بالشراكة مع “منصة ريف اليمن”، دشنت “سينما الأربعاء”، بمحافظة تعز، شهر أفلام “الحياة الريفية” بعرض فيلم “الأرض” للمخرج المصري العالمي يوسف شاهين، أحد أبرز رواد السينما العربية، وذلك في إطار مشروع “سينما الأربعاء” الذي تُقيمه مؤسسة أرنيادا وبيت الصحافة.
وخصص شهر أكتوبر الحالي لأفلام الحياة الريفية تزامنا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية/ وبهدف إبراز قضايا الريف اليمني ومعاناة سكانه عبر الفن السابع، وربطه مع الإنتاج الصحفي بالشراكة مع منصة ريف اليمن.
العرض الأول كان لفيلم “The Land” وهو فيلم مصري أُنتج في نهاية عام 1969، وعرض في عام 1970. يُعد من روائع السينما المصرية، وصُنف كثاني أفضل فيلم ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية. مأخوذ عن رواية الأديب عبد الرحمن الشرقاوي، ويتناول قصة قرية مصرية حُرمت من حصتها في مياه الري، وكيف واجه الفلاحون هذه القرارات الجائرة التي تهدد حياتهم ووجودهم.
أثناء عرض فيلم “الأرض” للمخرج المصري العالمي يوسف شاهين في سينما الأربعاء
يمثل هذا العرض بداية سلسلة عروض تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في الحياة الريفية وربطها بواقع الأرياف اليمنية، وتؤكد “سينما الأربعاء” و” منصة ريف اليمن” حرصهما على استخدام السينما كأداة توعوية وثقافية تقرب المضمون السينمائي من الجمهور المحلي.
تُعد ساقية جبلة في محافظة إب وسط اليمن، إنجازاً هندسياً ومعلماً تاريخياً شيدته الملكة أروى بنت أحمد الصليحي قبل أكثر من تسعة قرون، وشاهداً على حنكة المرأة اليمنية حتى وقتنا الحاضر، فهي تمتد قرابة ستة كيلومترات، بدءاً من جبل التعكّر وصولاً إلى قصر الملكة أروى والجامع الكبير في مدينة جبلة.
شيدت الساقية بأسلوب هندسي بديع من حيث نحت الصخور في المنحدرات الجبلية الصعبة؛ لضمان انسياب الماء بقوة دفع مثالية عبر مسارها الطويل والمتعرج، بما في ذلك جريانها بشكل لولبي في بعض الأجزاء، وكان الهدف الأساسي لهذا المشروع العملاق هو إيصال مياه الشرب النقية إلى كل منازل مدينة جِبلة، وذلك خلال فترة حكم الملكة أروى للدولة الصليحية (1085 – 1138 ميلادية).
مشروع هندسي تراثي
يوضح الدليل في الجامع الكبير ومتحف الملكة أروى، “هشام الجشاعي”، أن تشييد الملكة أروى للكثير من الساقيات ومنها ساقية جبلة، تبقى شاهدة على هدفها المتمثل بتأسيس دولة قوية، إذ يُعد الماء أحد أهم ركائز بناء الدول واستقرارها.
يقول الجشاعي لـ “منصة ريف اليمن” إن “ساقية جبلة مشروع هندسي تقني وتراثي تاريخي مرموق وكأنها منظومة تقنية ري حديثة، تظل شاهدة على إبداع الدولة الصليحية، وإنجازات الملكة أروى”، ولا تزال الساقية قائمة حتى يومنا هذا رغم تعرضها للخراب والإهمال.
ويضيف: “ساقية جبلة التي تم تشييدها من الأحجار والقضاض، الممتدة من على قمم الجبال المرتفعة وفي بطون الأودية وعلى المنحدرات المتعرجة ووسط الصخور، تمثل وجهة سياحية قائمة بذاتها لمحبي الثقافة والتراث والريف اليمني الأصيل”.
وتابع: لكن مع الإهمال المتعمد من قبل الدولة وعوامل التعرية تتعرض الساقية بين الفينة والأخرى للانهيارات الجزئية، ورغم أن الساقية لديها مخصص مالي ضمن نفقة أوقاف الملكة أروى التي خصصت جزءاً منه لترميم الساقية، إلا أن هناك مبادرات مجتمعية وفردية تقوم بعملية الترميم”.
كانت مدينة جبلة بلدة عامرة أسسها الأمير عبد الله محمد الصليحي عام (458هـ) (1066م) وتُعرف باسم مدينة النهرين لتوسطها نهرين كبيرين دائمي الجريان على مدار العام، وما تزال من أجمل المدن اليمنية طبيعةً، وأطيبها هواءً، وأعذبها ماءً، وازدهرت بعد اتخاذها عاصمة للدولة الصليحية، بحسب كتاب معجم بلدان اليمن وقبائلها للحجري.
تجدر الإشارة إلى أن الملكة أروى بنت أحمد الصليحي تعد من النساء القلائل اللاتي بلغن منصباً رفيعاً وقيادياً في العصر الإسلامي، حيث جمعت بين القيادة الدينية والسياسية، مما جعل منها الشخصية الأكثر دبلوماسية وحضوراً في عهد المملكة الصليحية التي اتخذت من مدينة جبلة التاريخية عاصمة لها، كما لقبت ببلقيس الصغرى نظراً لرجاحة عقلها وذكائها، وفقا لما ورد في كتاب موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي.
الساقية دلالة تاريخية
تعتبر ساقية الملكة أروى دلالة تاريخية تمثل شاهدا على عظمة تلك الحقبة من تاريخ اليمن وخاصة الدولة الصليحية؛ إذ إن المشروع الذي يمتد من قرية حديد مرورا بعزلة الاسلاف وصولا إلى مدينة جبلة، يعد واحدا من المشاريع الجريئة التي مثلت معجزة في الهندسة المعمارية، وُعدَّت سابقة في مجال البناء، ومغامرة في إنشاء مثل هكذا مشاريع”.
يقول “إبراهيم البعداني”، مسؤول التوثيق الإعلامي السابق في مكتب هيئة الآثار والمتاحف بمحافظة إب: “شكلت ساقية جبلة تحدياً كبيراً في إتمامها، ومن المستحيل إتمامه، خاصة وأن موقع الساقية يمر بمنحدرات وطبيعة جغرافية برغم ذلك تم العمل عليها بحرفية ودقة متناهية”.
ومن وجهة نظر البعداني فإن “نجاح هذا المشروع كان إضافة أخرى للإنجازات التي حققتها الدولة الصليحية، وبدأت كثير من الدويلات التي تعاقبت معها بإنشاء مشاريع مشابهة”. وضمن حديثه لـ” منصة ريف اليمن” أكد أن “ساقية السيدة أروى تعرضت للإهمال في فترات متعددة فكان الأهالي حينها سباقون في ترميمها، إلا أن الإهمال يطالها بين فترة وأخرى، ومع ذلك لا تزال بحالة جيدة”.
إهمال متعاقب
“محسن الخولاني (78 عاما)” أحد المسنين الذين يقطنون جبلة يشكو كيف كانت “ساقية جبلة” قبل نحو عقدين من الزمان وكيف أصبح حالها اليوم، بعد استبدال شجرة القات بدلا عن زراعة الحبوب والثمار.
في حديثه لـ “منصة ريف اليمن” يقول الخولاني الذي أفنى غالبية عمره في مجال البناء: “لم نكن نتوقع أن مياه هذا المشروع الممتد منذ قرون ستنقطع عن المدينة، وستحرم منه غالبية الأسر، حتى في موسم هطول الأمطار، بسبب شجرة القات”.
أما البعداني فأشار إلى أن الساقية حاليا بحاجة إلى متابعة واهتمام من الجهات المختصة لحمايتها من العبث؛ كونها من المعالم التاريخية التي لا تزال قائمة حتى وقتنا الحالي. مشددًا على أن الدولة ممثلة بالهيئة العامة للآثار والهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية ملزمة بل ومسؤولة عن تعرض الساقية للإهمال أو التخريب، وعلى المجتمع المحلي الحفاظ عليها كونها تمثل واجهة وموروثاً حضارياً لليمن.
يُعد الشّمار(Foeniculum vulgare Miller) نباتاً عطرياً وطبياً ذا قيمة عالية، ويشتهر بتعدد استخداماته في الغذاء والطب والصناعة، ويزداد الاهتمام بزراعته في العديد من المناطق نظراً لفوائده الغذائية والعلاجية وإمكاناته الاقتصادية، ويطلق عليه في بعض المناق بـ”الشُّمر”.
يعرض هذا التقرير الإرشادي على منصة “ريف اليمن” زراعة الشّمار، بما في ذلك متطلبات التربة والمناخ، وطرق التكاثر، وأساليب الري، وفترات الحصاد، والاستخدامات العملية.
الوصف النباتي
الشّمار نبات عشبي معمر ينتمي إلى الفصيلة الخيمية يتميز بما يلي:
سيقان خضراء طويلة ومتفرعة بكثرة.
أوراق رفيعة مقسمة تشبه الريش وتنبعث منها رائحة عطريّة مميزة.
أزهار مرتبة في مجموعات على شكل مظلة (سُرُب).
بذور طويلة وعطرية تستخدم في الطهي والأغراض الطبية.
ينمو الشّمار جيداً في التربة الطينية جيدة التصريف والمخصبة بالمواد العضوية.
يجب تجنب التربة المغمورة بالمياه لأن النبات حساس لتعفن الجذور.
المناخ:
يفضل المناخ المعتدل إلى الدافئ.
يتحمل الحرارة والجفاف الجزئي، لكنه حساس للصقيع.
في المناطق المعتدلة، يفضل الزراعة بعد انتهاء موسم الصقيع.
في المناطق الحارة، يُزرع الشّمارفي الخريف أو الشتاء بعد ذروة الحرارة الصيفية.
التكاثر والزراعة
طريقة التكاثر: يعتمد الشّمار أساساً على البذور في التكاثر.
المسافات:
– بين الصفوف: 40–50 سم
– بين النباتات داخل الصف (بين الحفرة والأخرى – بين الجورة والأخرى)): 20–30 سم
الزراعة:
– زرع البذور في تربة جيدة التحضير وخصبة.
– ضمان تعرض النباتات لأشعة الشمس والمسافات المناسبة لتعزيز النمو الصحي وتوفير تهوية جيدة.
إدارة الري
يحتاج الشّمار إلى ري منتظم، خاصة خلال مرحلة الإنبات والنمو الخضري المبكر.
الحفاظ على رطوبة معتدلة للتربة مع تجنب الركود المائي.
تقليل الري تدريجياً مع نضج النبات، خصوصاً أثناء تكوين البذور.
