينة الحزم تقع قرية السلمات كأنها متحفٌ مفتوح لحياةٍ رعويةٍ آخذةٍ في الاستقرار، وفي كل منزل مرافقُ تقليدية مثل مخازن للحطب وأماكن لإيواء الحيوانات وفي مقدمتها الإبل.

تتكوّن البيوت من طينٍ ممزوجٍ بالتبن، وتتّخذ تخطيطا هرميّا؛ تتسع القاعدة وتضيق كلما ارتفع البناء حتى أربعة طوابق، ثم وفي قمتها إطار زخرفي جميل يدلّ على ذوقٍ معماري توارثه البنّاء اليمني عبر الأجيال.

ماهي الإمكانيات السياحية في الجوف؟

في الواقع يمكن أن تكون محافظة الجوف جزءاً من منظومة وطنية للسياحة البيئية والثقافية، برغم محدودية البنية الخدمية، تملك الجوف مقوماتٍ سياحية متنوعة يمكن إيجازها كالتالي:

  • سياحة أثرية ثقافية: مسارات متدرجة تربط قرناو – نشن – نشق – معبد عثتر- كمنهو – النصيب مع جبل اللوذ ووادي الشظيف وحنان ومعبد يغرو.
  • سياحة وديان وزراعة: تجارب ريفية على ضفاف الخارد ومذاب والعولة، مع إبراز تقاليد الزراعة والري ومواسم الحصاد.
  • سياحة جبلية: زيارات موجهة إلى برط والقرى ذات العمارة الطينية عالية الطوابق، مع مسارات مشي قصيرة ومتوسطة، واحترام خصوصية السكان.
  • سياحة صحراوية: رحلات قصيرة مدروسة في الأطراف الرملية، بمرافقة أدلّاء محليين وتجهيزات أمان.

ولتحويل الإمكانات الكبيرة إلى منتجٍ سياحيٍّ يكون ضمن مشروع تنموي اقتصادي تحتاج محافظة الجوف إلى العمل على توصيات مهمة يمكن أن تحدث فرق في المستقبل، وهذه أقدمها توصيات كالتالي:

  • حفريات علمية متواصلة وتوثيق رقمي للمكتشفات.
  • ترميم عاجل للمواقع المكشوفة، خصوصا البوابات والأسوار والزخارف المنحوتة.
  • مركز زائرين في الحزم: خرائط، مرشدون محليون، قاعة عرض مصغّرة لصور ونماذج، ومكتبة مصادَر.
  • لوحات تعريفية ثنائية اللغة في كل موقع، ومسارات محددة مع نقاط ظلّ واستراحات خفيفة.
  • حماية قانونية مشددة ومراقبة للمواقع للحد من النبش العشوائي وتهريب القطع.
  • تمكين المجتمع المحلي عبر التدريب على الإرشاد، والحرف التقليدية، وتطوير بيوت ضيافة ريفية صغيرة.
  • شراكات أكاديمية مع بعثات محلية ودولية لاستكمال البحث والنشر.

خاتمة

الجوف كتابٌ مفتوح على عصورٍ من الإبداع الإنساني؛ من قرناو العاصمة المعينية إلى نشن ونشق وكمنهو والنصيب، ثم جبل اللوذ بموكبه الشعائري وطريقه المرصوف، ووادي الشظيف بنقوش الاعتراف ومدينة حنان ومعبد يغرو، وصولا إلى برط وقراه العالية والسلمات بطينها الهرمي.

إنّ ما يتبدّى لنا اليوم ليس سوى الطبقة الأولى من الحقيقة؛ أما الحقيقة الكاملة فتنتظر حفّارا عالما، ومرمما صبورا، ومؤسسة راعية، ومجتمعا شريكا يرى في التراث ثروة لا تُقدَّر بثمن.

ولكي تستعيد الجوف مكانتها اللائقة على خارطة التراث الإنساني العالمي والسياحة البيئية والثقافية، لا بد من رؤيةٍ تكاملية تجمع بين العلم والإدارة الذكية ومصالح الناس، فالمواقع لا تحيا بالنوايا الحسنة وحدها، بل بخطط تحفظ الحجر والإنسان معا.


المراجع
– بافقيه، محمد عبد القادر. الرحبة وصنعاء في استراتيجية بناء الدولة السبئية. مركز الدراسات والبحوث اليمني – صنعاء، 1993م.
– بريتون، جان فرانسوا. تقرير أولي عن معبد عثتر ذو رصفم (السوداء – الجوف). مجلة دراسات يمنية، العدد 38، مركز الدراسات والبحوث اليمني – صنعاء، 1989م.
– فخري، أحمد. رحلة أثرية إلى اليمن. ترجمة هنري رياض ود. يوسف محمد عبد الله، وزارة الإعلام والثقافة – صنعاء، 1988م.
– تقرير البعثة الأثرية الفرنسية لدراسة آثار الجوف – المرحلة الرابعة، 1981م.
– باطايع، أحمد بن أحمد. المسح الأثري لوادي الشظيف، 1993م.
– الهيئة العامة للسياحة – نتائج المسح السياحي لمحافظة الجوف، صنعاء، 1997م.