الثلاثاء, أبريل 7, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 30

الصحة النفسية في الريف.. معاناة صامتة بين غياب الخدمات

تقرير: عبدالله قاسم – أسامة فرحان | ريف اليمن:

يجلس “حميد محمد (22 عاما)” قرب منزل طيني قديم في إحدى قرى محافظة حجة، يحدق في الفراغ بصمت طويل. كان حميد يوما شابا طموحا يساعد والده في الزراعة، لكن السنوات الأخيرة حملت له قلقا دائما وعزلة متزايدة. يقول شقيقه إسماعيل: “بدأ حميد يتغير بعد الحرب، صار يميل للوحدة وينام أياما دون كلام، وكلما حاولنا مساعدته يخاف ويغضب، كأنه يعيش في عالم آخر”.

حكاية حميد ليست استثناء، ففي الريف اليمني، تمتزج بساطة الحياة اليومية بقلق نفسي دفين لم يعد يخفى على أحد، فبين هموم المعيشة وضغوط الحرب والنزوح، يعيش آلاف اليمنيين في الأرياف معاناة نفسية صامتة لا تجد طريقا إلى العلاج، في ظل غياب شبه تام للخدمات النفسية المتخصصة.

ويمثل الريف اليمني بيئة فريدة، حيث تتشابك حياة الطبيعة والزراعة مع ضغوط اجتماعية واقتصادية متواصلة، ورغم هدوء الحياة الريفية وقوة الروابط الأسرية، يواجه سكانها تحديات نفسية عديدة غالبا ما تبقى خفية ولا تؤثر على الأفراد فقط، بل تمتد لتشمل الأسر والمجتمعات بأكملها.


   مواضيع مقترحة


وتعد الصحة النفسية التي يحتفل فيها في العاشر من أكتوبر من كل عام، أساس التكيف مع الذات والمجتمع، غير أنها تواجه عوائق متزايدة أبرزها الفقر، الضغوط الاقتصادية، وتغير أنماط الحياة، ويشكل الاحتفال فرصة لتسليط الضوء على الوضع النفسي المتفاقم في اليمن، خصوصا في المناطق الريفية.

ملايين المصابين وخدمات غائبة

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن واحدًا من كل أربعة يمنيين (أي أكثر من 5.5 مليون شخص)، يعاني من اضطرابات نفسية ويحتاج إلى رعاية طبية متخصصة، فيما لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في البلاد 58 طبيبًا فقط، و120 أخصائيًّا نفسيًا على مستوى الجمهورية بأكملها.

يؤكد الدكتور “علي راجح”، استشاري ومعالج نفسي، أن الصحة النفسية ليست ترفا، بل شرط أساسي لتمكين الأفراد من المشاركة في التعليم والعمل وبناء مجتمعات مرنة، مؤكدا أن إدماج الصحة النفسية في برامج التنمية يحد من العنف والجريمة، يعزز الإنتاجية، ويعيد الثقة المجتمعية، خاصةً في البيئات الهشة.

تقرير الأمم المتحدة في اليمن (2023) أوضح أن نحو 7 ملايين شخص بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، لكن فقط 120 ألفا لديهم وصول منتظم إلى هذه الخدمات، ويشير دليل جمعية الهلال الأحمر اليمني (2021) إلى أن نصف مرافق الرعاية الأولية مغلقة أو تعمل جزئيا، فيما تقتصر الخدمات غالبا على وصف الأدوية، من دون أي دعم نفسي أو اجتماعي، ما يزيد حالات الاكتئاب، إساءة استخدام العقاقير، ومحاولات الانتحار.

وكيل وزارة الصحة العامة والسكان المساعد لقطاع التخطيط، “جلال باعوضه”، قال إنه لا توجد إحصائيات محددة لعدد مراكز الصحة النفسية في أرياف اليمن، مشيرا إلى أن خدمات هذا النوع من الرعاية حاضرة جزئيا في بعض المناطق الريفية، عبر مشاريع تنفذها منظمات محلية ودولية تخصص جزءًا من برامجها للدعم النفسي”.

ويضيف باعوضه لـ “منصة ريف اليمن”، أن أسباب غياب المراكز تشمل الأوضاع السياسية الراهنة، وتدهور التمويل الحكومي لقطاع الصحة، ومحدودية الكوادر الطبية، ووعورة الطرق في الأرياف التي تعيق إيصال الخدمات، بالإضافة إلى ضعف الوعي المجتمعي، ونظرة البعض لمراجعة مراكز الصحة النفسية بوصفها وصمة عار اجتماعية؛ الأمر الذي يحدّ من الإقبال على مثل هذه الخدمات.

صدمات الحرب والنزوح

تقرير مشترك أصدره مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع جامعة كولومبيا كشف أن الحرب في اليمن خلفت آثارا نفسية واجتماعية مدمرة، من العنف والنزوح إلى الاختفاء القسري والغارات الجوية، إذ يحتاج أكثر من 20 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني 17 مليونًا من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 6.8 ملايين في حالة طوارئ غذائية.


“لا توجد إحصائيات محددة لعدد مراكز الصحة النفسية في الأرياف، وخدمات الصحة النفسية حاضرة جزئيا في بعض المناطق الريفية عبر مشاريع تنفذها منظمات محلية”.


وأشار التقرير إلى أن هذه الظروف أثرت بشدة على الصحة النفسية، مع ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق والانتحار، لا سيما بين الأطفال، حيث خرج أكثر من مليوني طفل من المدارس، ويعاني مئات الآلاف من سوء التغذية الحاد، وتجند نحو 1500 طفل قسريًا للقتال.

ويشير الدكتور “رمزي الرظمي”، طبيب عام في مستشفى ريفي بمحافظة حجة، إلى أن الريف اليمني يعاني من اضطرابات نفسية شائعة، أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة، الاكتئاب والقلق نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، والأمراض الذهانية مثل الفصام، التي غالبًا ما يُساء تفسيرها على أنها مس من الجن أو قوى خارقة.

ويربط الدكتور رمزي بين انتشار هذه الاضطرابات وعدة تحديات تعيق تقديم الدعم النفسي، منها نقص الوعي، ضعف البنية التحتية، غياب المتخصصين، الوصمة الاجتماعية، والتكاليف المادية الباهظة.

أما الدكتور “حسن جناح”، رئيس قسم الموارد البشرية بمكتب الصحة بمديرية كعيدنة محافظة حجة، فيقول إن هذه الاضطرابات تشمل القلق العام، واضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب واضطرابات المزاج، وصعوبات التكيف، واضطرابات الأطفال والمراهقين، وآثار الإدمان، والشكاوى الجسدية النفسية مثل الصداع وآلام المعدة.

وتتفاقم الحالات بسبب نقص الخدمات المتخصصة، صعوبة الوصول إلى أطباء نفسيين أو أدوية مناسبة، فضلًا عن الوصمة الاجتماعية، كما تواجه برامج الدعم النفسي والاجتماعي تحديات مثل ضعف البنية التحتية، ندرة الكوادر، صعوبات النقل، الظروف الاقتصادية والأمنية، نقص التمويل والتدريب، ضعف التنسيق بين الجهات، وغياب نظام بيانات لرصد الحالات ومتابعتها.

ويؤكد الطبيب النفسي “صخر الشدادي”، أن غياب مراكز الصحة النفسية في الأرياف ينعكس سلبا على العلاقات الأسرية والاجتماعية، فيظهر على شكل مشكلات زوجية وارتفاع حالات الطلاق، بالإضافة إلى تنامي مشكلات المراهقين والشباب وتراجع المستوى الدراسي وصعوبات التعلم بين الطلاب، دون أن يدرك كثيرون أن الأسباب نفسية في جوهرها وليست اجتماعية فقط.

ويشير إلى أن غياب مراكز الصحة النفسية يؤدي إلى تفاقم الحالات النفسية وعدم اكتشافها إلا في مراحل متقدمة، حين تصل إلى حد الفصام، الأمر الذي يجعل رحلة العلاج أطول وأكثر صعوبة على المريض وأسرته.

أمثلة حية من الريف

“عبدالسلام أحمد (25 عامًا)” من محافظة عمران يعاني من وسواس قهري وخيالات مخيفة، ما دفعه لتناول حبوب منوّمة، مسببة له السمنة، ويوضح والده قائلا: “لا يوجد في الأرياف أي مراكز أو أطباء نفسيين، وحتى في المدن العلاج مكلف جدًا”.


“وفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن واحدًا من كل أربعة يمنيين (أي أكثر من 5.5 مليون شخص)، يعاني من اضطرابات نفسية ويحتاج إلى رعاية طبية متخصصة”.


أما “عائشة صالح”، امرأة أربعينية من الحديدة، فقدت زوجها وتحملت وحدها إعالة أبنائها، مما تسبب لها بالقلق والأرق المستمر، رغم صلابتها الظاهرية، تقول صديقتها: “ما تمر به عائشة صدمة نفسية تحتاج إلى مختص، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى طبيب، والعقاقير التي تستخدمها لم تعد تجدي نفعًا.”

في محافظة تعز، تعاني مديرية الشمايتين من غياب المراكز المتخصصة بالصحة النفسية، وهو ما ينعكس سلبًا على الأهالي، خاصة في ظل ما خلفته سنوات الحرب من صدمات نفسية واضطرابات اجتماعية.

وبحسب مدير مكتب الصحة بالمديرية “عبدالله نعمان”، أنشأت إحدى المنظمات مؤخرا مركزا للدعم النفسي في بمدينة التربة، إلا أن المركز يعمل بإمكانيات محدودة، ما يجعله عاجزا عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، لافتا أن المديرية تحتاج ما لا يقل عن أربعة مراكز.

الوضع لا يختلف كثيرًا في مديرية المعافر، إذ يؤكد مدير مكتب الصحة، “طارق الحمدي”، أن المديرية لا تمتلك سوى مركز واحد مختص بالصحة النفسية، وهو غير كاف لخدمة السكان.

وفي محافظة أبين، يقول مدير مكتب الصحة، “محمد القادري”، إنه لا توجد مراكز مخصصة للصحة النفسية لا في عزل المحافظة ولا في مدنها، ويقتصر الأمر على بعض العيادات التي تقدم الدعم النفسي داخل المستشفيات الكبيرة. ويشير القادري إلى ضرورة وأهمية إنشاء مراكز متخصصة بالصحة النفسية في أرياف ومدن المحافظة.

أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، “جمهور الحميدي”، قال إن هناك الكثير من الحالات النفسية التي يعاني منها الافراد نتيجة الأحداث المؤلمة خلال الحرب في أرياف اليمن، والتي نتج عنها كثير من حالات الانتحار والسلوكيات غير الطبيعية التي ظهرت في الارياف أكثر من المدن.

ويشير الحميدي خلال حديثه لـ “منصة ريف اليمن”، إلى أن غياب مراكز الصحة النفسية يفتح المجال أمام المشعوذين والدجالين والممارسات الفردية التي لا يمكن أن ترتقي حتى إلى مستوى المساندة الاجتماعية، حد تعبيره.

خطوات نحو التعافي

يشدد الأطباء والخبراء على أهمية زيادة الوعي من خلال حملات شاملة بالتعاون مع الوجهات، مثل تأهيل الكوادر المحلية عبر تدريب المعلمين والمرشدين والمتطوعين على الدعم النفسي الأولي، وتوفير مراكز دعم متنقلة، وحث المنظمات الدولية على تخصيص ميزانيات أكبر، ويؤكدون على تمويل مستدام، وتعزيز التنسيق بين الحكومة والمنظمات الدولية، وتفعيل دور الكوادر المحلية، مع حملات توعية لتشجيع المجتمعات على طلب المساعدة دون تردد.

في سبيل تفعيل خدمات الصحة النفسية في الأرياف يقول وكيل وزارة الصحة العامة والسكان المساعد لقطاع التخطيط، جلال باعوضه، إن هناك توجهًا جادًا لوزارة الصحة نحو تغطية خدمات الصحة النفسية رغم محدودية الإمكانيات المتاحة.


يواجه ما يقدر بنحو 7 ملايين شخص حاليا مشاكل نفسية وغياب المراكز المتخصصة يفتح المجال أمام المشعوذين والدجالين والممارسات الفردية.


ويضيف باعوضه لـ ” منصة ريف اليمن” أن الوزارة تعمل على لفت انتباه المنظمات المحلية والدولية التي تنفذ مشاريعها في الأرياف إلى أهمية تخصيص جزء من مشاريعها لتقديم الدعم النفسي، معتبرًا أن ذلك يمثل خطوة أولى نحو سد الفجوة في هذا المجال.

ويشير الدكتور علي راجح إلى أن الجامعات والمراكز البحثية يمكن أن تلعب دورا محوريا في نشر الوعي وإنتاج المعرفة وتقديم توصيات علمية لصناع القرار، شرط دعم مالي واستقلالية بحثية وشراكات مع المجتمع المدني.

وعن نقص الكوادر الصحية، يؤكد باعوضه أن الوزارة “تنفذ حاليًا مشروع دبلوم الصحة النفسية، الذي يستهدف تدريب عدد من الكوادر في هذا المجال، وتعمل على توسيع المشروع ليشمل عددًا أكبر من الكوادر خلال الفترة القادمة، ليكون رافدًا مهمًا لتغطية الاحتياج المتزايد لخدمات الدعم النفسي”.

وتسببت سنوات الصراع في تهييج أزمة صحة نفسية متزايدة في مختلف أنحاء اليمن، ويواجه ما يقدر بنحو 7 ملايين شخص حاليا مشاكل نفسية وضغوط نفسية بسبب النزاع المستمر، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

كيف يواجه مزارعو ريف إب مشكلة الجفاف؟

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف (ريف اليمن)

على الرغم من برد الشتاء القارس في شهر يناير ذروة فصل الشتاء في اليمن، يعمل “محمد ناجي (60 عاماً)” بمزرعته في منطقة السياني جنوبي محافظة إب وسط اليمن، من أجل إصلاحها وتهيئتها قبل قدوم الموسم الزراعي الذي يبدأ في أبريل/ نيسان، تفادياً لمخاطر الجفاف خلال فترة هطول الأمطار الموسمية صيفاً.

العديد من المزارعين في ريف إب يعملون مثل “ناجي” بشكل مبكر لحماية الأراضي من الجفاف، يقضي هؤلاء معظم أوقاتهم خلال فصل الشتاء في تقليب التربة، حيث يبدؤون العمل في ديسمبر باستخدام معدات يدوية، لضمان امتصاص التربة لأول هطول مطري قبل موعد غرس البذور في موسمها المعتاد خلال أبريل/ نيسان.

تؤكد دراسة حديثة أجراها الخبير في الشؤون البيئية والمناخية، “عبد الغني اليوسفي”، أن محافظة إب -التي لطالما عُرفت بخصوبتها ووفرة أمطارها- تشهد تراجعًا مقلقًا في معدلات الهطول المطري خلال السنوات الأخيرة.


       مواضيع مقترحة

تتفحص هذه الدراسة الأسباب الرئيسية لتراجع هطول الأمطار الموسمية في محافظة إب، وبرغم إيرادها الممارسات البشرية السلبية التي تفاقم من حدة الجفاف وانخفاض مستوى هطول الأمطار، إلا أن الدراسة تشدد على تداخل هذه الممارسات مع العوامل المناخية التي تتسبب بتغيرات في أنماط الريح والحرارة.

أول الظواهر المناخية التي يرى اليوسفي فيها أحد أسباب الانخفاض الملحوظ في معدلات الأمطار بمحافظة إب تتمثل بتغير أنماط الرياح، حيث تهب رياح شديدة بسرعة تصل إلى 30-45 عقدة، تلعب هذه الرياح القوية دورًا حاسمًا في طرد السحب المحملة بالأمطار قبل أن تتمكن من الهطول فوق المنطقة.

يشكل ارتفاع الحرارة العامل الثاني؛ إذ تؤدي الزيادة في درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر من المسطحات المائية والتربة والنباتات، كما تقلل هذه الظاهرة من الرطوبة الكلية في الغلاف الجوي؛ مما يحد بشكل كبير من فرص تكوّن السحب وهطول الأمطار.

الاعتناء وتقليب التربة

لا يعرف ناجي شيئاً عن التغيرات المناخية، لكنه لاحظ تراجع هطول الأمطار في السنوات الماضية، وهو ما دفعه نحو مضاعفة الاعتناء بمزرعته باستخدام معدات يدوية تمكنه من الوصول إلى مناطق لا يمكن أن تصل عليها آلات الحراثة التي يكلف استئجارها مبالغ مالية باهظة تصل إلى نحو 10 ألف ريال في الساعة الواحدة.

عند حلول الموسم في أبريل وغرس بذور الذرة الرفيعة والذرة الشامية يحرص ناجي على مواصلة الاعتناء بمزرعته، وإنشاء المقالح الزراعية لحفظ المياه، والمقلح هو حُفرة صغيرة يقوم المزارع بحفرها بهدف الاحتفاظ بكمية كبيرة من المياه عند جذور النباتات. تختلف أحجام هذه الحُفر بحسب نوع الأشجار المزروعة؛ ففي زراعة الحبوب من الذرة الرفيعة والذرة الشامية يكون حجم المقالح متوسطة، أما في حالة الأشجار الكبيرة والمحاصيل الضخمة، يكون حجم المقلح أكبر.

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
العديد من المزارعين في ريف إب يرون، كما ناجي، في العمل المبكر حلاً لحماية الأراضي من الجفاف (ريف اليمن)

“حينما كانت تهطل الأمطار بغزارة وبشكل مستمر، كانت المياه تتغلغل إلى باطن التربة، مما يساهم في نضوج الثمار بشكل جيد، حيث كانت النباتات ترتوي تمامًا” يقول ناجي. ونتيجة لذلك، يتابع ناجي “كان المزارع يجد صعوبة في دخول مزرعته خوفًا من الانزلاق في التربة الموحلة بسبب شدة الأمطار”.

استمر الجفاف لأكثر من ثلاثة أشهر في العام الماضي “حتى ذبلت الثمار والزروع، وتراجعت المحاصيل الزراعية إلى أدنى مستوياتها. لم يحصد الكثير من المزارعين يومها سوى كميات قليلة مقارنة بسنين الخير الوفير”، بحسب ناجي.

ويتابع قائلاً لمنصة “ريف اليمن”: “بفضل الله، كانت ثمار مزرعتي جيدة، اعتنيت بالأرض وقمت بتقليب التربة في فصل الشتاء، ومع هطول أول قطرة مطر ارتوت الأرض بشكل جيد، وتمكنت من الحصول على نحو 500 كيلوغرام من الذرة البيضاء، على الرغم من شح الأمطار وتراجعها”، مشيرًا إلى أنه يتطلع إلى تحقيق محصول أوفر خلال الموسم الزراعي الحالي.

على خطى ناجي، رصدنا نحو 50 مزارعاً بمديريتي السياني والسبرة بمحافظة إب ممن يبذلون جهوداً مضاعفة في الاعتناء بالأرض. على الرغم من شح الأمطار مطلع الموسم الزراعي الحالي لكن ثمار مزارعهم تظهر عليها آثار العمل، وتبدو مختلفة تماماً عن بقية المزارع من حيث جودة المحصول، فهم قبل قدوم موسم الحصاد يتطلعون إلى الاكتفاء الذاتي من الحبوب.


محمد الحزمي: تقليب التربة والاعتناء بها خاصةً قبل الموسم الزراعي ينعكس إيجابًا على إنتاجية المحاصيل ويساعد في تحسين جودة التربة


يقول المهندس والخبير الزراعي “محمد الحزمي” لمنصة ريف اليمن إن “تقليب التربة والاعتناء بها، خاصةً قبل الموسم الزراعي، ينعكس إيجابًا على إنتاجية المحاصيل، ويساعد في تحسين جودة التربة وذلك “عن طريق منع انجراف الطبقات العلوية التي تحتوي على المواد العضوية والمواد المغذية الضرورية لنمو المحاصيل”.

كما ينصح الحزمي المزارعين اليمنيين في حال كانت الأرض على مجرى سيول أو مستوى الماء مرتفع بحفر مصارف للتخلص من المياه الزائدة. ويرى الحزمي أيضاً أن على المزارعين تسميد الأرض بسماد عضوي متحلل، وهو ما يستخدمه مزارعين كثير في ريف إب.

