الجمعة, فبراير 20, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 20

طرق الوقاية من اللفحة المتأخرة في البطاطس

تُعد اللفحة المتأخرة المعروفة علمياً بـ (Phytophthora infestans) من أخطر الأمراض التي تصيب محاصيل البطاطس لما تسببه من خسائر كبيرة في الإنتاجية وجودة الدرنات، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى فقدان المحصول بالكامل إذا لم يتم السيطرة عليها.

تنتشر هذه الآفة بسرعة في الأجواء الرطبة والغائمة، ويمكن أن تنتقل من موسم لآخر عبر مخلفات النباتات المصابة أو بذور غير نظيفة، ومن الاسماء الشائعة لها: الحريق، الحطام، الفُحة.

يستعرض هذا التقرير الإرشادي على منصة ريف اليمن اللفحة المتأخرة في محصول البطاطس، موضحاً أسبابها وأعراضها وطرق الوقاية والمكافحة، بهدف الحد من الخسائر وتعزيز جودة المحصول.

المراقبة الحقلية للفحة المتأخرة

يُنصح بالمراقبة المستمرة للنباتات منذ مرحلة النمو الخضري وحتى تكوين الدرنات، مع الانتباه بشكل خاص للأيام الممطرة والغائمة، حيث تساعد المراقبة المبكرة في اتخاذ الإجراءات الوقائية قبل تفشي المرض بشكل واسع.


    مواد ذات صلة:


أسباب التعرض للإصابة بالآفة

  • الظروف المناخية: هطول أمطار غزيرة وأجواء غائمة ودافئة لفترات متواصلة يهيئ الظروف المثالية لتطور المرض.
  • انتقال المرض من المخلفات: بقاء مخلفات نباتات بطاطس أو طماطم مصابة من الموسم السابق في الحقل يزيد من احتمالية الإصابة.
  • انتقال المرض من الحقول المجاورة: يمكن للمرض الانتشار عن طريق الرياح، المطر، أو مياه الري من حقول مجاورة مزروعة بالبطاطس أو الطماطم.

أعراض الإصابة

  1. الأوراق: بقع شاحبة غير منتظمة تتحول تدريجياً إلى اللون البني، ثم إلى الأسود المائل للبنفسجي، مصحوبة بتعفن أحياناً.
  2. السيقان والسويقات: تلون السيقان الرئيسية والفرعية باللون البني إلى الأسود.
  3. الدرنات: ظهور بقع متعفنة بنية اللون تؤثر على جودة المحصول وقابليته للتخزين.

طرق الوقاية ومكافحة المرض

  • استخدام بذور نظيفة: اعتماد بذور خالية من الأمراض ومن مصادر موثوقة ومعتمدة.
  • التخلص من المخلفات: إزالة وحرق المجموع الخضري قبل الحصاد لتقليل احتمال انتشار المرض.
  • تطبيق الدورة الزراعية: زراعة البطاطس بعد فاصل زراعي مناسب لتقليل التراكم الفطري في التربة.

ممارسات الزراعة السليمة:

  1.  ضبط المسافات بين الخطوط والنباتات حسب التوصيات لضمان تهوية جيدة.
  2. تنظيم الري والتسميد لتعزيز مقاومة النبات.
  3.  زراعة البذور بالعمق المناسب وتسوية التربة لتغطية الدرنة بشكل جيد.

التخزين الآمن: حفظ الدرنات في أماكن جافة وباردة بعد الحصاد لتقليل فرص تعفنها.

توصلنا من خلال ما سبق إلى أن اللفحة المتأخرة مرض سريع الانتشار وله آثار سلبية كبيرة على إنتاج البطاطس وجودتها، ولهذا تساهم المراقبة الحقلية الدقيقة، استخدام بذور صحية، الالتزام بالدورة الزراعية، وتطبيق الممارسات الزراعية السليمة في الوقاية وتقليل الخسائر.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

الريف اليمني: مصدر إلهام الدراما المحلية

في لحظة خفت فيها أضواء المدن، عاد صناع الدراما في اليمن الى الريف، لا هربا من الحرب، بل بحثا عن النبض الأول للحياة، هناك بين الجبال والحقول الخضراء، وجدوا الصدق الذي غاب، والضوء الذي لا تصنعه المصابيح، فالريف لم يعد خلفية للأحداث، بل صار بطلا حقيقيا يعكس روح اليمن وذاكرته، ويمنح الدراما نكهتها الأصلية التي لا تشبه سوى هذه الأرض.

تصف الممثلة “عبير عبدالكريم” تجربة التصوير في المناطق الريفية بأنها “رحلة علاجية” تساهم في تحسين الحالة النفسية للفنانين، بعيدا عن ضغوط المدينة وضجيجها. وتقول لـ”منصة ريف اليمن”: “الريف يمنحنا شعورا مختلفا، فالطبيعة الخضراء والهواء النقي ينعكسان إيجابا على حالتنا النفسية، مما يعزز إبداعنا أمام الكاميرا”.


مواضيع مقترحة

الريف اليمني.. الغائب الأكبر في أجندة الإعلام المحلي
هل أنصفت الدراما اليمنية الريف؟
حملة صور وعرض سينمائي ضمن برنامج “الحياة الريفية”


وأشادت عبير بحفاوة استقبال الأهالي في القرى، قائلة: “يحتفون بنا بمحبة صافية، يقدمون لنا كل ما نحتاجه من طعام وخدمة دون مقابل، وكأننا في منازلهم، لا في مواقع تصوير”، مؤكدة أن هذا الدعم الإنساني يخلق بيئة عمل مريحة ومُلهمة.

أبعاد جديدة

وترى أن الدراما اليمنية المستوحاة من البيئة الريفية منحت الممثلين أبعادا جديدة في أدائهم، مؤكدة أن الشخصيات الريفية تحظى بحب وتفاعل كبير من الجمهور. وقالت: “عندما نقدم شخصية من الريف، نجد تفاعلا لافتا من المشاهدين، لأن الإنسان الريفي بسيط، لطيف، وعفوي، وهذه الصفات تجعله قريبا من القلب، هناك ممثلون جسدوا أدوارا بطولية ريفية لا تزال عالقة في أذهان الناس، وكانوا الأكثر بروزا  في أعمالهم بسبب قرب تلك الشخصيات من الواقع ومن وجدان المتلقي”.

الممثل “حسن الجماعي” من جانبه يؤكد  ألَّا فرق جوهريا في طبيعة العمل الدرامي بين الريف والمدينة، إذ يظل التمثيل هو نفسه، لكن الفارق ينعكس على المشاهد أكثر من الفنانين. ويقول الجماعي لـ”منصة ريف اليمن”: “نحن كممثلين نواجه صعوبات إضافية عند التصوير في الريف، مثل ضعف الإنترنت أو محدودية بعض الخدمات، لكن ما يخفف هذه التحديات هو طيبة الناس هناك وحفاوتهم، فهم يجعلوننا نشعر وكأننا بين أهلنا، وليس في موقع عمل بعيد”.

وشدد على أن أداء الممثل هو ما يصنع الفارق بغض النظر عن موقع التصوير، مضيفا: “سواء كان الدور في الريف أو المدينة، الممثل هو من يغير نظرة المشاهد إليه باجتهاده وصدق أدائه”.


الممثلة عبير عبدالكريم: تجربة التصوير في المناطق الريفية بأنها “رحلة علاجية” تساهم في تحسين الحالة النفسية للفنانين، بعيدا عن ضغوط المدينة وضجيجها.


ويؤكد المخرج اليمني “هاشم هاشم” أن الحرب في اليمن فرضت واقعا جديدا على صناع الدراما، لكنها في الوقت نفسه فتحت أمامهم أفقا مختلفا لاكتشاف الجغرافيا اليمنية فنيا. ويقول لـ”منصة ريف اليمن”: “لم نتعامل مع الحرب كعائق، بل كفرصة لإعادة النظر في المشهد البصري لليمن، فالريف لم يكن خيارا اضطراريا، بل قرارا فنيا وإنسانيا نابعا من رغبتنا في تقديم صورة صادقة عن اليمن الحقيقي؛ اليمن الذي ما زال نابضا بالحياة. رغم كل شيء في القرى والوديان والجبال وجدنا الضوء الطبيعي والصدق والبساطة التي نفتقدها في المدن”.

ويرى هاشم أن التصوير في الريف جمع بين التحدي التقني والفرصة الفنية، موضحا: “من الناحية التقنية واجهنا صعوبات عديدة، من صعوبة الوصول إلى المواقع، إلى ضعف البنية التحتية ومحدودية المعدات، لكن هذه التحديات منحت الصورة اليمنية طراوتها. “الريف حرر الدراما من النمطية البصرية، وسمح لنا بتقديم مشاهد أكثر صدقا وعمقا، وأداءً أكثر تلقائية. يمكن القول إننا لم ننجز أعمالنا الريفية رغم الصعوبات، بل بفضلها” يضيف هاشم.

الريف روح اليمن

أما عن مستقبل الدراما اليمنية في الريف، فيؤمن المخرج أن هذه البيئات قادرة على أن تتحول إلى مركز دائم للإنتاج الفني، حتى بعد انتهاء الحرب، مؤكدا: “الريف يمتلك روح اليمن وهويته البصرية، المدن قد تمتلك البنية التحتية، لكن الريف يحمل الذاكرة والإنسان، وهو جوهر الدراما الحقيقية. إذا تم دعم البنية الإنتاجية وتطوير الخدمات الفنية في هذه المناطق، فبإمكان الريف أن يصبح مدرسة جمالية للدراما اليمنية، كما حدث في تجارب عالمية كثيرة. المستقبل لن يكون لمن يملك المعدات فقط، بل لمن يملك الرؤية، والريف يمنح هذه الرؤية صدقها وعمقها”.

ويرى “أسامة الصالحي”، مدير البرامج والدراما في قناة يمن شباب، أن الريف اليمني يملك ثراء حكائيا وبصريا يجعله بيئة مثالية لصناعة الدراما، لكنه يؤكد أن جوهر العمل لا يتوقف على المكان بقدر ما يعتمد على جودة القصة وإبداع الممثلين.


الصالحي: “القصص في العادة أكثر ثراء في القرى، فالتفاصيل هناك غزيرة، والصورة الجمالية طبيعية وعميقة، الريف يمنح المخرج والممثل مادة خاما غنية بالحياة والعاطفة”.


يقول الصالحي لـ”منصة ريف اليمن”: “القصص في العادة أكثر ثراء في القرى، فالتفاصيل هناك غزيرة، والصورة الجمالية طبيعية وعميقة، الريف يمنح المخرج والممثل مادة خاما غنية بالحياة والعاطفة”. ويضيف: “تفاعل الجمهور لا يتحدد بمكان التصوير، بل بالقصة نفسها وبأداء الممثلين، نلاحظ مثلاً أن المشاهدين يتابعون مسلسل يوميات مواطن الذي صُوّر في المدينة بنفس الحماس الذي أبدوه تجاه مسلسل الجمالية المصوّر في الريف، لأن كليهما يقدّم حكاية قريبة من الناس، وصادقة في طرحها”.

وحول علاقة المكان بظروف الإنتاج، يوضح الصالحي أن الاختيار الإبداعي هو الحاسم: “نحن لا نُجبر على التصوير في الريف أو المدينة بسبب ظروف الإنتاج، بل نترك للقصة حرية تقرير مكانها الطبيعي بفضل تعاون الجهات الرسمية وتوافر الإمكانيات، يمكننا التصوير سواء في مدينة تعز أو في المناطق الريفية بالسهولة نفسها”.

يصف الأديب والناقد “قائد غيلان” المجتمع اليمني بأنه مجتمع ريفي في جوهره، موضحا أن مظاهر المدنية التي ظهرت في العقود الأخيرة لم تغيّر كثيرا من طبيعته العميقة، ويقول  لـ”منصة ريف اليمن”: “اليمن مجتمع ريفي بالأساس، والمدنية طارئة عليه حتى من يعيش في المدينة يبقى ريفيا في سلوكه وثقافته، فهو ريفي يسكن المدينة لا متمدن بالمعنى الحقيقي للتمدن، ولهذا فإن مشكلات المجتمع الريفي تمس الجميع، سواء في القرية أو في قلب المدينة”.