الحصاد
مرحلة الإزهار: بعد 3–4 أشهر من الزراعة.
نضج البذور: بعد 5–6 أشهر من الزراعة.
نصائح الحصاد:
تُحصد البذور عندما تتحول إلى اللون البني وتصبح عطرية.
يمكن حصاد الأوراق مبكراً لاستخدامها في الطهي أو الأغراض الطبية.
الاستخدامات والفوائد
الشّمار متعدد الاستخدامات ويقدم فوائد عديدة:
الاستخدامات الطبية: – يساعد على تخفيف الغازات والانتفاخ.
– ينشط الطمث، ويزيد إفراز الحليب، ويحفز عملية التبول.
– يخفف آلام الكلى.
– يطرد الديدان المعوية.
الاستخدامات الغذائية والصناعية: – تُستخدم الأوراق في صناعة الحلويات والأطعمة وإضفاء النكهة.
– تُستخدم البذور كتوابل ومنكهات.
– تُستخلص الزيوت العطرية لاستخدامها في العطور ومستحضرات التجميل.
الفوائد الصحية والتغذوية:
– يقوي الجهاز العصبي والهضمي.
– يدعم صحة الفم والأسنان واللثة.
يفضل الشمار المناخ المعتدل إلى الدافئ، ويتحمّل الحرارة والجفاف إلى حدٍّ ما، لكنه لا يتحمّل الصقيع.
توصيات لنجاح الزراعة
اختيار تربة جيدة التصريف وخصبة مخصبة بالسماد العضوي.
الالتزام بالتوقيت المناسب للزراعة حسب المناخ المحلي.
الحفاظ على المسافات الموصى بها بين النباتات لتفادي الأمراض وتعزيز النمو.
توفير الري المنتظم خلال مرحلة النمو المبكرة وتقليله تدريجياً مع نضج البذور.
مراقبة الآفات والأمراض واستخدام أساليب الإدارة المتكاملة عند الحاجة.
حصاد البذور عند اكتمال نضجها للحصول على أعلى محتوى من الزيت العطري.
اتباع تدوير المحاصيل وإدارة التربة للحفاظ على خصوبتها واستدامة الإنتاج.
مما سبق توصلنا إلى أن الشّمار محصولاً ذا قيمة عالية يمكن زراعته في مختلف المناخات، إذا ما توفرت متطلبات التربة والمياه الملائمة، وعند الالتزام بأساليب الزراعة الصحيحة، يمكن للنبات أن ينمو بشكل مثالي، مع تحقيق إنتاجية مرتفعة ومستدامة على المدى الطويل.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
وفقًا لتقرير شبكة "سي إن إن" الأمريكية، فإن تغير المناخ -الناجم عن حرق الوقود الأحفوري- يقلب هذه الدورة رأسًا على عقب، مما يؤدي إلى زيادة حدة التقلبات المائية ونتائجها الكارثية.
حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن دورة المياه العالمية أصبحت غير منتظمة ومتطرفة بشكل متزايد، مع تقلبات حادة بين الجفاف والفيضانات مما ينذر بمشاكل كبيرة تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للكثير من المجتمعات.
ومؤخراً، أدت أزمة المناخ المتفاقمة إلى تخلخل دورة المياه على الأرض، وخلفت أضرارا كبيرةً في مخزون المياه الجوفية على الكوكب مما ينذر بكوارث مستقبلية لا حصر لها، وباتت تلوح في الأفق أكثر فأكثر لا سيما في ظل العبث المناخي من قبل الإنسان.
وتُعد اليمن من أكثر دول العالم تعرضًا لأزمة مائية مزمنة، إذ تقع ضمن حزام جغرافي يعرف بندرة الموارد المائية، وتُسيطر عليه ظروف مناخية قاسية تتراوح بين الجفاف وشبه الجفاف.
تُشير دورة المياه إلى النظام المعقد الذي يتحرك الماء من خلاله حول الأرض، إذ تبدأ العملية بتبخر المياه من المسطحات المائية واليابسة، ليرتفع بخار الماء إلى الغلاف الجوي مُشكلًا تيارات كبيرة قادرة على الانتقال لمسافات طويلة، قبل أن يعود في النهاية إلى الأرض على شكل مطر أو ثلج.
ووفقًا لتقرير شبكة “سي إن إن” الأمريكية، فإن تغير المناخ -الناجم عن حرق الوقود الأحفوري- يقلب هذه الدورة رأسًا على عقب، مما يؤدي إلى زيادة حدة التقلبات المائية ونتائجها الكارثية.
بحسب تقرير حالة موارد المياه العالمية الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن ما يقرب من ثلثي أحواض الأنهار العالمية لم تشهد “ظروفاً طبيعية” في العام الماضي، حيث عانت من فرط المياه أو قلة المياه، وهو تحليل سنوي للمياه العذبة العالمية، بما في ذلك الجداول والأنهار والبحيرات والخزانات والمياه الجوفية والثلوج والجليد.
ونتيجة لذلك عانت مناطق عديدة من شحّ المياه في عام 2024 وهو العام الأكثر حرارةً على الإطلاق على كوكب الأرض، وانخفضت منسوب مياه أنهار الأمازون إلى مستويات غير مسبوقة، كما تعرضت أجزاء من جنوب أفريقيا لجفافٍ دفع الحكومات المتطرفة إلى إعلان إعدام مئات الحيوانات ، بما في ذلك الأفيال، وذبلتِ المحاصيل في مناطق بالولايات المتحدة مثل تكساس وأوكلاهوما وكنساس.
شح الموارد المائية
تعاني اليمن من شح الموارد المائية، لا سيما في ظل تفاوت هطول الأمطار السنوية، وتتابُع أزمات الجفاف التي بدورها أدت إلى انخفاض المحاصيل الزراعية بشكل ملحوظ، وتفاقمت أزمة شحة المياه في الكثير من المناطق .
وتشير تقارير دولية ومحلية إلى أن نحو 70% من سكان الريف في اليمن يفتقرون إلى المياه المأمونة، وتُعد أزمة شح المياه من أبرز التحديات الاستراتيجية طويلة الأمد في اليمن، نتيجة للاستنزاف المستمر للمياه الجوفية.
ووفقاً لتقرير شبكة “سي إن إن” فإن درجات الحرارة المرتفعة أثرت أيضًا على جودة المياه في كل بحيرة تقريبًا من البحيرات الرئيسية الـ75 في العالم.
تشير دراسة حديثة لمركز صنعاء للدراسات أن ندرة المياه هي المشكلة البيئية الأكثر وضوحًا وتهديدًا في اليمن، إذ تفتقر البلاد إلى الأنهار دائمة الجريان، مع وجود تفاوت كبير في مستوى هطول الأمطار من منطقة إلى أخرى.
وبحسب الدراسة فإن المصدرين الرئيسيين للحصول على المياه لتلبية الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية في اليمن يتمثلان في استخراج المياه من الآبار الجوفية، وحصاد وتجميع مياه الأمطار بالاعتماد على الطرق والممارسات التقليدية.
ووفقًا للمنظمة الدولية للهجرة في اليمن (IOM)، يفتقر 27% من السكان إلى إمكانية الوصول إلى المياه الآمنة. وفي مثال ملموس، دمرت الفيضانات الموسمية في وادي تريم بحضرموت الأراضي الزراعية وأنظمة الري، مما أدى إلى خسائر زراعية جسيمة وتفاقم انعدام الأمن الغذائي
يتعرض نحو 50% من سكان اليمن لخطر مناخي كبير واحد على الأقل – مثل الارتفاع الشديد في درجة الحرارة أو موجات الجفاف أو الفيضانات. وتؤثر هذه الأخطار على المجتمعات المحلية المهمشة بصورة أكبر من غيرهم، مما يزيد من انعدام الأمن الغذائي واتساع دائرة الفقر وفق مجموعة البنك الدولي.
فيضانات متعددة
على الرغم من الحرارة والجفاف “لوحظت فيضانات متعددة، وحتى فيضانات أكثر من السنوات الأخرى”، كما قال ستيفان أولينبروك، أحد المؤلفين الرئيسيين للتقرير ومدير علم المياه والمحيط الجليدي في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
وشهدت أوروبا أسوأ فيضانات منذ عام 2013، كما جلب الإعصار هيلين فيضانات كارثية إلى أجزاء من الولايات المتحدة، مما أسفر عن مقتل 230 شخصًا على الأقل ، كما أدت الفيضانات الواسعة في غرب ووسط أفريقيا إلى وفاة نحو 1500 شخص.
كما شهدت الأنهار الجليدية خسائر واسعة النطاق للعام الثالث على التوالي، إذ فقدت 450 جيجا طن من الجليد – أي ما يعادل كتلة جليدية طولها 4.3 ميل وعرضها 4.3 ميل وعمقها 4.3 ميل، أي ما يكفي من الماء لملء 180 مليون حمام سباحة أولمبي. وخلص التقرير إلى أن الدول الاسكندنافية وأرخبيل سفالبارد في القطب الشمالي وشمال آسيا شهدت جميعها ذوبانًا جليديًا قياسيًا.
عواقب وخيمة
يحذر الخبراء من أن ذوبان الأنهار الجليدية ينذر بعواقب وخيمة تتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر وخطر الفيضانات، ويهدد البلدان التي تعتمد على الأنهار الجليدية لتوليد الطاقة والري ومياه الشرب.
من الصعب تحديد التكلفة الاقتصادية الإجمالية لدورة المياه المضطربة بشكل متزايد، لكن فيضانات العام الماضي تسببت في أضرار بالمليارات، وفقًا لأولينبروك.
وأضاف أن تغير توافر موارد المياه وإمكانية الوصول إليها قد “يؤجج التوترات والصراعات “.
من جانبها قالت سيليست ساولو، الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في بيان: “الماء هو أساس مجتمعاتنا، ومحرك اقتصاداتنا، ومُرسِّخ أنظمتنا البيئية.
وأضافت: “لكن مع ذلك، تتعرض موارد المياه في العالم لضغط متزايد، وفي الوقت نفسه، تُؤثِّر المخاطر المائية الشديدة بشكل متزايد على حياة البشر وسبل عيشهم بمختلف دول العالم”.
تُعد اليمن من البلدان الجافة وشبه الجافة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة المطرية، الأمر الذي دفع النحالين اليمنيين إلى ابتكار نظام “النحالة المُترحلة” كوسيلة للتكيف مع هذه الظروف، حيث يتيح هذا النظام التقليدي الحفاظ على قوة الطوائف والاستفادة من المراعي الموسمية لإنتاج العسل ومشتقاته مثل الشمع وحبوب اللقاح.
تستعرض منصة ريف اليمن في هذا التقرير الإرشادي أهم الإجراءات المتبعة أثناء ترحيل النحل لضمان بقاء الطوائف سليمة وتحقيق إنتاجية جيدة، وذلك بناءً على ما ذكره المهندس الزراعي محمد الحزمي.
إجراءات نقل النحل إلى المراعي
أولاً: اختيار الموقع الجديد
المعاينة الميدانية: زيارة الموقع شخصياً والتأكد من ملاءمته، بحيث يكون محمياً من الرياح، مشمساً شتاءً، ومعتدل الظل صيفاً.
المراعي الرعوية: التأكد من توفر مصادر غنية ومتنوعة من النباتات المزهرة (مثل السدر، السمر، الطلح، والأعشاب البرية) ضمن نطاق طيران النحل (3–5 كم).
المياه: ضمان وجود مصدر ماء نظيف قريب أو تجهيز المشارب المناسبة.
البُعد عن الملوثات: اختيار موقع بعيد عن الطرق المزدحمة والمزارع المعرضة للرش بالمبيدات.
المنافسة: تجنب الاكتظاظ بمناحل أخرى في نفس المنطقة لتفادي ضعف المرعى والصراعات بين النحالين.
الأعداء الطبيعية: فحص انتشار طائر الوروار، الدبابير، النمل، أو غيرها من المفترسات واتخاذ التدابير الوقائية.
ثالثاً: تجهيز الخلايا للنقل
الفحص الأخير: التأكد من قوة الملكة وصحة الحضنة وتوفر مخزون كافٍ من الغذاء والعسل.
تثبيت الإطارات والأغطية:
– في الخلايا الحديثة (لانجستروث أو الحضرمي المعدل): تثبيت الإطار الأخير والذي قبله بالمسامير (الصغيرة) أو السلك المجلفن، وربط الغطاء بالجسم الأساسي بلاصق كرتوني قوي. – في الخلايا البلدية (التقليدية): فحص متانة الخلية، إزالة أقراص العسل الزائدة (حتى لا تتعرض للهدم أثناء النقل)، ورص الخلايا بإحكام (دون فراغات) لتقليل الاهتزاز أثناء النقل. يجب على النحال الحرص على تجنب وضع الخلايا التالفة في مكان شد الحبل
رابعاً: تجهيزات النقل والسلامة
وسيلة النقل: استخدام مركبة مناسبة (شاحنة بسطح مستوٍ، مفتوحة أو مغلقة) مع أحزمة أو أسلاك لتثبيت الخلايا.
التهوية: تركيب شبكات تهوية خاصة عند النقل لمسافات طويلة لتفادي اختناق النحل.
مستلزمات الطوارئ: تجهيز أدوات أساسية مثل الدخان، القفازات، أدوات الفحص، وزجاجة رذاذ ماء للتبريد.
المواد المساندة: تحضير خليط القطران (الشوب) (¼ لتر قطران لكل لتر ماء) لاستخدامه عند الحاجة للتثبيت أو الطرد.
خامساً: أثناء النقل
توقيت النقل: يُفضل أن يتم النقل ليلاً أو في ساعات الفجر الباكر، حيث تكون الطوائف هادئة وجميع النحل داخل الخلية، كما تساعد درجات الحرارة المنخفضة على تقليل الإجهاد الحراري.
الغذايات: تثبيت أو إزالة الغذايات الداخلية والخارجية لتفادي تسربها أثناء الحركة.
التحميل والتفريغ:
– التعامل مع الخلايا بهدوء وتجنب الهزات العنيفة أو قلبها.
– رصّ الخلايا بشكل متلاصق على سطح مستوٍ لتقليل الاهتزاز أثناء الرحلة.
الظروف الطارئة (توقف أو مبيت داخل السيارة):
– التهوية: ضمان تيار هواء كافٍ داخل السيارة باستخدام شبكات تهوية مناسبة. – الحماية من الحرارة: وضع الخلايا في مكان مظلل وتغطيتها بكرتون أو أقمشة فاتحة اللون تعكس أشعة الشمس، مع الحفاظ على التهوية. – التبريد: رش فتحات التهوية برذاذ ماء خفيف لتقليل درجة الحرارة ومنع الجفاف. – التغذية الطارئة: في حال تأخر التفريغ، يُزوّد النحل بماء وسكر عبر مشارب مؤقتة. ملاحظة: الخلايا الحديثة تكون مجهزة للنزول إلى الأرض.
سادساً: عند الوصول إلى المرعى الجديد
إنزال الخلايا وترتيبها: – تثبيت الخلايا في المكان المختار بعناية، مع ترك مسافات مناسبة لتسهيل حركة النحال ومتابعة الطوائف.
– توجيه فتحات الطيران (السروح) عكس اتجاه الرياح لتسهيل حركة النحل والحفاظ على توازن حرارة الخلية.
– فك الأشرطة وفتح فتحات الطيران بعد استقرار الخلايا، ويفضل أن يتم ذلك في المساء أو الليل لتهدئة النحل ومنع طيرانه العشوائي.
مصادر الماء: تجهيز مشارب نظيفة ورفعها مسافة 1–1.5 متر عن الأرض لحمايتها من تلوث الحيوانات (مثل تبول الكلاب) وضمان بقاء المياه صالحة.
الحماية من الآفات والأعداء: فحص الموقع مرة أخرى عقب الوصول للتأكد من خلوّه من النمل والحشرات الضارة.
التنسيق مع النحالين الآخرين: الاتفاق مع المناحل المجاورة على تحديد مناطق الرعي وأوقات الفحص لتجنب التداخل والمشاكل.
المراقبة اللاحقة: متابعة الطوائف بعد يوم أو يومين للتأكد من استقرارها وبدء نشاطها الطبيعي في جمع الرحيق وحبوب الطلع.
عند نقل النحل يجب تجهيز مستلزمات التربية بشكل كامل مثل الماء، المشارب، والسكر
نصائح:
اختيار أوقات مناسبة للترحيل (ليلاً أو فجراً) لتقليل فقدان النحل (اضافة الى ما سبق ذكره).
التحقق من قوة الطوائف قبل النقل، حيث إن الطوائف الضعيفة لا تتحمل الترحال.
تسجيل بيانات المرعى (التاريخ، نوع الأزهار، قوة الطوائف) كمرجع للتقييم المستقبلي.
الاستفادة من الأدوات الوقائية مثل الأقنعة والدخان لتقليل توتر النحل.
مما ذكرناه سابقاً نجد أن النحالة المترحلة في اليمن ليست مجرد وسيلة لنقل الخلايا بين المراعي، بل منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط الدقيق والتنفيذ السليم بهدف تحقيق التوازن بين استغلال الموارد الطبيعية والحفاظ على صحة الطوائف، حيث يضمن الالتزام الصحيح بأساليب نقل النحل للنحال استقرار الطوائف وزيادة إنتاجية العسل ومشتقاته، ويسهم في استدامة هذه المهنة العريقة وتعزيز مكانة العسل اليمني كواحد من أجود أنواع العسل في العالم.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
في ظاهرة مقلقة تهدد التنوع الحيوي، وتعرض البيئة المحلية لاختلال خطير، تشهد مديرية كعيدنة بمحافظة حجة عمليات صيد جائر للطيور البرية بشكل شبه يومي، حيث تحولت هذه الممارسة إلى نشاط واسع النطاق يمارسه العشرات من شباب المنطقة.
لم يعد الأمر مجرد هواية فردية كما كان في السابق، بل أصبح سلوكا جماعيا يتنامى بصورة غير مسبوقة، مدفوعا بغياب الوعي البيئي من جهة، وانعدام الرقابة والإجراءات الرادعة من جهة أخرى، ما ينذر بخسائر فادحة في التوازن الطبيعي، ويضع مستقبل الحياة البرية في المنطقة على المحك.
غياب الوعي البيئي
“عامر فقيه (29 عامًا)”، أحد سكان قرية المواهبة، أكد أن رحلات الصيد أصبحت تُنظَّم بشكل يومي. حيث تنطلق مجموعات من الشباب على متن دراجاتهم النارية باتجاه العزل المجاورة بحثًا عن الطرائد.
وأوضح “لمنصة ريف اليمن”، أنهم يصطادون ما بين 12 إلى 20 طيرًا في اليوم الواحد، وغالبًا ما تكون من النوع نفسه. وأضاف: “هذا هو السبب الذي جعل الأودية القريبة من قريتنا شبه خالية من الطيور”. مشيرًا إلى أن الصيادين المتمرسين يعرفون جيدًا أماكن تجمع الطيور المتبقية في الأودية البعيدة.
ويستخدم الصيادون في تلك القرى وسائل تقليدية مثل بندقية الصيد الصغيرة، والمنبال الخشبي، إضافة إلى الفخاخ التي تُنصب قرب مصادر المياه وتُخفى بعناية لاصطياد الطيور التي تظن أنها في مأمن.
وعن أنواع الطيور التي تتعرض للاصطياد يوضح الصيادون أنها: العُقب والحجل. ومؤخرا انقرض ونادرا ما تجده بفعل الصيد، بالإضافة للهُجف والدَغل و(المكاوعة)، بالنسبة للأصغر والسامل والقلاقل وغيرها من الطيور.
وتقع محافظة حجة شمال غرب صنعاء، وتبعد عنها مسافة 127 كيلومتر، ويقع جزء كبير منها في نطاق سهل تهامة، وتتسم تضاريسها بالتنوع، حيث تشمل سلاسل مرتفعات جبلية وسهولًا ساحلية واسعة وسلسلة من الهضاب المتصلة بهضاب حجور، بالإضافة إلى المناطق السهلية في ميدي، وحرض، وعبس.
الطيور التي يتم اصطيادها لا تحتوي على لحم يؤكل أو مائدة دسمة فأكبرها حجمًا لا يزن ربع كيلو
تسلية على حساب الطبيعة
أما “بدر ماهوب”، وهو في العقد الثالث من عمره وأحد سكان مديرية كعيدنة، قال إن هذه الطيور لا تحتوي على لحم يؤكل أو مائدة دسمة، فأكبرها حجمًا لا يزن ربع كيلو.
وأوضح لـ”منصة ريف اليمن” أن متعة الصيد ليست في أكل الطيور، بل في لحظة إسقاطها، واصفًا إياه بالشعور بالنصر. واستدرك قائلًا: “بعد الصيد، يوزع الطيور على من يحبها، وإنه لا يأكلها إطلاقًا”. يكشف حديث ماهوب جانبًا من الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد سد جوع أو تأمين وجبة، فهي متعة وربما إدمان أو عادة تجمع بين التحدي والترفيه، لكنها تنتهي دائمًا بخسارة للطبيعة.
الطيور الصغيرة تُشكل جزءًا حيويًا في دورة الحياة البيئية، فهي تساهم في الحد من انتشار الحشرات، وتعمل على نشر البذور في التربة، وتُغذي الطيور الجارحة
الحاج “علي جهيني”، أحد المزارعين القريبين من وادي “المدبش” في المديرية ذاتها، قال إن “قتل الطيور الصغيرة تعرية للطبيعة، لا تقل خطورة عن قطع الأشجار أو تشطيب الجبال”.
بحسرة يروي جهيني لـ”منصة ريف اليمن”، كيف أن صيادين من قرى أخرى بدأوا يتوافدون إلى واديهم بعد أن استنزفوا وديان قراهم، مؤكدا أنه أصبح يدخل في مشادات مع الصيادين لحماية الطيور، خاصة عندما يكون حارسًا في الوادي، لكنه غالبًا ما يجد نفسه وحيدًا بلا دعم فعلي من الجهات المعنية.
وتابع: “رفعت شكاوى إلى عاقل القرية وشخصيات اجتماعية كثيرة، لكن لا فائدة، ما يحدث أمام الجميع”، يقولها بحزم. وعن دور الجهات الرسمية، أضاف: “لم أجربهم، لكن الكارثة تحصل في وضح النهار، فلا عذر لهم إن كانوا يرون ولا يتحركون”.
اختلال التوازن
ويؤكد الخبير البيئي والناشط في قضايا التنوع الحيوي، المهندس الزراعي “جهاد طلان”، أن هذا النوع من الصيد العشوائي يسبب اختلالًا خطيرًا في التوازن الطبيعي للمنطقة.
ويضيف في حديث لـ”منصة ريف اليمن”: “الطيور الصغيرة تُشكل جزءًا حيويًا في دورة الحياة البيئية، فهي تساهم في الحد من انتشار الحشرات، وتعمل على نشر البذور في التربة، وتُغذي الطيور الجارحة”.
جهاد طلان: الحل ليس في المنع القسري، بل في تقديم بدائل ثقافية وتوعوية، فالمجتمع بحاجة إلى ثقافة جديدة تحترم الحياة الفطرية وتراها جزءًا من هوية الأرض
ويحذر طلان من أن استمرار هذه الظاهرة بهذا الشكل قد يؤدي إلى فقدان بيئي تدريجي يصعب تعويضه في المستقبل القريب، خصوصًا في بيئة تعاني أصلًا من التصحر وتراجع التنوع البيولوجي بفعل تغير المناخ.
ويرى الأستاذ “علي زيدي”، وهو شخصية اجتماعية معروفة من أبناء كعيدنة، أن الحل ليس في المنع القسري، بل في تقديم بدائل ثقافية وتوعوية. وأضاف في حديثه لـ”منصة ريف اليمن”: “الشباب يبحثون عن الترفيه والانتصار، وعلينا أن نوفر لهم وسائل ترفيه أخرى تُشبع غرائز التحدي وتُبعدهم عن الطبيعة”، مضيفاً أن المجتمع بحاجة إلى ثقافة جديدة تحترم الحياة الفطرية، وتراها جزءًا من هوية الأرض.
وتتمتع اليمن بتنوع حيوي فريد من النباتات والطيور والموارد البحرية والساحلية والجزر، وبحسب وزارة الزراعة، تشكل مناطق الغابات الطبيعية 1.04% من مساحة الأراضي في اليمن، إضافة إلى ما تزخر به من الأسماك والمنتجات البحرية والساحلية والشعاب المرجانية والطيور والأراضي الرطبة، وهي بحاجة إلى وضع خطة عمل وطنية.
تُعَدّ الجوف من أبرز محافظات اليمن الغنية بالآثار التاريخية، وفي الذاكرة الثقافية اليمنية يقترن اسمها بمدن ومعالم مملكة معين القديمة التي ازدهرت على ضفاف الأودية الخصبة، وخلّفت تراثا معماريّا ودينيّا وفنيّا فريدا.
وبرغم هذا الثراء ماتزال المحافظة خارج خارطة الاستثمار السياحي المنظم؛ فالبنية التحتية الخدمية محدودة، والبرامج السياحية المركّزة تكاد تغيب، والمواقع الأثرية بحاجة ماسّة إلى حفريات علمية منهجية وترميم شامل يليق بمكانتها وأصالتها، والأهم من ذلك ماذا نعرف عن “معالم مملكة معين”.
الجوف ليست مجرد جغرافيا مفتوحة على السهل والصحراء والجبل، بل كانت ممرّاً تاريخياً وطريقاً للحجاج والتجّار، ومسرح تحالفاتٍ وصراعاتٍ بين ممالك اليمن القديم، وأرضاً تُزرع فيها الحبوب والفاكهة على ضفاف الأودية، وسماءً كانت تُرى فيها النجوم هادئة في رحلة القوافل، وطقوس عبادةٍ فلكيةٍ صاغت جزءا عميقا من الضمير الحضاري القديم.
وفي يوليو 2025 أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، إدراج مدن ومعالم مملكة معين القديمة ضمن 30 موقعاً ثقافيا وطبيعيا في القائمة التمهيدية للتراث العالمي بانتظار اعتمادها رسمياً إلى الخمسة المواقع السابقة المعتمدة.
تقع محافظة الجوف شمال شرق العاصمة صنعاء (142 كيلو متراً) في الظروف العادية يعد الوصول إليها عبر الطريق الأسفلتي الذاهب إلى مأرب، ويبدأ المسار من نقيل فرضة نهم حيث ينفتح المشهد على سهلٍ فسيح، ثم يظهر مفرق الجوف إلى اليسار مارّا عبر براقش والروض والسلمات وصولا إلى مدينة الحزم؛ المركز الإداري للمحافظة.
وترتبط المحافظة بطرق مختصرة غير معبّدة، من أبرزها الطريق الذي يبدأ من صنعاء – بني الحارث -وادي سنوان – الجوف، وهي مسالك تقليدية عرفت نشاطا أهليا متقطعا وتحتاج إلى تحسينات لتعزيز الأمان وسهولة الحركة، وهناك طرق أخرى غير معبدة تربطها بمحافظات يمنية أخرى.
أهمية الجوف الجيوستراتيجية لا تتبدّى فقط في كونها بوابة تواصل بين وسط اليمن وشمال الجزيرة العربية، بل محطة رئيسية على خطوط القوافل القديمة، ومُلتقى طرق بين مأرب شرقا وصعدة غربا ونجران شمالا وحضرموت بعيدا في الشرق عبر الامتدادات الصحراوية، هذه الشبكة التاريخية جعلت منها قديماً ساحة تفاعلٍ تجاري وثقافي، ومخزنا للخبرة العملية في إدارة الموارد المائية والزراعية وتبادل السلع والمعرفة والرموز الدينية.
منازل مبنية من الطين في منطقة وادي خب بمحافظة الجوف شمالي اليمن، 2025 (فيسبوك)
معين.. حضارة النهر والنجمة
على ضفاف وادي جوف المعينيين تشكّلت مملكة معين التي عاصرت مملكة سبأ وازدهرت معها، ولا يُمكن الحديث عن الجوف دون استحضار المدن التي شيّدها المعينيون، والمعابد التي زخرفوها، والسدود والقنوات التي حفروها لتروي أراضيهم وتؤمّن غذاءهم. كانت ديانتهم، شأن أغلب ممالك اليمن القديم، ديانة فلكية تستقرئ حركة النجوم والكواكب، وتنسج من مسامات السماء نظاما رمزيّا وأخلاقيّا يعكس رؤية الإنسان اليمني للعالم العلوي.
تجلّت وحدة التطور الثقافي في أبجدية خط المسند ولغة العرب الجنوبية (السبئية والمعينية والقتبانية والحميرية بتفرعاتها)، ما أتاح تواصلا سلسا بين مراكز الممالك، وساعد على تماثلٍ نسبي في نظم الحكم وتحالفاته وصراعاته تبعا لتغيّر المصالح، فإن ما يميزها حقّا هو روح المبادرة التجارية والتوسع شمالا خارج الجغرافيا المباشرة للمملكة.
أسّس المعينيون مستوطنات على طريق اللبان التجاري في مواقع استراتيجية مثل الفاو (على درب نجران- البحرين) ودادان (بين يثرب والبتراء)، وترددت أصداء أسمائهم في سجلات حضارات العالم القديم بوصفهم وسطاء تجاريين مهرة. وعُثر على نقوشٍ مسندية لهم في مصر وغزة وأنطاكيا وجزيرة ديلوس اليونانية، دلالة على عمق التأثر المتبادل بفنون الشرق القديم واليونان والرومان. وقد عاد هذا الانفتاح بمنجزاتٍ ملموسة في العمارة المعينية: تخطيطٌ محكم، وزخارفٌ غنية، وذوق رفيع يطبع المعبد والبيت والسور والزخارف بطابعٍ فنيٍّ متفرّد.
كما تميّزت معين بتوثيق معاهداتها التجارية، وذكرَتْها التشريعات القتبانية ومنحتها امتيازات، رغم أنها لم تدخل الحلف العسكري-السياسي الثلاثي (السبئي الحضرمي القتباني) ضد أوسان. وبالمقابل عرف تاريخها حملاتٍ سبئية لإخضاع بعض مدنها، أشهرها حملة المكرب كرب إيل وتار التي خُلّدت تفاصيلها في نقش النصر.
البيوت الطينية في محافظة الجوف 2024 (خالد الثور)
ومثل غيرها من الممالك الشرقية في اليمن، واجهت معين عوامل الأفول، وفي مقدمتها تحوّل طرق التجارة من البر إلى البحر؛ إذ تراجعت مركزية محطات القوافل البرية مع صعود خطوط الملاحة البحرية، ما أحدث تبدّلات اقتصادية واجتماعية قلّصت من أدوار تلك المرافئ البرية تدريجيا.
تنوع بين الجبل والوادي والصحراء
تجمع الجوف بين الجبال والسهول والأودية والأراضي الصحراوية وشبه الصحراوية في لوحةٍ جغرافية بديعة. إداريّا، تتكون المحافظة من ١٢ مديرية، وتمتد على مساحة إجمالية تقارب ٣٩,٤٩٦ كم². وتعد مديرية خب والشعف الأكبر مساحة تصل إلى ٨٢.٣٪، إذ تلامس حدود زمخ ومنوخ في حضرموت شرقا وحدود نجران السعودية شمالا، فيما تتوزع ١٧.٧٪ من المساحة على ١١ مديرية أخرى، وهو اختلال ينعكس على فرص التنمية وتوزيع الخدمات.
المناخ في الجوف شبه جاف إلى جاف في معظم الأنحاء، تتخلله مناطق وأدوية أكثر اعتدالا بفعل الرطوبة الموسمية، وتراكم التربة الرسوبية الغنية التي تجلبها السيول من مرتفعات صنعاء وعمران وصعدة. هنا ترقد سرّ الخصب الزراعي الذي جعل من ضفاف الأودية حقولا مُنتجة للحبوب والخضروات والفاكهة والأعلاف.
يعتمد غالبية سكان الجوف على الزراعة وتربية الحيوانات، وتتوزع التجمعات البشرية على ضفاف الأودية الكبرى، وفي مقدمتها وادي الخارد (جوف المعينيين) بطولٍ يقارب ٦٠ كم وعرضٍ بنحو ٣٠ مترا، يليه وادي مذاب ووادي العولة. تُعدّ هذه الأودية بمثابة خزانات تربة؛ فكل سيلٍ يهبط من الجبال يحمِل معه مواد طميٍ ومعادنَ دقيقة تُخصب الأرض وتجدّد دورتها الحيوية.
وحول هذا الاقتصاد الزراعي ينشأ نمط حياةٍ ريفي متوازن: بيوتٌ طينية أو حجرية متواضعة، مخازن للحبوب، حيازات صغيرة وأخرى متوسطة، ومراعي للإبل والأبقار والأغنام. ويُرفَد هذا النمط بنشاطٍ تجاري محلي عبر أسواق يومية وأسبوعية، أبرزها سوق مدينة الحزم الذي يخدم المديريات المحيطة.
مدينة الحزم
الحزم هي العاصمة الإدارية ومركز المحافظة التجاري لكن البنية التحتية السياحية لا تزال محدودة وغالبية الشوارع غير معبدة، ولا يوجد منشآت فندقية مناسبة، والمعلومات الإرشادية السياحية نادرة، والطرق التي تربط المدينة بالمعالم الأثرية مازلت غالبيتها رملية.
وعلى الرغم من المكانة الحضارية للجوف، فإن البرامج السياحية المنظمة خلال العقود الماضية قبل اندلاع الصراع في البلاد، لم تُدمج مدينة الحزم ومحيطها في مساراتها، وظلت بعض الزيارات تقتصر على مواقع تقع ضمن مخططات زيارة مأرب مثل مدينة براقش (يثل) بحكم التبعية الإدارية لمديرية مجزر.
وما تزال قرناو (عاصمة مملكة معين) والمواقع الأثرية التي تحيط بها مطمورة تحت الأنقاض، أو مكشوفة جزئيا على نحوٍ لا يليق بعرضها للزوار أو السائحين، وتعرّضت المواقع لعمليات حفرٍ عشوائي ونهبٍ وتهريب، ويُعتقد أن كثيرا مما يُعرض في مزادات التحف الدولية يعود في أصله إلى مواقع الحضارة المعينية في الجوف، وكل ذلك يستدعي خطة إنقاذ متكاملة: حفريات علمية، ترميم، أسوار حماية، مسارات زيارة، لوحات تعريف، ومراكز استقبال.
عواصم ومعابد على طريق التاريخ
قرناو: حاضرة مملكة معين
على بعد ٧ كم شمال مدينة الحزم تقع أطلال قرناو، التي تذكرها النقوش بالاسم هجرن/قرنو وتعرف شعبيا بخربة معين، زارها المستشرق الفرنسي جوزيف هاليفي عام ١٨٦٩م، فنسخ نقوشها ووصف ما بدا له من أناقة عمارتها وزخارفها.
اليوم معظم مكوّنات المدينة الذي يتم الوصول إليها عبر طريقٍ ترابي، مطمور بالكثبان الرملية والأنقاض، لا يظهر منه إلا أجزاء من السور والبوابة الغربية والبوابة الشرقية ببعض تفاصيلهما الفنية، وجدرانٌ عليها نقوش مسندية، وأعمدة متناثرة، وبقايا معبدٍ إلى الشمال.
وتجري جهود لإدراج آثار الجوف ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي، وهي خطوة مهمة لكنها لا تُغني عن الواجب الوطني المباشر بحفريات لإنقاذ الموقع التاريخي، توثيق ثلاثي الأبعاد، ترميم علمي، وتصميم عرضٍ متحفي موقعي يليق بمدينةٍ كانت رمزا لذائقة معماريّة عالية قبل ٣٥٠٠ عام.
تظهر الصورة معبداً لمملكة معين في منطقة “قرناو” عثر عليه تحت منزل أحد المواطنين عام 2021 (وسائل التواصل)
مدينة هَرَم
تقع جنوب غرب الحزم بنحو 1.5 كم، وتظهر في نقش النصر حين أخضعها المكرب السبئي كرب إيل وتار في القرن السابع قبل الميلاد. تُعرف شعبيا بـ “الخربة” أو “خربة همدان”، وأُقيمت مبانٍ طينية على بعض أطلالها، وشرق المدينة تبرز بقايا أطلال معبدٍ كبير لا تزال أعمدته تحمل نقوشا وزخارف تُذكّر بزخارف معبد عثتر “ذو رصفم”.
مدينة كَمْنَهُو
إلى الغرب من الحزم بنحو ٩ كيلو مترات، وعلى بعد كيلو متر جنوب وادي مذاب، ترتفع كمنهو عن مجرى السيل الكبير في الجوف. وكشفت البعثة الأثرية الفرنسية عام ١٩٨١م أنها كانت مستطيلة من الشمال والجنوب بما يقارب ٤٩٠ مترا، وتحيط بها أسوار منيعة لا يزال جزء منها قائما من الجهات الأربع، وطُمرت بواباتها وأبراجها الدفاعية مع الزمن، لكن تظهر داخل السور خرائب وجدرانٌ مهدّمة. وخارج السور، شرقا، كما في تقاليد مدن معين، كان يقوم المعبد الرئيس.
معبد النصيب
يقع شرق كمنهو بمسافة كيلو متر على مرتفعٍ صغير، ويتكوّن من منشأتين متلاصقتين متساويتين، تتقدمهما أروقة مكشوفة مبنية بأحجارٍ مهندمة متقنة، وتقوم عند المدخل عتبةٌ منقوشة بزخارف تشبه ما على عمودي مدخل معبد عثتر ذو رصفم في نشن. تُشير نقوشٌ عُثر عليها إلى أن المعبد مكرّس للإله “ذو”، الإله الرئيس في مدينة كمنهو ضمن مجمع رموز العبادة المعينية.
نَشَن “خربة السوداء”
إلى الغرب من الحزم بنحو ١٤ كيلو متراً تمتد أطلال نشن (خربة السوداء)، ثاني أكبر مدن معين بعد قرناو، تتحدث المصادر عن تمرّدين للمدينة على السلطة السبئية، انتهيا بحملة تأديبية لأنصار المكرب كرب إيل وتار، اليوم ترتفع الأنقاض إلى ١٠ أمتار في بعض المواضع، مع بقايا أسوار وأعمدة وصخورٍ منقوشة تنتظر الحفريات.
معبد عثتر “ذو رصفم”
شرق نشن بمسافة قصيرة يقع معبد عثتر ذو رصفم الذي يعرفه الناس باسم معبد بنات عاد بسبب الزخارف الجميلة بصور فتياتٍ يحملن جرارا أو عصيا، هذا المعبد شاهدٌ معماريٌّ فريد على الرقي الفني المعيني، وقد كشفت عنه البعثة الفرنسية وأعادت ترميمه في فترة وجيزة بين ديسمبر ١٩٨٨م ومارس ١٩٨٩م بالتعاون مع الهيئة العامة للآثار.
معبد الإله عَثْتَر في الجوف
ويبلغ طول المعبد نحو ١٥.٥ متر وعرضه ١٤.١ متر، ويتألّف من مدخل وفناء وأروقة ومنصة ومقصورة، مع نقوش زخرفية تُشير إلى طقوس عبادة الإله عثتر (نجمة الصبح/الزهرة) المعبود الرسمي لمملكة معين. وتعرّض المعبد عبر الزمن إلى هدمٍ وإعادة بناء وتوسعة، وصيغته الراهنة تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد على الأرجح.
نَشَق “خربة البيضاء”
على بعد ٢٠ كيلو متراً غرب الحزم تقع نشق (خربة البيضاء)، بعد إخضاعها لسلطة سبأ شُيّد فيها معبدٌ للمقه (الإله الرسمي لسبأ) إلى جانب معبد عثتر، في تعبيرٍ عن تجاور رمزي بين مرجعيتين دينيّتين في موقعٍ واحد. ما يظهر اليوم أسوارٌ منهدمة وأعمدة وصخورٌ منقوشة متناثرة.
جبل اللوذ “الجبل المقدّس”
عند الطرف الشمالي لسلسلة الجبال التي تحدّ منخفض الجوف من الشمال، يبرز جبل اللوذ (سُمّي قديما كورن)، بارتفاعٍ يقارب ١٢٠٠ متر عن محيطه، وفي قمّته موضعٌ يُسمى “ترح” كانت تُشعل فيه النار المقدسة تكريما للإله عثتر، وهي شعيرة ملكية مقصورةٌ على الملك، فيما كانت المواكب الدينية تصعد عبر طريقٍ مرصوفٍ بالأحجار بطول ٧ كم يربط منشآت السفح بالقمة.
تنتشر على الجبل نقوشٌ مسندية وثّق بعضها الباحث كريستيان روبن (١٩٨٢م) تتناول طقوس التنصيب والمواكب، وتدلّ بقايا القاعات والمقاعد الحجرية على مآدب شعائرية كانت تُقام “لآلهة الجبل”، يكتسب الموقع فرادة في اليمن القديم من حيث شمول طقوسه لعهود المكربين والملوك، وحاجته اليوم ماسّة إلى دراسةٍ ميدانية شاملة وحفريات متكاملة.
وادي الشظيف وقبيلة أمير
بين خب والشعف والمطمة يمتد وادي الشظيف، وهو وادٍ عريض ذو ضفافٍ رحبة تُحيط به جبالٌ منخفضة، وفي تسعينات القرن الماضي بدأت قصة الاهتمام العلمي به حين قدّم الأهالي كمية كبيرة من النقوش البرونزية للمؤرخ الراحل محمد عبد القادر بافقيه (1928-2002) حيي كان رئيساً الهيئة العامة للآثار، وأدرك قيمتها ونقلها إلى المتحف الوطني بصنعاء لتصبح مادة أولى للدراسة والتوثيق.
المؤرخ محمد بافقيه بمنطقة “لباخ” إحدى قرى مديرية قارة بمحافظة حجة عام 1989 (كرستيان روبان)
وشكّلت لجنةٌ علمية برئاسة الدكتور أحمد بن أحمد باطايع لتنفيذ مسوحاتٍ ميدانية في أنحاء الوادي، وأظهرت النتائج أن الوادي صار موطنا لقبيلة أمير بعد انتقالها من هرم، وأنه كان موطناً لمعبد مهم يُعرف باسم “يغرو” لعبادة الإله ذو سماوي.
وتُشير النقوش إلى أن قبيلة أمير كانت حلقة وصلٍ تجارية على درب محطات الطريق بين اليمن وشمال الجزيرة وبلاد الرافدين ومصر واليونان، فأخذت وأعطت من الثقافة والفكر الديني، وكانت فاعلا في التحالفات السياسية بين ممالك اليمن القديم.
تكشف النقوش اليمنية القديمة عن أدوار مركّبة للقبائل في نشأة الممالك وتبدّل موازين القوى. من بين هذه القبائل تبرز أمير بوصفها جماعة تجارية تمتلك قوافل من الجمال، تُجهّزها بالبضائع، وتؤمّن خطوط الإمداد والخدمات على الدروب، وتدير مستوطناتٍ خارجية لها معابدها وجالياتها.
ومع تحوّل التجارة إلى البحر، تكيّفت أمير مع الواقع الجديد، وأقامت جالية في جبأة والسواء (في نطاق تعز والمعافر)، واستفادت من ميناء موزع الذي كان ثاني موانئ اليمن أهمية بعد عدن، فاستمرت قوافلها في النقل بين محطاتها الداخلية ومراكزها الخارجية، واتسع نطاق تأثير إلهها ذو سماوي.
مدينة حنان
على ضفة وادي الشظيف تمتد أطلال مدينة حنان التي احتضنت معبد يغرو المخصص للإله ذو سماوي، ومعه معبدٌ للإلهة الشمس التي ترمز لها النقوش بـ “ذات حميم” و”ذات بعدان”، ويُمثّلها على الصخر النسر السبئي رمز الرفعة والعلو. المدينة اليوم خرائب تحت الأنقاض؛ لكنها تحتفظ بقدرةٍ فريدة على سرد تاريخٍ ديني متحوّل حين تُستأنف الحفريات.
معبد يغرو
يقع المعبد على سفح جبلٍ يطلّ على الوادي، ويختلف عن غيره بطقسٍ أخلاقي-ديني لافت: يأتيه المتعبدون ليُقرّوا علانية بخطاياهم، سواء ما تعلّق بالعلاقات الاجتماعية المحرّمة، أو المعاملات التجارية مثل الغش ومغالطة الكيل، ثم يطلبون العفو ويتقدّمون بالنذور والقرابين.
ووثّقت النقوش تلك الاعترافات وأماكن وقوعها وتعهدات عدم التكرار؛ ما يعكس تطوّرا في فكرة الضمير وارتباط العبادة بالسلوك اليومي، وكأنهم كانوا يؤمنون بأن إله السماء والأرض يعلم ما يُخفون وما يُعلنون، هذه الشعائر موجود في “المسيحية” وتسمى “الاعتراف” وهو أحد الأسرار السبعة المقدسة، وفيه يعترف المسيحي بخطاياه للكاهن، الذي يمنحه حلول المغفرة والإرشاد الروحي “نيابة عن الله”، بحسب معتقداتهم.
الجوف العالي: عمارة الزابور وطبقات المجتمع
تضم برط العنان وخراب المراشي ورجوزة، وتتقاسم جغرافية جبل برط جزءاً من سلسلة جبال الظهرة، وهو معقل قبيلتي ذو محمد وذو حسين الدهميتين، ومن هنا تبلورت في مسار التاريخ الاجتماعي طبقة تعرف بـ “الأذواء” (النبلاء أو أصحاب النفوذ)، ومع اتساع الملكيات الزراعية وارتفاع الإنتاج نشأت طبقة الأقيال (الإقطاعيون الزراعيون) التي انتقلت إلى القيعان الخصبة مثل قاع الحقل، واتسعت صلاتها بمناطق جبلة ومذيخرة وذي السفال في إب.
تجمع قرى الجوف العالي بين الجبل والهضبة والوادي، وتعرض نمطا معماريا فريدا قوامه الزابور الطيني حتى مع توافر الحجر في الجبل، ترتفع المنازل عدّة طوابق بزخارف جصية وألوانٍ حمراء وصفراء يتخللها الجص الأبيض، ويزدان المشهد في المراشي ورجوزة وسوق العنان حيث تتجاور البيوت ذات الحزام الزخرفي العلوي، في تكوينٍ بصريٍّ تقليدي ساحر.
منطقة المساجد
جنوب غرب الحزم بنحو ٢٥ كم تمتد منطقة المساجد التي تضم مواقع أثرية متقاربة لم تُجر فيها حتى الآن دراسات أو مسوحات علمية كافية، وتتشابه في خصائصها مع مواقع القارة المجاورة. ومن أبرزها مدينة حزم الثور في أعالي وادي الخارد.
وكشفت السيول جزءا من معالمها مؤخرا، وهذا يشير إلى أن محافظة الجوف أرض بكر تخفي تحت الرمال كنوزا أثرية تحتاج إلى حفريات متكاملة وترميمٍ شامل يعيد رسم تاريخ المنطقة واكتشاف الكثير من أسرارها المطمورة تحت الرمال.
السلمات
على الطريق الأسفلتي بين مفرق الجوف- مأرب وعلى بعد ١٠ كيلو مترات من مدينة الحزم تقع قرية السلمات كأنها متحفٌ مفتوح لحياةٍ رعويةٍ آخذةٍ في الاستقرار، وفي كل منزل مرافقُ تقليدية مثل مخازن للحطب وأماكن لإيواء الحيوانات وفي مقدمتها الإبل.
تتكوّن البيوت من طينٍ ممزوجٍ بالتبن، وتتّخذ تخطيطا هرميّا؛ تتسع القاعدة وتضيق كلما ارتفع البناء حتى أربعة طوابق، ثم وفي قمتها إطار زخرفي جميل يدلّ على ذوقٍ معماري توارثه البنّاء اليمني عبر الأجيال.
ماهي الإمكانيات السياحية في الجوف؟
في الواقع يمكن أن تكون محافظة الجوف جزءاً من منظومة وطنية للسياحة البيئية والثقافية، برغم محدودية البنية الخدمية، تملك الجوف مقوماتٍ سياحية متنوعة يمكن إيجازها كالتالي:
سياحة أثرية ثقافية: مسارات متدرجة تربط قرناو – نشن – نشق – معبد عثتر- كمنهو – النصيب مع جبل اللوذ ووادي الشظيف وحنان ومعبد يغرو.
سياحة وديان وزراعة: تجارب ريفية على ضفاف الخارد ومذاب والعولة، مع إبراز تقاليد الزراعة والري ومواسم الحصاد.
سياحة جبلية: زيارات موجهة إلى برط والقرى ذات العمارة الطينية عالية الطوابق، مع مسارات مشي قصيرة ومتوسطة، واحترام خصوصية السكان.
سياحة صحراوية: رحلات قصيرة مدروسة في الأطراف الرملية، بمرافقة أدلّاء محليين وتجهيزات أمان.
ولتحويل الإمكانات الكبيرة إلى منتجٍ سياحيٍّ يكون ضمن مشروع تنموي اقتصادي تحتاج محافظة الجوف إلى العمل على توصيات مهمة يمكن أن تحدث فرق في المستقبل، وهذه أقدمها توصيات كالتالي:
حفريات علمية متواصلة وتوثيق رقمي للمكتشفات.
ترميم عاجل للمواقع المكشوفة، خصوصا البوابات والأسوار والزخارف المنحوتة.
مركز زائرين في الحزم: خرائط، مرشدون محليون، قاعة عرض مصغّرة لصور ونماذج، ومكتبة مصادَر.
لوحات تعريفية ثنائية اللغة في كل موقع، ومسارات محددة مع نقاط ظلّ واستراحات خفيفة.
حماية قانونية مشددة ومراقبة للمواقع للحد من النبش العشوائي وتهريب القطع.
تمكين المجتمع المحلي عبر التدريب على الإرشاد، والحرف التقليدية، وتطوير بيوت ضيافة ريفية صغيرة.
شراكات أكاديمية مع بعثات محلية ودولية لاستكمال البحث والنشر.
خاتمة
الجوف كتابٌ مفتوح على عصورٍ من الإبداع الإنساني؛ من قرناو العاصمة المعينية إلى نشن ونشق وكمنهو والنصيب، ثم جبل اللوذ بموكبه الشعائري وطريقه المرصوف، ووادي الشظيف بنقوش الاعتراف ومدينة حنان ومعبد يغرو، وصولا إلى برط وقراه العالية والسلمات بطينها الهرمي.
إنّ ما يتبدّى لنا اليوم ليس سوى الطبقة الأولى من الحقيقة؛ أما الحقيقة الكاملة فتنتظر حفّارا عالما، ومرمما صبورا، ومؤسسة راعية، ومجتمعا شريكا يرى في التراث ثروة لا تُقدَّر بثمن.
ولكي تستعيد الجوف مكانتها اللائقة على خارطة التراث الإنساني العالمي والسياحة البيئية والثقافية، لا بد من رؤيةٍ تكاملية تجمع بين العلم والإدارة الذكية ومصالح الناس، فالمواقع لا تحيا بالنوايا الحسنة وحدها، بل بخطط تحفظ الحجر والإنسان معا.
المراجع
– بافقيه، محمد عبد القادر. الرحبة وصنعاء في استراتيجية بناء الدولة السبئية. مركز الدراسات والبحوث اليمني – صنعاء، 1993م.
– بريتون، جان فرانسوا. تقرير أولي عن معبد عثتر ذو رصفم (السوداء – الجوف). مجلة دراسات يمنية، العدد 38، مركز الدراسات والبحوث اليمني – صنعاء، 1989م.
– فخري، أحمد. رحلة أثرية إلى اليمن. ترجمة هنري رياض ود. يوسف محمد عبد الله، وزارة الإعلام والثقافة – صنعاء، 1988م.
– تقرير البعثة الأثرية الفرنسية لدراسة آثار الجوف – المرحلة الرابعة، 1981م.
– باطايع، أحمد بن أحمد. المسح الأثري لوادي الشظيف، 1993م.
– الهيئة العامة للسياحة – نتائج المسح السياحي لمحافظة الجوف، صنعاء، 1997م.
البرسيم نبات عشبي معمر من فصيلة البقوليات، ذو قيمة غذائية عالية ويُستخدم كعلف أساسي للحيوانات، يتميز بجذر وتدي عميق يحمل شعيرات جذورية بها عقد بكتيرية قادرة على تثبيت النيتروجين في التربة، مما يحسن خصوبتها ويزيد إنتاجية المحاصيل اللاحقة.
ويتحمل البرسيم القطع المتكرر ويستمر في إنتاج العلف على مدار العام، ويمكن أن يبقى في الأرض لمدة خمس سنوات أو أكثر، مما يجعله من أهم محاصيل الأعلاف الخضراء في المنطقة العربية.
ويعرف البرسيم في اليمن بـ”القضب”، والبرسيم في مصر والسعودية، و الفصة في الأردن وسوريا ولبنان وتونس والمغرب، وبالجت في العراق والكويت، والصفصفة في ليبيا.
بناءً على ما ذكره الخبير الزراعي محمد الحزمي، سنتطرق في هذه المادة على منصة ريف اليمن إلى أهم الجوانب المتعلقة بزراعة البرسيم، بدءاً من التعرف على خصائص النبات وفوائده، مرورًا بالظروف المثلى للزراعة، وتحضير الأرض، وأساليب الزراعة والري، وصولاً إلى التسميد والحصاد.
مميزات زراعة البرسيم:
إنتاجية عالية مع قيمة غذائية مناسبة لجميع أنواع الحيوانات في المزرعة.
استمرارية الإنتاج طيلة شهور السنة.
تحمل القطع (الحش) المتكرر دون التأثير على جودة النبات.
تثبيت النيتروجين الجوي (الآزوت)، حيث يضيف ما يقارب 17–58 كجم نيتروجين إلى التربة في الفدان الواحد سنوياً.
تحسين خصوبة التربة عبر زيادة المادة العضوية.
حماية التربة من الانجراف بفضل الجذور المتفرعة والعميقة.
المناخ: المناخ المعتدل وشبه الجاف، مع درجات حرارة مثالية بين 15–30درجة مئوية.
التربة: ينمو في معظم أنواع التربة، ويفضل الأراضي الخفيفة جيدة الصرف.
المياه: يحتاج إلى كميات مناسبة من المياه؛ يتحمل بعض التباين في درجات الحرارة بين الأصناف المختلفة.
تحضير الأرض للزراعة
الحرث: مرتين متعامدتين (متداخلتين – متقاطعتين) بعمق 30–40سم.
تكسير الكتل الترابية لتسهيل نمو الجذور.
تنعيم الأرض وتجهيزها لاستقبال البذور. متعامدتين: تعرف في بعض المناطق بـ”مثل وقضى”
طريقة زراعة البرسيم
الزراعة بالبذور: – تتم بنثر البذور مباشرة بعد تجهيز وتسوية الأرض.
– قد تتطلب هذه الطريقة كمية أكبر من البذور مقارنة بالطرق الأخرى.
تجهيز الأرض حسب نظام الري
تجهيز الأرض حسب نظام الري
تختلف طريقة تجهيز الأرض حسب نظام الري:
في حالة الري بالغمر: يتم تقسيم الأرض إلى أحواض.
في حالة الري المحوري: تُسوّى الأرض وتُزرع دون تقسيم.
كمية البذور المطلوبة: يحتاج الفدان الواحد (4200 متر مربع) إلى حوالي 9 كجم بذور.
الري
تختلف الاحتياجات المائية حسب عمر النبات، وفصول السنة، والبيئة المحيطة.
الفترة الأولى من حياة النبات: يُفضّل الري الخفيف على فترات متقاربة لمساعدة النبات على تثبيت المجموع الجذري.
بعد 15–20سم من ارتفاع النبات: يمكن إطالة فترات الري مع زيادة كمية المياه وتقليل تكرار الري تدريجياً.
للبرسيم القدرة على النمو في ظروف بيئية واسعة بشرط وجود المياه بكميات مناسبة، وتتباين الأصناف في قدرتها على تحمل درجات الحرارة.
التسميد
يحتاج البرسيم إلى كميات كبيرة من العناصر الغذائية.
بفضل العقد البكتيرية في الجذور، يتم تثبيت النيتروجين الجوي، ما يقلل الحاجة للنيتروجين الصناعي.
الحصاد
الحشة الأولى: تؤخذ بعد 90 يوماً من الزراعة لإتاحة فرصة للجذر الوتدي فرصة للتعمق داخل التربة.
الحشات التالية: عند وصول ارتفاع نبات البرسيم إلى 30–40سم أو بداية مرحلة التزهير (تفتح 5–10% من الأزهار).
من خلال من سبق وجدنا أن البرسيم نبات مثالي للمزارع نظراً لإنتاجيته العالية واستمرارية إنتاجه طوال العام، بالإضافة إلى دوره الفعّال في تحسين خصوبة التربة والحفاظ على تماسكها، ويعتمد نجاح زراعته على اختيار التربة المناسبة، الري المنتظم، وإدارة القطع والتسميد بشكل علمي.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
تراكم النفايات في ريف تعز.. كارثة بيئية وصحية تهدد السكان والزراعة (ريف اليمن)
يعاني سكان القرى الريفية في محافظة تعز من مشكلة تراكم النفايات والمخلفات في الأودية وبالقرب من منازلهم، إذ يواجهون صعوبة كبيرة في التخلص منها، حيث يضطرون إلى استخدام طرق بدائية وغير آمنة، مثل رميها في مجاري السيول، مما يشكل تهديدًا خطيرًا على البيئة وصحة الإنسان.
تتفاقم معاناة السكان خلال فصل الصيف، حيث تتجمع مياه الأمطار في الجبال وتتدفق منها السيول التي تجرف بدورها المخلفات نحو الأودية والأراضي الزراعية، وتؤثر سلبًا على جودة وخصوبة التربة، كما أنها تلوث مصادر المياه السطحية، وتؤدي إلى تكاثر الحشرات التي تسبب العديد من الأمراض.
يقول “عبدالكريم مقبل”، أحد وجهاء مديرية سامع، إن القرى الريفية تعاني من تكدس المخلفات والقمامة في الطرقات ومجاري السيول نتيجة إهمال المواطنين مضيفاً لـ” منصة ريف اليمن”: “تسبب المخلفات بتشويه مناظر القرى بعد أن كانت القرى والأرياف تتمتع بالنظافة والجمال”.
يؤكد مقبل أن مجاري السيول في عزلة حوراء، مركز مديرية سامع بريف تعز تمتلئ بأطنان من القمامة والمخلفات التي تراكمت على مدار عام كامل؛ إذ ساهم تأخر هطول الأمطار، وعدم قيام المواطنين بالتخلص من مخلفاتهم بشكل سليم، إلى تراكمها بصورة كبيرة.
وفي عزلة الكلايبة بمديرية المعافر، تواجه المنطقة مشكلة مماثلة، ووفقًا للمهندس “أنس عبدالجبار”، أحد سكان المنطقة، فإن “مشكلة القمامة حقيقية وخطيرة، قلة قليلة من السكان تحرق القمامة بطريقة غير آمنة، بينما يرميها الأغلبية بالقرب من منازلهم أو في مجاري السيول”.
وأكد عبدالجبار لـ” منصة ريف اليمن” أن “السيول القادمة من جبل صبر والتي تمر بمديرية المسراخ تجلب معها كميات كبيرة من النفايات، التي تتوزع في أودية الكلايبة؛ مما يضاعف المشكلة ويزيد من آثارها”.
وتابع: “تمتلئ أحياء القرى الريفية بالمخلفات القادمة من جبل صبر؛ مما يدل على أن سكان تلك المناطق يرمون النفايات في مجاري السيول”.
كما أوضح أن التخلص من القمامة والمخلفات بهذه الطريقة العشوائية يسبب للمواطنين أمراضًا خطيرة مثل الملاريا، وحمى الضنك، والتيفوئيد، وغيرها. كما أن الدخان الناتج عن حرقها بطريقة غير صحية يضر بالجهاز التنفسي، ويسبب أمراضًا مثل الحساسية والربو.
وقال عبدالكريم، وهو مدير مدرسة في سامع، لـ “منصة ريف اليمن” إن “انتشار المخلفات يدعو للحسرة، لأن وجودها -خاصة في موسم الأمطار- يؤدي إلى تفشي الأمراض، وبالأخص الإسهالات بين الأطفال والكبار على حد سواء”.
يعاني سكان القرى الريفية في محافظة تعز من مشكلة تراكم القمامة والمخلفات في الأودية وبالقرب من منازلهم (ريف اليمن)
المهندس “بدري أحمد”، المدير العام لمكتب الهيئة العامة لحماية البيئة فرع تعز، قال إن “المخلفات الصلبة والسائلة تشكل قلقًا متزايدًا بسبب تأثيرها على التربة، وجودة الهواء، والمياه، وغيرها”.
وأوضح بدري لـ” منصة ريف اليمن” بأن “المخلفات المنزلية، من مواد بلاستيكية وعضوية ومخلفات سائلة وصرف صحي، تشكل تهديدًا خطيرًا على البيئة، إذ إن مخلفات القمامة وما تحمله من حفاظات أطفال ومواد بلاستيكية عضوية تلوث المياه عندما تتدفق السيول وتغذي الآبار السطحية، كما أنها تساهم في انتشار الأوبئة مثل التيفوئيد، والكوليرا، والإسهالات”.
وتابع: “النفايات تؤدي إلى تجميع المياه وتكوين المستنقعات المائية، وبالتالي يتكاثر فيها البعوض وتنتشر الأوبئة مثل حمى الضنك أو الملاريا، وغيرها من الأمراض الناتجة عن عدم إزالة هذه النفايات الصلبة والسائلة”.
من جانبه أوضح المهندس أنس أن المخلفات التي تُرمى في مجاري السيول تسبب انسدادًا لمجاري المياه، مما يؤدي إلى انتشار الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات والقوارض، وتلوث الهواء بالدخان السام الناتج عن الحرق أحيانًا، كما قد تتسبب في تغيير مسار السيل، ما يؤدي إلى انجراف التربة، وقد تحدث كوارث بشرية في حال تدفق السيل بكميات كبيرة.
تهديد للزراعة
تتأثر الأراضي الزراعية بالمخلفات، خاصة البلاستيكية، حيث تختلط النفايات بالتربة وتفقدها خصوبتها، كما تتسرب المواد السامة إلى مياه الري، مما يؤدي إلى ضعف جودة المحاصيل وتراجع الإنتاج.
تتفاقم معاناة السكان خلال موسم الأمطار حيث تجرف السيول المخلفات نحو الأودية والأراضي الزراعية (ريف اليمن)
ويؤكد المهندس أنس أن “المخلفات لا تضر البيئة والإنسان فقط، بل تؤثر حتى على الحيوانات، حيث تتلوث المراعي والوديان، مما يؤدي إلى إصابة الحيوانات بالتسمم والأمراض، وهو ما ينعكس سلبًا على حياة السكان”.
في ظل المخاطر الزراعية والبيئية، يؤكد السكان غياب دور الحكومة وصندوق النظافة والتحسين، الذي يقتصر دوره على أسواق ومراكز المديريات، التي تعاني بدورها من تكدس القمامة والمخلفات.
ووفقًا لـ”ربيع جليل”، أحد سكان حصبان في مديرية المسراخ، فإن صندوق النظافة الحكومي غائب تمامًا، حتى عن حملات التوعية التي توجه الناس بكيفية التخلص من القمامة والمخلفات.
حلول ممكنة
يتطلب التخلص من النفايات في القرى الريفية بمحافظة تعز حلولًا مستدامة، تشمل تعاون المجتمع والدولة والمنظمات المحلية والدولية. وتتمثل أبرز تلك الحلول في توفير بنية تحتية لجمع وترحيل المخلفات إلى أماكن خالية من السكان وغير صالحة للزراعة، وإحراقها بشكل صحي.
الحل يكمن في تجميع القمامة بطريقة جيدة، حيث يمكن إيجاد مكب أو مصنع لإعادة تدوير النفايات البلاستيكية (ريف اليمن)
يؤكد المهندس بدري أن الحل يكمن في “تجميع القمامة بطريقة جيدة، حيث يمكن إيجاد مكب أو مصنع لإعادة تدوير النفايات البلاستيكية والمخلفات المختلفة والمواد العضوية التي يمكن تحويلها إلى أسمدة، للخروج من هذه المشكلة البيئية الخطيرة”.
ولفت إلى ضرورة إيجاد مساحة كافية لإنشاء مصنع لإدارة وتدوير المخلفات، بما يحافظ على البيئة ولا تكون له أي تأثيرات سلبية، معتبرًا أن هذا هو الحل الأمثل.
كما أوضح بدري لـ” منصة ريف اليمن” بأنه عند وجود مجمع للمخلفات بطريقة علمية صحيحة وصديقة للبيئة، بحيث لا تكون هناك آثار سلبية مثل الحرائق والدخان المتصاعد، أو تجمع الذباب أو الحيوانات، سيكون له أثر إيجابي إذا صُمم بطريقة هندسية فنية تراعي الاشتراطات البيئية والمعايير الدولية. واختتم حديثه مشددًا على ضرورة إيجاد مكب يتوسط مديريات تعز ويكون سهل الوصول إليه، ومجهزًا بطريقة فنية وهندسية.
يواجه طلاب القرى الريفية في محافظة لحج، جنوبي اليمن، صعوبات وتحديات كبيرة في الحصول على حقهم في التعليم، حيث حُرم الكثيرون منهم من تحقيق أحلامهم المستقبلية، في ظل مخاوف من مستقبل مجهول يشاركهم فيه ملايين الأطفال في اليمن.
ومع بداية العام الدراسي الجديد الذي انطلق في 31 أغسطس الماضي، يستقبل الطلاب والطالبات في ريف لحج عامهم بظروف قاسية، حيث يشكو أولياء الأمور من صعوبة توفير المستلزمات الدراسية، ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرون بها، يبذل الآباء جهوداً كبيرة لإبقاء أبنائهم في المدارس.
خلال السنوات الماضية، أجبرت الظروف المعيشية القاسية المئات من الطلاب اليمنيين، خصوصاً في المناطق الريفية النائية، إلى الابتعاد عن التعليم، إذ يعيش الأهالي والسكان ظروفاً معيشية قاسية، انعكست سلباً على مختلف مجالات حياتهم، وتسببت بحرمان أبنائهم من مواصلة تعليمهم المدرسي والجامعي.
يكافح الآباء في ريف لحج، من أجل تعليم أطفالهم؛ إذ يؤكد “سالم ناصر( 45 عامًا)”، أنه اضطر إلى التقشف وخفض الإنفاق الأسري لتوفير مستلزمات تعليم أبنائه الذين يواصلون تعليمهم المدرسي.
يعمل ناصر بالأجر اليومي ويكابد مشقة مضاعفة، ويقول لـ “منصة ريف اليمن”: “المشقة والجهد والتعب في العمل تحت أشعة الشمس الحارقة يهون علينا، لكن حرمان أطفالي من حقهم في التعليم لا يهون أبدًا”.
وأضاف: “لو وصل الأمر إلى الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم، سأفعل ذلك، سأبذل قصارى جهدي وأكافح ليل نهار في سبيل الحفاظ على تعليم أطفالي”.
بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ساهمت حالة عدم الاستقرار المستمرة في زيادة معدلات الفقر والنزوح القسري؛ مما فاقم الأزمة في التعليم؛ إذ اضطر العديد من الطلاب إلى ترك مقاعد الدراسة، إما للانخراط في سوق العمل لإعالة أسرهم، أو نتيجة التجنيد للانخراط في الصراع المستمر.
تقول انتصار وهي المديرة العامة لمكتب محو الأمية وتعليم الكبار في محافظة لحج: “الكثيرون حُرموا من أبسط حقوقهم في التعلم، خصوصًا في المناطق الريفية، حيث البنية التحتية الرديئة، وبعد المسافات، وغياب الأماكن الآمنة، كلها عوامل عمّقت من انتشار الأمية”.
صعوبات متداخلة
أدت سنوات الصراع في اليمن إلى تدمير البنية التحتية، وتشريد المجتمعات، وتعطيل تقديم الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم. ونتيجة لذلك، أصبح الوصول إلى التعليم، لا سيما للفتيات والنساء، أكثر صعوبة، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
أما من بقوا في المدارس، فيواجهون تحديات كبيرة تتمثل في الاكتظاظ داخل الفصول، وسوء تجهيز المرافق، والنقص الحاد في الكوادر التعليمية المؤهلة، وقد أدت هذه الظروف مجتمعة إلى تدهور جودة التعليم وتراجع فرص التعلم في جميع أنحاء البلاد، بينما تتحمّل النساء والفتيات العبء الأكبر، في ظل ارتفاع معدلات الأمية والتهميش والإقصاء الاجتماعي طويل الأمد.
ويعيش قطاع التعليم باليمن أسوأ مراحله، ولا سيما بالأرياف، نتيجة الأوضاع التي تمر بها البلاد، وعلى رأسها انقطاع مرتبات المعلمين الذين أُجبروا على ممارسة أعمال أخرى لتغطية تكاليف الحياة.
وبحسب الصليب الأحمر فإن 3 ملايين طفل غير قادرين على الذهاب إلى المدرسة، بينهم 1.8 مليون بحاجة إلى مساعدة تعليمية عاجلة.
الجهل وتفشي الأمية
بحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن نحو 1.5 مليون فتاة في اليمن حُرمن من التعليم خلال العقد الماضي، وسط تصاعد العنف والفقر وانعدام الأمن وتراجع الخدمات الاجتماعية؛ مما زاد من تعرضهن لمخاطر الزواج المبكر والحمل في سن صغيرة، مع ما يصاحبه من مضاعفات صحية خطيرة قد تفضي إلى الوفاة.
طوال أكثر من 40 عامًا، كرّست انتصار حياتها للنهوض بالتعليم، وخاصةً تعليم النساء. وشهدت عن قرب كيف أن ضعف المرافق، وانعدام المياه النظيفة، وسوء الصرف الصحي، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، كلها عقبات عطّلت عمل مراكز محو الأمية، التي تعاني أصلًا من نقص في التمويل والكوادر المدربة.
وتقول انتصار: “لقد دفعت الأزمة الاقتصادية والنزوح النساء والفتيات إلى هامش الحياة، وأصبحن مستبعدات من سوق العمل والمجتمع، لغياب التعليم والمهارات”.
ومنذ اندلاع الحرب في اليمن تراجعت العملية التعليمية، ووصلت إلى أدنى مستوى لها في تاريخ اليمن، خاصةً عقب توقف صرف الرواتب الحكومية أواخر عام 2016 ووفقاً لمؤشر دافوس الخاص بترتيب الدول العربية في جودة التعليم بها لعام 2021، كان اليمن خارج التصنيف نتيجة تدهور العملية التعليمية خلال سنوات الحرب.
تقول انتصار: “هدفنا ليس فقط تقليل نسبة الأمية، بل تمكين النساء، ودعم مشاركتهن في المجتمع، وتحسين سبل عيشهن، والمساهمة في بناء مستقبل أفضل”.
“انتصار” المديرة العامة لمكتب محو الأمية وتعليم الكبار ومركز تعليم النساء في لحج، تعمل في التعليم منذ 40 عاماً (UNDP)
التعليم والمستقبل
تُؤكد انتصار أن معالجة أزمة التعليم في اليمن تتطلب إصلاحات جذرية، تشمل تدريب المعلمين، وتخصيص ميزانيات واضحة، وربط التعليم بسوق العمل.
وأضافت في حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي: “إعادة تأهيل المدارس، وتوفير أدوات تعليمية ملائمة، وسد فجوات التوظيف، وتحسين رواتب المعلمين، كلها خطوات لا غنى عنها”.
وتشدد على أن “دمج تعليم القراءة والكتابة مع المهارات المهنية يفتح أبواب المشاركة للنساء في الحياة العامة وسوق العمل”.
وأوضحت أن الأمية لا تزال تهديدًا حقيقيًا، خاصةً للنساء والشباب والأطفال، “فهي تؤدي إلى التسرب من المدارس، وتراجع التفاعل الاجتماعي، وتزيد من ظواهر الجريمة، وتعاطي المخدرات، والاستغلال، والبطالة”.
وأضافت أن “التعليم هو أساس التنمية، فهو يمنح الفرد القدرة على التفكير النقدي واتخاذ قرارات مستنيرة، كما يعزز الحوار والتفاهم والمواطنة الفعالة، مما يؤدي إلى مشاركة أوسع في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين مستويات المعيشة، وتقليل الفقر، وبناء أجيال متعلمة وسلمية”.
وختمت حديثها قائلةً: “أحلم أن يأتي اليوم الذي نعلن فيه أن محافظة لحج خالية تمامًا من الأمية، سواء كانت أساسية أو مهنية. وأن تكون آمنة ومستقرة، وتوفر فرص تعليم متساوية للنساء والشباب والفتيات. أرجو أن يصبح كل فرد في لحج متعلمًا، قادرًا على بناء مستقبل أفضل لنفسه ولمجتمعه”.
ويواجه ملايين الأطفال الحرمان من التعليم في اليمن ،إذ تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إلى أن نحو 3.7 ملايين طفل يمني في سن الدراسة هم الآن خارج الفصول الدراسية.