ويواجه المزارعون صعوبات في تقليب التربة، فهم يعتمدون على معدات قديمة، كما أنهم يعملون في البرد القارس، وفي الصيف يعملون تحت أشعة الشمس الحارقة.

وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، ليس بمقدورهم استئجار معدات زراعية متطورة لحرث التربة فيضطرون إلى العمل بأيديهم. ونتيجة لارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والمبيدات المختلفة، بالإضافة إلى انتشار الآفات الزراعية، وغياب التوعية والإرشاد وشح الأمطار، ترتفع تكاليف الإنتاج الزراعي، وتتقلص هوامش الربح.

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
مزرعة ذرة رفيعة في ريف إب تعرضت للإهمال وعدم الاعتناء (ريف اليمن)

تجميع مياه الأمطار

تؤكد دراسة لمركز صنعاء أن ندرة المياه هي المشكلة البيئية الأكثر وضوحًا وتهديدًا في اليمن، إذ تفتقر البلاد إلى الأنهار دائمة الجريان، مع وجود تفاوت كبير في مستوى هطول الأمطار من منطقة إلى أخرى.

وبحسب الدراسة فإن المصدرين الرئيسيين للحصول على المياه لتلبية الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية في اليمن يتمثلان في استخراج المياه من الآبار الجوفية، وحصاد وتجميع مياه الأمطار بالاعتماد على الطرق والممارسات التقليدية.

في ظل شح المياه لجأ العديد من المزارعين بريف إب إلى حفر وبناء الخزانات الأرضية وبناء السدود والحواجز المائية الصغيرة لحفظ المياه، حيث رصدنا نحو 20 مزارعاً بمديريتي جبلة والسياني ممن يستخدمون الخزانات لتجميع مياه الأمطار الموسمية والاستفادة منها في ري المحاصيل.

“عبده حزام، (55 عاماً)” كان من بين أوائل المزارعين ممن خطرت لهم هذه الفكرة، فعمل بنفسه منذ سنوات على حفر خزان أرضي لتجميع مياه الأمطار الموسمية من سطح منزله، والاستفادة منها في ري محاصيله؛ فهو يزرع الطماطم والبطاط والبامية وغيرها من الخضروات.

يقول حزام لـ “منصة ريف اليمن”: “خطرت على بالي فكرة الاستفادة من مياه الأمطار، لا سيما وأنها أصبحت تهطل بكميات قليلة، فكان قرار الاستفادة منها مهمًا خلال فترة الجفاف الطويلة”، مشيرًا إلى أن فترة الجفاف في هذا الصيف استمرت ثلاثة أشهر.

ويضيف: “عملتُ أنا وأبنائي على حفر الخزان الذي استمر العمل فيه عدة شهور حتى أتممناه، والحمد لله، أستفيد منه لري المحاصيل الزراعية خلال فترة الجفاف، كما أنني أزرع بعض الخضروات حتى في أيام الشتاء، مثل الطماطم والكزبرة”.

واجه حزام صعوبات وتحديات خلال العمل على تجهيز خزان الماء، من بينها ارتفاع أسعار الإسمنت والحديد، وارتفاع تكاليف نقل المواد؛ حيث كلفه العمل في الخزان مبالغ مالية باهظة تجاوزت مليون ريال يمني، أي ما يعادل نحو 1900 دولار أمريكي بسعر الصرف في إب. ولكن حزام تمكن من التغلب على كل تلك المعوقات من خلال العمل مع أولاده، واقتراض مبالغ مالية من أحد أقاربه كي يتمكن من إكمال مشروعه الذي يرى فيها خطوة للتغلب على مشكلة تراجع هطول الأمطار والجفاف.

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
رصدنا نحو 50 مزارعاً بمديرية السياني ومديرية السبرة بمحافظة إب ممن يبذلون جهوداً مضاعفة في الاعتناء بالأرض (ريف اليمن)

محاصيل بديلة

إثر تفاقم حدة الجفاف وتراجع هطول الأمطار الموسمية التي شهدتها محافظة إب، وبقية المحافظات اليمنية مؤخراً وانعكست سلباً على محاصيل الذرة الرفيعة والذرة الشامية، حوّل “حسن قاسم (67 عامًا)” إحدى مزارعه من زراعة الحبوب إلى البقوليات، فاستبدل زراعة الذرة الرفيعة بزراعة الفاصوليا.

يقول قاسم: “في الموسم الزراعي الماضي، قمت بزراعة ما يقارب 10 لبن، أي ما يعادل نحو 70 مترًا مربعًا، وسط استغراب كبير من المزارعين الذين انتقدوا مغامرتي بزراعة الفاصوليا وحدها دون محاصيل أخرى”، لأن غالبية الأراضي الزراعية في الوادي التي تقع فيها مزرعته يزرعون الذرة الرفيعة.

كما أن الذرة تعد من أهم المحاصيل التي يعتمد عليها السكان في تأمين الغذاء إذ يصنعون منها الخبز، وتوفر عليهم شراء القمح الذي يتجاوز سعر 50 كيلو منه نحو 14 ألف ريال يمني.

ولكن الفاصوليا -بحسب قاسم- لا تتطلب كمية كبيرة من الأمطار مقارنة بما تحتاجه زراعة القمح والذرة. زرع قاسم الفاصوليا مرتين في الموسم الزراعي الذي يستمر ستة أشهر، حيث إن مدة زراعة الفاصوليا هي ثلاثة أشهر فقط. وعلى الرغم من تراجع هطول الأمطار الموسمية في العام الماضي، حقق محصولًا وفيرًا مكّنه من بيع كميات كبيرة ساهمت في شراء الاحتياجات اليومية لأسرته من سكر ودقيق.

يؤكد قاسم أن شح الأمطار هو ما حفزه على تغيير نوع المحصول الذي يزرعه كي يتغلب على مشكلة الجفاف التي تؤدي إلى هلاك محاصيل الحبوب التي تتطلب كمية كبيرة من الأمطار طوال فصل الصيف.

بالمقارنة مع المحاصيل الأخرى، تتطلب البقوليات كميات أقل من المياه للنمو، بحسب ما يورده موقع The Grains and Legumes Nutrition Council في أستراليا التي تعاني أيضاً من شح الموارد المائية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للبقوليات تثبيت النيتروجين الجوي في التربة، مما يقلل الحاجة إلى الأسمدة النيتروجينية المصنّعة التي تتطلب كميات كبيرة من المياه لإنتاجها بحسب الموقع ذاته.

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
بالمقارنة مع المحاصيل الأخرى، تتطلب البقوليات كميات أقل من المياه للنمو (ريف اليمن)

وبحسب شو دونيو، المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، في مقالة منشورة على موقع الأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للبقول، تتميز البقوليات بأنها متعددة الاستخدامات ويمكن أن تنمو في التربة شديدة الفقر، وهذا يعني إمكانية زراعتها في المناطق التي لا يمكن زراعة محاصيل أخرى فيها كما تمكنها جذورها الأعمق والأكثر وفرة بالصمود في وجه الجفاف بشكل أفضل. وهذا أمر مهم بشكل خاص في الأماكن التي يستمر فيها الجفاف.

كما تشير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بأنه يمكن للبقوليات أن توفر المغذيات الأساسية للتربة، وتساعد على حفظ التنوع البيولوجي، وتحسّن بنية التربة، وتساعد على التخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف معه.

واجه قاسم لدى تغيير محصوله لأول مرة صعوبة شراء البذور، إذ يكلف شراء كيلو جرام واحد من الفاصوليا نحو 1200 ريال يمني. وهي تكلفة كان يمكن تفاديها لو استمر في زراعة الذرة حيث يمكن للمزارعين الحصول على البذور من محصول الموسم السابق. وهو ما سوف يستطيع فعله الآن في مواسم الفاصوليا اللاحقة.

تجربة قاسم هي واحدة من بين العديد من التجارب الزراعية بريف إب، حيث رصدنا نحو 25 مزارعاً بمديرية جبلة والسياني قاموا باستبدال زراعة محاصيل أخرى، لمواجهة التحديات المناخية المتمثلة بتراجع هطول الأمطار الموسمية جراء تداعيات التغيرات المناخية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.


*ُأنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

الغابة صغيرة.. ثاني عروض سينما الأربعاء لأفلام الحياة الريفية

عرضت سينما الأربعاء، فيلم “Little Forest” بالشراكة مع “منصة ريف اليمن” كثاني عروض شهر أفلام “الحياة الريفية”، وذلك تزامنًا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية الذي يصادف 15 أكتوبر، في إطار مشروع “سينما الأربعاء” الذي تُقيمه بيت الصحافة ومؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية.

“الغابة الصغيرة” وهو فيلم دراما كوري جنوبي ملهم أنتج عام 2018، يحكي قصة شابة تعود إلى قريتها لتكتشف ذاتها ومعنى الاكتفاء من خلال الزراعة والطهي والطبيعة.

وتواصل “سينما الأربعاء” بالشراكة مع منصة “ريف اليمن” من خلال هذا العرض تسليط الضوء على التجارب السينمائية التي تلامس واقع الريف وتعكس ملامحه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في محاولة لربطها ببيئة الأرياف اليمنية، تعزيزًا لدور الإعلام في تغطية قضايا الريف في اليمن.

وخصص شهر أكتوبر الحالي لأفلام الحياة الريفية تزامنا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية بهدف إبراز قضايا الريف اليمني ومعاناة سكانه عبر الفن السابع، وربطه مع الإنتاج الصحفي بالشراكة مع منصة ريف اليمن.

مهرجان خيرات اليمن.. مساحة لإبراز إبداعات المجتمع

في ساحة تملؤها روائح البن والعسل والبهارات اليمنية، امتدت أجنحة مهرجان خيرات اليمن الثاني، لتحكي كل زاوية فيها قصة كفاح ونجاح وريادة، فهناك نساء يروجن منتجاتهن بابتسامات واثقة، وشباب يعرضون مشاريعهم الناشئة بحماس، وأطفال يركضون بين الأركان يكتشفون مذاقات اليمن المتنوعة من جديد.