ويرى غيلان أن هذه الخصوصية تنعكس على الإنتاج الدرامي المحلي، الذي ما يزال أسير أنماط مكرّرة ويفتقر إلى روح التجريب، ويقول: “الدراما اليمنية ما زالت تجتر نجاحاتها القديمة عندما ينجح مسلسل تدور أحداثه في الريف، نجد أن بقية الأعمال اللاحقة تكرر نفس القالب دون محاولة للتجديد أو البحث عن صيغة فنية مختلفة، هناك خوف واضح من الفشل والخسارة، ولذلك تبقى الأعمال تسير في طرق مجرّبة سلفا، تناقش القضايا نفسها، وتستعين بالممثلين أنفسهم الذين حصدوا شهرة في الأعمال السابقة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي”.

تجربة مختلفة

ويختتم غيلان رؤيته بدعوة إلى التحرر من الخوف والانفتاح على التجريب الفني، معتبرا أن “الدراما الحقيقية لا تولد في مناطق الأمان، بل في لحظات المخاطرة والبحث عن الجديد”.

يصف الفنان “فهد القرني” تجربة التصوير في الريف بأنها تجربة مختلفة تماما عن العمل داخل المدن، فبينما تحاصر المدينة المخرج والمصور بجدران الإسمنت وضوضاء الشوارع وضيق المساحات، يفتح الريف أمام العدسة آفاقا أوسع من الجمال الطبيعي والعمق البصري والتنوع في الخلفيات.


 القرني: “تجربة التصوير في الريف تجربة مختلفة، فالريف يفتح أمام العدسة آفاقا أوسع من الجمال الطبيعي والعمق البصري والتنوع في الخلفيات”.


في المدن -كما يقول القرني لـ”منصة ريف اليمن”- يواجه فريق التصوير تحديات متعددة: الازدحام، الضجيج، صعوبة الحصول على مواقع مناسبة، إضافة إلى قلة التعاون من الناس بسبب طبيعة الحياة السريعة، أما في الريف، فالأمر مختلف تماما فبعد أيام قليلة من التصوير، يتحول السكان من مجرد متفرجين إلى شركاء فعليين في العمل، بروح فطرية من التعاون والحماس.

ويضيف: “تجربة تصوير الجزء الثاني من مسلسل يوميات مواطن، كانت أكثر سلاسة وتأثيرا مقارنة بالجزء الأول الذي صور في المدينة، حيث لمس الفريق تفاعلا أكبر من الأهالي الذين وفروا المواقع والمزارع والبيوت بسخاء”، ويرى القرني أن الدراما الريفية تمتاز بصدقها وجمالها وغزارتها الفكرية، إذ تحمل بيئتها بساطة الناس وعمق الحياة تلك التجربة كما في مسلسل الجمالية كما يقول، شجعتهم على العودة إلى القرى لتصوير أعمالهم القادمة، بعد النجاح الكبير الذي وجدوه في مناطق مثل الحجرية، حيث التقت الكاميرا بوجوه الناس ودفء المكان.

هكذا تبدو الدراما اليمنية اليوم، واقفة على تخوم التحول بين الريف والمدينة، بين الضرورة الفنية والهوية الثقافية. وفي زمن تتبدل فيه الملامح وتضيق المساحات، يظل الريف نافذة للإبداع ومأوى للجمال، ربما لا يمتلك صناع الدراما كل الإمكانيات لكنهم يملكون ما هو أثمن (إيمانهم بأن الضوء يمكن أن يولد من التراب وأن اليمن مهما أرهقها الخراب ما زالت قادرة أن تروي نفسها بصوتها الحقيقي).


* تم إنتاج هذه المادة من قبل منصة ريف اليمن ضمن مشروع سينما الأربعاء بالشراكة مع بيت الصحافة ومؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية.

عنب اليمن تحت الشِّباك والمناخ المتغيّر فوقهما

عنب اليمن تحت الشِّباك والمناخ المتغيّر فوقهما

في المرتفعات الشرقية لمحافظة صنعاء، ينتظر المزارعون حلولَ فصل الصيف ورياحه الموسمية المندفعة من صوب المحيط الهندي وبحر العرب، لكي يحملا المطر معهما، ولكن في يوم رمضاني من صيف سنة 2020، خيَّم وقعٌ ثقيلٌ على سكان مديرية بني حشيش الواقعة في تلك المرتفعات. ففوق الجائحة الوبائية وأخبار الموت، اجتاحت عاصفة غير مسبوقة قراهم وكروم العنب الذائعة. ظلّ المطر يصبّ على مدار ثلاثة أيام، وأحياناً بحبّات بَرَدٍ تشبه الحصى، لتفيض سيول تجرف شقاء موسمٍ زراعي بأكمله.

لم يبقَ شيء سوى غصونٍ مُتكسِّرة وعناقيد تالفة، وجدها المزارعون في الكروم حين زاروها بعد العاصفة. كان العلوّ عن سطح البحر بأكثر من ألفَي مترٍ يمنحهم نعمتَين. أولاً: منسوب أمطارٍ مرتفعٍ بفضل تكَدُّس السحب الموسمية فوق تضاريسهم الجبلية. وثانياً: عوامل طبيعية تسهم في نضوج حبّات العنب ببطء وتوازنٍ، على غرار الهواء الجاف، والرطوبة المنخفضة، وبالأخص الفارق الحراري الكبير بين النهار والليل. ولكنّ النعمتَين انقلبتا نقمةً، إذ أنذرَت العاصفة ببلوغ ظاهرة التغيُّر المناخي مرحلة متطرِّفة.


       مواضيع مقترحة

غريزة البقاء لا غير ما حرَّك المزارعين على الفور، دافِعةً بهم نحو البحث عمّا هو متوافر من وسائل وأدوات تحمي مصدر أرزاقهم شبه الوحيدة. ولأنّ النجاة ثمنها غالٍ على من لم يحظوا بدعمٍ حكوميٍّ وافٍ وسط الحرب، رضخ هؤلاء المزارعون بصورةٍ نهائية إلى فكرة «الشِّباك» رغم بدائيّتها. تُعرَف بـ «التَّل» أيضاً، وهي عبارة عن أغطية كانت تُمَدّ فوق دوالي الكروم لتجنيبها نقر الطيور، بينما يُراد منها في هذه المرة حماية كلّ حبّة عنبٍ من حبّات بَرَدٍ كأنّها بالفعل حصى لمن يراها.

التعلُّم بالتجربة

يمكن تقسيم أنواع العنب اليمني ضمن ثلاث فئات، وفق مقالة بعنوان: «عنب اليمن فيه العذارى وأطرافهن والعيون». وهي: «العسلي (الأبيض)، والأحمر، والأسود». «وتحت كل فئة»، تضيف المقالة، «تتفرَّع أصناف مختلفة يتم التمييز بينها بحسب معايير أبرزها حجم العنقود وشكله، وحجم حبة العنب وشكلها، وحالة اللحمة الداخلية، ووجود الحصرم من عدمه، ودرجة الحلاوة». كما أنّ التصنيف يشمل «مدى قابلية التجفيف إلى زبيب».

على هذا الصعيد، تُعدُّ مديرية بني حشيش من أشهر مناطق زراعة العنب، إلى جانب بني الحارث وخولان الطيال، وبني مطر. وتشير تقديرات  إلى أنّ إنتاجها يبلغ «50 ألف طن سنوياً»، أي ما يناهز 34٪ إلى 40٪ من إجمالي إنتاج اليمن بشكل عام.

هذا كلّه مهدّد؛ فما عكسته عاصفة صيف 2020 هو تطرُّف «النمط المَطَري» الذي كان سائداً في المرتفعات الشرقية لصنعاء، وفق التفسير العلمي الذي قدَّمه عدد من المختصّين. فمع ارتفاع درجات الحرارة، تتكوَّن سحبٌ مُشبَّعة بقدر أكبر، لتهطل أمطار أشد غزارةً طوال مدَّة زمنيةٍ قصيرة نسبياً، وغير منقطعة.

عنب اليمن تحت الشِّباك والمناخ المتغيّر فوقهما
تظهر الصورة مزراع العنب مغطاة بالشباك في بني حُشيش بريف صنعاء (ريف اليمن)

في الخلفية، ستتجاوز آثار التغيُّر المناخي الواقعَ الحالي، لتطال تاريخاً قديماً من زراعة العنب في مرتفعات صنعاء، وفي اليمن عامةً. فما قد يصير من الماضي بصورةٍ قاطِعةٍ لا رجعة فيها هي المقولة التاريخية الدّالة على مدى الجودة: «عنب اليمن وبلح الشام».

لا يتردَّد ابن بني حشيش، “علي جارالله”، بالتشديد على وجوب دعم مزارعي منطقته «من أجل الاستمرار». يوضح أنّهم «أناس على الفطرة، لا يدركون تماماً الأثر على الزراعة»، قبل أن يستدرك: «لكنَّهم يَتعلمون بالتجربة». ساقَت هذه الوضعية -وفقاً له- إلى تبنّي فكرة «الشِّباك» دوناً عن غيرها من الأدوات ذات الكُلَف الأعلى.

درعٌ واقٍ

كان علي جارالله مهندس طيران بالأصل، ولكنّه آثرَ عليها العنب وتجارته محلياً وخارجياً. له متجر شهير في صنعاء، اسمه «أصل العنب». بدوره، ابنُ عمّه وجاره، المهندس محمد، نذر نفسه للكروم. فلهذه الزراعة تقاليد عائلية ومواريث لا يطويها تبدُّل الزمان، ولكنْ صار تغيُّر المناخ عدوّها.

يعتبر كلاهما أنّ العنب «مصدر دخل وطني، وينبغي الحفاظ عليه»، خاصةً من خلال تعزيز حمايته بـ «الشِّباك». ويوضح المهندس محمد أنّ اللجوء إليها لم يزدَد سوى في السنوات الأخيرة مع ارتفاع حجم الخسائر، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنّ تصميمها «صار يتطلّب دقةً أكبر، وغدَت أضيق نسبياً». فهي تُرفع حالياً «على علوٍ أكبر لكي تُعزِّز حماية العرائش والدوالي من البَرَد»، لافتاً إلى أنّها «تتطلب صيانة دائمة، لضمان الاستفادة منها لأطول مدّة ممكنة».

كذلك يشرح المهندس أنّ «الشِّباك» تُستخدم عادةً لمدة شهرين لا غير. فتُزال عند اقتراب مرحلة نضوج العنب؛ «حتى لا تعيق عملية جني المحصول». ولكنّ لا يغفل أن يُنبِّه إلى أنّ الفكرة «ليست جديدة تماماً، إذ ظهرت منذ التسعينيات»، إنّما «في المزارع الصغيرة أو حيث تقل كثافة الأشجار».


تعد «الشِّباك» بمثابة درعٍ يقي تقلُّبات النمط المطري وحبّات البَرَد ولم تكن استجابة المزارعين لاستخدامه أمرًا سهلاً، خاصةً أنّها تُثقِل على كواهلهم مادياً


في برهانٍ على نجاعة الفكرة ومواءمتها القدرات المالية الهشّة في تلك المجتمعات المحليّة، تتحوَّل «الشِّباك» إلى أداةٍ في مختلف أرجاء زراعة العنب في اليمن. فهي، وفقاً لعلي ومحمد، «أداة تكيُّف مبتكرة» استجاب لها المزارعون بقناعة أكبر كلما لمسوا نتائجها المباشرة في تقليل الخسائر وضمان صمود موسم العنب.

صارت «الشِّباك» بمثابة درعٍ يقي تقلُّبات النمط المطري وحبّات البَرَد. وقد لاحظ المزارعون النتائج الملموسة منذ البداية: فبعدما حمت عناقيدهم من الطيور، ها هي تردع عنهم هطولاتٍ لا تُبقي ثمَراً ولا شجَراً.

 لكلِّ حلٍّ حدود

لم تكن استجابة المزارعين لاستخدام «الشِّباك» أمرًا سهلاً، خاصةً أنّها بدورها تُثقِل على كواهلهم مادياً. تُباع بالمتر الواحد، بعرضٍ يُقارب المترَين وطولٍ يصل إلى أربعة عشر متراً. وهذا ما يجعل تغطية مساحات واسعة من كروم العنب عبئاً مالياً يضاعف المصاريف، ويقلل هوامش الربح.

