الجمعة, فبراير 20, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 23

المرأة الريفية اليمنية نواة الصمود وصناعة الحياة

مع فجر كل يوم جديد، تخرج “نبيلة قاسم (37 عاما)” من بيتها الواقعة في منطقة الصرم التابعة لمديرية المسراخ، جنوبي تعز، محملة على رأسها عدداً من الجوالين الصغيرة المخصصة لتعبئة الماء، وأخرى على ظهر حمار اشترته ليعينها على نقل الماء، قبل أن تبدأ نهارها الطويل في مزرعتها الصغيرة.

الأرض التي كانت يوما قاحلة تحولت إلى مصدر حياة بفضل جهدها وإصرارها المتواصل رغم التعب والمشقة. تعد نبيلة مثالا لآلاف النساء الريفيات اللواتي يصنعن الحياة من قلب الأزمات، ويواجهن الجفاف والحرب والفقر بما تبقى لهن من عزيمة.

مع حلول اليوم العالمي للمرأة الريفية الذي يصادف 15 أكتوبر من كل عام، تتجدد الدعوات إلى ضرورة دعم النساء الريفيات، وتعزيز البرامج التعليمية والتدريبية التي تتيح لهن فرصا أوسع للمشاركة في الاقتصاد المحلي، فالمرأة الريفية ليست مجرد عاملة في الحقل، بل عمود الحياة في المجتمعات الريفية، لكن تلك الدعوات سرعان ما تغيب ولا يحدث لها أثر.


     مواضيع مقترحة

تقول نبيلة وهي أم لأربعة أطفال: “أستيقظ مع ساعات الفجر الأولى، وأقوم بتجهيز الطعام لأولادي حتى لا يتأخروا عن موعد الذهاب للمدرسة، وبعدها أتوجه إلى بئر القرية، وأقوم بجلب ما نحتاجه من الماء ليوم كامل”، وتضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “أحمل جزءا من دباب الماء (جوالين صغيرة) فوق رأسي وفي يدي، والجزء الآخر على ظهر الحمار”.

معركة يومية للبقاء

بعد عودتها من جلب الماء، تبدأ نبيلة رحلة جديدة من المعاناة، إذ تتوجه نحو الوادي لرعي ثلاثة رؤوس من الأغنام اشترتها لتعينها على صعوبات الحياة، بالإضافة للعمل داخل الأرض التي يملكها زوجها، من خلال جمع الحشائش وإصلاح التربة وغيرها من الأعمال المتعلقة بالزراعة.

لم تعد الزراعة في الأرياف اليمنية مجرد مهنة، بل معركة بقاء يومية تخوضها النساء في الحقول، حيث تؤكد تقارير البنك الدولي أن النساء يشكلن نحو 95٪ من القوى العاملة الزراعية في البلاد، وأكثر من 90% في مجال الثروة الحيوانية، ويقمن بأدوار متعددة تشمل الزراعة، والرعي، وإدارة المياه، وحفر القنوات، وتحسين أنظمة الري.

خلال السنوات الماضية، نفذت الحكومة اليمنية بالتعاون مع منظمات دولية، منها البنك الدولي ومنظمة الفاو، برنامج “الاستجابة الطارئة للأزمة”، الذي ساعد النساء على تعلم تقنيات الري الموفرة للمياه، والزراعة المقاومة للتغير المناخي. كانت هذه الخطوات بمثابة بصيص أمل في بيئة ينهشها الجفاف والتصحر، لكنها لم تكن كافية لتغطية احتياجات آلاف الأسر الريفية التي تقودها النساء.


تجبر الكثير من الفتيات على ترك التعليم مبكرا في الأرياف اليمنية  إما بسبب الفقر أو بُعد المدارس أو العادات والتقاليد المجتمعية


رغم هذه المبادرات، تبقى المرأة الريفية اليمنية محاطة بجملة من التحديات اليومية التي تجعل حياتها شديدة القسوة، كما أن نقص المياه وانقطاعها المستمر يشكل عبئا إضافيا، حيث تقع على عاتق النساء مهمة جلب الماء من مسافات بعيدة، إلى جانب أعمال الطبخ والزراعة ورعاية الأطفال.

بعد عودتها قبل الظهيرة، تبدأ نبيلة عملاً جديداً من خلال تجهيز وجبة الغداء، ومذاكرة الدروس لأولادها. “درست إلى ثامن ابتدائي، لكنني أحاول أن أذاكر لهم الدروس التي أستطيع فهمها، والمواد الصعبة كالرياضيات والفيزياء وغيرها تبقى دون مذاكرة، لا يوجد لنا حل آخر، خاصة مع تراجع جودة التعليم”، تقول نبيلة.

أنوار تضيئ عتمة الريف

تجبر الكثير من الفتيات على ترك التعليم مبكرا في الأرياف اليمنية؛ إما بسبب الفقر أو بعد المدارس أو العادات والتقاليد المجتمعية؛ مما يقلل من فرصهن في الحصول على مهارات مهنية جديدة أو المشاركة في مشاريع التنمية، ويزيد من ذلك الضغط الاجتماعي الذي يقيد حركتهن أو يحبط مبادراتهن بحجة العادات والتقاليد.

قصة نبيلة ليست استثناء، فهناك مئات القصص المضيئة في عتمة الريف، في قرية رحبان، التابعة لمديرية خدير، تحولت حياة أم محمد إلى معاناة بعد وفاة زوجها، لكنها بدأت رحلة كفاح طويلة، تتمثل في تربية أبنائها والعمل على توفير لقمة عيش كريمة لهم، فتقول: “تركني زوجي وحيدة بعد وفاته، لدي خمس أولاد، اثنان منهم مصابون بمرض فقر الدم، حاولت أن أتغلب على صعوبات الحياة، قمت ببيع ذهب كنت أمتلكه واشتريت مكينة خياطة وسجلت ضمن دورات لتعليم الخياطة”.

تضيف أم محمد لـ “منصة ريف اليمن”: “بدأت العمل، وعند البداية كان العمل متحركا، والنساء قمن بتشجيعي لكن العمل تراجع والحركة قلت نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة للمواطنين، فاضطررت لشراء بقرة وعدد من الأغنام، وحاليا أقوم برعايتها مع العمل في الوادي”، وتؤكد: “نحن نقاوم لكننا لم ننكسر”.

بحسب استطلاع أجرته منصة “WINDAP”، أشار أكثر من 92٪ من المشاركين إلى أن النساء اليمنيات يسهمن بشكل فعال في تمكين الاقتصاد المحلي، من خلال خلق فرص عمل، وتقليل البطالة، وتحسين معيشة أسرهن.

رغم هذه الأرقام الإيجابية، تبقى العقبات كثيرة، فالوصول إلى التمويل يمثل تحديا كبيرا، كما أن وعورة الطرق الريفية وبُعدها عن مراكز المدن يجعل من عملية التسويق عبئا إضافيا يزيد من كلفة الإنتاج، ويضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية؛ ما يجعل الاستدامة في المشاريع أمراً بالغ الصعوبة، كما أن العادات والتقاليد تعد من العوائق أيضا، إذ تواجه كثير من النساء نظرة مجتمعية تقلل من شأن العمل النسوي خارج المنزل؛ مما يحد من مشاركتهن.

رئيسة مؤسسة خطوات للتنمية “أنيسة اليوسفي” قالت إن المرأة الريفية في اليمن تواجه واقعا صعبا لا يختلف كثيرا عن نظيرتها في المدينة؛ إذ إن الخدمات في كلا البيئتين تكاد تكون معدومة، مؤكدة أن انهيار التعليم يمثل السبب الجوهري لتراجع وضع المرأة.

وأضافت خلال حديثها لـ”منصة ريف اليمن” قائلة: “طالما أن التعليم منهار، فإن المرأة الريفية لن تحصل على حقوقها، لأن غياب الوعي والدورات والفعاليات التي تنشر التثقيف في الريف يؤدي إلى انهيار منظومة القيم بأكملها”، مؤكدة أن المرأة الريفية تعاني من الظلم وحرمان الحقوق والمواريث والإقصاء في مختلف المجالات.

رعاية وتمكين

وتشير اليوسفي إلى أن المرأة الريفية تتحمل أعباء جسيمة داخل المنزل وخارجه؛ حيث تعمل في الحقل، وتعد الطعام، وتربي الأطفال، وتوفر المياه. تعمل كآلة لا تتوقف دون أي دعم أو تقدير، ودون أن تنال أبسط حقوقها، لكن أكدت أن  التعليم هو المفتاح الحقيقي لتمكين المرأة الريفية، لافتة إلى أن كثيرا من الفتيات في الأرياف يحرمن من مواصلة تعليمهن بعد المرحلة الابتدائية، بينما لا يسمح للبعض حتى بالالتحاق بالمدرسة، وإن حرمت الفتاة من التعليم، حرمت من الوعي والمعرفة بحقوقها، وبالتالي من القدرة على الدفاع عنها.


داليا محمد: واجب الدولة أن تنظر إلى المرأة الريفية كشريك أساسي في المجتمع فهي تتحمل مسؤوليات كبيرة جدا، في ظل ظروف صعبة وانعدام كثير من الخدمات


كما تناولت الناشطة المجتمعية الوضع الصحي قائلة إن الجهل وغياب التوعية الصحية يتسببان في فقدان كثير من النساء والفتيات حياتهن نتيجة أمراض بسيطة يمكن علاجها لو وجدت الرعاية الصحية اللازمة أو التوعية الكافية، واختتمت بالتأكيد على أن المرأة المتعلمة الواعية قادرة على النهوض بنفسها ومجتمعها، سواء كانت تعمل في الزراعة أو في أي مجال آخر، موضحة أن التعليم والتمكين يوفران للمرأة الأدوات والأساليب التي تجعلها أكثر إنتاجًا وإبداعا.

في حين أكدت الناشطة الحقوقية “داليا محمد”، أن من واجب الدولة أن تنظر إلى المرأة الريفية كشريك أساسي في المجتمع وليس كمجرد فئة مهمشة، فالمرأة الريفية في اليمن تتحمل مسؤوليات كبيرة جدا، في ظل ظروف صعبة وانعدام كثير من الخدمات.

ودعت محمد خلال حديثها لـ “منصة ريف اليمن”، الحكومة إلى أن تضمن للمرأة الريفية حقوقها الأساسية في التعليم، والصحة، والمشاركة الاقتصادية، وأن توفر بيئة آمنة تساعدها على العيش بكرامة، وتشرك في اللجان المحلية، واتخاذ القرار على مستوى القرى والمديريات، لأنها الأعرف باحتياجات مجتمعها، مؤكدة أن تخفيف معاناة المرأة الريفية لن يتحقق بالمساعدات المؤقتة، بل من خلال سياسات عادلة وتنمية مستدامة تضعها في قلب الخطط الحكومية.