المهرجان الذي انطلق في الرابع وحتى التاسع من أكتوبر الجاري في صنعاء، وشارك فيه 248 مشروعًا، تحول إلى مساحة تنبض بالحياة والآمال، حيث التقى المزارعون والمنتجون ليس فقط للبيع، بل لإبراز روح المجتمع اليمني وقدرته على الاعتماد على ذاته.


   مواضيع مقترحة


المرأة والريادة

في ركنٍ تعبق منه رائحة الورد والرمان والبخور، تقف “حنين الحرازي”، مؤسسة العلامة التجارية “رشة تكفيك”، لتروي تجربتها لـ”منصة ريف اليمن”، قائلة: “مشاركتي في مهرجان خيرات اليمن شكلت نقطة تحول في مسيرتي الريادية، ومنصة لإبراز قدرة المرأة اليمنية على الإبداع والمنافسة محليًا وعالميًا”.

وتؤكد الحرازي أن منتجاتها تُحضّر بنسبة 98% من مواد خام يمنية خالصة، مستوحاة من الطبيعة المحلية الغنية بروائح تهامة وصعدة وحضرموت وعدن، وتضيف: “منتجاتنا طبيعية بالكامل، نُصنّعها بعناية وجودة عالية، وهذا ما يمنحها تميزًا واستدامة”.

وترى أن المهرجان أتاح لها منصة للتعريف ببراندها وتسويق منتجها المحلي، وفتح آفاقًا جديدة أمام النساء الرياديات لإثبات حضورهن كشريكات فاعلات في التنمية الاقتصادية، مشيرة إلى أن المنتج اليمني قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، والمنافسة الخارجية متى ما توفرت له الرعاية الكافية.

وشددت الحرازي على أن مشاركة المرأة في مثل هذه الفعاليات تبرهن على دورها القيادي والإبداعي في تحويل الموارد المحلية إلى قصص نجاح تعبّر عن هوية اليمن، وتُعطر اسمه في الأسواق.

من فكرة إلى حركة إنتاجية

من جانبه، يقول “أشرف الوادعي”، صاحب متجر “سناكات”، إن المهرجان يمثل فكرة رائدة جمعت المشاريع المنتجة في مكان واحد، ما أتاح للمشاركين فرصة مميزة لعرض منتجاتهم، والتواصل المباشر مع الجمهور والمستهلكين، معتبرًا ذلك خطوة عملية نحو تنشيط الاقتصاد المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة والأصغر.

وأوضح الوادعي أن متجره يعمل في مجال الطب والحلويات، ويقوم بدور الوسيط بين الأسر المنتجة والعملاء من خلال تقديم خدمات التسويق وإدارة الصفحات الإلكترونية لتوسيع دائرة انتشار المنتجات المحلية وتعزيز حضورها في السوق، ويضيف: “نعمل كوسيط بين الأسر المنتجة والعملاء عبر التسويق وإدارة الصفحات الإلكترونية، بهدف توسيع انتشار المنتجات المحلية”.

ويشير إلى أن عدد المشاريع الصغيرة والأصغر المشاركة، والبالغ قرابة 50 مشروعًا، يشكل رافدًا اقتصاديًا واعدًا، وانطلاقة جديدة نحو تمكين المنتجين المحليين، متمنيًا ألا تتعثر هذه المبادرات الواعدة، وأن تحظى بالدعم والاستمرارية.

واتفق الحرازي والوادعي على أن مهرجان خيرات اليمن أصبح اليوم منصة وطنية واقتصادية متكاملة تكرّس ثقافة الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي، وتمنح الأسر المنتجة والمشاريع الصغيرة والرياديات اليمنيات مساحة واسعة للتعبير عن قدراتهن وإبداعهن في بناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام.

خيرات محلية

تُعد اليمن سلة غذاء متنوعة، وذلك أنها تحتضن أصنافا متعددة من الفواكه والثمار الفريدة ذات المذاق المميز والقيمة الغذائية الكبيرة، نظرا لتفاوت الخصائص المناخية، واختلاف الظروف الطبوغرافية، مما أدى إلى اختلاف الأقاليم النباتية، وساعد على تنوع الإنتاج، بحسب المركز الوطني للمعلومات.

رئيسة جمعية الارتقاء للتنمية الاجتماعية “هناء العلوي”، بدورها قالت إن مشاركتها في مهرجان خيرات اليمن تأتي من خلال أحد مشاريع الجمعية الرائدة “اكتفاء”، الذي تصفه بأنه رافد اقتصادي مهم يسعى لتعزيز التصنيع المحلي، وتحويل المنتجات الزراعية إلى سلع غذائية جاهزة تصل مباشرة إلى المستهلك.

وأوضحت العلوي لـ”منصة ريف اليمن”، أن مشروع اكتفاء يقوم على إنتاج عصائر طبيعية من الكركديه، المانجو، التفاح، البرتقال، الطماطم، والبسباس الذي يُستخدم في صناعة الشطة اليمنية، وجميعها منتجات طبيعية محلية، مشيرة إلى أن 80% من مدخلات الإنتاج تعتمد على المنتجات الزراعية اليمنية الخام.

وأضافت أن الهدف من إنشاء المشروع هو رفع الوعي المجتمعي بأهمية المشاريع الصغيرة وتشجيع الأفراد على تأسيس منشآت إنتاجية صغيرة قادرة على تحويل المحاصيل الزراعية إلى منتجات غذائية مصنّعة محليًا تُسهم في رفد الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل للشباب والنساء، بما يحد من مشكلة البطالة ويعزز الاعتماد على الذات بدلاً من المنتجات المستوردة.

وأكدت العلوي أن من بين أهداف المشروع أيضًا الحد من استهلاك المنتجات المستوردة والسعي لجعل اليمن بلدًا مصنّعًا ومكتفيًا ذاتيًا، مشيرة إلى أنها تطمح لأن يتحول السوق المحلي من مستهلكٍ ومستوردٍ إلى منتِجٍ ومصدّرٍ لمختلف المنتجات الزراعية اليمنية، لما تمتاز به من جودة عالية وتنوع فريد.

وتحدثت عن المخاطر المرتبطة بالمنتجات المستوردة، موضحة أن بعضها قد يكون تالفًا أو مخزنًا بطريقة غير صحيحة، مما يجعله غير صالح للاستهلاك عند وصوله إلى السوق المحلية، مؤكدة أن الاعتماد على المنتج المحلي أكثر أمانًا وجودة واستدامة.

وأضافت أن المهرجان هذا العام تميز أيضًا بمشاركة عدد من الشباب والمبادرات الشبابية، بينهم فنانون ورسّامون استعرضوا أعمالهم في أجنحة مخصصة لتعليم الفنون، ما أضفى على المهرجان طابعًا ثقافيًا وتنمويًا متكاملاً.

نحو اكتفاء زراعي 

مدير مكتب إدارة المهرجان “عبدالعظيم قحطان” قال إن مهرجان خيرات اليمن في موسمه الثاني يشكل حدثًا اقتصاديًا وزراعيًا مهمًا يعكس ثراء الإنتاج المحلي وتنوعه، ويجسد رؤية عملية لتعزيز الاقتصاد الوطني عبر دعم المنتجين المحليين والمشاريع الصغيرة.

وحول مشاركتها في المهرجان، أوضحت العلوي أنها تشارك للمرة الثانية في مهرجان خيرات اليمن، الذي تعتبره حاضنة كبيرة للمشاريع الصغيرة والأصغر، ولكل المشاريع الصناعية والزراعية والجمعيات التنموية، نظرًا لدوره البارز في إبراز خيرات اليمن بمختلف أنواعها.

وأوضح قحطان خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أن المهرجان، الذي ينظمه مكتب الزراعة ووحدة تمويل المشاريع والمبادرات الزراعية والسمكية، شهد هذا العام مشاركة 248 مشروعًا توزعت بين 180 بوتًا لمشاريع متنوعة تشمل الفواكه، التمور، العسل، البن، والمشتقات الزراعية الأخرى، إلى جانب 45 بوتًا للمشاريع الصغيرة والأصغر، و23 بوتًا خصصت للأسر المنتجة التي تمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد المجتمعي.

وأشار إلى أن هذا الزخم في المشاركة يعكس حيوية القطاع الزراعي اليمني رغم التحديات، ويؤكد قدرة المنتجين المحليين على المنافسة وتطوير سلاسل القيمة في السوق المحلية. كما اعتبر أن المهرجان منصة اقتصادية متكاملة تهدف إلى توسيع دائرة التسويق للمنتجات الوطنية، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الزراعية والحرفية، إلى جانب خلق بيئة تفاعلية بين المنتجين والمستهلكين والمؤسسات التمويلية.

وأكد قحطان أن مثل هذه الفعاليات تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد الريفي وتعزيز الثقة بالمنتج اليمني، داعيًا إلى استدامة مثل هذه المبادرات كونها تمثل خطوة فاعلة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو اقتصاد إنتاجي مستدام ينهض بالقطاع الزراعي كأحد أهم ركائز التنمية في اليمن.

المتحف الوطني في صنعاء

المتحف الوطني في صنعاء

في قلب صنعاء، وتحديداً بميدان التحرير، يقف المتحف الوطني اليمني كصرح حضاري يحفظ بين جدرانه تاريخ اليمن العريق؛ إذ تأسس عام 1971 ليكون أول متحف وطني للجمهورية بعد ثورة 26 سبتمبر، محتضناً نحو 75 ألف قطعة أثرية تشمل المنحوتات والفخاريات والأقمشة المطرزة وأدوات الملاحة والأسلحة القديمة، في رحلة تروي سيرة اليمن من العصور القديمة حتى العصر الحديث.

انتقل المتحف من مقره السابق في دار الشكر – الذي تحوّل منذ عام 1993 إلى متحف للتراث الشعبي – إلى مقره الحالي في دار السعادة، ليواصل دوره في توثيق التراث اليمني وحمايته من الاندثار عبر إتاحته للجمهور.

وبسبب الحرب والأحداث المتتالية أغلق المتحف أبوابه وتوقفت الزيارات لأكثر من 13 عاماً، قبل أن يُعاد افتتاحه في أبريل 2024، ليعود من جديد نافذة فريدة للتعرّف على الإرث الثقافي والتاريخي اليمني.