يضاف إلى ذلك أنّ نصب «الشِّباك» وإزالتها يتطلبان جهداً كبيراً. كما أنّ عمرها الافتراضي قصيرٌ، إذ قد تتمزق بسهولة في حال أسيء التعامل معها، أو تتلف تحت وطأة البَرَد القوي وأشعة الشمس الحارقة. ولن يعود الفضل في استمرارها سوى إلى حنكة المزارع وخبرته.

إلى جانب التكلفة والجهد، تُضاف عوامل أخرى تعيق الاكتفاء بـ «الشِّباك». ففي نهاية المطاف، هي لن تكون حلّاً أمام تشبُّع العنب بالماء وفقدانه الحلاوةِ، بسبب أمطار صارت تهطل في نهاية الموسم.

تعجز «الشِّباك» عن أن تتحوَّل إلى حلٍّ متكاملٍ ومستدامٍ يقي النظم الزراعية والغذائية آثار تغيّر المناخ. يأتي ذلك في وقتٍ يُنبِّه برنامج الأغذية العالمي في إصدارته إلى أنّ ما يُعين هذه النظم على أن تصمد في وجه التأثيرات الراهنة والمستقبلية، هي «الممارسات الجيّدة».

يمكن تقسيم أنواع العنب اليمني ضمن ثلاث فئات وهي الأبيض، والأحمر، والأسود (ريف اليمن)

وبينما يشدِّد البرنامج على أنّه لم يَسبق أن كانت الحاجة إلى التحرّك إزاء الآثار على هذه النظم «أكثر وضوحاً ممّا هي عليه اليوم»، تشير توصياته إلى أمرٍ يتعذَّر توفُّره كما يجب في بلد يعاني الحرب، وهو «دعم سياسات وخطط وإجراءات تكيّفية تحوّلية».

غير أنّ تلك العوامل والعوائق والسياقات كافة يُضاف إليها دليلٌ حاسمٌ من شأنه الإطاحة بإمكانية اعتماد «الشِّباك» حلاً على أي مدى زمنيٍّ كان. ففي دراسة صدرت هذا العام عن المجلة العلميّة المرموقة Physics and Chemistry of the Earth، بعنوان «استشراف التقلّبات المطرية فوق المرتفعات اليمنية عبر التنزيل الإحصائي للفترة 2026–2100»، يرِد أنّ «الهطول المطري في المرتفعات اليمنية يُتوقَّع أن يزداد على المقياس الزمني السنوي بنسبة قد تصل إلى 34٪ مقارنةً بفترة الأساس 1991–2020».

تلفت الدراسة إلى أنّ الآثار على المرتفعات الغربية لصنعاء ستكون أكبر، ولكنّها تشدد على أنّ المنطقة برمَّتها «شديدة الهشاشة أمام هذه التغيّرات والتقلبات». وفي الخلفية الأعم، ما هو على المحك، وفق الدراسة، هو «النظام الزراعي في مرتفعات اليمن، (والذي يعدّ واحداً) من أقدم الأنظمة الزراعية في العالم وأكثرها تطوُّراً».


*ُأنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

أسباب تساقط أزهار شجرة اللوز وطرق الوقاية

تُعدّ مرحلة الإزهار في أشجار اللوز من أدقّ المراحل وأكثرها تأثيراً على الإنتاج، إذ تعتمد كمية الثمار وجودتها على قدرة الشجرة في تثبيت الأزهار وتحويلها إلى عُقَد ناجحة.

ولأن كثيراً من المزارعين يشتكون من تساقط أزهار اللوز في مواسم التزهير، تستعرض منصة ريف اليمن في هذا التقرير الارشادي أبرز الأسباب مع توصيات للوقاية والعلاج.

أسباب تساقط أزهار شجرة

العوامل المناخية والبيئية:

  1. الصقيع وانخفاض الحرارة إلى الصفر أو ما دون: يسبب تلفاً مباشراً لحبوب اللقاح والمبايض، فتسقط الأزهار.
  2. الرياح القوية أو الجافة أو الحارة: تُضعف البتلات وتهز الأفرع فتُسقط الأزهار، كما تُعيق التلقيح.
  3. الأمطار الغزيرة أثناء الإزهار: تتسبب في تعفن الأزهار أو إسقاطها مبكراً.
  4. نقص الرطوبة الجوية وارتفاع الحرارة المفاجئ: يؤديان إلى جفاف المياسم وعدم اكتمال التلقيح.


    مواد ذات صلة:


العوامل الفسيولوجية والتغذوية

  • ضعف التلقيح ونشاط النحل: قِلة الملقِّحات نتيجة البرد أو الرياح تمنع عقد الأزهار.
  • عدم التوافق بين الأصناف أو العقم الذاتي: يمنع التحول من زهرة إلى ثمرة، خصوصاً مع زراعة صنف واحد فقط.
  • نقص العناصر الغذائية المهمة مثل:
    – الفوسفور — ضروري لتكوين الأزهار.
    – البورون والكالسيوم — يعزز زيادة العقد وتثبيتها.
    – الزنك — مرتبط بتكوين هرمون الأوكسين المسؤول عن التثبيت.
    ملاحظة: نقص هذه العناصر يؤدي إلى ذبول الأزهار وتساقطها.
  • الحمل الزهري الزائد: فتتخلّص الشجرة من جزء من الأزهار حفاظاً على توازنها الغذائي.
    ملاحظة: أسباب فسيولوجية = أسباب داخلية في الشجرة.
رش الأشجار بالبورون والكالسيوم قبل انفتاح الأزهار بتركيز وتوجيهات معينة، مع الحرص على عدم الإفراط في الاستخدام واستخدامها مع نظام الري

الأمراض والآفات

  1. لفحة الأزهار (العفن البني)
    – يظهر على شكل تلون بني أو رمادي للأزهار ثم جفافها وسقوطها.
    – ينتشر في الأجواء الباردة والرطبة وقد يؤدي لتلف فروع غضة.
  2. حشرة المنّ وغيرها من الحشرات الماصة: تمتص العصارة الزهرية وتضعف الأزهار وتُسقطها مبكراً.

ممارسات زراعية خاطئة

  • الري غير المنتظم: العطش أو الإغراق يمنع الإخصاب ويُجهد النبات.
  • الإفراط في التسميد النيتروجيني: يزيد النمو الخضري على حساب الأزهار.
  • التقليم غير المناسب: يخلّ بتوزيع الحمل الزهري.
  • الرشّ بمبيدات أو أسمدة ورقية أثناء الإزهار دون ضرورة: يطرد النحل وقد يسبب حروقاً للأزهار.
تجنب رش الأشجار بأي مبيدات حشرية أو محاليل رش أو أسمدة ورقية أثناء مرحلة انفتاح الأزهار لتجنب تساقط الأزهار أو طرد الحشرات النافعة كالنحل، ما لم يكن هناك حاجة ملحة لهذا الإجراء.

نصائح لتثبيت أزهار اللوز

  1. التسميد المتوازن
    / إضافة سماد غني بالفوسفور قبل بدء مرحلة التزهير.
    / الرش أو الإضافة بالبورون والكالسيوم قبل انفتاح الأزهار مع مراعاة الجرعات.
    / تجنب الإفراط في النيتروجين خلال هذه المرحلة.
  2. تنظيم الريّ بدقة
    / عدم تبذير المياه أو ترك التربة تجف كثيراً.
    / تحسين الصرف لمنع ركود الماء حول الجذور.
    ملاحظة: قدر كمية المياه وفقاً لرطوبة التربة والأمطار.
  3. حماية التلقيح
    / دعم وجود خلايا نحل في البساتين.
    / تجنب الرشّ في وقت نشاط النحل أو أثناء انفتاح الأزهار إلا للضرورة القصوى.
  4. الوقاية من الأمراض
    / إزالة الأزهار المصابة وحرقها.
    / تنفيذ رشّ وقائي قبل الإزهار وعند بدايته بمبيدات فطرية معتمدة ضد العفن البني.
  5. تهيئة المزرعة:
    / اختيار أصناف متوافقة في التلقيح.
    / تقليم متوازن يضمن الإضاءة والتهوية داخل الشجرة.
    / مراقبة التنبؤات الجوية واتخاذ إجراءات حماية عند توقع الصقيع.

إذا من خلال ما سبق توصلنا إلى أن تساقط أزهار اللوز ليس سبباً واحداً بل تفاعل لعوامل مناخية وتغذوية ومرضية وإدارية، وباتباع ممارسات زراعية صحيحة، يمكن للمزارع أن يقلل الخسائر ويحقق إنتاجاً أفضل وأكثر استقراراً مع كل موسم.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

موسم اصطياد الحَبَّار في تهامة بين الموروث والرزق

مع بداية موسم اصطياد سمك الحَبَّار، تتحول سواحل تهامة والبحر الأحمر إلى مسرح حي لحركة الصيادين، حيث تبدأ رحلة البحث عن أحد أهم الثروات البحرية في اليمن، ومعها تتنوع الحكايات بين الرزق اليومي، والموروث المتوارث عبر الأجيال، وبين التحديات التي تواجه البحّارة ومجتمع الصيادين.

الحَبَّار حيوان بحري من الرَّخَويات الشائعة في المناطق الدافئة كالبحر الأحمر والبحر المتوسط، كما يوجد في المياه الضحلة والعميقة على حد سواء، ويستمد تسميته نظرا لوجود غدة بأحشائه تفرز سائلا أسود كالحبر يطلقه في سحابة يختفي وراءها عن نظر الأعداء.

يقول “باسل جابر”، وهو أحد الصيادين في تهامة: “من مطلع أغسطس يبدأ موسم اصطياد الحبار في تهامة وسواحل البحر الأحمر، أخرج من المنزل الصباح وأرجع بعد صلاة العصر، أ ستخدم (قارب) هواري للاصطياد، لديه شراع مصنوع من القماش، وأعود عادة بكمية من الحبار”.


 مواضيع مقترحة


أما الصياد “سليم أحمد”، فيرى أن الليل أكثر سخاء في منح الرزق، إذ يقول “أفضل صيد الحبار بعد صلاة المغرب، أحياناً أعود بلا صيد، وأحيانا أعود بصيد كثير، وهكذا”، لخص بكلماته حال البحّارة الذين يتأرجح رزقهم بين وفرة وغياب.

في سوق السمك بمدينة الحديدة، حيث يختلط صخب الباعة برائحة البحر، يقول التاجر “مروان حميدان”: “يدخل السوق يوميا من 3 إلى 4 أطنان من الحبار خلال الموسم، من أغسطس حتى أكتوبر، هذا الموسم ينعش السوق ويؤمن دخلا مهما لعشرات الأسر الساحلية”.

غذاء واقتصاد

يشرح الدكتور “يحيى فلوس”، أستاذ الأحياء البحرية والمصائد في كلية علوم البحار بجامعة الحديدة، أهمية هذه الثروة: “الحبار (المعروف محلياً باسم السمَع أو البنجيز)  يُعد من الثروات البحرية المهمة في اليمن، حيث تلعب الصادرات دوراً حيوياً في الاقتصاد اليمني”.

كما أن الحبار، بحسب فلوس، من أهم الرخويات البحرية ذات القيمة الاقتصادية العالية في البحر الأحمر، فهو غني بالبروتين عالي الجودة، ويحتوي على فيتامين B12 المهم لصحة الأعصاب وتكوين خلايا الدم، إضافة إلى الحديد والبوتاسيوم، كما يحتوي على مواد طبيعية تعزز القدرات العقلية مثل الدوبامين.

ويضيف: “صادرات الحبار تسهم في دعم الاقتصاد اليمني، إذ يُصدَّر إلى عدة دول آسيوية وأوروبية، ويصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى نحو 4 دولارات أمريكية، فيما ترتفع الأسعار أحيانًا بحسب الجودة ومناطق الاصطياد”.

أما “أحمد البهيشي”، الباحث في مجال المصائد السمكية، فيوضح أن الحبار يحتل مركزًا متقدمًا في قائمة الصادرات البحرية اليمنية، ويقول: “الحبار يأتي في المرتبة الأولى أو الثانية من حيث الأهمية التصديرية”.