كيف تكافح المرأة الريفية في اليمن لأجل العيش؟

في بلدٍ أنهكته حربٌ مستمرة منذ أكثر من عقد، وتحوّل فيه تأمين المعيشة معركة يومية في ظل تبدّد فرص العمل، وتتهاوى الخدمات الأساسية، لم تنكسر إرادة المرأة اليمنية، بل أعادت صياغة حضورها لتصبح في كثير من الأحيان عماد الأسرة وسندها الأول، وفاعلة في المجتمع المحلي بالعمل.

ومن رحم قسوة الحرب ولدت محاولات شجاعة، حيت اتجهت النساء في المناطق الريفية إلى الأرض للزراعة وتربية الماشية، والبعض منهن انخرطن في مشاريع وأعمال صغيرة متواضعة، مثل الخياطة وصناعة منتجات تغليفية وحرفية بسيطة، وفتحن المحلات لتتحول تلك الجهود الصغيرة إلى جدار يحمي أسرهن من السقوط الكامل في هوة الحاجة.

وخلال السنوات الماضية أخذت هذه المحاولات في التبلور على شكل مبادرات فردية وأخرى جماعية، ظهرت في محافظات عدة، ولم تكن مجرد أعمال للرزق، بل رسائل مقاومة هادئة في وجه واقع ثقيل، ودليلاً حيّاً على أن النساء، رغم كل الانكسارات التي شملت الجميع، قادرات على الوقوف والبقاء في وجه أزمات معقدة، ومتداخلة ومتراكمة منذ ما قبل الصراع.


        مواضيع ذات صلة

وبالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة الريفية، نبرز كيف صنعت النساء في اليمن فارقاً في المشاريع الصغيرة، التي وفرت سبل العيش وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والاعتماد على الذات في توليد الدخل، على الرغم من التحديات.

مبادرات مزدوجة للنساء

في واحدة من أكثر مناطق اليمن هشاشة، مديرية القبيطة بمحافظة لحج، عملت عشرات النساء في مبادرة غير مألوفة؛ تقوم بتصنيع منتجات تعمل بالطاقة الشمسية، في مسعى لتأمين دخل ثابت، وتحسين أوضاع أسرهن وتوفير موارد قيّمة لمجتمعاتهن في مهمة مزدوجة توفر مصدراً معيشياً للنساء، وتوفر خدمة للمجتمع.

وتدعم الطاقة الشمسية النساء لتعزيز سبل عيشهن وتوفير موارد قيّمة لمجتمعاتهن، حيث تم تدريب 175 امرأة على استخدام وتجميع وتسويق منتجات الطاقة الشمسية، مثل الفوانيس والأفران الشمسية، مع توفير إرشادات عملية ودعم مالي وعيني لإنشاء مشاريع دخل خاصة بهن؛ وفق تقرير البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة في اليمن.

وأشار في تقرير له إلى أنه تم إنتاج نحو 3000 فانوس شمسي و18000 فرن شمسي، تم توزيعها على الأسر المحتاجة، بما في ذلك أسر النازحين داخلياً، مؤكدة أن أثر هذا المشروع لا يقتصر على تلبية الاحتياجات الفورية للطاقة فحسب، بل يمتد أيضاً إلى تعزيز الاقتصادات المحلية المستدامة.

وقالت أماني، إحدى المبادرات: “منحت فرصة عمل وأصبحتُ أمتلك الآن مهارات أستطيع استخدامها لإعالة نفسي ومساعدة الآخرين في منطقتي”، مشيرة إلى أن ذلك “سيُحسّن حياة الأسر المحتاجة في المجتمع المحلي”.

نساء يعملن على إنتاج الأدوات الشمسية في مديرية القبطية – لحج (UNDP)

بدورها تعتزم “رندة”، استغلال المعرفة  لبناء مشروعها الخاص، ورأت أن هذا “لا يعود بالنفع عليّها وعلى عائلتها فحسب، بل يوفر أيضاً منتجات طاقة شمسية آمنة وبأسعار معقولة في مديرية القبيطة وخارجها.

وتُبرز المبادرة -وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي- تركيزها على الاستدامة والشمولية على المدى الطويل، إذ تُعزّز قدرة النساء، وتُرسي الأساس لمجتمعات أكثر اعتماداً على الذات.

وفي مديرية القطن بمحافظة حضرموت، انطلقت تجربة مشابهة ضمن ذات المشروع. “دلال” -إحدى المتدربات- قالت إنها تعلمت فهم كيفية بدء مشروع من الصفر وتحسين الدخل. وقالت: “يحتاج سوق العمل في اليمن بشدة إلى مثل هذه المبادرات لمعالجة صعوباتنا المعيشية، مثل الدخل المحدود”.

كما اعتبرت “مريم”، أن مشروع الطاقة الشمسية يهدف إلى “حماية البيئة والحد من معاناة الناس خلال فترة نقص الغاز من خلال الترويج للطاقة الشمسية المتجددة، وهو يُحسّن حياة الجميع هنا”، بدورها قالت سارة: “لقد تبنى مجتمعنا هذه المنتجات لأنها صديقة للبيئة وآمنة للاستخدام”.

وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “حصلت نحو 375 امرأة على تدريبات متقدمة في تقنيات الطاقة الشمسية ومهارات ريادة الأعمال، وتمكنت بعضهن من إنشاء مشاريع صغيرة لإنتاج وتسويق المنتجات الشمسية، كما جرى توزيع آلاف الفوانيس والأفران على الأسر المحتاجة، بما عزز الأمن الطاقي وخفّض الاعتماد على الوقود التقليدي”.

نساء الريف

“بالنسبة للنساء في ريف اليمن، لا يعد الحصول على الطاقة مسألة ممتلكات منزلية فحسب، بل يتجاوز ذلك كونه تعبيرا عن الكرامة والأمان، وصوتًا مسموعًا في مستقبل مجتمعاتهن”. وفق تقرير الأمم المتحدة.

تواجه المرأة في اليمن محدودية العبء اليومي الناجم عن انعدام الطاقة، يفتقر أكثر من 70% من سكان اليمن إلى كهرباء دائمة، مما يجبر النساء بصفتهن الأكثر تضررا من الفقر على قضاء ساعات في جمع الوقود، وهي معاناة مضاعفة.

عن التحديات التي تواجهها النساء، قالت “بشرى سلامة”، رئيسة جمعية المرأة للتنمية في حضرموت “تواجه النساء عوائق كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، وتحتاج المجتمعات الريفية إلى مزيد من الوعي بالإمكانيات التي توفرها الطاقة الشمسية بالحصول على الطاقة والدخل معاً”.

وتواجه اليمن أزمة كهرباء مزمنة تفاقمت مع الصراع المستمر منذ أكثر من 11 عاماً؛ ما جعل معظم السكان في مختلف المحافظات محرومين من هذه الخدمة الأساسية التي يفترض على الجهات المعنية أن توفرها.

وحتى في المناطق الحضرية التي ما تزال تتوفر فيها الكهرباء، فإن تكلفتها باتت تزيد بأكثر من 25 ضعفاً عمّا كانت عليه قبل الحرب، الأمر الذي دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على الألواح الشمسية المستوردة من الخارج، ومع ذلك، يظل سكان المناطق النائية يواجهون هذه الأزمة بصورة مستدامة دون حلول عملية تلبي احتياجاتهم لاسيما في ظل ضعف قدرتهم الشرائية.

واقع الأزمة الإنسانية

وتشير بيانات رسمية وأخرى تابعة للأمم المتحدة، إلى أن الحرب المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات أدت إلى أزمة اقتصادية خانقة انعكست على مختلف المؤشرات التنموية والمعيشية، حيث ارتفعت معدلات البطالة إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل اندلاع الصراع، لتصل إلى نحو 35 في المائة مقارنة بـ14 في المائة سابقاً، فيما فقد مئات آلاف العمال وظائفهم نتيجة توقف الأنشطة الإنتاجية وانكماش الاقتصاد، حسب ما سبق ونشرته صحيفة الشرق الأوسط.

وذكرت تقارير حكومية أن ما يقرب من 66 في المائة من السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في وقت تجاوزت فيه نسبة الفقر 78 إلى 80 في المائة من إجمالي السكان البالغ عددهم 32.6 مليون نسمة، يشكّل الشباب نحو 70 في المائة منهم، ما يجعل هذه الفئة أمام مستقبل غامض، وخيارات شبه مسدودة.

وأوضحت البيانات أن الاقتصاد اليمني انكمش بنحو 50 في المائة من الناتج المحلي، وتراجعت الإيرادات العامة، وارتفعت المديونية الخارجية، في حين وصلت نسبة التضخم إلى نحو 40 في المائة، وفق الصحيفة.

وتزامن ذلك مع تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي التي طالت نحو 60 في المائة من السكان، فضلاً عن نزوح أكثر من 4.3 إلى 4.5 مليون شخص داخلياً، يفتقر معظمهم إلى الخدمات الأساسية.

وتتكبد المرأة الريفية في اليمن العناء الأكبر في ظل الأزمة الإنسانية في البلاد وانعدام الأمن الغذائي، وتتحمل مشاق كبيرة في توفير المياه والعمل بالزراعة، وتتفاقم معاناتها بالنزوح المستمر، لكنها في ذات الوقت تمثل قوة ملهمة في الكفاح والحفاظ على تماسك أسرتها وخدمة المجتمع بتفاني.

ماهي المحاصيل الزراعية المجهدة للتربة؟

تُعد معرفة تأثير المحاصيل الزراعية على التربة من العوامل الأساسية لضمان استدامة الإنتاج، إذ تسبب بعض محاصيل الخضر إجهاداً كبيراً للتربة نتيجة استنزاف العناصر الغذائية، بينما تُسهم محاصيل أخرى في تحسين خصوبتها واستعادة توازنها.

ويساعد هذا الفهم المزارعين على اختيار المحاصيل المناسبة وفق قدرة التربة على التحمل، وتخطيط الدورة الزراعية بفعالية للحد من الاستنزاف وزيادة العائد الاقتصادي، وهو ما سنتطرق إليه في التقرير الإرشادي التالي.

المحاصيل المُجهِدة للتربة

تُعد هذه المجموعة من المحاصيل من أكثر الأنواع استهلاكاً للعناصر الغذائية الأساسية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، مما يؤدي إلى إجهاد واستنزاف التربة عند زراعتها بشكل متكرر دون تعويض العناصر المفقودة بالأسمدة العضوية أو الكيميائية.

تصنيف محاصيل الخضر وفقاً لدرجة إجهادها للتربة يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الزراعة المستدامة

أبرز المحاصيل المجهدة:

  1. الطماطم
  2. الباذنجان
  3. البطاطس
  4. البطاطا الحلوة
  5. القرنبيط
  6. الملفوف
  7. البامية
  8. الجزر

الخصائص:

  • استهلاك مرتفع للعناصر الغذائية، خصوصاً النيتروجين والبوتاسيوم.
  • إجهاد كبير للتربة بعد الحصاد، ما لم يتم تجديد خصوبتها بالتسميد المنتظم.
  • قابلية مرتفعة للإصابة بالأمراض التي تتراكم في التربة، خصوصاً في محاصيل العائلة الباذنجانية مثل الطماطم والباذنجان.توصية: يُفضل عدم زراعتها في نفس الأرض إلا بعد دورة زراعية لا تقل عن 3 سنوات، أو زراعتها بالتناوب مع محاصيل بقولية غير مجهدة لتحسين خصوبة التربة.

    مواد ذات صلة:


المحاصيل نصف المُجهِدة للتربة

تُعد هذه المحاصيل من الفئة متوسطة التأثير على خصوبة التربة، إذ تستهلك العناصر الغذائية بمستوى معتدل دون أن تؤدي إلى استنزافها الكامل، مما يجعلها مناسبة للزراعة ضمن خطط التناوب الزراعي.

أبرز المحاصيل نصف المُجهِدة:

  1. البصل
  2. الثوم
  3. الكراث يُعرف محلياً بـ”البيعة أو الخضرة أو القشم أو الخصار”
  4. الخيار
  5. البطيخ (الحبحب)
  6. الشمام
  7. الفجل يعرف أيضاً بـ”البقل – القشمي”
  8. البنجر يعرف أيضا بـ “الشوندر، الشمندر”
  9. البقدونس
  10. الكرفس

الخصائص:

  • استهلاك متوسط للعناصر الغذائية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، وتأتي في مرتبة وسط بين المحاصيل المجهِدة وغير المجهِدة.
  • مرونة عالية في الدورة الزراعية، إذ يمكن زراعتها بعد المحاصيل المجهِدة لتقليل إجهاد التربة، أو قبلها مع إضافة الأسمدة الأساسية.
  • تأثيرات متباينة في التربة؛ فبعضها كالبصل والثوم يمتلك تأثيراً مثبطاً لنمو بعض الميكروبات الضارة، لذا يُستحسن عدم تكرار زراعته المفرط في نفس التربة.توصية:يُنصح بزراعة هذه المحاصيل مع إضافة الأسمدة العضوية بانتظام، للمحافظة على خصوبة التربة واستمرار الإنتاج الجيد.

المحاصيل غير المُجهِدة للتربة

تُعد هذه المحاصيل من الأقل استهلاكاً للعناصر الغذائية للتربة، وغالباً ما تكون من البقوليات التي تساهم في تحسين خصوبتها عبر تثبيت النيتروجين الجوي.

أبرز المحاصيل غير المجهدة:

  1. الفاصوليا
  2. البازلاء
  3. الفول
  4. اللوبياء معروف محلياً بـ”الدجر”، ولها مسميات أخرى.

الخصائص:

  • تثبيت النيتروجين الجوي: تتعايش هذه المحاصيل مع بكتيريا “الريزوبيا” في عقد جذورها، حيث تحول نيتروجين الجو إلى مركبات نيتروجينية قابلة للامتصاص من قبل النباتات، وبالتالي تعزز خصوبة التربة.
  • تحسين بنية التربة: تمتلك أنظمة جذرية تساعد على تفكيك التربة وتحسين تهويتها.
  • دور أساسي في الدورة الزراعية: يُفضل زراعتها بعد المحاصيل المجهدة لتعويض العناصر الغذائية المستنزفة وإراحة التربة.
  • استخدام مخلفاتها: يمكن الاستفادة من مخلفاتها النباتية كسماد طبيعي لتعزيز خصوبة التربة.

تنويه: ينبغي للمزارعين الاعتماد على تحليل دوري للتربة ومراعاة ظروف المناخ والري لضمان نجاح الزراعة المستدامة.

مما سبق، يتضح أن تصنيف محاصيل الخضر وفقاً لدرجة إجهادها للتربة يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الزراعة المستدامة، إذ يتيح للمزارعين إدارة مواردهم بكفاءة، والحفاظ على خصوبة التربة وجودة الإنتاج، وضمان استمرارية العطاء الزراعي عاماً بعد عام.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

دَكاكين الأرياف.. شريان حياة للسكان

في قرية عقاقة بمديرية صبر الموادم بمحافظة تعز، يقف “عبدالرحمن ناجي” في دكانه (متجر صغير) الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، لبيع الاحتياجات الأساسية لسكان قريته، إذ ساهم في تخفيف مشقة السفر إلى أسواق المدينة التي تبعد مسافات طويلة وتكلف أجور نقل مضاعفة.

يواجه سكان القرى الريفية صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية؛ بسبب انعدام المحلات التجارية في القرى وبعد المسافة إلى المدينة، لا سيما النساء اللواتي يتكبدنَ معاناة مضاعفة، خصوصاً في المناسبات والأعياد حين تصبح الحاجة إلى شراء الملابس والأدوات المنزلية أمرًا لا يمكن تأجيله.

معاناة السكان هي التي دفعت بعض الأشخاص إلى افتتاح محلات تجارية في القرى، ووسط هذا الواقع، بدأت تتفتَّح قصص نجاح صغيرة، صنعت فرقًا ملموسًا، وخلقت اقتصادًا محليًا يزدهر رغم التحديات.


   مواضيع مقترحة

في البداية، لم يكن ناجي يملك سوى غرفة خشبية بجوار منزله ورأس مال متواضع لم يتجاوز 300 ألف ريال يمني (ما يعادل نحو 180 دولارا أمريكيا) لكنه بدأ ببيع الأساسيات من الأرز والسكر والزيت والدقيق، دون أن يتوقع أن يتحول متجره بعد سنوات قليلة إلى شريان حياة يغذي قريته.

دَكاكين الأرياف.. شريان حياة للسكان

شريان حياة

يقول إنه كان يبيع لِقُرابة 20 إلى 30 زبونًا يوميًا، لكن مع أول موسم دراسي أضاف أدوات بسيطة للطلاب، فارتفع الإقبال تدريجيًا. جاء التحول الأكبر مع أول عيد فطر بعد افتتاح متجره، إذ كان الأهالي يعانون من مشقة السفر إلى تعز لشراء الملابس.

ويضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “تمكنت من جلب كمية محدودة من الملابس والأحذية من أحد تجار المدينة، لكن المفاجأة أن البضاعة نفدت خلال أسبوع، فقررتُ أن أجعل من متجري وجهة موسمية للأهالي في الأعياد”.


أسهمت المحلات الصغيرة الريفية في تخفيف معاناة المواطنين، وتقليل الاعتماد على أسواق المدن الرئيسية، وخلقت نوعًا من الاكتفاء الجزئي الذي انعكس على حياة مئات الأسر


ورغم الإقبال يواجه عبدالرحمن تحديات النقل التي تكلف مبالغ كبيرة، نتيجة وعورة الطرق في القرى اليمنية، إذ يشكل افتقار سكان الريف لشبكة الطرق تحديا كبيرا لتنمية المجتمعات هناك وتحسين ظروف الحياة.

بحسب دراسة نشرتها مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن، لم تُعبّد إلا ٣٧٤٤ كم من الطرق الريفية حتى الوقت الحالي، وهذا لا يمثل سوى ٦.٤ في المائة من إجمالي شبكة الطرق و ٢١.٦ في المائة من إجمالي الطرق المُعبّدة.

تقول أم أحمد، إحدى نساء قرية عقاقة في صبر: “كنتُ أضطر للسفر إلى مدينة تعز قبل العيد بأيام، أتنقَّل في المواصلات مع أولادي لأشتري لهم ملابس العيد، وكنا نتعب كثيرًا”. وأكدت لـ “منصة ريف اليمن” أن المتجر “سهَّل علينا الكثير، حتى لو كانت الأسعار أعلى قليلًا من السوق؛ المهم أننا نرتاح ونجد ما نحتاجه قريبًا من بيوتنا”.

خدمات متنوعة

مع مرور الوقت، كوّن عبدالرحمن شبكة علاقات مع ثلاثة تجار جملة في تعز، يزوّدونه بالبضائع أسبوعيًا عبر سيارات النقل الصغيرة و توسّع متجره ليضم قسمًا للمواد الغذائية، وآخر للملابس والأحذية، وزاوية للأدوات المنزلية والتجميل، وأصبح عدد زبائنه يصل إلى 100 شخص يوميًا، ووفّر فرص عمل لشقيقه الأصغر واثنين من شباب القرية.

بحسب عبدالرحمن فإن أكثر من 70% من أسر القرية تعتمد على متجره بشكل شبه كامل، إذ ساعدهم على توفير 40% من تكاليف المواصلات الشهرية، وخفف عنهم مشقة السفر إلى المدينة لا سيما في المناسبات. ويضيف عبدالرحمن بابتسامة: “كنتُ أظن أني أفتتح مجرد بقالة عادية، لكني اكتشفت لاحقًا أني أُساهم في بناء حياة جديدة لقريتي”.


غياب الرقابة على متاجر الأرياف جعل سكان الأرياف يواجهون زيادات سعرية غير مبررة على كافة المواد الأساسية أنهكت مصادر دخلهم المحدودة، وضاعفت معاناتهم اليومية


وفي قرية الأصابح بمديرية الشماتيين افتتح أحد الشباب متجرًا صغيرًا للمواد الغذائية، ومع الوقت أضاف أدوات مدرسية وزاوية للألبسة. كذلك منطقة جبل حبشي، تحوّل متجر أسرة بسيطة إلى وجهة رئيسية للنساء لشراء مستلزمات المنازل الأساسية.

تجدر الإشارة إلى أن المحلات الصغيرة رغم بساطتها، أسهمت في تقليل الاعتماد على أسواق المدن الرئيسية، وخلقت نوعًا من الاكتفاء الجزئي الذي انعكس على حياة مئات الأسر، لكن سكان الأرياف يواجهون زيادات سعرية غير مبررة على كافة المواد الأساسية تنهك مصادر دخلهم المحدودة، وتضاعف معاناتهم اليومية.دَكاكين الأرياف.. شريان حياة للسكان

اقتصاد ريفي

ويصف الخبير الاقتصادي الدكتور “سامي الشرعبي” ظاهرة المتاجر الريفية بأنها اقتصاد ظل إيجابي، موضحاً أن “ما يحدث في الأرياف بتعز هو مثال واضح على قدرة المجتمعات على التكيف، هذه المتاجر الصغيرة ليست مجرد مبادرات فردية، بل هي منظومة اقتصادية موازية تخفف من حدة الفقر والبطالة”.

وأوضح الشرعبي لـ “منصة ريف اليمن” أن هذه المتاجر تُعيد توزيع الحركة التجارية من المدن إلى القرى. مشيرًا إلى أنه إذا تم دعمها رسميًا وتوفير قروض صغيرة لأصحابها، فإنها قد تتحول إلى مشاريع متوسطة تخلق فرص عمل وتبني اقتصادًا ريفيًا متماسكًا.

وتقدر “حنان الشريف”، وهي موظفة في مكتب وزارة الصناعة والتجارة قسم المشاريع الصغيرة في محافظة تعز أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة بنسبة 35% في عدد المتاجر الصغيرة بالأرياف، خاصة بعد الحرب وتراجع القدرة على التنقل. وبحسب الشريف تغطي هذه المتاجر تقريبا ما نسبته 60% من احتياجات الأسر الريفية الأساسية، كما أنها أسهمت في تقليص حجم الإنفاق الأسري على المواصلات بما يقارب 30 إلى 40% شهريًا.

حضرموت.. حظر صيد الوعول لمدة عامين لحماية التنوع البيولوجي

أقر لقاء تشاوري موسع عقد في مديرية تريم بمحافظة حضرموت، منع صيد الوعول لمدة سنتين كمرحلة أولى، وذلك بهدف حماية الحياة البرية من خطر الانقراض والحفاظ على التنوع البيولوجي في مناطق وادي ذهب (الهجاج) ووادي الخون (سويدف).

جاء ذلك خلال اللقاء الذي نظمه مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة بتريم والمديريات الشرقية تحت شعار “معًا من أجل حماية التراث الطبيعي والتنوع البيولوجي”، بالشراكة مع مركز خبراء الأرض لحماية البيئة ومؤسسة الرناد للتنمية الثقافية، بحسب وكالة الأنباء الحكومية.

وأقر اللقاء تشكيل لجنة من عقال الحارات وأبناء القنيص لمتابعة تنفيذ القرار، إلى جانب تكثيف التوعية المجتمعية، ومنع وفود القنيص من خارج المحافظة، ووضع لوائح إرشادية وتوعوية في مداخل الأودية والمدن والقرى.


    مواضيع مقترحة


وأكد مدير المديرية عبدالكريم بابطاط، أن هذا القرار يأتي في إطار الجهود المحلية للحفاظ على التراث الطبيعي، مشيرا إلى أن حماية التنوع البيولوجي مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا وتعاونا مشتركا بين المواطنين والجهات المعنية.

من جانبه، أوضح مدير مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة بتريم والمديريات الشرقية المهندس ماجد يادين، أن اللقاء يندرج ضمن برامج الهيئة لنشر الوعي البيئي وتعزيز مفهوم القنيص المسؤول، بما يسهم في حماية الأنواع المهددة وضمان استدامة الموارد الطبيعية في حضرموت.

وتواجه العديد من الحيوانات البرية في اليمن خطرا متزايدا بالانقراض، نتيجة التصاعد المقلق لظاهرة الصيد الجائر من قبل بعض السكان المحليين، في ظاهرة باتت تشكل تحديا حقيقيا يهدد مستقبل التنوع الحيوي في المحافظة.

وبحسب تقرير صادر عن مركز صنعاء للتنوع البيولوجي، فإن 7 أنواع من أصل 71 نوعًا من الثدييات البرية في اليمن تواجه خطرا شديدا أو انقراضا فعليا، بينها الوعل العربي، النمر العربي، الفهود، والظباء، ويؤكد التقرير أن معظم الثدييات الكبيرة تم اصطيادها حتى انقرضت، ويعزو ذلك إلى الصيد غير المنضبط، وتأثير الحرب على جهود الحماية البيئية.

المدرجات الزراعية في ريمة.. كيف دمرتها السيول؟

المدرجات الزراعية في ريمة.. كيف دمرتها السيول؟

يقف المزارع الثلاثيني “متوكل ردمان”، المنحدر من محافظة ريمة غربي اليمن، هذا العام حائرا على أطلال أرضه الزراعية التي ابتلعت السيول الموسمية الجارفة جزءا كبيرا منها، تاركة خلفها مساحات واسعة غير صالحة للزراعة.

يقلب ردمان كفيه بحسرة على محصول عامه الزراعي، وسط غياب أي وسائل حماية فعالة تحد من توسع مجاري السيول، وتحافظ على ما تبقى من أرضه الزراعية، أو تعيد تأهيل ما يمكن إصلاحه من الأراضي المطمورة لتزرع من جديد.

بمرارة يقول ردمان لـ”منصة ريف اليمن”: “نتقاسم السيول كل عام أرزاقنا، فتطمر أراضينا وآبارنا، ولا أحد يسأل عنا من الجهات المعنية”، مشيرًا إلى محاولة سابقة نفذها الصندوق الاجتماعي للتنمية عام 2012 لإنشاء مصدّات لحماية الأراضي الزراعية، لكنها ــ بحسب قوله ــ انهارت خلال عام واحد بسبب سوء التخطيط، والتنفيذ غير المتقن.


   مواضيع ذات صلة

وتعد محافظة ريمة الواقعة وسط السلسلة الجبلية الغربية من أكثر المحافظات وعورة، وتتميز بمدرجاتها الزراعية المهددة بالانهيار، ومع غياب الحواجز المائية وقنوات تصريف الأمطار، تتعرض الأراضي الزراعية سنويًا لخطر الطمر والانجراف؛ ما يفاقم معاناة المزارعين ويهدد الأمن الغذائي المحلي.

خسائر بشرية ومادية

ويضيف ردمان، مسلطًا الضوء على هشاشة البنية التحتية في منطقته: “تفتقر منطقتنا في وادي جرمة بمديرية السلفية، وكغيرها من مديريات المحافظة، لأي حواجز مائية تحفظ مياه الأمطار الموسمية أو تحد من تدفق السيول الجارفة على الأراضي الزراعية، كما لا توجد قنوات لتصريف مياه الأمطار أو مصدات فعالة لحماية التربة من الانجراف، ويجد المزارع نفسه وحيدًا في مواجهة هذه التهديدات البيئية، وسط غياب شبه تام لدور الجهات المعنية في معالجة الكارثة أو تقديم دعم وحلول مستدامة”.

ولا تقتصر تداعيات الأمطار الموسمية في المحافظة على طمر الأراضي وجرفها، بل تمتد لتطال الأرواح والممتلكات، وتكشف هشاشة البنية التحتية في مختلف المديريات. ففي أواخر أغسطس الماضي، شهدت مديرية الجعفرية حادثة مأساوية راح ضحيتها أحد المواطنين أثناء تنقله مع نجله على دراجة نارية، وقد نجا الابن بأعجوبة، فيما عُثر على جثة والده بعد عمليات بحث استمرت أكثر من ست ساعات، وفق شهادة المواطن “أحمد الواقدي”.

يوضح الواقدي أن أحد المنازل انهار على ساكنيه نتيجة الانهيارات الجبلية دون تسجيل خسائر بشرية، إلا أن عددًا من المنازل بات مهددًا بالانهيار، كما تعرض أكثر من 40 حاجزًا مائيًا في المديرية للجرف أو الطمر؛ ما أدى إلى تفاقم الأضرار في مزارع البن والفواكه المنتشرة، بالإضافة إلى نفوق عدد من المواشي والأبقار، وقطع الطرق المؤدية إلى قرية سحمة، مما زاد من عزلة السكان وصعوبة وصول المساعدات التي قدمها المجتمع المحلي.

المدرجات الزراعية في ريمة.. كيف دمرتها السيول؟
تفتقر مديريات ريمة لأي حواجز مائية تحفظ مياه الأمطار أو تحد من تدفق السيول الجارفة (ريف اليمن)

من جهته، وصف الشيخ “علي قايد سعد” ما حدث في الجعفرية بأنه “نكبة بيئية واجتماعية”، موضحًا أن الأمطار الأخيرة تسببت في انهيار حاجزين مائيين رئيسيين في قرية سحمة بشكل كامل، ما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من المياه وتضرر الأراضي الزراعية المجاورة. كما تسببت السيول في طمر وانهيار خزانات المياه المنزلية، مما فاقم أزمة مياه الشرب والاستخدام اليومي لدى الأهالي.

استجابة غائبة

ويشير سعد إلى تضرر الطرقات الداخلية والخارجية في بعض القرى بشكل شبه كامل؛ ما أدى إلى عزل التجمعات السكانية عن محيطها، وأعاق وصول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية التي قدمها المغتربون ورجال الأعمال من أبناء المنطقة. كما تعرضت عشرات المنازل والمزارع لأضرار متفاوتة، بعضها مهدد بالانهيار في حال استمرار الأمطار خلال الأيام المقبلة.

يرى المهندس المدني “هايل منصور” أن ما تشهده مناطق محافظة ريمة من كوارث بيئية خلال مواسم الأمطار يمثل مؤشرًا صارخًا على هشاشة البنية التحتية في المناطق الريفية، وغياب منظومات الطوارئ والاستجابة السريعة لتلافي الأضرار.

ويؤكد خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أن السيول الموسمية كشفت مجددًا عن ثغرات مزمنة في التخطيط العمراني بالمحافظة، أبرزها غياب الحواجز المائية الفعّالة، وانعدام قنوات تصريف الأمطار، وافتقار القرى الجبلية إلى وسائل مقاومة الكوارث.


لا توجد قنوات لتصريف مياه الأمطار، أو مصدات فعالة لحماية التربة من الانجراف ما يجعل المزارع وحيدًا في مواجهة هذه التهديدات البيئية.


ويضيف: “تكرار هذه الكوارث البيئية في ظل تغيرات مناخية متسارعة يضع المجتمعات الريفية في مواجهة مباشرة مع مخاطر متزايدة دون امتلاك أدوات المواجهة أو شبكات الأمان، ويرى أن الحل يكمن في تبني رؤية تنموية طويلة الأمد تبدأ بإنشاء صناديق مجتمعية في مراكز المديريات، تُدار بالشراكة بين الأهالي والسلطات المحلية، وتُموّل من جهات حكومية ومنظمات دولية.

ويوضح أن هذه الصناديق يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تمويل مشاريع حماية الأراضي الزراعية من الانجراف، وإعادة تأهيل المدرجات التي طمرتها السيول، إضافة إلى دعم المزارعين المتضررين عبر برامج جبر الضرر، وتوفير أدوات الزراعة المقاومة للمناخ، وتدريب المجتمعات المحلية على إدارة الموارد المائية. كما يشدد على ضرورة بناء قدرات فرق الاستجابة المجتمعية وتزويدها بالمعدات الأساسية، وإنشاء خرائط خطر تُحدث سنويًا لضمان التدخل المبكر والحد من الخسائر البشرية والمادية.

أهمية دعم المتضررين

ويوضح أن هذه الصناديق يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تمويل مشاريع حماية الأراضي الزراعية من الانجراف، وإعادة تأهيل المدرجات التي طمرتها السيول، إضافة إلى دعم المزارعين المتضررين عبر برامج جبر الضرر، وتوفير أدوات الزراعة المقاومة للمناخ، وتدريب المجتمعات المحلية على إدارة الموارد المائية. كما يشدد على ضرورة بناء قدرات فرق الاستجابة المجتمعية وتزويدها بالمعدات الأساسية، وإنشاء خرائط خطر تُحدث سنويًا لضمان التدخل المبكر والحد من الخسائر البشرية والمادية.

المدرجات الزراعية في ريمة.. كيف دمرتها السيول؟
جُرفت حواجز مائية في ريمة وتسببت بتفاقم الأضرار في مزارع البن والفواكه المنتشرة (ريف اليمن)

وفي السياق ذاته، أوضح مدير مركز الدفاع المدني في مديرية الجعفرية المهندس “عبدالرقيب السعيدي” أن المديرية تُعد من أكثر المناطق تضررًا في محافظة ريمة جراء الأمطار والسيول الأخيرة، غير أن غياب الإمكانيات الفنية واللوجستية حال دون توثيق حجم الأضرار بدقة، نظرًا للطبيعة الجغرافية المعقدة للمديرية وتوزع السكان على قمم الجبال ومناطق يصعب الوصول إليها، ما يجعل عمليات الحصر شبه مستحيلة في ظل الإمكانيات المحدودة.

وأشار السعيدي إلى أن مركز الدفاع المدني في الجعفرية يعمل بشكل تطوعي بالكامل دون أي دعم من الجهات المختصة، مؤكدًا أن المركز يفتقر إلى المعدات الأساسية والكوادر المدربة ووسائل النقل، مما يجعل دوره في مواجهة الكوارث محدودًا للغاية، وقد يكون معدومًا في بعض الأحيان.

وكانت الأمطار والسيول التي شهدتها المحافظة خلال أغسطس من العام الماضي 2024 قد تسببت في وفاة 6 أشخاص وتهدم أكثر من 430 منزلًا في 140 قرية و56 عزلة بمديريات المحافظة، بالإضافة إلى انقطاع 45 طريقًا فرعية ورئيسية، بحسب تقرير مركز الإعلام بالمحافظة. وحتى الآن، لا تتوفر إحصائيات رسمية حديثة عن حجم الأضرار التي لحقت بالمحافظة خلال العام 2025.

يشير الدكتور “مسعد عقلان”، المحاضر والباحث في مركز المياه والبيئة بجامعة صنعاء، إلى أن اليمن تشهد منذ عام 2015 تصاعدًا ملحوظًا في الأحداث المناخية المتطرفة، من أمطار غزيرة وفيضانات إلى ارتفاع درجات الحرارة ودورات جفاف متكررة. ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في كمية الأمطار، بل في غزارتها المفاجئة التي تتسبب بفيضانات واسعة خلال وقت قصير، ما يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة.


تسببت السيول في وفاة 6 أشخاص وتهدم أكثر من 430 منزلًا في 140 قرية و56 عزلة بمديريات المحافظة، بالإضافة إلى انقطاع 45 طريقًا فرعية ورئيسية، بحسب تقرير مركز الإعلام بالمحافظة


ويضيف عقلان أن السدود الخرسانية، رغم تقادمها ومشكلاتها، لا تمثل سوى جزء بسيط من التحديات، في ظل غياب الاستعداد المؤسسي والمجتمعي لمواجهة آثار التغير المناخي على الإنسان والحيوان والنبات. ويشدد على ضرورة صيانة مجاري السيول من أعالي المصب وحتى المناطق السكنية، وتفعيل التقنيات التقليدية لتوجيه المياه نحو الأراضي المفتوحة دون نقل المشكلة من منطقة إلى أخرى، وحماية الأراضي الزراعية والتربة من الانجراف بفعل السيول.

ويختم الدكتور عقلان بالتنبيه إلى أن المدن الأثرية والمباني التاريخية تأثرت أيضًا بالعوامل المناخية، وهي بحاجة إلى صيانة عاجلة من الجهات الرسمية والدولية، وعلى رأسها منظمة اليونيسكو. وعلى المدى البعيد، يدعو إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة تشمل التمويل المستدام، وشبكة إنذار مبكر واسعة النطاق، لتعزيز قدرة المجتمعات على التكيّف مع تقلبات الطقس والاستجابة لها وتجنّب مخاطرها.

اليمن تُسجل 10 قطع أثرية منهوبة في الإنتربول

اليمن تُسجل 10 قطع أثرية منهوبة في الإنتربول

نجحت اليمن في تسجيل عشر قطع أثرية منهوبة ضمن قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة، وهو إنجاز في إطار الكشف عن الآثار اليمنية التي تعرضت للنهب خلال العقود الماضية.

وقال الباحث اليمني المتخصص في الآثار، عبد الله محسن إن “هذه الخطوة جاءت بعد فقدان آلاف القطع الأثرية من المتاحف والمواقع التاريخية في مختلف المحافظات اليمنية، دون أي توثيق رسمي أو تحرك قانوني فعّال”.

وأضاف -في منشور على فيسبوك– “يُعد هذا التسجيل أول تحرك جماعي منذ 17 عامًا، حين تم إدراج تمثال المرأة البرونزية الجاثية على ركبتيها، المعروف إعلاميًا بـ”تمثال الراقصة”، في قاعدة البيانات الدولية”.

وشهدت اليمن خلال العقود الماضية موجة واسعة من نهب وتهريب الآثار، تفاقمت بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في العام 2015 ما أدى إلى فقدان آلاف القطع الأثرية من المتاحف والمواقع التاريخية، وسبقها عمليات نهب للمتاحف في عدد من المدن اليمنية.

الآثار اليمنية المنهوبة

جاء هذا التسجيل كشرط أساسي لإدراج صور وبيانات هذه القطع في متحف اليونسكو الافتراضي، الذي يعرض أكثر من 600 قطعة مسروقة من مختلف دول العالم بتقنية ثلاثية الأبعاد، بتمويل سعودي يُقدر بـ2.5 مليون دولار.

انتقد الباحث عبد الله محسن مرور أكثر من 30 عامًا على سرقة متحف عدن دون أي إعلان رسمي عن المسروقات أو توزيع نشرات للجمارك والجهات الأمنية، أو تسجيلها في قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة.

ودعا الباحث محسن، إلى مواصلة هذه الجهود وتوسيعها لتشمل تسجيل كافة القطع المفقودة من متاحف عدن، زنجبار، عتق، سيئون، وظفار، وغيرها من المواقع الأثرية، مؤكدًا أن حماية التراث اليمني مسؤولية وطنية وإنسانية.

وكشف تقرير يمني، بيع نحو 4,265 قطعة أثريةً يمنية في 6 دول غربية، عن طريق 16 مزاداً عالمياً أمريكياً وأوروبياً، وعرضت في أبرز صالات المزادات العالمية خلال 31 عاماً (1991-2022).

ووفق تقرير أصدره مركز الهدهد للدراسات الأثرية “فإن عملية ازدياد نشاط وتيرة بيع الآثار اليمنية خلال فترة الحرب، حيث بلغت 2,610 قطعة، منها 2,167 قطعة في الولايات المتحدة لوحدها، تجاوزت قيمتها 12 مليون دولار، وهناك 7 متاحف عالمية على 1,384 قطعةً أثريةً يمنيةً مهربةً ومسـروقة”.

وأصدرت السلطات الامريكية في فبراير 2020 قرارا يقضي بمنع دخول واستيراد أي قطع اثرية يمنية، وفي أغسطس 2023 وقعت الحكومة اليمنية مع الولايات المتحدة حول حماية التراث ومنع تهريب الاثار اليمنية المسروقة.

وأعلن في العام 2022 استرداد 79 قطعة اثرية ومخطوطة قرآنية قديمة تم ضبطها من قبل السلطات الامريكية وسلمت للحكومة اليمنية، وتم وضعها بصورة مؤقتة في متحف السميثسونيان بواشنطن حتى استعادة الاستقرار في البلاد، كما تم استرداد قطعتين اثريتين يمنيتين نادرتين في متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك.

تفاصيل 10 قطع أثرية؟

وتتضمن الوثيقة الرسمية الصادرة عن الإنتربول، والتي حصل عليها “ريف اليمن”، تتضمن معلومات تفصيلية عن عشر قطع أثرية يمنية، لوح حجري من الرخام، تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، بنقش مسندي باسم “معمّر” وقطع أخرى يعود تأريخها لآلاف السنين.

بالإضافة إلى تمثال راقصة برونزي: يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وهو أول قطعة يمنية سُجلت في الإنتربول، و25 قطعة ذهبية صغيرة على شكل دبوس، وهي عبارة مجموعتان من الزينة الدقيقة، بعضها مزين بزهور ثمانية البتلات، كانت تُستخدم لتزيين الشعر والملابس.

اليمن تُسجل 10 قطع أثرية منهوبة في الإنتربول
تمثال الراقص البرونزي من آثار اليمن المهوبة من المتحف في العام ٢٠٠٨

كما تم تسجيل 21 قطعة ذهبية على شكل دائرة زخرفية، عُثر على خمس منها، وكانت محفوظة في مخزن متحف عدن الوطني و سُرقت عام ٢٠١٠، وأيضا عدد من القطع الأثرية المسجلة شواهد قبور وتماثيل حجرية، تشمل رؤوس بشرية، نقوش لحيوانات، وتماثيل واقفة، تعكس التنوع الفني والمعماري في اليمن القديم.

ماذا يعني تسجيل الأثار لدى الإنتربول؟

تسجيل هذه الآثار في قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة (ID-Art) يعني أن هذه القطع مُدرجة رسميًا “مفقودة أو مسروقة”، وتخضع لمراقبة دولية حتى استعادتها إلى بلدها الأصلي اليمن.

وإدراج هذه الآثار في قاعدة بيانات الإنتربول يجعلها معروفة عالميًا، وهذا يعد تنبيه للجهات الأمنية والمتاحف والمعارض ودور المزادات وتجار التحف، والهدف منع بيعها أو تصديرها أو عرضها في أي مكان بالعالم.

ويمنح التسجيل حماية قانونية وآمال باستعادة القطع الأثرية المنهوبة، بحيث إذا عُثر على إحدى هذه القطع في دولة أخرى، يمكن لليمن المطالبة بها قانونيًا، تُستخدم هذه البيانات المسجلة في الإنتربول الدولي كدليل في قضايا استرداد الآثار أمام المحاكم الدولية.

وتمتلك اليمن إرث ثقافي وحضاري عريق منذ قرون قبل الميلاد، إذ تعاقبت عليه حضارات عريقة مثل سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وخلفت كنوزًا أثرية من معابد وتماثيل ونقوش ومدن كاملة بعضها ما زالت مطمورة لم تكتشف وتعود لآلاف السنين.

الصحة النفسية في الريف.. معاناة صامتة بين غياب الخدمات

تقرير: عبدالله قاسم – أسامة فرحان | ريف اليمن:

يجلس “حميد محمد (22 عاما)” قرب منزل طيني قديم في إحدى قرى محافظة حجة، يحدق في الفراغ بصمت طويل. كان حميد يوما شابا طموحا يساعد والده في الزراعة، لكن السنوات الأخيرة حملت له قلقا دائما وعزلة متزايدة. يقول شقيقه إسماعيل: “بدأ حميد يتغير بعد الحرب، صار يميل للوحدة وينام أياما دون كلام، وكلما حاولنا مساعدته يخاف ويغضب، كأنه يعيش في عالم آخر”.

حكاية حميد ليست استثناء، ففي الريف اليمني، تمتزج بساطة الحياة اليومية بقلق نفسي دفين لم يعد يخفى على أحد، فبين هموم المعيشة وضغوط الحرب والنزوح، يعيش آلاف اليمنيين في الأرياف معاناة نفسية صامتة لا تجد طريقا إلى العلاج، في ظل غياب شبه تام للخدمات النفسية المتخصصة.

ويمثل الريف اليمني بيئة فريدة، حيث تتشابك حياة الطبيعة والزراعة مع ضغوط اجتماعية واقتصادية متواصلة، ورغم هدوء الحياة الريفية وقوة الروابط الأسرية، يواجه سكانها تحديات نفسية عديدة غالبا ما تبقى خفية ولا تؤثر على الأفراد فقط، بل تمتد لتشمل الأسر والمجتمعات بأكملها.


   مواضيع مقترحة


وتعد الصحة النفسية التي يحتفل فيها في العاشر من أكتوبر من كل عام، أساس التكيف مع الذات والمجتمع، غير أنها تواجه عوائق متزايدة أبرزها الفقر، الضغوط الاقتصادية، وتغير أنماط الحياة، ويشكل الاحتفال فرصة لتسليط الضوء على الوضع النفسي المتفاقم في اليمن، خصوصا في المناطق الريفية.

ملايين المصابين وخدمات غائبة

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن واحدًا من كل أربعة يمنيين (أي أكثر من 5.5 مليون شخص)، يعاني من اضطرابات نفسية ويحتاج إلى رعاية طبية متخصصة، فيما لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في البلاد 58 طبيبًا فقط، و120 أخصائيًّا نفسيًا على مستوى الجمهورية بأكملها.

يؤكد الدكتور “علي راجح”، استشاري ومعالج نفسي، أن الصحة النفسية ليست ترفا، بل شرط أساسي لتمكين الأفراد من المشاركة في التعليم والعمل وبناء مجتمعات مرنة، مؤكدا أن إدماج الصحة النفسية في برامج التنمية يحد من العنف والجريمة، يعزز الإنتاجية، ويعيد الثقة المجتمعية، خاصةً في البيئات الهشة.

تقرير الأمم المتحدة في اليمن (2023) أوضح أن نحو 7 ملايين شخص بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، لكن فقط 120 ألفا لديهم وصول منتظم إلى هذه الخدمات، ويشير دليل جمعية الهلال الأحمر اليمني (2021) إلى أن نصف مرافق الرعاية الأولية مغلقة أو تعمل جزئيا، فيما تقتصر الخدمات غالبا على وصف الأدوية، من دون أي دعم نفسي أو اجتماعي، ما يزيد حالات الاكتئاب، إساءة استخدام العقاقير، ومحاولات الانتحار.

وكيل وزارة الصحة العامة والسكان المساعد لقطاع التخطيط، “جلال باعوضه”، قال إنه لا توجد إحصائيات محددة لعدد مراكز الصحة النفسية في أرياف اليمن، مشيرا إلى أن خدمات هذا النوع من الرعاية حاضرة جزئيا في بعض المناطق الريفية، عبر مشاريع تنفذها منظمات محلية ودولية تخصص جزءًا من برامجها للدعم النفسي”.

ويضيف باعوضه لـ “منصة ريف اليمن”، أن أسباب غياب المراكز تشمل الأوضاع السياسية الراهنة، وتدهور التمويل الحكومي لقطاع الصحة، ومحدودية الكوادر الطبية، ووعورة الطرق في الأرياف التي تعيق إيصال الخدمات، بالإضافة إلى ضعف الوعي المجتمعي، ونظرة البعض لمراجعة مراكز الصحة النفسية بوصفها وصمة عار اجتماعية؛ الأمر الذي يحدّ من الإقبال على مثل هذه الخدمات.

صدمات الحرب والنزوح

تقرير مشترك أصدره مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع جامعة كولومبيا كشف أن الحرب في اليمن خلفت آثارا نفسية واجتماعية مدمرة، من العنف والنزوح إلى الاختفاء القسري والغارات الجوية، إذ يحتاج أكثر من 20 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني 17 مليونًا من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 6.8 ملايين في حالة طوارئ غذائية.


“لا توجد إحصائيات محددة لعدد مراكز الصحة النفسية في الأرياف، وخدمات الصحة النفسية حاضرة جزئيا في بعض المناطق الريفية عبر مشاريع تنفذها منظمات محلية”.


وأشار التقرير إلى أن هذه الظروف أثرت بشدة على الصحة النفسية، مع ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق والانتحار، لا سيما بين الأطفال، حيث خرج أكثر من مليوني طفل من المدارس، ويعاني مئات الآلاف من سوء التغذية الحاد، وتجند نحو 1500 طفل قسريًا للقتال.

ويشير الدكتور “رمزي الرظمي”، طبيب عام في مستشفى ريفي بمحافظة حجة، إلى أن الريف اليمني يعاني من اضطرابات نفسية شائعة، أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة، الاكتئاب والقلق نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، والأمراض الذهانية مثل الفصام، التي غالبًا ما يُساء تفسيرها على أنها مس من الجن أو قوى خارقة.

ويربط الدكتور رمزي بين انتشار هذه الاضطرابات وعدة تحديات تعيق تقديم الدعم النفسي، منها نقص الوعي، ضعف البنية التحتية، غياب المتخصصين، الوصمة الاجتماعية، والتكاليف المادية الباهظة.

أما الدكتور “حسن جناح”، رئيس قسم الموارد البشرية بمكتب الصحة بمديرية كعيدنة محافظة حجة، فيقول إن هذه الاضطرابات تشمل القلق العام، واضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب واضطرابات المزاج، وصعوبات التكيف، واضطرابات الأطفال والمراهقين، وآثار الإدمان، والشكاوى الجسدية النفسية مثل الصداع وآلام المعدة.

وتتفاقم الحالات بسبب نقص الخدمات المتخصصة، صعوبة الوصول إلى أطباء نفسيين أو أدوية مناسبة، فضلًا عن الوصمة الاجتماعية، كما تواجه برامج الدعم النفسي والاجتماعي تحديات مثل ضعف البنية التحتية، ندرة الكوادر، صعوبات النقل، الظروف الاقتصادية والأمنية، نقص التمويل والتدريب، ضعف التنسيق بين الجهات، وغياب نظام بيانات لرصد الحالات ومتابعتها.

ويؤكد الطبيب النفسي “صخر الشدادي”، أن غياب مراكز الصحة النفسية في الأرياف ينعكس سلبا على العلاقات الأسرية والاجتماعية، فيظهر على شكل مشكلات زوجية وارتفاع حالات الطلاق، بالإضافة إلى تنامي مشكلات المراهقين والشباب وتراجع المستوى الدراسي وصعوبات التعلم بين الطلاب، دون أن يدرك كثيرون أن الأسباب نفسية في جوهرها وليست اجتماعية فقط.

ويشير إلى أن غياب مراكز الصحة النفسية يؤدي إلى تفاقم الحالات النفسية وعدم اكتشافها إلا في مراحل متقدمة، حين تصل إلى حد الفصام، الأمر الذي يجعل رحلة العلاج أطول وأكثر صعوبة على المريض وأسرته.

أمثلة حية من الريف

“عبدالسلام أحمد (25 عامًا)” من محافظة عمران يعاني من وسواس قهري وخيالات مخيفة، ما دفعه لتناول حبوب منوّمة، مسببة له السمنة، ويوضح والده قائلا: “لا يوجد في الأرياف أي مراكز أو أطباء نفسيين، وحتى في المدن العلاج مكلف جدًا”.


“وفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن واحدًا من كل أربعة يمنيين (أي أكثر من 5.5 مليون شخص)، يعاني من اضطرابات نفسية ويحتاج إلى رعاية طبية متخصصة”.


أما “عائشة صالح”، امرأة أربعينية من الحديدة، فقدت زوجها وتحملت وحدها إعالة أبنائها، مما تسبب لها بالقلق والأرق المستمر، رغم صلابتها الظاهرية، تقول صديقتها: “ما تمر به عائشة صدمة نفسية تحتاج إلى مختص، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى طبيب، والعقاقير التي تستخدمها لم تعد تجدي نفعًا.”

في محافظة تعز، تعاني مديرية الشمايتين من غياب المراكز المتخصصة بالصحة النفسية، وهو ما ينعكس سلبًا على الأهالي، خاصة في ظل ما خلفته سنوات الحرب من صدمات نفسية واضطرابات اجتماعية.

وبحسب مدير مكتب الصحة بالمديرية “عبدالله نعمان”، أنشأت إحدى المنظمات مؤخرا مركزا للدعم النفسي في بمدينة التربة، إلا أن المركز يعمل بإمكانيات محدودة، ما يجعله عاجزا عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، لافتا أن المديرية تحتاج ما لا يقل عن أربعة مراكز.

الوضع لا يختلف كثيرًا في مديرية المعافر، إذ يؤكد مدير مكتب الصحة، “طارق الحمدي”، أن المديرية لا تمتلك سوى مركز واحد مختص بالصحة النفسية، وهو غير كاف لخدمة السكان.

وفي محافظة أبين، يقول مدير مكتب الصحة، “محمد القادري”، إنه لا توجد مراكز مخصصة للصحة النفسية لا في عزل المحافظة ولا في مدنها، ويقتصر الأمر على بعض العيادات التي تقدم الدعم النفسي داخل المستشفيات الكبيرة. ويشير القادري إلى ضرورة وأهمية إنشاء مراكز متخصصة بالصحة النفسية في أرياف ومدن المحافظة.

أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، “جمهور الحميدي”، قال إن هناك الكثير من الحالات النفسية التي يعاني منها الافراد نتيجة الأحداث المؤلمة خلال الحرب في أرياف اليمن، والتي نتج عنها كثير من حالات الانتحار والسلوكيات غير الطبيعية التي ظهرت في الارياف أكثر من المدن.

ويشير الحميدي خلال حديثه لـ “منصة ريف اليمن”، إلى أن غياب مراكز الصحة النفسية يفتح المجال أمام المشعوذين والدجالين والممارسات الفردية التي لا يمكن أن ترتقي حتى إلى مستوى المساندة الاجتماعية، حد تعبيره.

خطوات نحو التعافي

يشدد الأطباء والخبراء على أهمية زيادة الوعي من خلال حملات شاملة بالتعاون مع الوجهات، مثل تأهيل الكوادر المحلية عبر تدريب المعلمين والمرشدين والمتطوعين على الدعم النفسي الأولي، وتوفير مراكز دعم متنقلة، وحث المنظمات الدولية على تخصيص ميزانيات أكبر، ويؤكدون على تمويل مستدام، وتعزيز التنسيق بين الحكومة والمنظمات الدولية، وتفعيل دور الكوادر المحلية، مع حملات توعية لتشجيع المجتمعات على طلب المساعدة دون تردد.

في سبيل تفعيل خدمات الصحة النفسية في الأرياف يقول وكيل وزارة الصحة العامة والسكان المساعد لقطاع التخطيط، جلال باعوضه، إن هناك توجهًا جادًا لوزارة الصحة نحو تغطية خدمات الصحة النفسية رغم محدودية الإمكانيات المتاحة.


يواجه ما يقدر بنحو 7 ملايين شخص حاليا مشاكل نفسية وغياب المراكز المتخصصة يفتح المجال أمام المشعوذين والدجالين والممارسات الفردية.


ويضيف باعوضه لـ ” منصة ريف اليمن” أن الوزارة تعمل على لفت انتباه المنظمات المحلية والدولية التي تنفذ مشاريعها في الأرياف إلى أهمية تخصيص جزء من مشاريعها لتقديم الدعم النفسي، معتبرًا أن ذلك يمثل خطوة أولى نحو سد الفجوة في هذا المجال.

ويشير الدكتور علي راجح إلى أن الجامعات والمراكز البحثية يمكن أن تلعب دورا محوريا في نشر الوعي وإنتاج المعرفة وتقديم توصيات علمية لصناع القرار، شرط دعم مالي واستقلالية بحثية وشراكات مع المجتمع المدني.

وعن نقص الكوادر الصحية، يؤكد باعوضه أن الوزارة “تنفذ حاليًا مشروع دبلوم الصحة النفسية، الذي يستهدف تدريب عدد من الكوادر في هذا المجال، وتعمل على توسيع المشروع ليشمل عددًا أكبر من الكوادر خلال الفترة القادمة، ليكون رافدًا مهمًا لتغطية الاحتياج المتزايد لخدمات الدعم النفسي”.

وتسببت سنوات الصراع في تهييج أزمة صحة نفسية متزايدة في مختلف أنحاء اليمن، ويواجه ما يقدر بنحو 7 ملايين شخص حاليا مشاكل نفسية وضغوط نفسية بسبب النزاع المستمر، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

كيف يواجه مزارعو ريف إب مشكلة الجفاف؟

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف (ريف اليمن)

على الرغم من برد الشتاء القارس في شهر يناير ذروة فصل الشتاء في اليمن، يعمل “محمد ناجي (60 عاماً)” بمزرعته في منطقة السياني جنوبي محافظة إب وسط اليمن، من أجل إصلاحها وتهيئتها قبل قدوم الموسم الزراعي الذي يبدأ في أبريل/ نيسان، تفادياً لمخاطر الجفاف خلال فترة هطول الأمطار الموسمية صيفاً.

العديد من المزارعين في ريف إب يعملون مثل “ناجي” بشكل مبكر لحماية الأراضي من الجفاف، يقضي هؤلاء معظم أوقاتهم خلال فصل الشتاء في تقليب التربة، حيث يبدؤون العمل في ديسمبر باستخدام معدات يدوية، لضمان امتصاص التربة لأول هطول مطري قبل موعد غرس البذور في موسمها المعتاد خلال أبريل/ نيسان.

تؤكد دراسة حديثة أجراها الخبير في الشؤون البيئية والمناخية، “عبد الغني اليوسفي”، أن محافظة إب -التي لطالما عُرفت بخصوبتها ووفرة أمطارها- تشهد تراجعًا مقلقًا في معدلات الهطول المطري خلال السنوات الأخيرة.


       مواضيع مقترحة

تتفحص هذه الدراسة الأسباب الرئيسية لتراجع هطول الأمطار الموسمية في محافظة إب، وبرغم إيرادها الممارسات البشرية السلبية التي تفاقم من حدة الجفاف وانخفاض مستوى هطول الأمطار، إلا أن الدراسة تشدد على تداخل هذه الممارسات مع العوامل المناخية التي تتسبب بتغيرات في أنماط الريح والحرارة.

أول الظواهر المناخية التي يرى اليوسفي فيها أحد أسباب الانخفاض الملحوظ في معدلات الأمطار بمحافظة إب تتمثل بتغير أنماط الرياح، حيث تهب رياح شديدة بسرعة تصل إلى 30-45 عقدة، تلعب هذه الرياح القوية دورًا حاسمًا في طرد السحب المحملة بالأمطار قبل أن تتمكن من الهطول فوق المنطقة.

يشكل ارتفاع الحرارة العامل الثاني؛ إذ تؤدي الزيادة في درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر من المسطحات المائية والتربة والنباتات، كما تقلل هذه الظاهرة من الرطوبة الكلية في الغلاف الجوي؛ مما يحد بشكل كبير من فرص تكوّن السحب وهطول الأمطار.

الاعتناء وتقليب التربة

لا يعرف ناجي شيئاً عن التغيرات المناخية، لكنه لاحظ تراجع هطول الأمطار في السنوات الماضية، وهو ما دفعه نحو مضاعفة الاعتناء بمزرعته باستخدام معدات يدوية تمكنه من الوصول إلى مناطق لا يمكن أن تصل عليها آلات الحراثة التي يكلف استئجارها مبالغ مالية باهظة تصل إلى نحو 10 ألف ريال في الساعة الواحدة.

عند حلول الموسم في أبريل وغرس بذور الذرة الرفيعة والذرة الشامية يحرص ناجي على مواصلة الاعتناء بمزرعته، وإنشاء المقالح الزراعية لحفظ المياه، والمقلح هو حُفرة صغيرة يقوم المزارع بحفرها بهدف الاحتفاظ بكمية كبيرة من المياه عند جذور النباتات. تختلف أحجام هذه الحُفر بحسب نوع الأشجار المزروعة؛ ففي زراعة الحبوب من الذرة الرفيعة والذرة الشامية يكون حجم المقالح متوسطة، أما في حالة الأشجار الكبيرة والمحاصيل الضخمة، يكون حجم المقلح أكبر.

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
العديد من المزارعين في ريف إب يرون، كما ناجي، في العمل المبكر حلاً لحماية الأراضي من الجفاف (ريف اليمن)

“حينما كانت تهطل الأمطار بغزارة وبشكل مستمر، كانت المياه تتغلغل إلى باطن التربة، مما يساهم في نضوج الثمار بشكل جيد، حيث كانت النباتات ترتوي تمامًا” يقول ناجي. ونتيجة لذلك، يتابع ناجي “كان المزارع يجد صعوبة في دخول مزرعته خوفًا من الانزلاق في التربة الموحلة بسبب شدة الأمطار”.

استمر الجفاف لأكثر من ثلاثة أشهر في العام الماضي “حتى ذبلت الثمار والزروع، وتراجعت المحاصيل الزراعية إلى أدنى مستوياتها. لم يحصد الكثير من المزارعين يومها سوى كميات قليلة مقارنة بسنين الخير الوفير”، بحسب ناجي.

ويتابع قائلاً لمنصة “ريف اليمن”: “بفضل الله، كانت ثمار مزرعتي جيدة، اعتنيت بالأرض وقمت بتقليب التربة في فصل الشتاء، ومع هطول أول قطرة مطر ارتوت الأرض بشكل جيد، وتمكنت من الحصول على نحو 500 كيلوغرام من الذرة البيضاء، على الرغم من شح الأمطار وتراجعها”، مشيرًا إلى أنه يتطلع إلى تحقيق محصول أوفر خلال الموسم الزراعي الحالي.

على خطى ناجي، رصدنا نحو 50 مزارعاً بمديريتي السياني والسبرة بمحافظة إب ممن يبذلون جهوداً مضاعفة في الاعتناء بالأرض. على الرغم من شح الأمطار مطلع الموسم الزراعي الحالي لكن ثمار مزارعهم تظهر عليها آثار العمل، وتبدو مختلفة تماماً عن بقية المزارع من حيث جودة المحصول، فهم قبل قدوم موسم الحصاد يتطلعون إلى الاكتفاء الذاتي من الحبوب.


محمد الحزمي: تقليب التربة والاعتناء بها خاصةً قبل الموسم الزراعي ينعكس إيجابًا على إنتاجية المحاصيل ويساعد في تحسين جودة التربة


يقول المهندس والخبير الزراعي “محمد الحزمي” لمنصة ريف اليمن إن “تقليب التربة والاعتناء بها، خاصةً قبل الموسم الزراعي، ينعكس إيجابًا على إنتاجية المحاصيل، ويساعد في تحسين جودة التربة وذلك “عن طريق منع انجراف الطبقات العلوية التي تحتوي على المواد العضوية والمواد المغذية الضرورية لنمو المحاصيل”.

كما ينصح الحزمي المزارعين اليمنيين في حال كانت الأرض على مجرى سيول أو مستوى الماء مرتفع بحفر مصارف للتخلص من المياه الزائدة. ويرى الحزمي أيضاً أن على المزارعين تسميد الأرض بسماد عضوي متحلل، وهو ما يستخدمه مزارعين كثير في ريف إب.

ويواجه المزارعون صعوبات في تقليب التربة، فهم يعتمدون على معدات قديمة، كما أنهم يعملون في البرد القارس، وفي الصيف يعملون تحت أشعة الشمس الحارقة.

وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، ليس بمقدورهم استئجار معدات زراعية متطورة لحرث التربة فيضطرون إلى العمل بأيديهم. ونتيجة لارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والمبيدات المختلفة، بالإضافة إلى انتشار الآفات الزراعية، وغياب التوعية والإرشاد وشح الأمطار، ترتفع تكاليف الإنتاج الزراعي، وتتقلص هوامش الربح.

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
مزرعة ذرة رفيعة في ريف إب تعرضت للإهمال وعدم الاعتناء (ريف اليمن)

تجميع مياه الأمطار

تؤكد دراسة لمركز صنعاء أن ندرة المياه هي المشكلة البيئية الأكثر وضوحًا وتهديدًا في اليمن، إذ تفتقر البلاد إلى الأنهار دائمة الجريان، مع وجود تفاوت كبير في مستوى هطول الأمطار من منطقة إلى أخرى.

وبحسب الدراسة فإن المصدرين الرئيسيين للحصول على المياه لتلبية الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية في اليمن يتمثلان في استخراج المياه من الآبار الجوفية، وحصاد وتجميع مياه الأمطار بالاعتماد على الطرق والممارسات التقليدية.

في ظل شح المياه لجأ العديد من المزارعين بريف إب إلى حفر وبناء الخزانات الأرضية وبناء السدود والحواجز المائية الصغيرة لحفظ المياه، حيث رصدنا نحو 20 مزارعاً بمديريتي جبلة والسياني ممن يستخدمون الخزانات لتجميع مياه الأمطار الموسمية والاستفادة منها في ري المحاصيل.

“عبده حزام، (55 عاماً)” كان من بين أوائل المزارعين ممن خطرت لهم هذه الفكرة، فعمل بنفسه منذ سنوات على حفر خزان أرضي لتجميع مياه الأمطار الموسمية من سطح منزله، والاستفادة منها في ري محاصيله؛ فهو يزرع الطماطم والبطاط والبامية وغيرها من الخضروات.

يقول حزام لـ “منصة ريف اليمن”: “خطرت على بالي فكرة الاستفادة من مياه الأمطار، لا سيما وأنها أصبحت تهطل بكميات قليلة، فكان قرار الاستفادة منها مهمًا خلال فترة الجفاف الطويلة”، مشيرًا إلى أن فترة الجفاف في هذا الصيف استمرت ثلاثة أشهر.

ويضيف: “عملتُ أنا وأبنائي على حفر الخزان الذي استمر العمل فيه عدة شهور حتى أتممناه، والحمد لله، أستفيد منه لري المحاصيل الزراعية خلال فترة الجفاف، كما أنني أزرع بعض الخضروات حتى في أيام الشتاء، مثل الطماطم والكزبرة”.

واجه حزام صعوبات وتحديات خلال العمل على تجهيز خزان الماء، من بينها ارتفاع أسعار الإسمنت والحديد، وارتفاع تكاليف نقل المواد؛ حيث كلفه العمل في الخزان مبالغ مالية باهظة تجاوزت مليون ريال يمني، أي ما يعادل نحو 1900 دولار أمريكي بسعر الصرف في إب. ولكن حزام تمكن من التغلب على كل تلك المعوقات من خلال العمل مع أولاده، واقتراض مبالغ مالية من أحد أقاربه كي يتمكن من إكمال مشروعه الذي يرى فيها خطوة للتغلب على مشكلة تراجع هطول الأمطار والجفاف.

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
رصدنا نحو 50 مزارعاً بمديرية السياني ومديرية السبرة بمحافظة إب ممن يبذلون جهوداً مضاعفة في الاعتناء بالأرض (ريف اليمن)

محاصيل بديلة

إثر تفاقم حدة الجفاف وتراجع هطول الأمطار الموسمية التي شهدتها محافظة إب، وبقية المحافظات اليمنية مؤخراً وانعكست سلباً على محاصيل الذرة الرفيعة والذرة الشامية، حوّل “حسن قاسم (67 عامًا)” إحدى مزارعه من زراعة الحبوب إلى البقوليات، فاستبدل زراعة الذرة الرفيعة بزراعة الفاصوليا.

يقول قاسم: “في الموسم الزراعي الماضي، قمت بزراعة ما يقارب 10 لبن، أي ما يعادل نحو 70 مترًا مربعًا، وسط استغراب كبير من المزارعين الذين انتقدوا مغامرتي بزراعة الفاصوليا وحدها دون محاصيل أخرى”، لأن غالبية الأراضي الزراعية في الوادي التي تقع فيها مزرعته يزرعون الذرة الرفيعة.

كما أن الذرة تعد من أهم المحاصيل التي يعتمد عليها السكان في تأمين الغذاء إذ يصنعون منها الخبز، وتوفر عليهم شراء القمح الذي يتجاوز سعر 50 كيلو منه نحو 14 ألف ريال يمني.

ولكن الفاصوليا -بحسب قاسم- لا تتطلب كمية كبيرة من الأمطار مقارنة بما تحتاجه زراعة القمح والذرة. زرع قاسم الفاصوليا مرتين في الموسم الزراعي الذي يستمر ستة أشهر، حيث إن مدة زراعة الفاصوليا هي ثلاثة أشهر فقط. وعلى الرغم من تراجع هطول الأمطار الموسمية في العام الماضي، حقق محصولًا وفيرًا مكّنه من بيع كميات كبيرة ساهمت في شراء الاحتياجات اليومية لأسرته من سكر ودقيق.

يؤكد قاسم أن شح الأمطار هو ما حفزه على تغيير نوع المحصول الذي يزرعه كي يتغلب على مشكلة الجفاف التي تؤدي إلى هلاك محاصيل الحبوب التي تتطلب كمية كبيرة من الأمطار طوال فصل الصيف.

بالمقارنة مع المحاصيل الأخرى، تتطلب البقوليات كميات أقل من المياه للنمو، بحسب ما يورده موقع The Grains and Legumes Nutrition Council في أستراليا التي تعاني أيضاً من شح الموارد المائية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للبقوليات تثبيت النيتروجين الجوي في التربة، مما يقلل الحاجة إلى الأسمدة النيتروجينية المصنّعة التي تتطلب كميات كبيرة من المياه لإنتاجها بحسب الموقع ذاته.

كيف يتغلب مزارعو ريف إب على مشكلة الجفاف
بالمقارنة مع المحاصيل الأخرى، تتطلب البقوليات كميات أقل من المياه للنمو (ريف اليمن)

وبحسب شو دونيو، المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، في مقالة منشورة على موقع الأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للبقول، تتميز البقوليات بأنها متعددة الاستخدامات ويمكن أن تنمو في التربة شديدة الفقر، وهذا يعني إمكانية زراعتها في المناطق التي لا يمكن زراعة محاصيل أخرى فيها كما تمكنها جذورها الأعمق والأكثر وفرة بالصمود في وجه الجفاف بشكل أفضل. وهذا أمر مهم بشكل خاص في الأماكن التي يستمر فيها الجفاف.

كما تشير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بأنه يمكن للبقوليات أن توفر المغذيات الأساسية للتربة، وتساعد على حفظ التنوع البيولوجي، وتحسّن بنية التربة، وتساعد على التخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف معه.

واجه قاسم لدى تغيير محصوله لأول مرة صعوبة شراء البذور، إذ يكلف شراء كيلو جرام واحد من الفاصوليا نحو 1200 ريال يمني. وهي تكلفة كان يمكن تفاديها لو استمر في زراعة الذرة حيث يمكن للمزارعين الحصول على البذور من محصول الموسم السابق. وهو ما سوف يستطيع فعله الآن في مواسم الفاصوليا اللاحقة.

تجربة قاسم هي واحدة من بين العديد من التجارب الزراعية بريف إب، حيث رصدنا نحو 25 مزارعاً بمديرية جبلة والسياني قاموا باستبدال زراعة محاصيل أخرى، لمواجهة التحديات المناخية المتمثلة بتراجع هطول الأمطار الموسمية جراء تداعيات التغيرات المناخية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.


*ُأنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

الغابة صغيرة.. ثاني عروض سينما الأربعاء لأفلام الحياة الريفية

عرضت سينما الأربعاء، فيلم “Little Forest” بالشراكة مع “منصة ريف اليمن” كثاني عروض شهر أفلام “الحياة الريفية”، وذلك تزامنًا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية الذي يصادف 15 أكتوبر، في إطار مشروع “سينما الأربعاء” الذي تُقيمه بيت الصحافة ومؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية.

“الغابة الصغيرة” وهو فيلم دراما كوري جنوبي ملهم أنتج عام 2018، يحكي قصة شابة تعود إلى قريتها لتكتشف ذاتها ومعنى الاكتفاء من خلال الزراعة والطهي والطبيعة.

وتواصل “سينما الأربعاء” بالشراكة مع منصة “ريف اليمن” من خلال هذا العرض تسليط الضوء على التجارب السينمائية التي تلامس واقع الريف وتعكس ملامحه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في محاولة لربطها ببيئة الأرياف اليمنية، تعزيزًا لدور الإعلام في تغطية قضايا الريف في اليمن.

وخصص شهر أكتوبر الحالي لأفلام الحياة الريفية تزامنا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية بهدف إبراز قضايا الريف اليمني ومعاناة سكانه عبر الفن السابع، وربطه مع الإنتاج الصحفي بالشراكة مع منصة ريف اليمن.