في العاشر من سبتمبر 2025 تعرّضت بعض مقتنيات المتحف وأجزاء من نوافذه وهيكله لأضرار نتيجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت صحيفة “26 سبتمبر” في ميدان التحرير وسط صنعاء.

فيما يلي صور وثقتها ونشرتها بثينة محمد على حسابها في فيسبوك، وأخرى التقطها آيمن محرم، توثق جانبا من جمال المكان وتفاصيل مقتنياته من زوايا متعددة، لتكشف الروح الحية للقطع الأثرية وتشجع الزوار على استكشاف قصصها وحضارتها.


الريف اليمني.. الغائب الأكبر في أجندة الإعلام المحلي

في الوقت الذي يشكل فيه الريف اليمني نحو 70% من سكان اليمن لا يزال حضوره في وسائل الإعلام المحلية باهتًا، ولا يتجاوز حدود التغطيات الموسمية أو الكوارث الطبيعية، فالإعلام بمختلف وسائله نادرًا ما يتوجه بعدساته وأقلامه نحو الأطراف التي تختزن حياة كاملة مليئة بالتحديات الزراعية، التعليمية، الصحية والبيئية.

وبينما يعيش سكان الريف واقعًا متجددًا من المعاناة اليومية، تبقى قضاياهم حبيسة الصمت الإعلامي، أو تمر مرور الكرام في نشرات الأخبار والتقارير العامة؛ ما يجعل الحديث عن الريف في الإعلام المحلي ضرورة مهنية وإنسانية، تستدعي مراجعة عميقة لدور الإعلام في التنمية والتوعية والتعبير عن الفئات المهمشة.

تغطية محدودة

يقول الدكتور “عبدالعالم السبئي”، مدير مكتب التربية والتعليم بمديرية مشرعة وحدنان في تعز، إن التغطية الإعلامية لقضايا الريف محدودة، وغالبًا ما تتركز على الأحداث الكبيرة أو الرسمية دون التعمق في التحديات اليومية للقضايا التربوية والصحية والزراعية، وغالبًا ما تُقدَّم هذه القضايا بتقارير عامة لا تُترجم إلى حملات توعية أو دعم فعلي في المناطق النائية.


    مواضيع مقترحة

وأضاف السبئي خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”: “للأسف، الإعلام المحلي نادراً ما يصل إلينا بشكل فعّال أو منتظم، رغم حاجة الريف لبرامج إعلامية تحشد الدعم وتطرح حلولاً واقعية، خصوصًا لمعاناة المعلمين، وانقطاع الطالبات عن التعليم، وافتقار المرافق الصحية، وسوء الخدمات، وغياب الإرشاد الزراعي، إلى جانب قصص النجاح الريفية التي تستحق أن تُروى وتُلهم”.

أول منصة متخصصة

في هذا السياق، يقول مدير تحرير “منصة ريف اليمن”، عماد المشرع، إن المنصة تعطي الريف اليمني وسكانه كل اهتمامها الإعلامي منذ انطلاقتها، حيث تُعد أول وسيلة صحفية يمنية متخصصة بشكل كامل في الريف اليمني وقضاياه.

ويؤكد المشرع أن “الريف ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو مجتمع حيوي يتطلب تغطية متخصصة وعميقة، والمنصة تركز على مجموعة واسعة من القضايا الريفية؛ بدءًا من الزراعة، مرورًا بالمرأة والطفل، والثقافة والتراث، وصولًا إلى قضايا المناخ والبيئة، الموارد المائية، وحتى قصص النجاح الريفية التي غالبًا ما تغيب عن الإعلام”.


“منصة ريف اليمن تعطي الريف وسكانه كل اهتمامها الإعلامي منذ انطلاقتها، وتُعد أول وسيلة يمنية متخصصة في الريف، ونحرص أن تكون رسائلنا إعلامية وتنموية في الوقت نفسه”.


ويضيف: “من خلال تقارير ميدانية وتحقيقات صحفية استقصائية، نسعى إلى تقديم صورة واقعية عن الحياة الريفية، بما يشمل التحديات اليومية والفرص التنموية، كما نحرص على أن تكون رسائلنا إعلامية وتنموية في الوقت نفسه، تساهم في نشر المعرفة، وتحفيز المبادرات المجتمعية، وتوثيق التجارب الريفية الناجحة التي يمكن أن تلهم مناطق أخرى”.

بدوره يشير المدير التنفيذي لإذاعة رمز “سعيد القدسي” إلى ندرة وسائل الإعلام المختلفة في تغطية القضايا الريفية، إذ نادرًا ما يكون هناك برنامج أو فلاش توعوي يهتم بهذه المواضيع، وغالبًا ما تكون بدعم من منظمات أو جهات مهتمة.

ويضيف القدسي خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أنه وبحكم عمله السابق في أكثر من وسيلة إعلامية، لم يجد اهتمامًا حقيقيًا بقضايا الريف، معتبراً أن الرسالة الإعلامية في المدن شبه مكتملة، بينما ما زال هناك قصور كبير في الريف، لافتا إلى أن إذاعته خصصت مساحة لتغطية قضايا الريف من خلال أكثر من برنامج.

عوامل متشابكة

من جهته، يرى “رأفت رشاد”، مدير إذاعة عدنية والمستشار في تطوير الإذاعات المحلية، أن غياب الإعلام عن الريف اليمني يعود إلى عوامل متشابكة، أهمها تركيز الإعلام المحلي على المراكز الحضرية، حيث تتركز الأحداث السياسية والأمنية، فيما تبقى المناطق الريفية على هامش التغطية.

ويضيف أن هذا التوجه ليس عشوائيا، بل هو انعكاس لواقع يفرض نفسه، فمعظم وسائل الإعلام تفتقر للإمكانيات المالية والبشرية التي تمكّنها من الوصول إلى تلك المناطق النائية، كما أن التغطية الإعلامية لقضايا الريف تتطلب جهدا ميدانيا، وفهما عميقا للبيئة الاجتماعية والزراعية، وهو ما لا يتوافر دائما في فرق التحرير أو المراسلين.

ويؤكد رشاد أن التغطيات الإعلامية للقضايا الريفية غالبًا ما تكون موسمية أو طارئة، وليست ضمن استراتيجية طويلة الأمد، نتيجة صعوبة الوصول إلى القرى، وغياب البنية التحتية، مشيرا إلى أن إذاعة عدنية FM تسعى إلى كسر هذا التهميش عبر توسيع نطاق البث باستخدام الإنترنت الفضائي، والتخطيط لإطلاق برامج زراعية وصحية ومتعلقة بالمناخ.


“ما يقدم في الإعلام حول الريف غالبا ما يكون في سياق الكوارث والأزمات الإنسانية، أو من خلال المبادرات الفردية أو الإذاعات المحلية والمنصات الرقمية كمنصة ريف اليمن التي تحاول سد الفجوة”.


أستاذة الإعلام بجامعة صنعاء وجامعة الملك سعود، الدكتورة “بلقيس محمد علوان” قالت: “يمكن القول إن الإعلام المحلي اليمني بكل وسائله يُعتبر غائبا جزئيا عن قضايا الريف، وما يقدمه عن الريف وقضاياه ضعيف جدا في تغطيته للقضايا التنموية والاجتماعية العميقة”.

وأرجعت علوان ذلك لهيمنة الصراع السياسي والوضع الأمني على أجندة الغالبية العظمى من وسائل الإعلام (المرئية والمكتوبة والمسموعة والرقمية)؛ مما يقلل بشكل كبير من المساحة المخصصة للقصص التي تتعلق بحياة أكثر من ثلثي اليمنيين، مثل قضايا المياه، والتعليم، والصحة والتنمية الريفية، والتراث الثقافي غير المرتبط بالحرب.

وأوضحت خلال حديثها لمنصة ريف اليمن أن ما يقدم في الإعلام حول الريف غالبا ما يكون في سياقين رئيسيين: الكوارث والأزمات الإنسانية؛ فتُغطى قضايا الريف عندما ترتبط بالنزوح أو سوء التغذية أو الأوبئة كـ”أخبار عاجلة” لا كتحقيقات تنموية، أو من خلال المبادرات الفردية الإعلامية المستقلة أو الإذاعات المحلية الصغيرة والمنصات الرقمية كمنصة ريف اليمن التي تقوم بعمل رائع في هذا السياق، وتحاول سد الفجوة.

تحديات هيكلية وميدانية

وعن أسباب غياب الإعلام عن تناول القضايا الريفية، تقول علوان: “يمكن تقسيم أسباب هذا الغياب إلى تحديات هيكلية (متعلقة بالملكية والأجندة) وتحديات ميدانية (متعلقة بالتكاليف والأمن)، حيث إن الأسباب الهيكلية تتعلق بكيفية عمل وسائل الإعلام نفسها ومن يمولها، إذ إن أغلب وسائل الإعلام مملوكة أو مموّلة من أطراف الصراع أو مرتبطة بها، وبالتالي، تُوجّه الأجندة لخدمة الأهداف السياسية والعسكرية على حساب القضايا المحلية غير المسيّسة في الريف”.

ومن الأسباب كذلك أن المؤسسات الإعلامية تتركز في المدن الرئيسية، وتُعطي الأولوية للأخبار التي تهم جمهورها الحضري بشكل مباشر؛ مما يخلق تحيزا ضمنيا يقلل من جاذبية القصص الريفية، أضف إلى ذلك ضعف التدريب ونقص الموارد.


 من الحلول التي يمكن من خلالها مواجهة هذه التحديات، التحول إلى نماذج أكثر مرونة وكفاءة، وتمكين الصحافة المجتمعية، وتدريب شباب الأرياف؛ مما يقلل التكاليف والمخاطر الأمنية


أما التحديات الميدانية واللوجستية والمتمثلة بتكلفة الوصول والمخاطر فهي – بحسب الدكتورة علوان – أسباب تجعل العمل في الريف شاقا ومحفوفا بالمخاطر نظرا لصعوبة وتكلفة الوصول إلى المناطق الريفية التي تمتد لمساحة شاسعة عبر طرق صعبة ووعرة، أضف إليها ضعف وتقطع شبكة الانترنت والكهرباء الذي يعيق عمل المراسلين، ويزيد الأمر سوءا مع المخاطر الأمنية وغياب الحماية.