ويضيف: “الكميات متوفرة بشكل جيد، والقيمة السعرية تصل إلى 20 دولاراً للكيلو، وهو ما يشكل مردوداً غير عادي، يمثل الحبار أهمية قصوى للشركات اليمنية التي تصدره بالأطنان إلى شرق آسيا وأوروبا، كما يشكل مورداً اقتصادياً مهماً للصياد نفسه”.

موروث ثقافي واجتماعي

يرى “عبدالله عايش”، معيد بكلية علوم البحار – جامعة الحديدة، أن اصطياد الحبار ليس مجرد مهنة تقليدية يقتات منها الصيادون، بل هو موروث ثقافي واجتماعي واقتصادي متكامل، ارتبط بذاكرة البحر ووجدان المجتمعات الساحلية عبر الأجيال.

ويشير عايش إلى أن البعد التراثي والثقافي للصيد جعله جزءاً من الهوية الساحلية وطقساً متوارثاً، فيما يحمل بعداً اجتماعياً يتمثل في التعاون العائلي؛ إذ يخرج الرجال للصيد بينما تنتظر الأسر حصيلة الرحلة وتستعد لاستقبالها.

أما من الناحية الاقتصادية، فيمثل الحبار مورداً أساسياً للرزق؛ إذ يُباع في الأسواق إما طازجاً أو محفوظاً بالثلج أو مملحاً أو مجففاً، وهو ما وفر على مدى سنوات مصدر دخل ثابتاً لكثير من الأسر الساحلية.

يؤكد عايش أن للصيد أيضاً بعداً مهنياً، حيث تنتقل الخبرة من الآباء إلى الأبناء، لتبقى هذه الحرفة حاضرة في وجدان المجتمع، بينما يتحول عند آخرين إلى هواية بحرية تضيف بعداً ترفيهياً للصيد، ولا يغيب البعد الغذائي للحبار، إذ يُعد جزءاً تقليدياً من النظام الغذائي في تهامة والمدن الساحلية، حيث تتنوع طرق إعداده بين الطهو المباشر أو الحفظ لوقت لاحق.

يضيف: “خبرات الصيادين لم تقتصر على معرفة مواسم الصيد وأوقاته، بل امتدت إلى طرق التصنيع التقليدية مثل التجفيف والتمليح والتثليج، وهو ما جعل من الحبار ركناً أساسياً في الموروث البحري وذاكرة المجتمعات الساحلية في اليمن”.

تحديات مناخية

يمتد قطاع صيد الأسماك في اليمن على مساحة 2,500 كيلومتر من الساحل، ويساهم بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوظف ما يقرب من 2% من القوى العاملة، وعلى الرغم من إمكاناته، فإن الصراع المطول والصدمات المناخية والبنية الأساسية القديمة أعاقت نمو القطاع، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

الباحث “هزاع كداف” قال إن الحبار يعدّ من أكثر الكائنات عرضة للتأثر نظرًا لقصر دورة حياته وحساسيته للتغيرات البيئية، وأوضح أن أبرز العوامل التي تحدد مستقبل هذا الكائن البحري تتمثل في ارتفاع درجة حرارة مياه البحر، وتوفر الغذاء، ومستويات حموضة المياه إضافة إلى توفر المأوى أو المسكن، وكذلك تغيّر معدلات الملوحة.

ويضيف كداف أن كل نقطة من هذه التحديات تحتاج إلى تفسير علمي مستقل، إلا أنها مترابطة بشكل وثيق، ويقف وراءها العامل الأساسي المتمثل في التغير المناخي العالمي.

من جهته يقول عايش إن التغير المناخي وارتفاع حرارة المياه يؤثران على تكاثر الحبار ومواسم هجرته، فيما يؤدي التلوث البحري إلى نفوق جماعي لليرقات.

ويضيف: “التغيرات في التيارات البحرية والرياح تغيّر من توقيت مواسم الاصطياد ونجاحه، فضلاً عن الصيد العشوائي والمفرط، والصراعات البحرية والعسكرية التي قد تهجر الصيادين من مناطقهم”.


يساهم القطاع السمكي بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف ما يقرب من 2% من القوى العاملة وعلى الرغم من إمكاناته فإن الصراع والصدمات المناخية  أعاقت نموه.


رغم كل هذه التحديات، ما زال الصياد اليمني متمسكا بالبحر كمنفذ للأمل، يقول الباحث أحمد البهيشي: “رغم الظروف الصعبة، يظل الحبار بالنسبة للبحّارة مورد رزق رئيسي، ومصدرًا لتقليل البطالة والفقر وتنشيط الأسواق المحلية، كما يسهم في دعم الصناعات الغذائية، وتوفير النقد الأجنبي للبلاد”.

ويرى البهيشي أن تطوير هذا القطاع يحتاج إلى استراتيجيات مستدامة تشمل إنشاء مراكز بحثية متخصصة، وتدريب الصيادين على أساليب الصيد الحديثة، وتوسيع البنية التحتية لتصدير المنتجات البحرية اليمنية.

ويواجه الصيادون تحديات كبيرة منها التغيرات المناخية وتقلبات الطقس، التي أثرت على وفرة الأسماك في السنوات الأخيرة، مع نقص الأدوات والمعدات الحديثة للصيد، وارتفاع تكاليف الوقود والزيوت الخاصة بمراكب الصيد.

أزمة المياه في جبل صبر.. صراع البقاء بين الشحّ والتكيف

مع بزوغ كل فجر، تبدأ نساء القرى في جبل صبر المُطل على مدينة تعز رحلة التزوّد بالماء؛ يحملن أوانيهن البلاستيكية على رؤوسهن، يصحبهن أطفال في طرق جبلية وعرة، في مشهد يتكرر منذ سنوات وسط أزمة مياه خانقة تتفاقم عاماً بعد آخر، بينما تغيب المشاريع الحكومية، وتتعثر تدخلات المنظمات للتخفيف من معاناة السكان.

تقول “آمنة عبد الرقيب (23 عاماً)”، وهي شابة من أهالي مديرية مشرعة وحدنان: “نعيش معاناة يومية مع الماء، وغالباً ما نقطع مسافات طويلة في الجبال لنملأ جالونين أو ثلاثة، بالكاد تكفينا ليوم واحد”.

حياة على حافة الجفاف

توضح آمنة لـ “منصة ريف اليمن” أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر لتأمين المياه لأسرهن. وتضيف: “المديرية بشكل كامل تعتمد فقط على برك المياه، باستثناء قريتين أسفلها فيهما بعض العيون الجارية. نحمل الدباب (جوالين) على رؤوسنا، ننتظر ساعات لملئها، وأحياناً نعود ولم نحصل على شيء ومع كل موجة جفاف – كما حدث قبل شهرين – يزداد الوضع سوءاً، وللأسف لا توجد أي حلول من الجهات المختصة للمشكلة”.


       مواضيع مقترحة

الجهد اليومي الشاق للبحث عن الماء لا يترك أثره على الأجساد فحسب، بل يمتد إلى حياة الفتيات ومستقبلهن، تقول آمنة إن “الكثير من الفتيات يضطررن إلى التغيب عن المدرسة بسبب انشغالهن بجلب الماء، وبعضهن يعانين من أمراض المفاصل وآلام الظهر والرقبة نتيجة حمل الجوالين الثقيلة يومياً”.

جغرافيّة العطش والنزاع

 يُعد المُناخ في اليمن شبه استوائي، ويختلف موسم الأمطار فيه عن المعتاد في كثير من الدول العربية، وفي النصف الشمالي من الكرة الأرضية عموماً، ففي حين تهطل الأمطار هناك عادة خلال فصلي الخريف والشتاء، يشهد اليمن أمطاره في فصلي الربيع والصيف، إذ يبدأ الموسم المطري في مارس أو أبريل ويستمر حتى أغسطس أو سبتمبر، وتكون ذروته خلال يوليو وأغسطس، خصوصاً في المناطق الجبلية.

قمة جبل صبر تعد من أعلى القمم الجبلية في اليمن، ويبلغ ارتفاعها نحو 3,070 متراً فوق سطح البحر، ونظراً لهذا الارتفاع، يتمتع الجبل بمناخ بارد نسبيا مقارنة بالمناطق المنخفضة المحيطة، وتشير التقديرات إلى أن درجات الحرارة عند قمة الجبل قد تنخفض ليلا إلى مستويات قريبة من الصفر، خاصة خلال أشهر الشتاء، فيما تصل إلى 31°C في أشد الأشهر حرارة.

يشمل الجبل ثلاث مديريات رئيسية: مشرعة وحدنان، صبر الموادم، المسراخ، ويقطنها 134 ألفاً و77 نسمة بحسب إحصاء العام 2004، وهو آخر إحصاء سكاني شهده اليمن. يتوزع السكان على نحو 55 قرية وعشرات المحلات (المحلة أصغر تقسيم إداري وتوازي تقسيم “الحارة” في المدن الحضرية).

تعتمد غالبية السكان على العائدات الزراعية، خاصة زراعة القات وتسويقه، بالإضافة إلى زراعة الخضروات والبقوليات والقمح بنسب متفاوتة، فيما يشكل النشاط التجاري، والنقل، والمواصلات مصادر دخل إضافية للبعض.

مواطنون أمام طوابير طويلة لجوالين الماء في انتظار الحصول على المياه في جبل صبر بمدينة تعز (فيسبوك)

تواجه معظم قرى جبل صبر شحّاً شديداً في المياه، وسبق أن شهد بعضها، مثل قراضة والمرزُح، نزاعات بين السكان على مصادر المياه استُخدم فيها السلاح، استمرت لسنوات وسقط فيها قتلى وجرحى، كما يروي محمد عبد السلام (36 عاماً) لـ “منصة ريف اليمن”.

وفقاً للمركز الدولي المعني بتأثير الصراعات على المدنيين (سيفيك)، يُقتل أربعة آلاف شخص في اليمن سنويّاً بسبب النزاع على الأراضي والمياه، هذا الرقم الصادم يعكس مدى تصاعد التوترات والصراعات داخل المجتمعات الريفية؛ للحصول على حصص كافية من المياه.

يشرح عبد السلام أن صهريج الماء الواحد (الوايت) بات يكلف أكثر من ضعف السعر المعتاد، بسبب وعورة الطرق الجبلية وارتفاع تكاليف النقل، والأسعار متفاوتة تبعاً للمسافة، تراوح بين 25 – 50 ألف ريال يمني، (15 -30 دولار) فيما تغيب الرقابة، ويستغل البعض حاجة الناس بغية الربح السريع.

يكشف المجلس النرويجي للاجئين عن ارتفاع حاد في تكاليف نقل المياه، إذ تصل كلفة ألف لتر في تعز إلى ما يعادل أجر يوم كامل لعامل بسيط، ما يدفع النساء والأطفال إلى المشي لمسافات طويلة لجلب الماء في ظروف قاسية. يؤكد عبد السلام أن “الدولة فشلت في توفير الماء، بل أصبحت أحياناً طرفاً في الصمت الذي يغذي النزاعات، بدل أن تحلها”.

على أعتاب الكارثة

 يحذر الخبير البيئي “عبد الغني اليوسفي” في دراسة حديثة من تفاقم أزمة المياه في اليمن، ويؤكد أن البلاد تقف على أعتاب كارثة مائية تهدد الزراعة والاقتصاد والصحة العامة، موضحاً أن تراجع معدلات الأمطار والجفاف الطويل وتدهور مستوى المياه الجوفية، كلها عوامل فاقمت الأزمة، وجعلت مناطق مثل جبل صبر أكثر هشاشة ومعاناة.


الكثير من الفتيات يضطررن إلى التغيب عن المدرسة بسبب انشغالهن بجلب الماء، وبعضهن يعانين من أمراض المفاصل وآلام الظهر والرقبة نتيجة حمل الجوالين الثقيلة يومياً.


وفق المركز الوطني للمعلومات “تتباين كمية الأمطار الساقطة على اليمن تبايناً مكانياً واسعاً، فأعلى كمية تساقط سنوي تكون في المرتفعات الجنوبية الغربية كما في مناطق إب، وتعز، والضالع، ويريم، حيث تتراوح كمية الأمطار بين 600-1500 مم سنوياً”، لكن لا تتوافر بيانات تفصيلية توضح كميات الهطول في جبل صبر.