المخرج الدرامي والمسرحي “أحمد جباره” قال إن الإعلام اليمني حاليا بعيد عن الريف بحكم تواجده في المدينة، لكن في السابق كان هناك اهتمام بالريف من خلال البرامج والمسلسلات والأغاني التي تتكلم عن حياة الريف وقضاياه.

ويضيف جباره خلال حديثه لمنصة ريف اليمن أن وزارة الزراعة ووزارة الصحة -كمثال- كانتا لهما اهتمام بإنتاج مواد تهتم بقضايا الريف من خلال حملات تثقيف وتوعية وفلاشات، لكن دورها غاب في الوقت الراهن، مرجعا أسباب غياب الإعلام عن الاهتمام بقضايا الريف لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وأيضا لحالة الضغوط التي تعيشها وسائل الإعلام ذاتها.

حلول

تطرح علوان مجموعة من الحلول التي يمكن من خلالها مواجهة هذه التحديات، وتقول إنه يمكن أن يتبنى الإعلام المستقل التحول إلى نماذج أكثر مرونة وكفاءة، من خلال تمكين الصحافة المجتمعية (Citizen Journalism)، والاعتماد على تدريب وتجهيز أبناء المجتمع المحلي أنفسهم ليكونوا مراسلين، مما يقلل التكاليف اللوجستية والمخاطر الأمنية بشكل كبير، ويضمن أن القصص تأتي من الداخل.

كما يطرح السبئي حلولا لتمكين الوصول الإعلامي إلى الريف، ومنها تدريب شباب الريف على الصحافة المجتمعية، وإنشاء منصات إعلامية محلية أو مجتمعية، مثل إذاعات مدرسية أو صفحات توعوية، وبناء شراكات بين الإعلام والمدارس الريفية لإنتاج محتوى تربوي وصحي وزراعي، ودعم حكومي ومنظمات دولية لإنشاء وحدات إعلامية متنقلة تصل إلى القرى، وإدماج الإعلام في المناهج التعليمية كأداة للتعبير والتوثيق.


* تم إنتاج هذه المادة من قبل منصة ريف اليمن ضمن مشروع سينما الأربعاء بالشراكة مع بيت الصحافة ومؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية.

الرمل الأبيض: مصدر دخل مئات الأسر الريفية في المحويت

النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت
النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت

تحت أشعة الشمس الحارقة يعمل الشاب العشريني “أبو بكر الفتح”، في تجميع مادة الرمل الأبيض في مديرية بني سعد بمحافظة المحويت من أجل تأمين الغذاء لأفراد عائلته في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية جراء تداعيات الحرب في اليمن.

الفتح واحد من بين العشرات الذين يعملون في استخراج وتجميع الرمل في المديرية، حيث اتجه كثير من أرباب الأسر إلى استخراجه من أعماق وادي سردد باستخدام معدات يدوية بسيطة، وتجميعه إلى جانب الوادي على شكل أكوام؛ بغرض بيعه لمقاولي البناء والطرقات وغيرهم.

والرمل الأبيض هو مادة ملساء يتم استخراجها من أعماق وادي سردد، تشكَّلت عبر آلاف السنين بفعل التحولات الجيولوجية واستمرار جريان المياه وتدفق السيول من أعالي الجبال إلى قاع الوادي ليحولها الأهالي في محافظة المحويت، إلى ركيزة أساسية في البناء والمعيشة.


      مواضيع مقترحة

شريان حياة

يبذل العاملون في تجميع الرمل الأبيض بمحافظة المحويت جهوداً شاقة تحت أشعة الشمس الحارقة؛ إذ يستمرون في العمل لساعات طويلة، فهو مصدر دخلهم الوحيد الذي يعتمدون عليه في تأمين الغذاء نتيجة انعدام فرص العمل واشتداد الظروف القاسية التي أجبرتهم على اختيار هذه المهنة المحفوفة بالمخاطر.

يصف أبوبكر الفتح معاناته قائلاً لـ “منصة ريف اليمن”: “أنحني بظهري لساعات طويلة فوق مياه الوادي العميقة ممسكًا بـ(الكَرِيك) وذات يوم أثناء سحب قطعة كبيرة لم أتمالك نفسي جيدًا، فانزلق أحد أطرافها ليخترق قدمي، حتى نزفت الدماء، وكان الألم شديدًا في الماء، لكنني لم أتوقف؛ فكل سلة من الرمل تمثل قوت يومي لأسرتي، وكل لحظة توقف قد تعني فقدان رزق يوم”.

ويضيف: “استمريت رغم الجرح في جمع الرمل، أوازن بين الألم وضغط المياه المتواصل مع كل دفعة أُخرجها من أعماق الوادي، كل قطعة تحمل قصة صبر وعناء، وكل قطرة دم تروي حكاية الإنسان الذي يواجه الطبيعة من أجل البقاء في وادي سردد”.

وأشار إلى أن الرمل ليس مجرد مادة تُجمع، بل هو شهادة على الصبر والإصرار على مواجهة الألم يوميًا لتحصيل الرزق، وعلى قدرة الإنسان على مقارعة المخاطر حتى في أعمق المياه.

النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت
يبذل العاملون في تجميع الرمل الأبيض بمحافظة المحويت جهوداً شاقة تحت أشعة الشمس الحارقة (ريف اليمن)

“أحمد سعيد( 60عاماً)”، هو الآخر أجبرته الظروف المعيشية على العمل في تجميع الرمل الأبيض. ويوضح: “أعمل في استخراجه وتجميعه وتكويمه أنا وأولادي، ونبذل جهوداً شاقة منذ الصباح الباكر حتى وقت الظهيرة”.

يقول سعيد لـ “منصة ريف اليمن”: “نضطر أحيانًا إلى العمل حتى ساعات متأخرة من الليل، ونضطر للعمل على ضوء الكشافات، غير مكترثين بالمخاطر من وحوش البراري أو تدفق سيل مفاجئ، خاصة في موسم الأمطار الموسمية صيفاً، لكن يبقى هذا الخيار الأمثل لتحصيل رزقنا”.

وتابع: “يُشرق الصباح على أصوات السيارات (الشاص والقلاَّبات) التي تمزج صوتها مع خرير المياه، فنواصل الجهد ونحمّل الأكوام بالغَرْف باستخدام الكريك من أجل أن نحصل على الأموال، حيث تبلغ حمولة القلاَّب 10 آلاف ريال، والسيارة 5 آلاف، وأحياناً 4 آلاف ريال، وهي مبالغ لا تكفي لتغطية احتياجات الحياة اليومية، الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد آخر”.

عمل متوارث

يقول “عمران ثابت (26 عاماً)”، أحد سكان مديرية بني سعد: “تعتمد عملية جمع الرمل على خبرة الأهالي الطويلة، حيث يُستخرج من قاع الوادي كما هو، بما يتناسب مع احتياجات البناء والتزيين، ويتم نقله يدوياً أو باستخدام وسائل بسيطة”.

وأوضح ثابت لـ” منصة ريف اليمن” أن “هذه المهارة تنتقل من جيل إلى جيل، ورغم بساطتها، فهي تتطلب معرفة دقيقة بأماكن تواجد الرمل ومراقبة مستويات المياه، خاصة في مواسم الأمطار حيث يكون الوادي غزير الجريان”.

النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت
الرمل الأبيض مادة ملساء يتم استخراجها من أعماق وادي سردد، تشكَّلت عبر آلاف السنين بفعل التحولات الجيولوجية (ريف اليمن)

يوضح المهندس المدني وخبير مواد البناء “ياسين العديني”: “الرمل الأبيض مادة طبيعية غنية بالسيليكا، تُستخدم في البناء لإنتاج الأسمنت والخرسانة، حيث تعمل على تعزيز الصلابة والمتانة وتزيد من مقاومة الضغط والرطوبة”.

وأضاف العديني لـ “منصة ريف اليمن”: “يُستخدم الرمل في العديد من مجالات العمارة والبناء، حيث يدخل في صناعة البلاط والسيراميك والخزف، ويُعد مادة اقتصادية متوفرة محليًا، مقارنة بمواد البناء المستوردة”.

“كما أنه فريد من نوعه؛ إذ يساعد بشكل كبير على جريان المياه في الوديان، ويكشف عن الطبقات المتحولة بصورة طبيعية، وقد يصبح متاحًا كصفائح صالحة للاستخدام المباشر في البناء، تتراوح ألوان النيس بين الأبيض المائل للرمادي والفاتح، مع خطوط داكنة طبيعية، ما يجعله مادة جمالية، ونتيجة لذلك بدأ الأهالي بالمحافظة في استخدام الرمل الأبيض في المشاريع العمرانية الحديثة مثل واجهات الأبنية والفنادق وغيرها من المباني السكنية”، يضيف العديني.

هوية عمرانية

وؤكد “أحمد النغاشي”، مقاول طرقات، بأنه استخدم الرمل المستخرج من وادي سردد في بناء حواجز الطريق. وأشار إلى أن هذا الاستخدام جعل الرمل جزءًا لا يتجزأ من الهوية العمرانية لطرقات المحويت، ووفّر عليه تكاليف استخدام خرسانة الكسارة الباهظة.

النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت
يُستخدم الرمل في العديد من مجالات العمارة والبناء، حيث يدخل في صناعة البلاط والسيراميك والخزف (ريف اليمن)

وأوضح النغاشي لمنصة ريف اليمن أن معظم سكان المنطقة يعتمدون على الرمل كمصدر دخل لأسرهم خاصة عند كثرة الطلبات في بناء السدود والمدارس والمباني العامة والجسور الصغيرة وبناء الأساسات المتينة للمنازل. معظم السكان الريفيين يخلطونه مع الأسمنت ويستخدمونه في تزيين واجهات البيوت الداخلية والخارجية وفي صناعة الأدراج والأرضيات الصلبة المقاومة للرطوبة وتبليط الأفنية والبلاط الخارجي للمنازل.

مؤخراً بدأ بعض التجار المحليين بنقله إلى المدن مثل صنعاء وذمار، حيث أصبح ثروة حقيقية، لكنهم يفتقرون إلى الدعم ووسائل النقل المناسبة والطرق المعبدة والمعدات البسيطة التي قد تمكنهم من توسيع النشاط، وخلق فرص عمل للشباب، وإذا تم تنظيم الاستخراج بطريقة مستدامة يمكن أن يتحول إلى مادة تصديرية صديقة للبيئة.

كيف جفّ البحر الأحمر قبل أكثر من 6 ملايين سنة؟

كيف جفّ البحر الأحمر قبل أكثر من 6 ملايين سنة؟
نساء يمنيات وقارب في سواحل البحر الأحمر بمدينة الحديدة غربي اليمن

قدّم علماء من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) أدلةً قاطعة على أن البحر الأحمر جفّ تمامًا قبل حوالي 6.2 مليون سنة، قبل أن يمتلئ فجأةً بفيضانٍ كارثيّ من المحيط الهندي. حيث تُحدّد هذه النتائج تاريخًا حاسمًا لحدثٍ دراماتيكيّ غيّر وجه البحر الأحمر.

يتمتع البحر الأحمر بموقع إستراتيجي مهم، حيث يصل بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويربط المحيط الهندي وخليج عدن وبحر العرب بالبحر الأبيض المتوسط، ويفصل بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا.

ويمثل البحر الأحمر أهمية إستراتيجية لليمن في الموقع الجغرافي، حيث تقع أكبر كتلة سكانية في الساحل الغربي اليمني في البحر الأحمر، مما يجعلها ذات أهمية إستراتيجية كبيرة في المنطقة، وتمتلك عدة موانئ مهمة مطلة على البحر الأحمر، مثل ميناء الحديدة وميناء المخا، بالإضافة إلى مضيق باب المندب.


     مواضيع مقترحة

أحداث بيئية متطرفة

وباستخدام التصوير الزلزالي، وأدلة الأحافير الدقيقة، وتقنيات التأريخ الجيوكيميائي، أظهر باحثو جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية أن تغيرًا هائلًا حدث خلال حوالي 100,000 عام، وتمثل غمضة عين لحدث جيولوجي كبيرحيث تحول البحر الأحمر من اتصال بالبحر الأبيض المتوسط ​​إلى حوض فارغ مليء بالملح. ثم اندفع فيضان هائل عبر الحواجز البركانية ليفتح مضيق باب المندب، ويعيد ربط البحر الأحمر بمحيطات العالم، وفق مجلة «Communications Earth & Environment».

وقالت الدكتورة تيهانا بينسا، الباحثة الرئيسية في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية: “تُظهر نتائجنا أن حوض البحر الأحمر شهد أحد أكثر الأحداث البيئية تطرفًا على وجه الأرض، عندما جف تمامًا ثم أُعيد غمره فجأةً قبل حوالي 6.2 مليون سنة”. وأضافت: “أدى هذا الفيضان إلى تغيير الحوض، وأعاد إحياء الظروف البحرية، وأنشأ صلة دائمة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي”.

ويقع البحر الأحمر بين الجزيرة العربية شرقا وأفريقيا غربا، وهو عبارة عن أخدود مائي متطاول ضيق، يمتد بانحناء نحو الغرب من خليج عدن جنوبا إلى جزيرة سيناء شمالا، ومن هناك يتفرع عنه خليجان، هما: خليج العقبة شرقا وخليج السويس غربا، وتفصل بينهما شبه جزيرة سيناء.

كما يطل البحر الأحمر على 8 دول هي: اليمن والسعودية من جهة الشرق، والأردن وفلسطين المحتلة وشبه جزيرة سيناء المصرية من الشمال، ومصر والسودان وإريتريا، وجيبوتي من الغرب.

بالنسبة لليمن يُشكِّل البحر الأحمر أهمية كبيرة، إذ يُعتبر شريطًا ساحليًا حيويًا يمتد عبر محافظتي تعز والحديدة، موفِّرًا موقعًا مركزيًا لأهم الموانئ اليمنية، و يضمّ العديد من الجزر المهمة أبرزها جزيرة كمران بالإضافة إلى أن هناك ثمان دول مشاطئة للبحر الأحمر مما يعزِّز دوره المحوري في التجارة والملاحة الدولية.

ويعد البحر الأحمر، من أهم طرق الملاحة البحرية الدولية في العالم، ويتمتع بأهمية اقتصادية وعسكرية وأمنية، وتحول مؤخراً لموضع صراع ومحل تنافس إقليمي ودولي ومركزا لاحتشاد القواعد العسكرية الأجنبية.

كيف جفّ البحر الأحمر قبل أكثر من 6 ملايين سنة؟
مقاطع رقيقة من طبقات الحجر الجيري في البحر الأحمر  Communications Earth & Environment (2025). )

كيف غمر المحيط الهندي البحر الأحمر؟

كان البحر الأحمر في البداية متصلاً بالبحر الأبيض المتوسط ​​من الشمال عبر حاجز ضحل. انقطع هذا الاتصال، مما أدى إلى جفاف البحر الأحمر وتحويله إلى صحراء مالحة قاحلة. في جنوب البحر الأحمر، بالقرب من جزر حنيش، فصلت سلسلة بركانية البحر عن المحيط الهندي.

ولكن قبل حوالي 6.2 مليون سنة، اندفعت مياه البحر من المحيط الهندي عبر هذا الحاجز في فيضان كارثي. حفر السيل وادياً تحت الماء بطول 320 كيلومترًا، لا يزال ظاهرًا حتى اليوم في قاع البحر. ثم أعاد الفيضان ملء الحوض بسرعة، فأغرق المسطحات الملحية ، وأعاد الظروف البحرية الطبيعية في أقل من 100 ألف عام. حدث هذا الحدث قبل حوالي مليون سنة من إعادة ملء البحر الأبيض المتوسط ​​بفيضان زانكلين الشهير، مما منح البحر الأحمر قصة فريدة من نوعها عن نهضته.

لماذا البحر الأحمر مهم من الناحية الجيولوجية؟

تشكل البحر الأحمر نتيجة انفصال الصفيحة العربية عن الصفيحة الأفريقية قبل 30 مليون سنة. في البداية، كان البحر واديًا ضيقًا مليئًا بالبحيرات، ثم أصبح خليجًا أوسع عندما غمرته مياه البحر الأبيض المتوسط ​​قبل 23 مليون سنة. ازدهرت الحياة البحرية في البداية، كما يتضح من الشعاب المرجانية الأحفورية على طول الساحل الشمالي بالقرب من ضباء وأملج.

إلا أن التبخر وضعف دوران مياه البحر أديا إلى زيادة الملوحة، مما تسبب في انقراض الحياة البحرية قبل 15 إلى 6 ملايين سنة. إضافةً إلى ذلك، امتلأ الحوض بطبقات من الملح والجبس، مما أدى إلى جفاف البحر الأحمر تمامًا. وأعاد الفيضان الكارثي من المحيط الهندي الحياة البحرية إلى البحر الأحمر، والتي لا تزال قائمة في الشعاب المرجانية حتى يومنا هذا.

يُعدّ البحر الأحمر مختبرًا طبيعيًا لفهم كيفية نشأة المحيطات، وتراكم الصخور الملحية العملاقة، وكيفية تفاعل المناخ والقوى التكتونية على مدى ملايين السنين. يُبرز هذا الاكتشاف مدى ارتباط تاريخ البحر الأحمر بالتغيرات المحيطية العالمية. كما يُظهر أن المنطقة شهدت سابقًا ظروفًا بيئية قاسية، لكنها عادت كنظام بيئي بحري مزدهر.

كيف جفّ البحر الأحمر قبل أكثر من 6 ملايين سنة؟
طبقات البحر الأحمر المعممة تُظهر عمر الوحدات الطبقية لما بعد الصدع ( Communications Earth & Environment (2025).)

يحتضن البحر الأحمر حياة بيولوجية مزدهرة، فهو موطن لأكثر من ألف نوع من اللافقاريات و350 نوع من الشعاب المرجانية، وحوالي 1200 نوع من الأسماك، وتقدر نسبة الأسماك المستوطنة في البحر الأحمر، والتي لا توجد في غيره من البحار بنحو 14.7%.

وتعتبر الشعاب المرجانية في البحر الأحمر من أطول الشعاب المرجانية الحية المستمرة في العالم، وتمتد حوالي ألفي كيلومتر حول الساحل، وتتميز بقدرتها العالية على التكيف، ويبلغ عمرها ما بين 5 آلاف إلى 7 آلاف عام. وإلى جانب ذلك، يتوافر البحر على الأعشاب البحرية وأشجار المانغروف.

سد العدوف بتعز.. هل يتحول شريان الحياة إلى كارثة؟

سد العدوف بتعز.. هل يتحول شريان الحياة إلى كارثة؟

يمثل سد العدوف في مديرية الشمايتين بمحافظة تعز شريان حياة، حيث يوفر المياه لمئات الأسر الريفية، لكنه تحول اليوم إلى مصدر رعب حقيقي، إذ يواجه خطر الانهيار، مما ينذر بكارثة إنسانية تهدد حياة وممتلكات السكان.

يستحضر أهالي القرى الريفية المحيطة بالسد إلى الأذهان مأساة انهيار سد مأرب القديم رغم أن السد لا تتجاوز سعته التخزينية 70 ألف متر مكعب، إلا أن موقعه الجغرافي يعني أن انهياره من شأنه أن يتسبب بكارثة إنسانية.

ويزداد قلق السكان وسط حالة من الضبابية والتجاهل من قبل الجهات المعنية، وحالة من التضارب في تصريحات المسؤولين حول حالة السد والإجراءات المتخذة للتدخل، مما يُضاعف حالة الخوف، ويؤكد أن الإجراءات الوقائية لا ترتقي إلى مستوى الخطر الداهم.


       مواضيع مقترحة

علامات الخطر

مؤخراً، ظهرت على السد علامات واضحة تؤكد وجود خطر حقيقي يهدد بنيته، ووفقًا لسكان محليين، تتضمن أبرز هذه العلامات التشققات الواضحة وتسرب المياه من جسم السد، مشيرين إلى أن التشققات والتسربات تنذر بكارثة، وأن بيانات المسؤولين لا تتوافق مع الواقع الملموس على الأرض.