يُعد اليمن من أكثر الدول عرضة لتغير المناخ على مستوى العالم، كما تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه، وقد أسهم الجفاف ومحدودية موارده المائية وسوء إدارة المياه والاستغلال المفرط لها في انعدام الأمن المائي، فيما تتفاقم الأزمة مع تصاعد تأثيرات تغير المناخ.

ووفق دراسة علمية أعدها المهندس مساعد عقلان والباحثة هيلين لاكنر: هناك ثلاثة أسباب رئيسية لندرة المياه في اليمن، تتمثل في النمو السكاني السريع، الذي يبلغ متوسطه 3% سنويّاً، وإدخال المضخات التي تعمل بالديزل وتقنية حفر الآبار الأنبوبية للري، وتغيّر المناخ الذي أدى إلى تزايد هطول الأمطار الغزيرة جداً وغير المنتظمة، وظواهر مناخية أخرى تؤثر على توافر المياه.

تُظهر بيانات البنك الدولي أن 18 مليوناً من سكان اليمن يعانون من عدم القدرة على الحصول على المياه المأمونة أو الصرف الصحي (إجمالي عدد السكان نحو 42 مليوناً)، أما في محافظة تعز التي يقع فيها جبل صبر فالوضع أكثر صعوبة، بسبب الحرب وانقطاعات الكهرباء التي تشغل مضخات المياه، وفقا لمنظمة هيومن رايتس.

مبادرات ذاتية

 تؤكد بيانات منظمة Data Friendly Space أن الوضع تدهور بشكل كبير عام 2025، إذ لا يحصل سوى 32% من السكان المستهدفين على مياه شرب آمنة من خلال أنظمة مستدامة، ولا يحصل سوى 11% منهم على دعم مستدام للصرف الصحي.


 تجميع مياه الأمطار من أسطح المنازل إلى الخزانات يعمل على تحسين الحصول على المياه، ويخفف العبء الواقع على كاهل النساء والأطفال، بحسب البنك الدولي


في مواجهة هذا الواقع، لجأ السكان إلى بناء الخزانات الأرضية والسدود الصغيرة والحواجز المائية، في مبادرات ذاتية لتجميع مياه الأمطار واستخدامها في الشرب والزراعة. يقول الصحفي “ربيع صبري”، أحد أبناء عزلة الشقب جنوبي المحافظة: “يواجه السكان أزمة مياه تتطور إلى وضع معقد جداً، خاصة خلال فصل الشتاء”.

يوضح صبري لـ”منصة ريف اليمن” أن “بعض الآبار تعرضت للجفاف، فحُرم السكان من مصادرهم التقليدية للماء. حين تجف الآبار لا نجد إلا السماء، ولهذا لجأ الناس إلى بناء خزانات أرضية مختلفة الحجم -كل بحسب قدرته- لتجميع مياه الأمطار واستخدامها خلال الشتاء”.

يشرح صبري قائلاً: “قبل أربع سنوات، وصل سعر خزان الماء سعة 5 آلاف لتر إلى نحو 15 ألف ريال بالطبعة القديمة (نحو 30 دولاراً)، بسبب ندرة المياه وقلة مصادرها”. ويضيف: “من يمتلك خزاناً يحظى بشيء من الاستقرار المائي، أما من لا يملك فيقضي يومه باحثاً عن بئر أو عيون ماء”.

تجيز المادة (30) من قانون المياه اليمني للأهالي إقامة البرك والخزانات لتجميع مياه الأمطار، باعتبارها حق انتفاع مشروعاً ما لم تتعارض مع حقوق الغير، وتشجع على إقامة منشآت مائية صغيرة تحقق الاستفادة من مياه الأمطار للري والاستهلاك المنزلي.

حلول جزئية 

 الاستجابة الذاتية للسكان شكلت فارقاً في حياتهم، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى دعم رسمي ومشاريع منظمة ومستدامة، وتظهر شهادات السكان أن هذه المبادرات ساهمت في تقليل الاعتماد على صهاريج المياه التجارية، وخففت من حدة النزاعات في بعض القرى، خاصة تلك التي أنشأت خزانات جماعية بتعاون الأهالي.

يلفت البنك الدولي إلى أن تجميع مياه الأمطار من أسطح المنازل إلى الخزانات يعمل على تحسين الحصول على المياه، ويخفف العبء الواقع على كاهل النساء والأطفال الذين يقومون بجلب المياه بالطرق التقليدية.

وسبق أن أشاد البنك الدولي بالمبادرات المحلية اليمنية التي تسعى لحصاد مياه الأمطار، في حين تدعمها جهات دولية أخرى، في إطار “المشروع الطارئ للاستجابة للأزمات” التابع للمؤسسة الدولية للتنمية، وينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالاشتراك مع الصندوق الاجتماعي للتنمية، ومشروع الأشغال العامة في اليمن، إذ دعم المشروع إنشاء 1279 خزاناً من الخزانات العامة لتجميع مياه الأمطار و30686 خزاناً من الخزانات المنزلية في عموم اليمن، ما وفر نحو 900 ألف متر مكعب من المياه النظيفة.

 

مواطنون في مديرية مشرعة وحدنان بجبل صبر أثناء محاولة الحصول على المياه (فيسبوك)

يؤكد المهندس الزراعي “عبد الإله خليل” أن هذه الأنظمة – من سدود وآبار وخزانات – تعد وسيلة مهمة لإعادة التوازن بين الاستخدام البشري للمياه وتغذية الخزان الجوفي، خاصة إذا كانت الخزانات على أرض مفككة تسمح بتسرب جزء من المياه نحو باطن الأرض.

ويوضح خليل خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أن الخزانات الأرضية ساعدت المواطنين على مواجهة أزمة المياه نسبياً، كما ساعدت المزارعين على استمرار أنشطتهم خلال فترات الجفاف، وعملت على خلق توازن مائي نسبي في القرى التي تعتمد على الأمطار.

ويرى المهندسان عبد الإله خليل، وعبد الله الحسيني، أن تجميع مياه الأمطار تقليد قديم لكنه فعال، موضحَين أن تأثير الخزانات على تغذية الآبار الجوفية يعتمد على طبيعة تصميمها، فالخزانات المحكمة الإغلاق والمبطنة بالإسمنت أو البلاستيك تقلل من تسرب المياه إلى باطن الأرض، وبالتالي تحد من تغذية الطبقات الجوفية.

في المقابل، تسهم الخزانات شبه النفاذة، أو تلك المصممة بأحواض ترابية، في زيادة تغذية المياه الجوفية عبر السماح بتسرب جزء من المياه نحو الطبقات السفلى، وتحقق استدامة جزئية للموارد المائية.

فيما  يتعلق بالجانب الزراعي، يؤكد خليل والحسيني أن تجميع مياه الأمطار يمكن أن يشكل مصدراً مائياً لري المحاصيل خلال فترات الجفاف، كما يخفف الضغط على الآبار ويقلل من استنزاف المياه الجوفية، ويساعد هذا النظام على دعم الزراعة المحلية، لكنهما يشيران إلى أن فعاليته تبقى محدودة.

بين مخاطر التلوث وتحديات التكلفة

 رغم نجاح هذه الجهود الشعبية جزئياً، تظل المعوقات كبيرة، وتتمثل في تكاليف النقل الباهظة وارتفاع أسعار مواد البناء، إضافة إلى مخاطر التلوث. ووفق الصحفي ربيع صبري “يضيف السكان الكلور للحفاظ على الماء، لكن ما يرهقهم هو تكاليف بناء الخزانات، فمواد الحديد والإسمنت تنقل من أماكن بعيدة عبر طرق جبلية وعرة، ما يرفع كلفة الإنشاء. ومع غياب الدعم الحكومي يبقى توسع هذه المشاريع أمرا صعبا على السكان”.

أما الخبير البيئي “عبد الغني اليوسفي” فيؤكد أن “هذه الحلول الجزئية لا تعالج جذور الأزمة”، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يُفاقم الصراعات المحلية على مصادر المياه، خصوصاً في القرى التي تعتمد على الآبار المشتركة. ويشير إلى أن بعض الأسر اضطرت إلى النزوح من مناطقها الريفية بحثاً عن مياه للشرب أو للزراعة؛ ما يفاقم الأعباء الإنسانية ويزيد من معدلات الفقر والهجرة الداخلية.


تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه (فيسبوك)

يضيف اليوسفي في دراسة بيئية بعنوان ” تأثيـرات تغـير المنــاخ عــلى المجتمـــع اليمـــني تحليل الوضع البيئي في اليمن – أكتوبر 2024″، أن “تراجع الأمطار وانخفاض مستويات المياه الجوفية وتزايد الجفاف عوامل متشابكة تخلق ضغطاً هائلا على الموارد المائية، بينما الفيضانات غير المنتظمة تدمر البنية التحتية وتلوث المصادر”.

فيما يحذر المهندس خليل من احتمالات تلوث مياه الخزانات نتيجة تراكم الأتربة والمخلفات أثناء الجريان السطحي، أو بسبب نمو الطحالب والبكتيريا عند ترك المياه راكدة لفترات طويلة، ويشدد تحذيره من التلوث الكيميائي خصوصاً عند استخدام مواد بناء غير آمنة، أو في حال تسرب معلبات السموم الكيماوية إلى داخل الأحواض.

ولتفادي هذه المخاطر، ينصح بتنظيف الخزانات بانتظام، وتغطيتها بإحكام، وتركيب فلاتر أو أحواض ترسيب لتصفية المياه قبل دخولها، مع الحرص على استخدام المياه خلال فترة زمنية مناسبة وعدم تركها راكدة.

 وفق الخبير البيئي عبد الغني اليوسفي فالحلول لا تكمن في الخزانات فقط، بل في استراتيجية وطنية لإدارة الموارد المائية تشمل ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الري الزراعي، والاستثمار في مشاريع البنية التحتية المائية مثل السدود والأنظمة الحديثة لجمع الأمطار، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي حول أهمية الحفاظ على المياه ومعالجة السلوكيات السلبية.

تشير تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن استنزاف المياه الجوفية تفاقم بسبب زراعة القات، التي تستهلك أكثر من 40% من موارد المياه المتجددة في البلاد. ويؤكد اليوسفي أن “أزمة المياه في اليمن لم تعد قضية بيئية فحسب، بل قضية وجودية تمس الحياة اليومية للمواطنين، وتحتاج إلى تحرك وطني ودولي عاجل”.

في خضم هذه التحديات يبقى الأمل حاضراً في كلمات السكان، خاصة النساء اللواتي يتحملن العبء الأكبر، إذ تقول المواطنة آمنة عبد الرقيب: “تعبنا من أزمة الماء المستمرة، يأتي المطر في الصيف كمنقذ لنا، ويأتي الشتاء كضيف ثقيل، فعلى الرغم من شدة البرد في قرانا المرتفعة نخرج للبحث عن الماء ونحمله يومياً على رؤوسنا. نأمل أن يأتي يوم يغدو فيه الماء قريباً من بيوتنا، وتنتهي معركة الكفاح اليومية للحصول عليه”.


*ُأنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

تعز: عزلة حَوَامِرَة منطقة خارج خارطة الخدمات

في أعالي جبال ماوية شرق محافظة تعز، تقبع عزلة حَوَامِرَة كأنها خارج خارطة الدولة والزمن، تعيش بين الوعورة والعزلة، وتواجه واقعا منسيا قاسيا جعل الحياة فيها شاقة بكل تفاصيلها، فهناك تتحول أبسط الاحتياجات اليومية إلى مغامرات شاقة محفوفة بالمشقة، وتصبح رحلة المريض إلى المستشفى معركة من أجل البقاء.

يقول “غالب سيف”، أحد سكان المنطقة، لـ”منصة ريف اليمن”: “حياتنا هنا صعبة للغاية، الطريق وعرة والمسافة بعيدة، نقطع أربع ساعات كي نصل إلى منطقة العند في محافظة لحج لنشتري حاجات البيت، لأننا لا نستطيع الذهاب إلى سوق مديريتنا بسبب اختلاف العملة المتداولة”.

ويضيف: “نحن نتعامل بالطبعة الجديدة للعملة، ومنطقتنا تُعد الوحيدة في المديرية التي تتداول بها، ولهذا لا يمكننا الذهاب إلى سوق “السويداء” التابعة لمديريتنا، لأن التعامل هناك محصور بالطبعة القديمة، ما يجعل التبادل التجاري شبه مستحيل بالنسبة لنا”.


  مواضيع مقترحة


هذا التباين النقدي جعل من حوامرة منطقة معزولة اقتصاديًا، فلا حركة تجارية فاعلة داخلها، ولا قدرة على التواصل مع الأسواق المجاورة، وحتى حين يحاول الأهالي التنقل، تصطدم خطواتهم بواقع مرير من الطرق الجبلية المتهالكة، وغياب أي خدمات نقل منظمة.

صعوبات مضاعفة

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية والموارد والتعليم وفرص العمل والإمدادات الغذائية.

يوضح غالب أن الأهالي يواجهون صعوبات مضاعفة في التنقل، خاصة عند الحالات المرضية الطارئة، حيث إن أجرة النقل إلى منطقة العند للراكب الواحد 5000 ريال في الحالات العادية، وترتفع بمقدار مماثل عند حمل كيس دقيق أو أي حمولة إضافية.

وقال: “كلما زادت الحمولة، زادت الأجرة”، مؤكدًا أن بعض الحالات المرضية الطارئة قد تكلفهم ما لا يقل عن 200 ألف ريال أجرة السيارة فقط، (أكثر من 120 دولارًا) ناهيك على الغرامات التي تُدفع للمستشفى والصيدليات مقابل أدوية والصرفيات الشخصية وغير ذلك.

وأضاف: “أسعفت زوجتي مؤخرًا، ولأن السائق أحد أقارب زوجتي، خفّض لي الأجرة بـ30 ألف ريال فقط، لكن كانت كل مصاريفه على نفقتي من أكل وشرب وقات وغير ذلك”.


بعض القرى لا تصل إليها السيارات ويتم نقل المرضى على أكتاف الناس لمسافة طويلة من رأس جبل حوامرة حتى آخر نقطة فيها طريق


يوضح غالب، أنهم لا يقومون بإسعاف أي مريض إلا عندما يرون أن حالته الصحية حرجة جدًا، مشيرًا إلى أن الكثير من الأهالي يضطرون لإعطاء أبنائهم المهدئات ليوم أو يومين، تهربًا من تكاليف الإسعاف والمواصلات، وإن لم تتحسن الحالة يضطرون للذهاب مجبرين.

لا تتوقف المعاناة عند المال، بل تتجسد في كل خطوة من الطريق، ويقول “عبدالوهاب علي”، أحد أبناء المنطقة، لـ”منصة ريف اليمن”: “بعض القرى لا تصل إليها السيارات مطلقًا، لذلك ننقل المرضى على النعش أو البطانيات لمسافة ساعة ونصف من رأس جبل حوامرة حتى منطقة الجراجر، وهي آخر نقطة تصل إليها السيارة”.

ويتابع: “النساء يحملن المواد الغذائية على رؤوسهن من القرى البعيدة، والرجال يستخدمون الحمير أو أكتافهم لنقل أكياس القمح والسكر، نحن نعيش كما لو أننا في زمنٍ لا يعرف الطرق ولا الدولة”.

تهميش وتعثر

تبدو حوامرة اليوم نموذجا صارخا لما تعيشه المناطق الجبلية في تعز من تهميشٍ مزمن؛ لا كهرباء، لا مياه، لا شبكة اتصالات مستقرة، ولا وجود فعليا لأي مؤسسة خدمية حكومية، فالمنطقة باتت خارج تغطية الخدمات العامة منذ سنوات طويلة، رغم الكثافة السكانية التي تقدر بآلاف الأسر الموزعة على القرى المتناثرة في المرتفعات.

ويشكل افتقار سكان الريف لشبكة الطرق تحديا كبيرا لتنمية المجتمعات هناك وتحسين ظروف الحياة. وحتى الوقت الحالي، لم تُعبّد إلا ٣٧٤٤ كم من الطرق الريفية وهذا لا يمثل سوى ٦.٤ في المائة من إجمالي شبكة الطرق و ٢١.٦ في المائة من إجمالي الطرق المُعبّدة بحسب دراسة نشرتها مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن.

“عبدالجبار الصراري”، مدير عام مديرية ماوية، قال في حديث مع “منصة ريف اليمن” إن “السلطة المحلية لا تمتلك أي إيرادات حقيقة يمكن الاعتماد عليها لتنفيذ مشاريع استراتيجية، رغم إدراكنا لحجم المعاناة التي يعيشها الأهالي بسبب وعورة الطرقات وغياب الخدمات الأساسية”.


يدعو  أبناء حوامرة السلطة المحلية والمنظمات الإنسانية لفتح طرق جديدة، واستكمال المركز الصحي، وتوفير أبسط مقومات الحياة


وأشار الصراري، إلى أنه تم في وقت سابق البدء في بناء مركز صحي ببعض من إيرادات رُصدت من السلطة المحلية للمديرية على مدى ثلاث سنوات تقريبًا، والذي كان يمكن أن يقدم خدمة لأكثر من “5000” نسمة، حيث تم عمل القواعد والتجهيزات الأولية لبناء المركز، لكن المشروع توقف بسبب عدم وجود التمويل الكافي.

وأضاف أن السلطة المحلية تسعى لتوفير ما تبقى من المبلغ لضمان استكمال المشروع، مؤكدًا أنه قد تم إنجاز ما نسبته60% من عملية البناء.

ودعا الصراري الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية إلى سرعة التدخل لفك العزلة المفروضة على أبناء منطقة حَوَامِرَة، وإنقاذ سكانها من معاناة يومية تتفاقم في ظل انعدام الطرق والخدمات الصحية، وغياب الحد الأدنى من مقومات الحياة.

في ظل استمرار هذه المعاناة، تتكرر الدعوات من أبناء حوامرة للسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية لفتح طرق جديدة، واستكمال المركز الصحي، وتوفير أبسط مقومات الحياة، يقول عبدالوهاب علي في ختام حديثه: “لا نطلب رفاهية، فقط طريقًا تمشي فيه سيارة، ومركزًا صحيًا يعالج مرضانا، تعبنا من حمل مرضانا على أكتافنا، ومن انتظار الدولة التي لا تصل”.

تجميع البلاستيك.. مهنة الفقراء التي تحمي البيئة

تحت شجرة على رصيف شارع العدين بمحافظة إب، يجلس الخمسيني “ناجي حيدر” متكئاً على كيس مليء بعلب البلاستيك الفارغة، باحثاً عن استراحة قصيرة من لهيب شمس الظهيرة الحارقة. الكيس بالنسبة له ليس مجرد وسادة، بل مصدر رزق وحياة لعائلته الصغيرة، شأنه شأن العديد من اليمنيين الذين يعملون في تجميع مخلفات البلاستيك، في بلد أنهكته الحرب.

يقول ناجي: “كل يوم، أجوب شوارع المدينة باحثاً في مكبات القمامة عمَّا استطعت من علب المياه الفارغة وبعض مخلفات المعدن، وأبيعها بالقدر الذي كتبه الله لي حتى أشتري بعض الخبز لزوجتي وبناتي. هذا كل ما أستطيع فعله كي نعيش”.

ويضيف: “قبل الحرب كنت أسكن في تعز وكانت حالتنا مستورة لأنني كنت أستطيع العمل. عام 2015 نزحنا بسبب الحرب. الحياة صعبة هنا أيضاً، وظروف الناس كلها قاسية. المشكلة أنني مريض، وأنام في الشارع. أحياناً، إذا لم أستطع البيع، أضطر إلى أخذ بقايا الطعام من المطاعم لإطعام أسرتي؛ هذا أفضل من أن أرجع إليهم فارغ اليدين”.


      مواضيع مقترحة


يعاني ناجي من مرض في المفاصل بسبب البرد ووقوفه المستمر، لكنه شأن كثير من اليمنيين، من بينهم أطفال كثر، وجدوا أنفسهم مجبرين -بفعل الصراع وتفاقم الفقر- على العمل في جمع مخلفات البلاستيك والمعدن، فقد وجدوا في هذا العمل خيارهم الوحيد للبقاء برغم قلة الدخل الذي يجنونه منه.

 أزمة يمنية متفاقمة

يقدر برنامج الأمم المتحدة  الإنمائي أن نحو 65% من النفايات في اليمن عضوية، والباقي يتكون من 10% من البلاستيك و7% من الورق و6% من المعادن و1% من الزجاج و11% من أنواع أخرى.

ويشير تحليل لـDW عربية لأحدث بيانات الجهاز المركزي اليمني للإحصاء، إلى ارتفاع نسبة النفايات إلى نحو 4,4 ملايين طن في العام 2017 مقابل نحو 3,7 مليون طن في 2011.

يرى الدكتور “حاجب أحمد الحاجبي”، عضو هيئة التدريس في كلية البترول والموارد الطبيعية – بجامعة صنعاء، أن الصراع فاقم أزمة النفايات وأنهى قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ، ما جعل الحل يعتمد أكثر على المجتمع المحلي والمنظمات المدنية والقطاع الخاص والدعم الدولي. يقول الحاجبي إن “تقهقر الخدمات البلدية، كانقطاع الميزانيات، وتدمير البنية التحتية، واختلال المؤسسات المحلية، أدّى إلى ضعف جمع النفايات وغياب نُظم ثابتة”.

كانت مواقع جمع النفايات الرسمية تُمثّل مشكلة قبل الصراع الذي تشهده البلاد منذ أكثر من عشر سنوات؛ إذ لا يتجاوز عدد مكبات النفايات الرسمية واحدًا وعشرين مكبًا، ستة منها فقط تخضع للإشراف، بينما مكبات النفايات المتبقية مفتوحة، ولا تُدفن معظم النفايات في مدافن النفايات؛ مما يُشكل تهديدًا بيئيًا وصحيًا كبيرًا.



وتأثرت عملية جمع النفايات بأزمة الوقود وانقطاع رواتب العمال، وتسببت في تأخير إزالتها في بعض المناطق، بالإضافة إلى نقص المعدات ومركبات جمع النفايات التي لم تكن متوافرة بشكل كافٍ حتى قبل الصراع، إذ بلغ معدل إزالة النفايات من مختلف المدن نحو 65% و5% في المناطق الريفية، ولكن منذ اندلاع الصراع، تعرّضت 45% من المركبات للنهب والتدمير، بالإضافة إلى الضغط الكبير على بعض المدن بسبب النازحين داخليًا.

جامعو النفايات يخدمون البيئة!

يرى الحاجبي أن جامعي النفايات البلاستيكية هم الجزء الأكثر ظهوراً من سلسلة إدارة النفايات في اليمن، إذ يجمعون المواد القابلة لإعادة التدوير من المنازل والأسواق ومكبات النفايات، ويبيعونها إلى تجار وسطاء أو مراكز إعادة تدوير محدودة الوجود.

ويؤكد في حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، على إسهام هؤلاء الجامعين في الحد من المخاطر، فهم -وفق تعبيره- يسهمون عملياً في تقليل كمية البلاستيك التي تصل للمكبات أو تُحرق في الشوارع، ويخفضون بالضرورة الضغط على البيئات الحضرية والبحرية عندما يجمعون كميات معتبرة.

تُلحق مخلفات البلاستيك ضرراً كبيراً بالبيئة، فتحلله بطيء جداً، وانقسامه إلى ميكروبلاستيك يلوث التربة والمياه الجوفية والمسطحات المائية. كما أنه يؤدي إلى انسداد شبكات الصرف ومجاري السيول ويضاعف مخاطر الفيضانات، وهو أمر ذو أثر خطير في مناطق اليمن المعرضة للأمطار الغزيرة. أما حرق البلاستيك في مناطق مكشوفة فيطلق أبخرة سامة تؤثر على صحة السكان والبيئة.

يحذر المهندس الزراعي “عبد القادر خضر السميطي” من أن المواد البلاستيكية لم تعد مجرد مخلّفات عابرة، بل أصبحت قنبلة بيئية صامتة تهدد التربة والمياه والإنسان على حدٍ سواء. فمع تزايد استخدامها باتت آثارها السلبية تتغلغل في كل تفاصيل بيئتنا، خصوصًا في المناطق الزراعية والوديان ومجاري السيول.

يقول السميطي، في حديثه لـ”منصة ريف اليمن”: “تشهد الأراضي الزراعية في كثير من المناطق تلوثًا متزايدًا بمخلّفات البلاستيك مثل الأكياس وعبوات المبيدات وأنابيب الري المهملة. هذه المواد تتحلل ببطء شديد وتبقى في التربة لعشرات السنين”، موضحاً أن هذه المخلفات “تؤدي إلى تدهور خصوبة التربة نتيجة تراكم الجزيئات البلاستيكية التي تعيق امتصاص الماء والعناصر الغذائية، فضلاً عن ضعف نمو الجذور بسبب الأغطية البلاستيكية التي تمنع تهوية التربة، واختلال النظام الميكروبي في التربة، إذ تتأثر البكتيريا والفطريات النافعة المسؤولة عن خصوبتها، بالإضافة إلى انتقال الملوثات الكيميائية إلى النباتات ثم إلى الإنسان عبر الغذاء”.

يُشدد السميطي على أن البلاستيك من أخطر ملوثات التربة الحديثة؛ فمع مرور الوقت تتحول مخلفاته إلى جزيئات دقيقة (الميكروبلاستيك) تختلط بجزيئات التربة وتغير خواصها الفيزيائية والكيميائية، فتقل قدرتها على الاحتفاظ بالماء، وتفقد مرونتها وتوازنها البيولوجي. كما أن الحرارة المنبعثة من الأغطية البلاستيكية المتراكمة تسهم في رفع درجة حرارة سطح الأرض؛ مما يضر بالبذور والنباتات الصغيرة.

يمنياتٌ يُبدعن في إعادة الاستخدام

دأبت نساء يمنيات عديدات على إعادة استخدام البلاستيك لصنع إطارات الصور وباقات الورود وأطباق الطعام، وتزيين أطباق العيد بخيوط مخلفات الأكياس، علاوة على قص عبوات البلاستيك وتشكيلها بطريقة فنية لتحويلها إلى سلال تُستخدم في حمل الأغراض وحفظ الفواكه والخضروات داخل المطبخ.



تقول “أمة الرحمن العفوري”، الإعلامية والمصورة اليمنية في حديث لـ”منصة ريف اليمن”: “مع تدهور المعيشة، أصبح البلاستيك مصدر بقاء لكثير من الأسر، فبدل أن يُعالج كأزمة بيئية تحول إلى مورد اقتصادي للنازحين والفقراء”. وبحسب العفوري فإن أولئك النسوة “يفعلن ذلك بدافع الحاجة الاقتصادية، والبعض بدافع الشغف والإبداع لكن الدافع الأكبر هو الفقر وغياب فرص العمل”.

هذا بالضبط ما حصل مع “هاجر جمال، 23 عاماً”، وهي أم لطفلين تقطن إحدى القرى الجبلية في ريف مدينة إب، وقد وجدت في البلاستيك وسيلة مجدية لمواجهة الظروف الاقتصادية المتردية، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات العيش لعائلتها الصغيرة. دأبت هاجر على قص الكراتين، ودمجها بطريقة إبداعية مع مواد أخرى، مثل الفلين الذي يوضع تحت الثلاجات والغسالات، لتحويلها إلى “أشكال فنية جذابة تستخدم هدايا للأعراس في الريف”، كما تشرح.

يعمل زوج هاجر باليومية، وتشرح في حديث لمنصة ‘ريف اليمن’ أنه “بالكاد يستطيع توفير أبسط الحاجات الضرورية كالطحين والغاز، لكن غالباً يكافح عشان يوفر احتياجات أطفالي من ملابس ومتطلبات المدرسة، لهذا قلت أحاول جاهدة أن أخفف عن زوجي ولو حتى بجزء من حمله. أسعار منتجاتي تتراوح بين 500ـ1000 ريال (بين 0.5 و1 دولار)، في زبائن نساء وصديقات يأتين للبيت ويشترين مني، وأحياناً أبيعها لبعض المحال”.

ما تفعله هاجر وغيرها من اليمنيات من تحويل النفايات البلاستيكية إلى أعمال فنية، يمثل مظهراً إيجابياً، ومحل تقدير لبعض خبراء البيئة كونه ذا قيمة اجتماعية واقتصادية وبيئية؟

يرى الدكتور حاجب الحاجبي، وهو باحث في التغيرات المناخية وعلوم البيئة، أن هذا العمل “يقلّل كميات النفايات، ويطيل عمر المادة، ويوفر دخلًا للنساء والأسر، كما يعزز روح المبادرة والاقتصاد الدائري المحلي، ويسهم أيضاً فيرفع الوعي”. وعلى حد تعبيره فنحن أمام “أعمال فنية تُستخدم للتثقيف حول إعادة التدوير والحد من الاستهلاك”.

يمكن القول إن ما تفعله هاجر ونظيراتها يقدم منفعة كبيرة للبيئة تفوق فوائد إعادة التدوير، فمهنتها تندرج في إطار إعادة الاستخدام، وهذا من شأنه زيادة العمر الافتراضي للمواد، ويحد من انبعاثات الكربون الناجمة عن التخلص من البلاستيك.

مخاطر صحيّة

لا يخلو تدوير البلاستيك من مخاطر صحية وبيئية محتملة، يحذر الدكتور حاجب: “إذا لم تُنظف مخلفات البلاستيك جيداً قبل استخدامها فقد تحتفظ ببعض الملوثات (زيوت، سوائل، بقايا طعام) فتتحول ناقلاً للمسوسات أو مسببات الأمراض”. ويشرح الحاجبي مخاطر أخرى مثل “استخدام مواد مُذابة أو صمغ يحتوي على مذيبات، وهذا قد يعرّض الحرفيات/الحرفيين للروائح السامة أو التعرض الكيميائي”، منبهاً إلى أن بعض أنواع البلاستيك عند تسخينها أو قطعها قد تطلق جسيمات دقيقة أو أبخرة ضارة.


المهندس الزراعي عبد القادر السميطي: المواد البلاستيكية لم تعد مجرد مخلّفات عابرة، بل أصبحت قنبلة بيئية صامتة تهدد التربة والمياه والإنسان على حدٍ سواء.


يتعرض جامعو النفايات لمخاطر عديدة، بينها إصابات جسدية كالجروح من حواف المعادن والزجاج أثناء الفرز أو النقل، وصحية كالالتهابات والأمراض الجلدية جراء التعرض للنفايات الملوّثة والمواد العضوية، بالإضافة إلى الأمراض التنفسية بفعل استنشاق الغبار ودخان الحرق والروائح والملوثات. والأخطر من ذلك هو التعرض الكيميائي، فبعض الحاويات/العبوات قد تحتوي بقايا سوائل خطرة أو مذيبات ومواد مبيدية.

يوضح الحاجبي أن الأطفال أكثر عرضة للخطر نظراً لأن لديهم أجهزة مناعية غير مكتملة، بالإضافة إلى سلوكيات مرتبطة بهم مثل مصّ الأصابع.

من جانبها تشير الصحافية العفوري إلى أن جامعي البلاستيك، ولا سيما الأطفال، معرضون لمشكلات نفسية نتيجة العمل وسط القمامة، ونظرة المجتمع الدونية إليهم، لافتة إلى أن تزايد عددهم يعني مزيدًا من الأطفال خارج المدارس؛ ما يهدد مستقبلهم، ويعمّق دائرة الفقر.

استغلال وتحديات 

علاوة على كل المخاطر التي يواجهها أولئك البسطاء، فهم عرضة لاستغلال كبير من قبل مصانع التدوير أو تجار الجملة الوسطاء، فكل ما يجمعه الخمسيني ناجي قاسم طوال يومه من كل تلك العلب البلاستيكية لا يعود عليه بأكثر من 700 ريال يمني (1.3 دولار) وهذا المبلغ لا يكفي لشراء حتى وجبة غداء لعائلته الصغيرة.

تؤكد الصحافية العفوري وجود “استغلال واضح من قبل تجار ومصانع إعادة التدوير، إذ يشترون البلاستيك بأسعار زهيدة خصوصًا من الأطفال الذين لا توجد تشريعات حقيقية تحميهم، وإن وجدت فهي غير مطبقة بسبب الفوضى وضعف الدولة في ظل الحرب” وفق قولها.

أما هاجر جمال، فرغم أنها تعمل داخل بيتها ولا تواجه الظروف نفسها، لا يخلو عملها من التحديات، كقلة الدخل، والضغط النفسي بسبب الحاجة إلى تلبية الطلبات في مواعيد محددة. تقول: “العمل لساعات طويلة يمكن أن يكون مرهقًا جسديًا. وأحيانا يصعب عليّ الحفاظ على مستوى الإبداع في عملي”.

كما تشكو هاجر من عدم توافر بعض متطلبات مهنتها، “خصوصاً لأنه إحنا في قرية، ولا توجد عندنا الأشياء التي أريدها كمسدس الغراء اللاصق مثلاً. وما في أحد يقدر يشتريهن لي إلا إذا نزلت أنا للمدينة، وتكلفة التنقل غالية” حسب قولها.

تنصح هاجر النساء أن يكن مستعدات للعمل الجاد، وأن يتحلين بالصبر والإبداع، كما تنصحهن بالبحث عن مصادر دعم وموارد يمكن أن تساعدهن في سد حاجتهن وحاجات أبنائهن، في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة.

لا بديل عن استراتيجية منظمة

قصة ناجي وزملائه، وما تواجهه هاجر ونظيراتها من تحديات، تؤكد أن الأفراد يؤدون دوراً حاسماً في إدارة أزمة النفايات، ولكن هذا الجهد الفردي لا يمكن أن يكون بديلاً من العمل المؤسسي والمنظم، فلكي يتحول البلاستيك من مصدر للبقاء إلى مورد مستدام، يجب تجاوز مرحلة تخفيف المشكلة إلى مرحلة الحل الشامل.

يؤكد الدكتور حاجب الحاجبي أن جامعي البلاستيك “عنصر حاسم وفعّال جزئياً، فهم يخففون المشكلة، لكن لا يحلّونها”، مشدداً على أن جهودهم لا تكفي دون سياسات وبنى تحتية مجتمعية ومؤسساتية.

بحسب دراسة حديثة  للمعهد الأوروبي للسلام، هنالك قلق خاص فيما يتعلق بالنفايات البلاستيكية، التي تتراكم على شكل أكياس وزجاجات وحاويات سوائل، وخاصة في المدن الكبرى مثل صنعاء. إذ يُشكل التخلص من النفايات البلاستيكية وحرقها في العراء مخاطر صحية على السكان والماشية والحيوانات الأخرى، بالإضافة إلى الحياة البحرية، كما أن لتراكم وحرق النفايات البلاستيكية غير المعالجة آثارًا ضارة على التربة والتنوع البيولوجي، وخاصةً حيث يتراكم البلاستيك في المناطق الزراعية.



ووفق منظمة  care البريطانية، يُشكل سوء إدارة النفايات الصلبة خطرًا حقيقيًا على صحة السكان؛ إذ تحتوي النفايات الملوثة على مواد كيميائية خطرة قد تُسبب أمراضًا، بما في ذلك الكوليرا وحمى الضنك، وآخرها كوفيد-19.

تقول الصحفية العفوري إن الحرب شلت دور الدولة تماماً، فلا توجد رقابة أو إدارة فاعلة للنفايات. مع ذلك، وللاستفادة من البلاستيك بطريقة ناجعة، يوصي الخبير البيئي حاجب بالعمل عبر المنظمات المحلية والبلديات والشركاء الدوليين لأن الدولة المركزية ضعيفة في مناطق كثيرة.

يسرد الحاجبي توصيات عديدة، أبرزها البدء بمشروعات جبهوية صغيرة قابلة للتكرار (scale-up) بدل السعي لتشييد بنية ضخمة فوراً، والتركيز على الوظائف النسائية وتمكين النساء في سلاسل القيمة (فرز، تصميم منتجات معاد تدويرها) مع مراعاة حماية الطفل والحقوق، مشيراً إلى أن دعم المشاريع النسائية الحرفية فكرة ممتازة بشرط التدريب ومراعاة إجراءات الصحة والسلامة، مع رقابة بسيطة، بالإضافة إلى بدء مشاريع تجريبية محلية للفرز وإعادة التدوير صغيرة الحجم، مع متطلبات بيئية وصحية واضحة.

كما يوصي بتنظيم ودعم جامعي النفايات (تسجيل، تدريب، حوافز مالية) فهذا “كفيل بتخفيف فوري للمشكلة المحلية، علاوة على منح الأولوية لحظر الحرق المفتوح، وبرامج التوعية المصحوبة ببدائل عملية”. كما يتطرق إلى وجوب حماية الأطفال مطالباً بمنع عملهم فورياً وتوفير بدائل تعليمية/ اقتصادية للأسر.

على الأرجح أن الخمسيني ناجي لا يفكر بكل هذه الاستراتيجيات، فهاجسه الوحيد هو أن يعود محملاً بما جمعه من البلاستيك كل يوم مع غروب شمس إب، وهو يأمل أن يسد بثمنه جوع أسرته، غير مدرك أنه بنشاطه هذا يسد ثغرات كبيرة في منظومة بيئية أنهكها الخراب.


*ُأنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

حوطة الفقيه في شبوة: عراقة تاريخية وجمال معماري

حوطة الفقيه أو كما تُعرف باسم حوطة الفقيه علي هي قرية تاريخية تقع على ضفاف وادي عمقين، وتتبع إدارياً مديرية ميفعة بمحافظة شبوة (جنوب شرق) اليمن، وتعتبر من أقدم قرى المحافظة، إذ يزيد عمرها على السبعمائة عام، وتمثل نقطة التقاء للتاريخ، التجارة، والثقافة المحلية.

وكلمة حوطة تعني “القرية” أو “المستوطنة الصغيرة”، أما الفقيه علي فهو مؤسس المدينة وعلامة تاريخية، وقد سُمّيت المدينة باسمه تكريماً لإسهاماته في نشأتها.

لعبت حوطة الفقيه دوراً مركزياً في التجارة بين مدن شرق وغرب شبوة، كانت المدينة القرية إقامة أسواق سنوية تُعرف بالمولد مرتين في السنة، حيث كان التجار من مختلف مناطق المحافظة ومأرب المجاورة يتوافدون للبيع والشراء واستمرت حركة التجارة فيها حتى نهاية خمسينات القرن الماضي بعد استخدام السيارات بدلا عن الإبل وشق الطرق الترابية.

وتضم القرية التأريخية مايزيد عن 8 آلاف نسمة وفق إحصاء 2004م، مع توقع زيادة مستمرة، ويشكل مشايخ آل فقية علي الغالبية الكبرى من السكان، ويعمل غالبية مواطنيها في الزراعة والتجارة، ورغم أهميتها، تعاني من نقص الخدمات الأساسية، خصوصاً في مجالات الصحة، التعليم، الكهرباء، والمياه.

وتقع المدينة على أراضٍ خصبة بفضل وادي عمقين وأمطارها الموسمية الغزيرة، ما يجعلها مناسبة للزراعة والحراثة، إلا أنها تتعرض أحياناً للفيضانات، كان أخطرها في عام 1996م، مما أدى إلى خسائر بشرية وجرف أراضٍ واسعة، وفق صفحة مشخي

تشتهر حوطة الفقيه علي بمبانيها الطينية الفريدة، التي تحاكي ناطحات شبام بحضرموت التقليدية، وتبرز دقة البناء الهندسي وفن العمارة التقليدية رغم مرور القرون، وهو ما سنعرضه في هذه الصور التي وثقها أمجد ابوداحس.

الرقص الشعبي في صعدة.. إرث يروي الهوية ويعزز التواصل الثقافي

عند الغروب في قرية جبلية بمديرية رازح بمحافظة صعدة شمال غرب العاصمة صنعاء، تصطف الصفوف وتشُد الأحزمة على الجنابي ويعلو إيقاع الطبول بخفة مدروسة، ويندفع الراقصون في قفزات دائرية يلمع نصل الجنبية في الهواء ثم يعود إلى خاصرة صاحبه في حركة محسوبة ومدروسة في مشهد مألوف في أعراس صعدة ومواسمها.

على مدى سنوات والرقصات الشعبية مألوفة في أعراس صعدة ومواسمها لكنها أيضا تجد أصداءها على الضفة الأخرى من الحدود في نجران وعسير وجازان حيث تتجاوب الإيقاعات والقصائد والحركات وكأن الجبال تتبادل السلام خطوة بخطوة.


    مواضيع مقترحة


في عصر التطور التكنولوجي المتسارع تظل الرقصات التقليدية في محافظة صعدة شاهداً حيا على إصرار المجتمع في الحفاظ على هويته الثقافية ليست هذه الفنون مجرد أداءات حركية، بل هي تعبير عن التاريخ والانتماء والقيم المجتمعية التي تتحدى ظروف الحرب والنزوح.

إرث لا يندثر

تمثل الرقصات الشعبية جزءاً أساسياً من المناسبات الاجتماعية والدينية والاحتفالات القبلية حيث ذكر علي المحمدي الباحث في الرقص الشعبي اليمني في كتابه الرقصات الشعبية اليمنية أن محافظة صعدة تتميز برقصات تفوق المحافظات اليمنية الأخرى وتظهر تنوعاً كبيراً في الأنواع أكثرها شهرة هي المثلوث، السحار، النسر والرازحية.


تمثل الرقصات الشعبية جزءاً أساسياً من المناسبات الاجتماعية والدينية والاحتفالات القبلية ويعتبر البرع الصعدي حركة حيوية سريعة الإيقاع


رقصة المثلث هي رقصة ثلاثية يتناغم الأداء بين ثلاثة أنماط متناسقة ويحمل في طياته إحساسا بالحركة والأداء المتسق، أما رقصة السحار فتقدم بإيقاع واحد لكن يتم الانتقال فيه بطريقة انسيابية  تشبه الأداء العسكري يلبس فيها الزي التقليدي الجنبية والثوب اليمني ويظهر ذلك شكلا هندسيا يتم تداخله مع الإيقاع ذاته.

وتحاكي رقص النسر حركات النسر المنقض على فريسته حيث يظهر الراقص حركات دقيقة تحاكي طيران النسر في السماء وتعزز من عمق الرقص كأنها تدعو الجمهور للتأمل في طبيعة الطيران والحرية، أما الرازحية فتعتبر من أشهر رقصات صعدة تظهر فيها الحركة البطيئة والهادئة التي تتخللها حركات دقيقة مع إيقاعات ناعمة تعطي شعورا بالسكينة والدفء.

البرع الصعدي

يعتبر البرع الصعدي حركة حيوية سريعة الإيقاع تؤدى في الأفراح والمناسبات السعيدة، إذ يقول “فؤاد الشرجبي” مدير البيت اليمني للموسيقى أن هناك غناء صعديا متميزا جدا وإيقاعات ورقصات، ولديهم جزء من الروح البدوية وتنوع في الألوان الغنائية “إن صعدة تظهر تنوعا ثقافيا لا يضاهى”.

ويقول “محمد علي ثامر” مدير عام الإحصاء الثقافي بوزارة الثقافة والسياحة إن جهود توثيق التراث الموسيقي والفلكلوري اليمني توقفت منذ اندلاع الحرب بعد أن كان مركز التوثيق الموسيقي يحقق إنجازات بارزة.

وأكد خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أن غياب الأرشفة المنهجية أدى إلى تراجع يهدد بقاء الرقصات الشعبية والتراث الغنائي، مشيرا إلى أن الجهود الحالية تقتصر على مبادرات فردية محدودة مثل بعض الأنشطة التي يشرف عليها البيت اليمني للموسيقى في ظل غياب خطط رسمية شاملة بسبب الأوضاع الراهنة.

في ظل الحرب والتحديات تتحول الرقصات إلى وسيلة للمقاومة السلمية تعبر عن التمسك بالهوية والكرامة، وتعزز السلام الداخلي والتلاحم المجتمعي. التراث الراقص في صعدة ليس مجرد فنون أدائية، بل هو روح مجتمع حي يعبر عن تاريخه وقيمه وتطلعاته.

يلعب الشباب دوراً مهماً في الحفاظ على الرقصات التقليدية؛ يتعلمون وينقلون هذه التقاليد إلى الأجيال المقبلة من خلال توثيق هذه الفنون ،وتطوير عروض تزاوج بين الأصالة والحداثة مما يضمن استمراريتها.


أصبحت منصات التواصل أدوات حيوية لنشر الرقصات التقليدية حيث توثق المقاطع وتشارك على نطاق واسع؛ مما يحولها إلى ذاكرة رقمية تحفظ التراث من الاندثار


“ناصر الوادعي ( 50 عاماً)” أحد سكان منطقة رازح بمحافظة صعدة، يؤكد أن الرقصات هي ذاكرة شعبنا الحية في كل مناسبة نجتمع فيها لأداء البرع أو الرقصة الرازحية، نعيد اكتشاف روابطنا بعضنا ببعض، ونذكر أنفسنا بأننا أقوى عندما نكون وحدة واحدة.

هوية وتراث

تتشابه نجران السعودية مع صعدة اليمنية في الرقصات والحركات الجماعية والإيقاعات المستمدة من البيئة الصحراوية للتراث الفني؛ فرقصة الزرافة التي تؤدى في نجران تشبه إلى حد كبير رقصة المثلوث بصعدة.

يقول الشاب “عبد الرحمن عداوي (33 عاماً)” وهو أحد سكان منطقة نجران: “رقصاتنا متشابهة إلى درجة كبيرة سواء في الإيقاع أو في الرموز التي تحملها كرقصة الزرفة النجرانية ورقصة المثلوث الصعدية”.

أما “محمد القاضي (35 عاما)”، أحد سكان محافظة صعدة فيقول: “الرقصات ليست مشابهة فحسب بل هي نفسها (البرعة) فهم نفس القبائل فقط، الحدود جعلتهم جزءاً داخل اليمن وآخر داخل السعودية، وإلا فهي جميعا قبائل خولان بن عامر بمحافظة صعدة وفي السعودية”.

ويضيف: “لا يزالون ينتسبون الى خولان بن عامر إلى الآن ويتعزوا بهذا، فهي قبائل خولانية لها نفس العادات والتقاليد والبرع، وتحافظ عليها بشكل كبير، وهي قبائل كبيرة تمتد من حدود منبه ورازح حتى تصل إلى أبها مثل قبائل فيفا وبني مالك وصبيا والحرث وجميع قبائل عسير وجيزان”.

الرقص والتكنولوجيا

مؤخراً أصبحت منصات مثل يوتيوب وتيك توك وانستغرام وفيس بوك وغيرها أدوات حيوية لنشر الرقصات التقليدية حيث توثق المقاطع وتشارك على نطاق واسع؛ مما يحولها إلى ذاكرة رقمية تحفظ التراث من الاندثار وتفتح آفاقا للتواصل الثقافي العابر للحدود، وفي عصر التكنولوجيا لم يعد الرقص الصعدي اليوم حكرا على الرجال، بل بات يأخذ حيزا في حفلات وأعراس النساء اليمنيات كنوع من أنواع الاحتفال والابتهاج.


يظل التراث الراقص في صعدة أكثر من مجرد حركات وإيقاعات فهو لغة هوية تحفظ جذور الانتماء وتبني جسوراً من التواصل الثقافي بين المجتمعات


تقول “أمل محمد ( 25 عاماً)” ذهبت إلى عرس في صنعاء وشاهدت مجموعة نساء يرقصن رقصا جديدا وجميلا جدا، وحينها سألت عنه تبين لي أنه صعدي، وتضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “صحيح أن الرجال فقط من يرقصون هذا النوع لكنه راق للنساء في العرس وتمارسه النساء في الكثير من المناسبات النسائية “.

يظل التراث الراقص في صعدة أكثر من مجرد حركات وإيقاعات فهو لغة هوية تحفظ جذور الانتماء وتبني جسوراً من التواصل الثقافي بين المجتمعات، وعلى الرغم من الحرب وتحديات العصر يبقى هذا الفن الشعبي شاهداً على أن الثقافة قادرة على البقاء والتجدد مهما تغيرت الأزمنة.