ويؤكد المهندس طه القدسي لـ “منصة ريف اليمن” أن هذه التشققات تنذر بـ”قنبلة موقوتة” تهدد بجرف الأراضي والممتلكات، موضحا أن الوضع يستدعي تدخلاً عاجلاً لتقييم الأضرار، واتخاذ المعالجات الهندسية اللازمة فوراً، حفاظاً على المخزون المائي الاستراتيجي وسلامة الأهالي الذين يقطنون أسفل السد.

في رد على المخاوف المتصاعدة، قدّم المسؤولون المحليون تفسيرات متباينة للأضرار التي لحقت بسد العدوف، مؤكدين في الوقت ذاته أن الخطر ليس وشيكًا، لكنه يتطلب تدخلاً سريعاً.

تشققات واضحة وتسرب للمياه من جسم سد العدوف جنوبي تعز

مدير إدارة الري في الشمايتين بالمحافظة “أحمد المليكي”، أوضح  أن التشققات الحالية ناتجة عن بناء السد على فترتين زمنيتين دون ترابط كافٍ بينهما. ورغم تشديده على أن السد بُني وفق المعايير العالمية، فقد أكد المليكي لـ “منصة ريف اليمن” أن الأضرار ليست وشيكة، لكنها تستوجب تدخلاً سريعاً لإجراء الصيانة والترميم اللازمين.

من جانبه، أكد “سلطان علوان”، مدير مكتب الزراعة والبيئة في الشمايتين، على جهود المكتب والسلطة المحلية لترميم السد، مشيراً إلى أنه بناءً على تقرير المهندسين، لا توجد خطورة وشيكة على السد، لكنه شدد على ضرورة إجراء صيانة عاجلة.

تشمل الإجراءات العاجلة -وفق علوان- عدة خطوات رئيسية هي: إصلاح التسربات في جسم السد، وتنظيف بحيرة السد من الرواسب المتراكمة، وعمل حواجز ترسيبية أعلى البحيرة للحد من دخول الطميري، وإزالة الأشجار والشجيرات المحيطة بجسم السد، بالإضافة إلى تحفيز الأهالي للمساهمة في أعمال الصيانة والدعم.

وفي السياق ذاته، أيّد “محمد سلطان”، مدير مكتب الأشغال في الشمايتين، الرأي الرسمي، مؤكداً أن تقرير اللجنة التي عاينت السد ينفي وجود خطر انهيار وشيك، إلا أنه أقرّ بحاجته الماسة إلى أعمال صيانة وإصلاح فورية.

شريان حياة السكان

شُيّد سد العدُوف في عام 1996 ليصبح مصدرًا أساسيًا للمياه، ويستفيد منه آلاف السكان في العديد من القرى، بالإضافة إلى المزارعين، ويمتد تأثيره على طول وادي الأشروح وقدس وصولًا إلى وادي الضباب.

“محمد مقبل”، أحد المستفيدين، أكد أن السد يُعد بالفعل شريان الحياة لسكان المنطقة، ويستفيد الأهالي منه بشكل مباشر في تغذية الآبار والعيون الجوفية، وري الأراضي الزراعية، وتوفير مياه الشرب. وأضاف لـ “منصة ريف اليمن”: “قلق الأهالي يتزايد يومًا بعد يوم، فالسكان يخشون من أن يتحول مصدر حياتهم إلى كارثة إنسانية تودي بممتلكاتهم وحياتهم في أي لحظة”.

كما أن أي ضرر يصيب السد سيجعلهم يعانون من تحديات كبيرة في الحصول على المياه، خاصة وأن اليمن يعاني من شح الموارد المائية، وتتفاقم الأزمة بسبب تفاوت هطول الأمطار السنوية وتتابع أزمات الجفاف، التي أدت بدورها إلى انخفاض المحاصيل الزراعية بشكل ملحوظ، وزادت من حدة شح المياه في الكثير من المناطق. ويُذكر أن 27% من السكان في اليمن يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى المياه الآمنة، وفقًا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM).

مطالب عاجلة

على النقيض من التصريحات الحكومية المطمئنة، دقت رئيسة مؤسسة فلوريش للتنمية، أمة الله، ناقوس الخطر، محذرة من أن انهيار السد لا يمثل كارثة إنسانية فحسب، بل يهدد المنطقة بأكملها بيئياً واقتصادياً، خاصة في ظل الأزمات المائية المتلاحقة التي تعاني منها تعز.

وأضافت أمة الله، يبقى التساؤل الأهم: ما الذي يحتاجه سد العدُوف في الوقت الحالي حتى لا تقع الكارثة؟ تتفق جميع الآراء -سواء من المهندسين أو السكان- على ضرورة التدخل السريع والفعال.

في ظل غياب أي تدخل فعلي من المنظمات، أطلقت أمة لله، مناشدات عاجلة مطالبةً المنظمات الدولية والمحلية بالتدخل الفوري لترميم السد قبل أن تتفاقم التصدعات ويصبح من المستحيل تدارك الكارثة.

شُيّد سد العدُوف عام 1996 ويستفيد منه آلاف السكان في العديد من القرى، بالإضافة إلى المزارعين

في السياق ذاته، يطالب المهندس طه القدسي بتشكيل فرق هندسية فورية لتقييم وضع السد وتقديم حلول طارئة، وتخصيص ميزانية عاجلة لترميمه وتأمينه، مؤكداً على ضرورة إجراء صيانة عاجلة تشمل إصلاح التسريبات.

يأتي هذا الخطر على خلفية أزمة مائية أوسع في اليمن؛ إذ تشير تقارير دولية ومحلية إلى أن نحو 70% من سكان الريف يفتقرون إلى المياه المأمونة. وتُعد أزمة شح المياه من أبرز التحديات الاستراتيجية طويلة الأمد في اليمن، نتيجة للاستنزاف المستمر للمياه الجوفية.

وبين التحذيرات والتطمينات، يبقى مصير سد العدوف معلقاً بين الوعود الحكومية والحاجة الملحة للعمل، فهل ستتحرك الجهات المعنية لإنقاذ هذا الشريان الحيوي، أم ستتركه يواجه مصيراً مجهولاً قد يكرر مأساة سد مأرب القديم؟

طرق العناية بالحيوانات في أواخر الحمل

ماعز من سلالة "ثمود" اليمنية

تعد مرحلة الحمل لدى الحيوانات من أكثر الفترات حساسية وأهمية، خصوصاً في الثلث الأخير، الذي يمثل نقطة تحول حرجة في عملية الإنتاج الحيواني.

خلال هذه الفترة، ينمو الجنين بسرعة ليشكل حوالي 70–80% من وزنه النهائي، ما يزيد الضغط على أعضاء الجسم الداخلية، وخاصة على البطن، ويقلل من قدرة الحيوان على تناول الطعام.

في هذه المرحلة تركز الرعاية على تلبية الاحتياجات الغذائية المتزايدة، مع تقليل مصادر الإجهاد والضغط، لضمان صحة الأم وسلامة الجنين، والوصول بها إلى الولادة في أفضل حالة ممكنة، وهو ما سنتطرق إليه في هذا الدليل الإرشادي.


    مواد ذات صلة


نصائح للعناية بالحيوانات في أواخر الحمل

التغذية

زيادة عدد مرات تقديم الأعلاف عن طريق تقسيم الطعام إلى 3–4 وجبات يوميًا بدلاً من وجبة أووجبتين فقط، مما يسهل الهضم ويقلل الضغط على المعدة التي تقل سعتها في هذه المرحلة.

  • جودة الأعلاف:
    تقديم أعلاف عالية القيمة الغذائية، تحتوي على:
    – البروتينات اللازمة لنمو الجنين.
    – الطاقة الكافية لدعم النشاط الحيوي للأم.
    – المعادن (كالكالسيوم والفوسفور) الضرورية لتقوية العظام والأسنان.
    – الفيتامينات (A، D، E) لدعم الجهاز المناعي وصحة الجنين.
  • إدخال الأعلاف الجديدة تدريجياً:
    – تجنب التغيير المفاجئ في العلف لتجنب اضطرابات الهضم.
    – يمكن مزج العلف الجديد مع القديم تدريجياً على مدار 7–10 أيام.

الماء

توفير مياه نظيفة وعذبة بشكل دائم أمام الحيوان (الكمية تختلف حسب نوع الحيوان).

  1. الأبقار: 30–60 لتر يومياً.
  2. الأغنام والماعز: 5–10 لترات يومياً.
    تنبيه: احرص على تنظيف أوعية الماء يومياً لتجنب تلوثها وانتشار الأمراض.

الراحة وتقليل الإجهاد

الحفاظ على راحة الحيوان الحامل من خلال:

  • توفير مساحة كافية داخل الحظيرة لتجنب الزحام (خصوصاً وقت الدخول والخروج من الحظيرة).
  • تقليل الحركة الطويلة أو المشي لمسافات بعيدة في المرعى، خصوصاً مع الحمل الثقيل.
  • تجنب الأصوات العالية أو المواقف المفاجئة التي تسبب التوتر.
  • تجنب إجهاد الحيوان في المرعى، خاصة إذا كان بعيداً عن المسكن.
ينصح بمتابعة الحيوان خلال الولادة دون تدخل مفرط إلا عند وجود مشكلة واضحة.

الصحة والحماية

  1. مراقبة علامات التعب أو الأمراض، مثل فقدان الشهية، التهيج، أو القيء.
  2. منع إصابة الحيوان من خلال:
    – تجنب الضرب أو التعامل العنيف من الراعي.
    – فصل الحيوانات العدوانية أو الأكبر حجماً عن الحوامل لمنع النطح أو العض.
  3. التحضير للولادة بمكان هادئ ونظيف مع مواد نظيفة للحيوان الجديد.

العناية بالحيوانات في الثلث الأخير من الحمل هي مفتاح لنجاح الولادة وسلامة الأم والجنين، واتباع التغذية السليمة، توفير الماء والراحة، ومراقبة الصحة بشكل يومي، يقلل المخاطر ويضمن ولادة صحية.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام