لم يكن اللون الأحمر الذي افترش شاطئ الزهاري غربي تعز مشهدا جماليا عابرا، بل علامة إنذار صامتة على خلل بيئي مقلق، فهناك مئات، وربما آلاف السلطعونات النافقة لفظتها أمواج البحر الأحمر، محولة الشاطئ إلى لوحة جنائزية تثير أسئلة خطيرة حول سلامة النظام البيئي البحري، ومصير التنوع الحيوي في واحدة من أهم مناطق الصيد في اليمن.
علميا يعتبر تواجد السلطعونات بمختلف أنواعها في السواحل دليل على صحة النظام البيئي البحري، حيث تلعب دورا مهمًا كمستهلك للمخلفات العضوية وتهوية التربة، كما أنها مصدر غذاء أساسي للنوارس وطائر المالك الحزين.
ومؤخرا لاقت السلطعونات اهتماما اقتصاديا في الأسواق المحلية لرواجها كطعام فاخر يقدم في مطاعم الأكلات البحرية، كما تفننت ربات البيوت في طهيه، وخسارته بهذه الطريقة قد تسبب أزمة بيئية في مجتمع يعتمد على الصيد وبيع الأحياء البحرية كمصدر رزق أساسي.
قلق واضطراب
تثير هذه الظاهرة قلق الكثير من السكان المحليين في قرية يَخْتُل وعزلة الزٌّهاري، بينما يؤكد الصيادون حدوثها بشكل متكرر على مدى سنوات عديدة لكن بكميات أقل وبشكل لا يثير التساؤل، كما يؤكد أستاذ الأحياء البحرية وأخصائي الأسماك والمصائد في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) “عبدالسلام الكوري”.
ويقول الكوري لـ”منصة ريف اليمن”: “لا توجد حالات مسجلة رسميا لنفوق السلطعونات بعد عام 2000م على سواحل البحر الأحمر في اليمن، وهذه الظاهرة تتطلب نزولا ميدانيا من هيئة أبحاث علوم البحار لدراسة الظاهرة، وعمل تقرير علمي مفصل لتحديد سبب النفوق”.
الصياد “سعيد مقري (51 عاما)”، الذي يمارس الصيد منذ طفولته إلى جانب عمله كمعلم رياضيات، أوضح أن نفوق السلطعون الأحمر تكرر مؤخرا خصوصا في شهري نوفمبر وديسمبر على شواطئ المخا والزهاري ويختل، لكنه لم يكن بهذه الكثافة.
ويضيف: “السلطعون الأحمر يتواجد غالبا في العمق ولا يتواجد بكثرة على السواحل بعكس السلطعون الأزرق والسلطعونات الصغيرة (سرطان الكمان)، وهذا ما يزيد من غرابة الأمر”. ويرجّح مقري عدة أسباب محتملة، بينها انخفاض درجة الحرارة أو التلوث الناتج عن مخلفات السفن وتسربات النفط.
التغيرات المناخية
علميا نفوق السلطعونات قد يحدث بسبب انخفاض درجة الحرارة لأقل من 10-12°م، رغم أن درجة حرارة البحر الأحمر في نوفمبر وديسمبر تتراوح بين 24 و28 درجة مئوية، وهي درجات طبيعية، إلا أن أستاذ الأحياء البحرية عبدالسلام الكوري يوضح أن التيارات البحرية قد تجلب كتلا مائية باردة أو ساخنة بشكل مفاجئ إلى مناطق تواجد السلطعونات؛ ما يسبب صدمة حرارية قاتلة لها.
ويوضح أن انخفاض درجة الحرارة أو ارتفاعها عن المعدل الطبيعي قد تسبب هذه المشكلة، وخاصة أن السلطعونات كائنات حساسة جدًا، ووصول هذه التيارات إلى تجمعات أحياء بحرية معينة تسبب لها صدمة بسبب التغير المفاجئ في درجة الحرارة.
الصياد “أحمد علوة” يؤكد بدوره أن الطقس تغير خلال السنوات الأخيرة، والرياح باتت أكثر حدة، وأن بعض الأسماك تظهر في غير مواسمها، ما يشير إلى تغيّر التيارات البحرية.
المشاهد أثارت أسئلة خطيرة حول سلامة النظام البيئي البحري، ومصير التنوع الحيوي في واحدة من أهم مناطق الصيد في اليمن
تشير دراسات مختصة إلى أن التغير المناخي الناتج عن الأنشطة الإنسانية غيّر أنماط الرياح والتيارات البحرية، ما يؤدي إلى موجات باردة مفاجئة أو ارتفاعات شديدة في الحرارة، وسجلت بالفعل حالات نفوق جماعي للأسماك في وسط البحر الأحمر.
أسباب محتملة
يوضح الدكتور الكوري أسباب نفوق السلطعونات الطبيعية وغير الطبيعية، مثل نقص الأكسجين الذي يمكن تمييزه عن طريق قياس عدد من العوامل؛ أهمها الأكسجين الذائب، وتركيز الأملاح المغذية في مياه المحيط.
ويضيف: “يمكن ملاحظة حالة الأحياء النافقة من خلال خياشيمها إن كانت متفتحة من أجل الحصول على أكبر تركيزٍ من الأكسجين أم لا. وإذا كان النفوق بسبب المد الأحمر فيجب قياس تركيز سمية المياه؛ لأن الطحالب التي تسبب ظاهرة المد الأحمر قد تسبب نفوقا جماعيا للأحياء البحرية، وإذا كان النفوق بسبب مواد نفطية فمن المحتمل ظهور بعض البقع على الخياشيم أو الفم أو زوائد السلطعون الأحمر”.
ونُشر تقرير سابق على موقع (Yemen Times) في عام 1998 بعنوان (نفوق بسبب التلوث)، حيث زار عالم الطيور الشهير ديفيد ستانتون شواطئ تهامة والمخا، وأكد رؤيته لامتداد يبلغ طوله حوالي خمسة كيلومترات من السرطانات النافقة وتُقدَّر بالملايين جرفتها الأمواج إلى الشاطئ ميتة، في المنطقة الواقعة بين المخا والخوخة في جنوب البحر الأحمر، وأوضح بأن هذه الظواهر تعزز الحجة القائلة بأن آثار تسربات النفط لا تختفي بين عشية وضحاها.
تعاني المياه الإقليمية في اليمن من إهمال شبه متعمد؛ مما قد يفاقم من أي مشكلة، ومن الممكن أن يكون هذا النفوق مؤشرًا على مشاكل بيئية أكبر قادمة، وربما موجودة بالفعل لكنها لم تُكتشف بسبب عدم وجود برامج مراقبة لمياهنا الإقليمية، وعادةً يتم اكتشاف مثل هذه المشاكل بصورة متأخرة مما يجعل تداركها أشبه بالمستحيل.
تحذيرات
ويقول عبدالسلام الكوري أيضا: “إذا كان هذا النفوق مجرد حدث عابر ونادر بسبب موجة حرارة بحرية قصيرة أو بسبب نقص في تركيز الأكسجين فالتأثير سيكون محدودًا وسيتعافى النظام البيئي البحري تلقائيا؛ لكن إذا كان بسبب تدهور مستمر في نوعية المياه، أو تلوث عضوي أو نفطي فالحدث يمثل جرس إنذار”.
ويحذر من إمكانية تأثير فعلي على النظام البيئي البحري في سواحل المخا على المدى البعيد، خاصة وأن السواحل القريبة من المخا تحوي العديد من البيئات الحساسة مثل الشعاب المرجانية التي تتأثر بشكل سريع عند التعرض لأي تلوث أو تغيرات في درجات الحرارة.
ويُوصي الكوري بضرورة توعية كل العاملين في البحر بالإبلاغ المباشر عن أي ظاهرة غريبة وغير مألوفة تُلاحظ في المياه الإقليمية أو السواحل، وأكد على ضرورة وجود قناة تواصل عبر الجهات المختصة مثل مكتب الثروة السمكية في المنطقة، وأيضا مكتب هيئة حماية البيئة ومكتب الثروة السمكية أو هيئة المصائد السمكية، داعيا إلى الالتفات لهذه الظواهر ودراستها ومراقبة المياه الإقليمية التي تشكّل مصدر دخل قومي وطريق عبور عالمي.
تُعد زراعة التبغ المعروف محلياً بـ”التمباك، التنباك، التتن” من أقدم وأبرز الأنشطة الزراعية في سهل تهامة بمحافظة الحديدة غربي اليمن، حيث تنتشر الحقول الخضراء على مساحات واسعة، ويعتمد المزارعون على هذا المحصول بوصفه سلعة نقدية موسمية توفّر لهم دخلاً أساسياً.
وتُظهر الصور المرفقة التي وثقها المصور عبدالرحمن الغابري مراحل مختلفة من الزراعة، بدءاً من العناية اليدوية بالنبات في الحقول، وصولاً إلى حصاده وتجفيف أوراقه بطرق تقليدية عبر تعليقها في هياكل خشبية قبل التخزين أو التسويق.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن التنباك معروف في اليمن والمنطقة منذ قرون، إذ ذكره العالم أبو حنيفة الدينوري عام 828م في كتابه “النبات”، تحت اسم “طباق”، حسب المختص الأثري فهد اسماعيل الانباري، وشرح استعمال أوراقه ومفعولها، وهو ما يُرجّح أن تسمية “التبغ” و”التنباك” مشتقة لغوياً من هذا المصطلح، ما يعزز ذلك حقيقة أن الاسم العالمي للتبغ هو (tabac).
وتختلف الروايات التاريخية حول بدايات زراعة التنباك في اليمن، إذ تشير بعض المصادر إلى دخوله في القرن العاشر الهجري، فيما تؤكد مخطوطات تهامية أنه زُرع في تهامة، وتحديداً في وادي سهام، خلال عهد المماليك الشراكسة.
بعثات أثرية كشفت عن دلائل أقدم لانتشاره في زبيد تعود إلى أواخر الدولة الرسولية وبدايات الدولة الطاهرية، ما يعكس عمق ارتباط هذا المحصول بالبيئة الزراعية التهامية.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت زراعة التبغ توسعاً ملحوظاً في اليمن، حيث تتركز أكثر من 90% من مساحاته في محافظة الحديدة، بإنتاج يُقدّر بنحو 30 ألف طن من مساحة تقارب 7 آلاف هكتار.
ويعزو مزارعون هذا التوسع إلى العائد المالي المرتفع مقارنة بالمحاصيل الغذائية، في ظل ارتفاع تكاليف الزراعة وشح الدعم الرسمي.
وفي المقابل، يحذر مختصون وجهات معنية من آثار هذا التمدد على الأمن الغذائي والبيئة، مؤكدين أن زراعة التبغ تُزاحم محاصيل الغذاء وتُسهم في تدهور التربة واستنزاف الموارد، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل هذا المحصول بين الجدوى الاقتصادية والتحديات التنموية.
أصدرت وزارة الزراعة والثروة السمكية اليمنية قرارين يقضيان بحظر صيد خيار البحر والسلاحف البحرية أو الاتجار بهما، بهدف حماية التنوع البيولوجي والأنواع المهددة بالانقراض في المياه اليمنية.
وبحسب المصادر الرسمية جاءت القرارات استنادا إلى الدستور والقوانين المنظمة لصيد الأحياء المائية، وبناء على تقارير علمية من الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار، تؤكد تراجع مخزون خيار البحر ووصول السلاحف البحرية إلى مستويات تهدد وجودها.
وتصنف بعض أنواع السلاحف في اليمن ضمن أكثر الكائنات المهددة بالانقراض وفقاً للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN).
ونص القرار الوزاري رقم (41) لسنة 2025 على منع صيد خيار البحر بشكل كامل، مع السماح بتصدير الكميات المحصورة مسبقا خلال مدة لا تتجاوز شهرا واحدا قبل حظر أي تسويق داخلي أو خارجي.
كما يقضي القرار رقم (42) لسنة 2025 بمنع صيد السلاحف البحرية أو الاتجار بها أو استخدام بيضها، باستثناء الحالات العلمية المرخصة رسميا من الوزارة.
وكلف القرار الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار بإجراء دراسات ميدانية شاملة حول وضع هذين النوعين، ورفع توصيات علمية وخطط لإدارتهما بشكل مستدام، بما يتوافق مع القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية.
وشددت القرارات على تطبيق العقوبات القانونية بحق المخالفين، إلى جانب اعتماد كشوفات الحصر للكميات المصطادة سابقا والسماح بتصديرها خلال مهلة محدودة، مع حظر تسويق أي كميات جديدة داخل اليمن أو خارجه.
تأتي القرارات في ظل تنامي عمليات الصيد الجائر خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في السواحل الشرقية والغربية لليمن، حيث شهدت هذه الأنواع استنزافا واسعا بسبب الطلب التجاري المرتفع عليها محليا وخارجيا.
لم يكن الثالث من ديسمبر، اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، سوى تذكير إضافي للأسر الريفية بما تعانيه طوال العام، ففي المناطق الوعرة المحيطة بمديرية جبل حبشي غرب تعز، تتوارى حياة كاملة خلف الجبال؛ يعيش فيها أطفال من ذوي الإعاقة خارج دائرة الرعاية، محرومين من الخدمات الصحية والتعليمية، بينما تتحمل أسرهم عبء البقاء وحدها في مواجهة واقع قاسٍ وممتد.
من بين هذه الأسر تقف “فاطمة صالح”، أم لستة أبناء، يحمل صوتها المتحشرج حكاية تشبه حكايات مئات الأسر الأخرى التي تخوض معركة يومية من أجل حياة أطفالها؛ معركة بلا دعم، ولا مؤسسات، ولا يد تمتد إليهم.
تسكن فاطمة في منزل بسيط تحاصره الجبال والطرق الوعرة في ريف جبل حبشي، ولديها طفلان يعانيان من إعاقة خلقية دائمة، تقول لـ”منصة ريف اليمن”: “أطفالي منسيون تماماً. لم نر دعماً ولا زيارة ولا حتى سؤالاً، سنوات طويلة مرت دون أي متابعة صحية أو تقييم طبي، حتى العلاج البسيط كالتمارين اليومية لم نعد قادرين على توفيره بعد أن تدهور وضعنا المعيشي”.
وتشير إلى أن رعاية طفليها المعاقين – في بيئة تفتقر لأبسط الخدمات والرعاية الطبية – تمثل كفاحا يوميا، فغياب المراكز الصحية وصعوبة التنقل والوضع المادي المتدهور جميعها تتحول إلى تحديات هائلة على عاتقهم، موضحةً أنها لم تستطع توفير الأساسيات لهم، ولو حتى العلاج الخاص بهم، وأن وضعهم المادي لم يسمح لذلك، حد تعبيرها.
عمر، ذو السنوات السبع، يحمل تشوها خلقيا يستوجب رعاية مستمرة، بينما تعاني شقيقته جنات (خمس سنوات) من صعوبة في الحركة والاستيعاب يجعل من أبسط تفاصيل يومها تحديا مرهقا، تقول فاطمة إن صراخ جنات المستمر يزيد ألم العجز الذي تعيشه الأسرة.
أوجاع مهملة
تعيش عشرات الأسر في ريف جبل حبشي الظروف نفسها؛ إذ ترعى أطفالًا من ذوي الإعاقة وسط أوضاع معيشية واقتصادية وإنسانية بالغة القسوة، الأمر الذي تحول إلى عبء أكبر على كاهل الأسر، خصوصًا أن معظم الأسر قد فقد معيلها مصادر دخلهم، وأصبحوا يعملون بأجر يومية لا يكاد يسد الرمق، ليجدوا أنفسهم في معركة دائمة مع الحياة من أجل البقاء.
وبرغم الواقع المرير، لا تزال فاطمة متمسكة بالأمل، تحلم بأن يحظى طفلاها برحلة علاجية ويحصلان على رعاية صحية تعيد إليهما جزءًا من حياتهما، وتعوض ما فقداه طوال سنوات من عمرهم، وأن يعيشا بكرامة، حد تعبيرها.
لا يختلف حال الطفلة رهف عارف عن وضع عمر وجنات، فجميعهم يعانون من إعاقات يحتاجون إلى رعاية عاجلة، حيث يقول والد رهف لـ “منصة ريف اليمن”أن ابنته البالغة من العمر تسع سنوات منذ أن ولدت وهي غير قادرة على المشي، وأنه واجه مشقة كبيرة من خلال إسعافها وتوفير العلاجات لها ولم تبدأ بالمشي إلا بعد تجاوزها السادسة، وما تزال غير قادرة على المشي بشكل طبيعي، وتعاني من ضيق مستمر في التنفس.
ويشير إلى أن حالات الإعاقة كثيرة في منطقته (عزلة الشراجة)، ومع ذلك لا تتلقى أي رعاية أو اهتمام من الجهات المعنية بحقوق الطفل وذوي الإعاقة، مؤكدًا أن وجود طفل من ذوي الإعاقة داخل الأسرة يضاعف الأعباء ويضع الأسرة في دائرة معاناة لا حصر لها إذ تبذل كل ما بوسعها من أجل رعاية أطفالهم على أمل أن ينالوا الشفاء.
أعباء مضاعفة
في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها البلاد، وتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي الذي أثر على آلاف الأسر اليمنية، كانت الأسر التي تضم أشخاصًا من ذوي الإعاقة الأكثر تحملًا للأعباء؛ إذ يواجه أبناؤها حرمانا متزايدا من الرعاية الطبية والخدمات اللازمة، الأمر الذي ضاعف من معاناتهم ويزيد من صعوبة تأمين احتياجاتهم الأساسية.
في السياق تقول “إيمان القدسي” مدربة وأمين عام جمعية الطموح للصم بتعز، لـ “منصة ريف اليمن” إن الأشخاص من ذوي الإعاقة في المناطق الريفية يواجهون تحديات مضاعفة، مقارنة بغيرهم في المدن، أبرزها صعوبة الوصول إلى المراكز المتخصصة وغياب الرعاية والاهتمام بهم.
وتوضح القدسي أن الأسر الريفية تتحمل أعباء مالية وجسدية كبيرة عند نقل أطفالها إلى مراكز التأهيل، بخلاف أسر المدن التي تتوفر لها خيارات قريبة ودعم أفضل. كما تؤكد أن الريف يفتقر للمدارس والمراكز المتخصصة، خصوصًا لذوي الإعاقة الحركية والتوحد والصم والبكم.
عشرات الأطفال من ذوي الإعاقة بالريف يعيشون أوضاعا معيشية واقتصادية وإنسانية بالغة القسوة الأمر الذي تحول إلى عبء أكبر على كاهل أسرهم
وأضافت أن المناطق الريفية تفتقر للمدارس والمراكز المتخصصة التي تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة على التعليم والتدريب، خصوصًا ذوو الإعاقة حركيًا أو التوحد، أو الصم والبكم أيضا، على العكس من المدينة، التي تتوفر فيها هذه المدارس والمراكز وكوادر التدريب.
وتلفت إلى أن غالبية الأشخاص ذوي الإعاقة في الريف يفتقدون لمعرفة الأساسيات من البرامج التأهيلية مثل لغة الإشارة أو حتى كتابة أسمائهم رغم إكمالهم الثانوية لكنهم لم يستطيعوا من كتابتها، رغم طموح الكثير منهم في مواصلة تعليمهم الجامعي.
ضعف الإمكانيات
وتدعو القدسي إلى إنشاء مراكز تدريب وتأهيل مخصصة لذوي الإعاقة في المناطق الريفية، مع توفير كافة الرعاية والخدمات اللازمة، لهم مشددة على أهمية وضع خطة واضحة لمكتب التخطيط، بحيث تستهدف منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية العاملة في مجال الإعاقة.
وتوضح أن هذه الخطوة تهدف إلى دعم هذه الفئات والوصول إليها بشكل أفضل، إضافة إلى إنشاء فروع لصندوق الرعاية في المديريات، وتوفير وسائل مساعدة لذوي الإعاقة، وإسهام المدارس الحكومية في تسهيل التحاقهم بالتعليم.
يبلغ عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة في تعز أكثر من 15,200 شخصًا، وفقًا لمدير صندوق رعاية وتأهيل المعاقين بالمحافظة
يقول “صبري المعمري”، مدير صندوق رعاية وتأهيل المعاقين في تعز، لـ”منصة ريف اليمن” إن الأشخاص ذوي الإعاقة في المناطق الريفية يعيشون أوضاعًا صعبة، خصوصًا أن تلك المناطق لا تتلقى أي رعاية فعلية من قبل الصندوق أو منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية العاملة بهذا المجال.
ويبلغ عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة في تعز أكثر من 15,200 شخصًا، وفقًا للمعمري.
وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية فإن ما لا يقل عن أربعة ملايين ونصف مليون يمني من ذوي الإعاقة لا يحصلون إلا على دعم شحيح، وبموجب هذه البيانات، فإن الخدمات المتخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة نادرة، خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
وبحسب تقرير صدر أواخر عام 2024، فإن عدد المعاقين يقدر بنحو 4.5 مليون معاق، كما أن العوائق التي تحول دون إدماجهم في المجتمع كبيرة، وتفاقمت نتيجة لانهيار البنى التحتية، والصراع، والضغوط الاقتصادية، ونقص الخدمات، إلى جانب الوصمة والعزلة الاجتماعية التي تحاصر هذه الفئة من كل اتجاه.
على مدى سنوات، كان مشهد الإطارات التالفة على أطراف شوارع صنعاء مألوفًا، يظهر بأشكال متعددة: تُحرق في الهواء الطلق، فتنبعث منها أدخنة سامة تلوث الجو، أو تُترك لتتحول إلى بؤر لتكاثر الحشرات، لم يكن هذا المشهد مجرد منظر غير جمالي، بل انعكاساً لفجوة واضحة في إدارة أحد أصعب أنواع المخلفات، التي لا تتحلل بسرعة وتستمر لسنوات طويلة، مهددة البيئة وصحة السكان.
ليست مشكلة الإطارات محلية فحسب، بل تعاني الكثير من المجتمعات منها. بحسب دراسة نشرتها مجلة Science of The Total Environment، ينتج العالم نحو 3 مليارات إطار جديد فيما يتحول نحو 800 مليون إطار إلى نفايات سنوياً. وتمثّل ملايين الإطارات هذه مشكلة بيئية حقيقية حول العالم وخصوصاً في الدول التي لا تتوفر فيها إمكانيات التعامل معها.
تفتقر اليمن عمومًا للإحصائيات والدراسات الدقيقة، ولكن بحسب تقديرات مؤسسة Blue Weave Consulting فإن حجم سوق الإطارات في اليمن بلغ في العام 2022 نحو 300 مليون دولار أميركي، ومن المتوقع نموه إلى ما يزيد عن 420 مليون دولار بحلول العام 2029، بمعدل نمو سنوي يبلغ 5.76%.
تشير هذه التقديرات إلى سوق نشط تزداد نسبة الاستهلاك فيه، ما يعني أن كميات الإطارات التالفة المتراكمة ستزداد هي الأخرى في مختلف أنحاء اليمن، وستشكل تحدياً لبرامج معالجة النفايات وإعادة التدوير، وخطراً بيئياً على المدى الطويل.
تعد الإطارات، بحسب الخبير الزراعي عبدالله الحسني “من أكثر المخلفات انتشارًا، وتؤثر على التربة والمياه بسبب تسرب الزنك والرصاص والزيوت منها كما أنها توفر بيئة لتكاثر البعوض”.
وهو يحذر من أن حرق الإطارات يطلق ملوثات بيئية خطرة تعرف بالديوكسينات تضر بالمحاصيل وصحة البشر. وهنا يؤكد الحسني أن أحد الحلول يكمن في إعادة استخدامها بطرق آمنة كتحويلها إلى أحواض للنباتات مثلاً مع إضافة مواد عازلة تمنع تسرب المواد الكيميائية إلى التربة.
تفتقر اليمن للإحصائيات، وبحسب تقديرات فإن حجم سوق الإطارات بلغ في العام 2022 نحو 300 مليون دولار أميركي
من جهته، يشير المهندس “معين السواري”، مدير وحدة التغيرات المناخية بالهيئة العامة لحماية للبيئة، إلى أن الإطارات التالفة تُعد من “النفايات الصعبة والمستمرة، وهي تُدار غالبًا بطرق غير رسمية، مع استخدامات بديلة كوقود أو مواد بناء أو مرابط ساحلية؛ ما يزيد المخاطر البيئية والصحية”.
إن استخدام الإطارات على شكل وقود في الورش والمخابز والمصانع يرفع من نسب الانبعاثات الكربونية والغازات السامة. أما استخدامها، مباشرة من دون معالجة، في البناء سواء في العزل أو الجدران الاستنادية فقد يؤدي إلى تسرب المركَّبات الكيميائية مع الحرارة والرطوبة، ويولد ملوثات قد تصل للتربة والمياه الجوفية مع غياب المعايير الفنية. وأخيراً فإن استخدامها كمرابط ساحلية لتثبيت القوارب أو كحواجز قد يؤدي إلى تلوث المياه؛ مما يضر بالسلسلة الغذائية البحرية.
يحذر السواري من أن تكدس الإطارات في الساحات المفتوحة يسمح بتسرب المواد الكيميائية وتجمع المياه؛ ما يزيد انتشار أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك. فيما يؤدي الحرق المفتوح للإطارات إلى إطلاق دخان سام يؤثر على عمل القلب والجهاز التنفسي.
تحديات بقاء الإطارات
تتأثر الإطارات بسرعة بالتضاريس الوعرة، وضعف صيانة الطرق، والتغيرات المناخية. وهذه جميعها تعد الظروف السائدة في مختلف مناطق اليمن، مما يزيد من اهتراء إطارات المركبات العاملة على الطرقات وضرورة استبدالها.
يشير المهندس علي المطري، مدير التفتيش الصناعي بالهيئة العامة للمواصفات والمقاييس، إلى أن دخول الإطارات الجديدة إلى صنعاء يخضع لفحص السلامة، والتأكد من وجود شهادة معتمدة.
في المقابل يكشف ميكانيكي السيارات المهندس “مشير الكوكباني” مفارقة بين المعايير الرسمية والواقع، فالضغوط الاقتصادية تدفع السائقين نحو شراء الإطارات المستعملة المنتشرة في السوق فعليا بفارق يصل إلى 30٪، رغم المخاطر.
تتأثر الإطارات بسرعة بالتضاريس الوعرة، وضعف صيانة الطرق، والتغيرات المناخية، وهذه جميعها تعد الظروف السائدة في مختلف مناطق اليمن
كما يوضح أن الاستبدال السريع للإطارات مرتبط بسلوك السائق، وحالة الطرق، وجودة الإطار. كما يرى الكوكباني أن ممارسات التفحيط وتحميل المركبات بأوزان زائدة – فضلاً عن غياب الصيانة الدورية – تقصّر جميعها من عمر الإطارات، بالإضافة لتأثير ارتفاع درجات الحرارة على مرونتها.
ولكن، سرعة اهتلاك الإطارات تعني أيضاً المزيد من تراكم النفايات. يوضح “إبراهيم الصرابي”، مدير عام النظافة بأمانة العاصمة، أنّ انتشار الإطارات التالفة يعود إلى عوامل متشابكة، تمثّل أبرزها بغياب العمال المختصين بفرز الإطارات، وانعدام الوعي البيئي لدى بعض فئات المجتمع، بالإضافة إلى غياب المبادرات المحلية المنظمة لمعالجتها في السابق.
هذا النقص في التنظيم جعل الإطارات تُدفن مع النفايات الأخرى في مكب النفايات؛ ما أدى إلى انبعاث الغازات السامة وحرائق صعبة السيطرة، وأثر سلبي مباشر على السكان والمزارع المجاورة.
في عام 2016، بدأت إدارة النظافة بالأمانة بمحاولات تخصيص عمال للفرز وتجنيب الإطارات بعيدًا عن النفايات العادية لتجنب اشتعال الحرائق، إلا أن التنظيم الفعلي جاء عام 2020، مع تخصيص فرق متابعة؛ ما أسهم في تقليل المخاطر تدريجيًا.
وبالتوازي، ظهرت مبادرات إعادة التدوير، وإن كانت محدودة، أبرزها تجربة “سفيان نعمان” الذي حول الإطارات التالفة من مصدر قلق بيئي إلى فرصة اقتصادية وفنية مستدامة.
فما هي التحولات التي طرأت على مصير الإطارات التالفة؟ وكيف انتقلت من مصدر تهديد إلى مورد تنموي؟
منظور رسمي: جهود النظافة والحد من الحرق
كانت الإطارات التالفة تُحرق عشوائيًا، خصوصًا خلال شهر رمضان حيث اعتاد الأطفال إشعالها ضمن طقوس الاحتفال والفرح بقدوم الشهر. لتجنب هذه المشكلة، بادرت الإدارة العامة للنظافة بصنعاء بحملات توعوية مع بداية شهر شعبان من كل عام، مع التأكيد على المادة الخامسة من قانون النظافة رقم 93 لسنة 1999، التي تحظر إلقاء أو حرق أو دفن المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها. بحسب ما أفاد الصرابي.
ويؤكد الصرابي أن الإدارة بدأت بفرز وتخزين الإطارات منفصلة بعد جمعها من الورش والشوارع، ولوحظ انخفاض الكميات اليومية إلى نحو 1–2 طن فقط بفضل الوعي البيئي والمبادرات المجتمعية التي تدعو لإعادة استخدامها على شكل أحواض للزراعات البسيطة، أو أسوار بدل حرقها أو رميها.
ويتفق معه “قيس العامري”، أحد أصحاب ورش الصيانة بصنعاء، مؤكدا أن الإطارات القديمة لم تعد تُرمى كما السابق إذ يُقبل بعض المواطنين – ولا سيما النساء – على أخذها وتحويلها إلى أحواض لزراعة الشتلات والزهور، بينما تتكفل فرق النظافة بجمع البقية.
المادة الخامسة من قانون النظافة تحظر إلقاء أو حرق أو دفن المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها
المبادرات لإعادة تدوير الإطارات لا تزال فردية وغير منظمة رسميًا، فيما توجد بعض المصانع؛ مثل مصنع لتجديد الإطارات المستعملة وآخر لإنتاج حبيبات المطاط المعاد تدويره لأرضيات الملاعب، وفقًا للصرابي، الذي يؤكد دعمه لأي استثمارات جديدة لتعزيز القطاع، وتحويل الإطارات التالفة إلى مواد مفيدة.
من مخلفات إلى موارد
قبل نحو ثمان سنوات، وفي وقت كانت الإطارات التالفة تتراكم وتُحرق عشوائيًا، قرر الرسام سفيان نعمان (48 عامًا) أن يكون جزءًا من الحل.
ابتكر نعمان مشروعًا يقوم على إعادة توظيف الإطارات المستعملة وتحويلها إلى منتجات فنية ووظيفية؛ من الكراسي والطاولات، إلى المزهريات والمجسمات وألعاب الأطفال. يرى نعمان في الإطارات مورداً يمكن الاستفادة منه لوقت أطول إذ إن “الإطار لا يفقد قيمته عند التلف” كما يقول. وهو يتابع شارحاً حول بنية الإطارات التي تتكون من “مزيج من المطاط الطبيعي والصناعي، والأسلاك الفولاذية، والألياف، تجعل منه مادة صلبة وقابلة لإعادة التشكيل”.
ويفصّل نعمان مراحل عمله موضحًا أن العملية تبدأ بفرز الإطارات حسب نوعها وحالتها، ثم تنظيفها ومعالجتها. بعد ذلك يقطع الإطار إلى أجزاء مناسبة، ويفصل المكونات الصالحة للاستخدام ويستبعد غير الصالح منها. وعندما تكتمل الأجزاء المناسبة أمامه، يعيد تشكيلها باستخدام القماش والخيش وخيوط الحياكة لصناعة الأثاث والديكور.
أما الإطارات شديدة التلف، فيقول إنها تُرسل لجهات متخصصة لطحنها وتحويلها إلى حبيبات تُستخدم في أرضيات الملاعب. ويعد هذا من الحلول الأخرى المناسبة لإعادة استخدام الإطارات.
خلال مسار المشروع نجح نعمان في إعادة تدوير أكثر من 8,000 إطار تالف، موضحًا أن لكل إطار استخدامًا يبتكره بنفسه وفق احتياج التصميم. فإطارات سيارات الركوب يحولها إلى كراسي وطاولات، وإطارات الدراجات النارية لصنع أحواض وديكورات صغيرة، أما الإطارات الثقيلة فهو يخصصها للمجسمات الفنية الكبيرة.
يوضح نعمان أن المشروع ليس مجرد وسيلة لكسب العيش، بل إنه “يجسّد مبدأ من النفايات إلى الموارد، ويهدف لحماية البيئة ونشر ثقافة الاستدامة بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة مثل الاستهلاك المسؤول، والعمل المناخي، والمدن المستدامة”.
ليست تجربة سفيان نعمان الوحيدة. توجد تجارب عديدة، في مختلف الدول، تبنّت حلولاً إبداعية في الاستفادة من هذا المنتج الذي يعد من أخطر النفايات الصلبة غير القابلة للتحلل، والذي يسبب أزمات بيئية في حال تركه دون معالجة.
نرى مثلاً في الكاميرون تجربة مماثلة لفنانة تحول الإطارات التالفة إلى أثاث منزلي عملي. وفي نيجيريا، أسست رائدة أعمال شابة معملاً لإعادة تدوير المئات من الإطارات القديمة المتراكمة يومياً في المكبات، وتحويلها إلى طوب مناسب لرصف ملاعب الأطفال ومواقف السيارات.
وعربياً، تبرز تجربة فيصل بن دية من الإمارات العربية المتحدة الذي أطلق مشروعًا لإعادة تدوير إطارات المركبات التالفة والبراميل المستخدمة، وإنتاج سلع منزلية، مثل الكراسي والطاولات. أما في مصر، فقد ظهر مشروع “مكاني” على يد وفاء عبد الرحمن، الفتاة الأسوانية المحبة للطبيعة، التي تصنع قطع أثاث ومنتجات منزلية من الإطارات المستهلكة.
تحديات المبادرة والدعم المحدود
يقول سفيان نعمان “بدأتُ من المنزل بورشة صغيرة، لكنّ ضعف بنية أرضية المنزل وتحميلها بالمعدات تسبب في تشققها، ما اضطرني لإيقاف العمل مؤقتًا منذ ذلك الحين أتنقل بين المدارس والحدائق لتنفيذ التصاميم”.
يشير نعمان إلى الدعم المعنوي من مركز التوعية البيئية وتعاون الإدارة العامة للنظافة في دعم مبادرته بتوفير الإطارات مجانًا، مؤكدًا أنه يعتمد عليها إلى جانب ما يحصل عليه من أصحاب الورش، وأحيانًا يجمع بنفسه بعض الإطارات من الشوارع لتنفيذ تصاميمه.
ويؤكد الصرابي أن “الإدارة ترحب و تدعم كل المبادرات التي ستسهم في إعادة التدوير، وتوفر الإطارات للراغبين بتحويلها إلى منتجات نافعة”.
الحلول على المدى الطويل تتطلب استثمارات كبيرة تتمثل في إنشاء معامل وخطوط إعادة التدوير والتبني السليم للتقنيات النظيفة
لكن رغم هذا الدعم، لا تزال البنية التحتية والدعم الرسمي غائبين. وهو ما يشير له نعمان بأسى: “وُعدتُ بتخصيص مساحة في حديقة السبعين لإقامة ورشتي، لكن ذلك لم يتحقق حتى اليوم، رغم عرضي تنفيذ كراسي للحديقة والمساهمة بـ10٪ من أرباحي لدعم المشروع”.
يرى المهندس “معين السواري” أن هناك العديد من المعوقات التي تقف في وجه معالجة ملف الإطارات المستهلكة. تشمل هذه المعوقات ضعف الخدمات البلدية، والسوق الثانوي غير المنظم، وقلة محطات إعادة التدوير المتخصصة.
يؤكد السواري أن التطبيقات السليمة لإعادة تدوير الإطارات يمكن أن تسهم في التخفيف من الانبعاثات وتعزيز التكيف البيئي، مثل معالجة الإطارات لاستخدامها في العزل الحراري، وتحسين الطرق، وصنع بعض المنتجات المنزلية منها.
الفن البيئي وتمكين الشباب
لم يكتفِ نعمان، الذي أعلن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) اختياره ضمن أبطال البيئة تقديرًا لجهوده، بالتصميم والإنتاج. لقد سعى على الدوام إلى نقل تجربته إلى الأجيال الجديدة عبر تدريب أكثر من 70 شابًا وشابة من الجامعات والمدارس، بينهم نساء من ذوي الإعاقة، على أساليب معالجة الإطارات.
تقول الفنانة التشكيلية “عائشة هياش”: “كنت أستمتع بحرق الإطارات خلال طفولتي دون إدراك الضرر، لكن بفضل تدريب سفيان نعمان تعلمت إعادة تدويرها في طاولات ومزهريات وألعاب، وأطمح مستقبلاً لدمج الإطارات مع الرسم على الزجاج لإنتاج أعمال فنية تحمي البيئة”.
أما “ماهر الجماعي (35 عامًا)”، فقد استلهم خبراته من نعمان ليؤسس بعدها مشروعه المستقل، ويحوّل الإطارات إلى أحواض لغسل الملابس ومستوعبات لنقل الرمل في مواقع البناء. يستمر الجماعي بالتواصل والتعاون مع نعمان عند ضغط العمل، ويستهلك مشروعه شهريا نحو 100 إلى 200 إطار ويحقق قبولًا كبيرًا عند الناس.
الحلول موجودة دائماً
يختتم السواري حديثه لـ”منصة ريف اليمن” باعتقاده أن الحل يبدأ على المدى القصير بجمع الإطارات ومنع تجمع المياه فيها بالتوازي مع تشجيع الناس على إعادة الاستخدام الآمن. يمتد الحل بعدها على المدى المتوسط بإنشاء نقاط تجميع منظمة وتحفيز جامعي النفايات على توجيه الإطارات إليها، إضافة إلى إنشاء مشروعات تحويل الإطارات إلى أسفلت مطاطي ومنتجات بناء.
يرى السواري أن الحلول على المدى الطويل تتطلب استثمارات كبيرة تتمثل في إنشاء معامل وخطوط إعادة التدوير والتبني السليم للتقنيات النظيفة بهدف بناء اقتصاد دائري مستدام يحوّل النفايات إلى موارد مفيدة ويقلل المخاطر البيئية والصحية.
اليوم، تُظهِر جهود إعادة تدوير الإطارات في اليمن تنوعًا بين المبادرات الفردية – مثل تجربة سفيان نعمان – والمشاريع الصناعية لإنتاج حبيبات المطاط المعاد تدويره لأرضيات الملاعب، ورغم محدودية الإمكانيات، تشكّل هذه التجارب نموذجًا عمليًا لبداية تشكل اقتصاد دائري يقدّم حلولًا للتحديات البيئية ويعزز حماية البيئة.
*ُ أنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)
في مدينة تريم بمحافظة حضرموت، برز خلال السنوات الأخيرة اسم الفنان “يعقوب سالم هبشان (40عاما)”؛ كأحد أبرز المواهب الفنية التي استطاعت أن تشق طريقها بإمكانات بسيطة وشغف كبير.
نشأ هبشان على حب الفن منذ سنواته الأولى، ووجد في الرسم ملاذه الأقرب ومساحة يعبر فيها عن رؤيته الخاصة للعالم، ورغم الظروف الصعبة التي يواجهها تمكن من الحفاظ على شغفه وتطوير مهارته.
بين جدران منزله يصنع عالما من الألوان والمجسمات والمنحوتات، محولا شغفه الطفولي إلى تجربة فنية متجددة تجعل منه وجها بارزا في الساحة الفنية الحضرمية.
يقول هبشان لـ”منصة ريف اليمن” إنه يجيد عدة مدارس فنية بينها الرسم الزيتي، الرسم المائي، الرسم بالرمل، وفن النحت، موضحا أن هذا التنوع جعله قادراً على تقديم أعمال تلائم مختلف الأذواق والبيئات.
نجاح بجهود ذاتية
ويضيف أن رحلته الفنية كانت قائمة على جهوده الذاتية، وأن الدعم الذي تلقّاه كان من أسرته فقط، وهم الذين شكلوا له دافعاً كبيراً للاستمرار في هذا الطريق رغم صعوبته، فقد واجه الكثير من الانتقادات، لكنه لم يلتفت إليها، بل جعل منها حافزاً ليواصل عمله دون تردد.
لم يسمح يعقوب هبشان للواقع الصعب أن يطفئ شغفه، بل اتخذ من منزله المتواضع محطة يومية لصناعة الجمال، يمضي معظم وقت فراغه في تشكيل أعمال فنية بين أدواته البسيطة، يعيد تشكيل الخشب، ويصنع المجسمات المتقنة، كأنها تحفة خرجت من ورشة محترف عالمي.
مع مرور الوقت، لم تعد الأماكن التي يمر بها مجرد مشاهد عابرة، بل تحولت إلى لوحات متخيّلة توثقها ريشته وتعيد صياغتها بروح مختلفة، فبقدر ما كان الطريق شاقاً، كان إصراره أكبر، ورغبته في إثبات موهبته أقوى، وبات اسمه من الأسماء التي يُشار إليها بالبنان في حضرموت.
يبرع هبشان في الرسم على الزجاج باستخدام الرمال الملونة، وهي مدرسة فنية نادرة في اليمن، تتطلب دقة وصبراً وانسجاماً بين اليد والعين، وبرغم صعوبة هذا النوع من الفن، استطاع أن يقدمه بأسلوب فريد جعله محط إعجاب الزوار.
ويصف كثير ممن زاروا منزله بأنه أشبه بمعرض صغير، تتوزع فيه أعماله المتنوعة خلال سنوات طويلة من الاجتهاد والتجارب، فكل زاوية تحكي قصة، وكل قطعة فيها تعكس رحلة من الشغف والمثابرة.
يظهر تميز هبشان في قدرته على الدمج بين الأساليب التقليدية والحديثة؛ إذ يستطيع الانتقال بسلاسة من لوحة زيتية كلاسيكية، إلى عمل نحتي من الخشب أو الصخر، مروراً برسومات الرمال الملونة التي تشكل جزءاً أصيلاً من حضوره الفني، وكل ذلك يضيف إلى رصيده خبرة وقدرة واسعة على الابتكار.
كما أكسبته ممارسة الفنون المتعددة فهماً أعمق للضوء والظل والأبعاد، وهو ما أثر بشكل مباشر على جودة أعماله ودقتها، وأصبح يمتلك اليوم أسلوباً خاصاً يميزه بين الفنانين الشباب في اليمن، ويجعله قادراً على تقديم أعمال تحمل هوية واضحة لا تخطئها العين.
يؤكد هبشان أنه يؤمن أن النجاح يبدأ من الإصرار الداخلي، لذلك لم يكن يهتم بكلام الناس، بل وضع لنفسه هدفاً واضحاً وسار خلفه بثبات، ومع كل خطوة ينجزها، كان يشعر بأنه يقترب أكثر من حلمه، وبأن الطريق يصبح أكثر وضوحاً.
حضور يتجاوز الحدود
اعتمد هبشان في معظم مشاركاته على جهوده الخاصة، فكان ينحت في الصخر، ويجهّز أدواته الفنية بنفسه، ويتكفل بمصاريف السفر والمشاركة في المعارض دون أي دعم رسمي، هذه المثابرة جعلته قادراً على تجاوز القيود وإثبات موهبته.
كما حوّل شغفه إلى مشروع مستمر، يسعى من خلاله إلى تحقيق أحلامه التي رسمها منذ الطفولة، مستنداً إلى قناعة راسخة بأن العمل الجاد هو الطريق الوحيد للوصول، واليوم بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارها، بعدما باتت أعماله تجذب المهتمين، وتلقى اهتماماً واسعاً.
يؤكد يعقوب هبشان لـ”منصة ريف اليمن” “أنه خلال الأعوام الماضية شارك في العديد من المعارض والفعاليات الفنية داخل اليمن وخارجه؛ ما منحه فرصة واسعة لعرض أعماله أمام جمهور متنوع، والتعرف على فنانين من مختلف الدول.
ويلفت إلى أنه شارك محلياً في صنعاء وعدن وحضرموت بالمكلا وسيئون وشبام وتريم، مضيفاً أن هذه المشاركات كانت محطات مهمة في مسيرته، مكّنته من عرض أعماله واكتساب المزيد من الخبرات والآراء الفنية.
أما خارجياً، فيقول إن مشاركاته امتدت إلى السعودية وقطر وسلطنة عمان ومصر، وهناك وجد مساحات أكبر للعرض، وتلقى ردود فعل إيجابية أعطته دفعة معنوية كبيرة للمتابعة، وقد ساعدته هذه المشاركات على تطوير أسلوبه وتنويع تجربته.
نحت الكؤوس
يوضح أن هذه الزيارات كانت فرصة للتعريف بالفن الحضرمي واليمني بشكل عام؛ إذ عمل هبشان على إبراز الهوية الثقافية التي يحملها، وجعلها جزءاً من رسالته الفنية، وبات يحظى باحترام كبير في الأوساط الفنية العربية، وأصبحت مشاركاته الدولية شهادة على قدرته في المنافسة، ليس كهاوٍ، بل كفنان له بصمة واضحة، يسعى لأن يرفع اسم حضرموت واليمن في المحافل الفنية.
يقول هبشان: “من أبرز الأعمال التي تألقت فيها نحت عدة كؤوس لبطولات دولية من جذوع الأشجار، استخدمت فيها أدواتاً بسيطة كالقدُّوم والجلخ وغيرها، ورغم تواضع الإمكانيات، إلاّ أن النتائج كانت مبهرة، شكلت حالة إعجاب واسعة لدى المهتمين بالفن”.
ويضيف: “نحت كأس العالم يعد من أبرز أعمالي، حيث تمكنت من تقديمه بشكل متقن يعكس مهارتي ودقتي في التعامل مع الخشب، كما برعت مؤخراً في نحت كأس العرب 2025م الذي ستستضيفه دولة قطر في ديسمبر الجاري، وهو العمل الذي استغرق مني اثني عشر يوماً من الجهد المتواصل”.
إشادات واهتمام
حظي يعقوب هبشان بإشادات واسعة من المواطنين، ويقول المواطن سعيد مؤمن لـ”منصة ريف اليمن” إن “الفنان هبشان أبدع وتألق في أعماله المختلفة، واستطاع أن يفرض اسمه بجدارة في الساحة الفنية”، ويرى مؤمن أن أعماله تحمل روحاً خاصة، وتظهر فيها مهارة عالية لا يمتلكها إلا أصحاب الموهبة الأصيلة.
كما لاقت أعمال هبشان اهتماماً من السلطة المحلية في حضرموت، التي أثنت على ما قدمه من أعمال مميزة جذبت الأنظار، وقد تم تكريمه في أكثر من فعالية تقديراً لجهوده، ودعماً لموهبته التي أصبحت اليوم نموذجاً مشرفاً للفن الحضرمي، وساهمت هذه الإشادات في تعزيز حضوره، وتشجيعه على المضي قدماً في طريق الإبداع.
تمثل هذه الأعمال انعكاساً للحرفية العالية التي يمتلكها هبشان، وقدرته على تحويل الخشب الخام إلى تحف تعكس روح الحدث الرياضي وتفاصيله، وأصبحت هذه التحف مطلوبة وتلقى اهتماماً واسعاً في الداخل والخارج.
كما يجسد هذا النوع من الأعمال روح الإبداع في حضرموت، ويعكس مهارات نادرة تستحق الدعم والاهتمام، فالنحت على جذوع الأشجار يتطلب قوة ودقة وصبراً، وهي كلها صفات يتمتع بها هبشان بدرجة لافتة.
يطمح الفنان الشاب إلى خدمة بلاده عبر فنه، وتوسيع مشاركاته داخلياً وخارجياً، ليواصل مساراً بدأه منذ الطفولة. ويؤكد هبشان أنه يؤمن بأن العمل الجاد والإصرار هما الطريق الوحيد لتحقيق الحلم، وأن الفن سيبقى رفيقه الدائم في رحلته القادمة.
في القرى الريفية اليمنية، لا تحتاج إلى دعوة لتشعر بأنك في بيتك؛ فبمجرد أن تطأ قدماك أرضها – صباحًا كان أو مساء – يظهر أمامك جليا كَرَم الأرياف، إذ يستقبلك الأهالي بحفاوة كبيرة تُشعرك وكأنك أحد أفراد العائلة، وليس عابر سبيل.
يتميز أهالي القرى بتعاملهم الودود مع عابري السبيل من خلال كرم ضيافة متجذر في العادات والتقاليد، إذ يجد الزائر أو الغريب استقبالا حارًا وترحابًا يعكس قيم المجتمع الريفي، حيث يبادر الأهالي إلى تقديم الطعام والشراب وتأمين مكان مناسب للمبيت.
لا يقتصر مشهد الضيافة على تقديم الطعام فحسب، بل هو طقس اجتماعي أصيل، تتوارثه الأجيال وتتناقل تفاصيله المجالس، في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتراجع فيه بعض القيم، تبقى قرى اليمن حارسة لواحدة من أرقى صور الكرم الإنسان الريفي.
في حادث سير وقع في “نقيل هيجة العبد” الرابط بين لحج وتعز، سطر أهالي القرية المجاورة أروع أمثلة الكرم والإنسانية في مشهد يختزل القيم الأصيلة للمجتمع اليمني؛ إذ روى “محمد فؤاد” تفاصيل حادث سير تعرض له زملاؤه أثناء مرورهم في النقيل، وهو أحد الطرق الجبلية الوعرة جنوبي البلاد.
كرم وإنسانية
يقول فؤاد لـ”منصة ريف اليمن”، إن الحادث الذي وقع قبل ثلاثة أشهر من الآن أدى إلى إصابات متفاوتة؛ مما استدعى نقلهم إلى المستشفى لتلقي العلاج.
ويضيف: “بعد تماثلهم للشفاء، عادوا إلى موقع الحادث للسؤال عن مقتنياتهم الشخصية التي كانت على متن الباص، ليتفاجأوا بأن أهالي القرية القريبة قد قاموا بجمع كل شيء كان في المركبة؛ من أمتعة وأغراض شخصية، وحتى مواد غذائية ونقود”.
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصرّ الأهالي على عدم مغادرة فؤاد وزملائه إلا بعد تناول وجبة العشاء، رغم بعدهم عن المدينة وصعوبة إيصال المؤن إليهم، ولكنهم قدموا وجبة العشاء بكل ترحاب، رافضين أي اعتذار من الضيوف في صورة تعكس عمق كرم الضيافة المتجذر في الريف اليمني.
وبحسب فؤاد فإن الأهالي جمعوا كل شيء، لم يفقد منا أحد شيئًا، وكرمهم فاق الوصف لقد أعادوا لنا الثقة في قيم التكافل والتراحم.
لا يقتصر مشهد الضيافة على تقديم الطعام فحسب، بل هو طقس اجتماعي أصيل، تتوارثه الأجيال.
من جهته يقول التربوي “محمد قاسم 60 عاما” إن “الشعب اليمني معروف بكرمه وسخائه، ويتميّز أهله بحبهم للبذل والعطاء، ولا سيما في إكرام الضيف، فالكرم ليس سلوكًا طارئًا في المجتمع اليمني، بل هو سجيّة متجذرة في العادات والتقاليد، خاصة في الريف اليمني، حيث لا تزال هذه القيم حاضرة بقوة في حياة الناس اليومية”.
وأضاف قاسم في حديث لـ” منصة ريف اليمن”: “إذا زرت إحدى قرى الريف اليمني، أو مررت بها فستشاهد ذلك بعينك، ستجد الناس يتسابقون لاستضافتك وإكرامك، وكل منهم يتمنى أن تكون ضيفة”.
قيم راسخة
ويؤكد أكد “أسامة صادق 33 عاما”، أن سكان القرى يتميزون بكرم الضيافة وحسن استقبال الغريب وعابر السبيل، مشيرا إلى أن ضيافة الغريب تعد من القيم الراسخة التي يوليها أهل القرى اهتماما بالغا، وتعلو عندهم على أي أمر آخر.
ويقول صادق لـ”منصة ريف اليمن”، إن هذه الصفة الأصيلة ملازمة لأهالي القرى، حيث يظهر كرمهم في استقبال الضيف، وتقديم المأكل والمشرب له، وتوفير السكن، بل وحمايته إذا تطلب الأمر، مضيفًا: الغريب يُستقبل وكأنه أحد أبناء القرية أو ضيف على الجميع، فتراهم يتسابقون لتقديم الضيافة، كل يجود بما لديه، ويقاسمه طعامه وشرابه.
ضيافة الغريب وعابر السبيل تعد من القيم الراسخة التي يوليها أهل القرى اهتماما بالغا، وتعلو عندهم على أي أمر آخر.
في السياق ذاته يروى الحاج “علي عبده” الذي كان يعمل بائعًا متجولًا للملابس بين القرى، موقفًا لا يزال يذكره حتى اليوم؛ فيقول إنه في أحد الأيام تأخر به الوقت، ولم يتمكن من العودة إلى منزله، فقرر أن يبيت في مسجد إحدى القرى التي مر بها.
وأضاف: “ما إن علم الأهالي بوجودي، حتى تسابقوا لاستضافتي، وكل منهم يصر على أن أكون ضيفه وفي النهاية استضافني أحدهم، وأكرمني كما لو كنت مسؤولًا في جهة حكومية”.
ويعد هذا السلوك نموذجا حيا لما يتمتع به سكان القرى من أصالة وكرم، يعكس تراثا اجتماعيا متجذرا في ثقافة الريف، ويؤكد أن الضيافة ليست مجرد عادة، بل قيمة إنسانية راسخة تمارس بروح جماعية ونابعة من القلب.
يقول محمد قاسم: “عندما تدخل بيوتهم، ترى الفرح والسعادة على وجوه أفراد الأسرة، الذين يبذلون كل ما في وسعهم لإكرام الضيف، وقد يكلّف الواحد منهم نفسه فوق طاقته لتقديم أفضل ما لديه من المأكولات، والتفنن في التنويع والإعداد بما يُرضي الضيف ويُشعره بالراحة والكرامة”.
وأكد بأن “عادة إكرام الضيف في اليمن ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل موروث قبلي أصيل توارثه الأبناء عن الآباء والأجداد، وجاء الإسلام ليؤصّل هذه العادة ويحث عليها، كما جاء في قوله تعالى: “ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا”، وهذا ما جعل إكرام الضيف يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمعاني الشهامة والمروءة والكرم”.
عادة متوارثة
حتى في المدن، ورغم تغيّر نمط الحياة، لا يزال اليمني محافظًا على هذه القيمة، وإن قلّ حضورها الظاهري، أما في الريف، فلا تزال الضيافة تُمارس بكل أصولها؛ إذ يُكرم الضيف ويُؤخر لعدة أيام، وتُقدم له أصناف مختلفة من الطعام يوميًا، دون كلل أو ملل من المضيفين، بل يعتبرونه واجبًا وشرفًا لا يُفرّط فيه.
يمتد كرم الأرياف إلى المناسبات الاجتماعية؛ إذ يحرص السكان على دعوة الضيف للحضور والمشاركة، ليشعر بأنه فرد من المجتمع
ويؤكد الناشط المجتمعي “أكرم الزريقي” أن سكان القرى الريفية يعتبرون استقبال الضيف واجبًا اجتماعيًا ودينيًا على حد سواء، تعززه أمثال شعبية متوارثة مثل “الضيف يأتي برزقه” و”الضيف ضيف الله” لذلك يُستقبل الغريب بابتسامة صادقة، ويُقدَّم له كل ما يلزم لراحته دون تردد.
ويضيف الزريقي لـ “منصة ريف اليمن”: “في حال كان الزائر قد قدم بغرض العمل لا يتردد الأهالي في مد يد العون، سواء عبر توفير سكن ومكان لممارسة العمل، أو من خلال تقديم الإرشادات التي تساعده على الاندماج سريعًا في البيئة المحلية”.
ويلفت إلى أن هذا الكرم يمتد إلى المناسبات الاجتماعية؛ إذ يحرص السكان على دعوة الضيف للحضور والمشاركة، ليشعر بأنه فرد من المجتمع، وليس مجرد عابر سبيل، وغالبًا ما يحظى الزائر بوجبات منزلية واهتمام خاص يجسد أصالة الضيافة اليمنية.
وتبرز هذه الممارسات كأمثلة واضحة على طبيعة التعامل في القرى اليمنية، حيث يشكل الكرم وحسن الاستقبال جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية للسكان، وغالبًا ما يحظى الزائر بوجبات منزلية واهتمام خاص يجسد أصالة الضيافة اليمنية.
تعتبر صناعة الأدوات الخشبية من أشهر الحرف التقليدية في اليمن، حيث تمثل مرآةً للهوية وذاكرةً حيةً تنطق بتاريخ عريق صاغته الأجيال عبر القرون، وجسَّد فيها الحرفي اليمني قدراته الفريدة على تحويل الأخشاب الصلبة إلى قطع فنية تمزج بين الجمال والفائدة.
الحرفي “ناجي حسين (78 عامًا)”، أحد اليمنيين العاملين في صناعة الأخشاب، يؤكد لـ “منصة ريف اليمن” أن “اختيار الأخشاب ليس مجرد عملية عشوائية، بل أعتمد فيه على معرفة عميقة بطبيعة الخشب وأصله”.
يوضح حسين أن أبرز الأخشاب السدر والطنب والطلح والبرقوق والحمر الذي يشتهر بمتانته وجودته العالية، ويمتاز بجذوره العميقة وساقه القوي؛ ما يجعله مناسبًا لصناعة أدوات خشبية متينة وطويلة الأمد، تتسم بالصلابة وتكون خالية من العيوب أو الشقوق.
ورث ناجي حسين مهنة صناعة الخشب عن جده، ومن بعض الحرفيين الذين كانوا يعملون معه، موضحاً بأنه تعلم التمييز بين أنواع الأخشاب ومعرفة خصائصها، واختيار الأنسب منها، إلى جانب التمعن في العيوب التي قد تؤثر على جودة المنتج النهائي.
مهنة الأجداد
ويضيف حسن الذي ينحدر من صنعاء: “أنا كحرفي أعمل في هذه الحرفة باستمرار، وأفضل الأشجار التي تنمو في بيئات خاصة مثل المناطق الجبلية أو على أطراف الأودية، حيث تكون الأخشاب أكثر صلابة وأكثر مقاومة للتآكل”.
يقول المهندس “عبدالرزاق الأغبري”، رئيس قسم الحرف التقليدية في الهيئة العامة للحفاظ على التراث، إنه “منذ مئات السنين استطاع الحرفي اليمني أن يطوّع الأخشاب الصلبة بنحتها بدقة عالية، وتحويلها إلى نوافذ وأبواب وأوانٍ خشبية عملية وزخرفية في آنٍ واحد”.
وأكد الأغبري لـ “منصة ريف اليمن” أن هذا الإبداع لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم خبرات طويلة وفهم عميق لطبيعة الخشب وكيفية التعامل معه بما يتناسب مع الاحتياجات الجمالية والمعمارية للبيئة اليمنية.
خشب الطنب يعد الأفضل لأنه يصمد لمئات السنين دون أن تهاجمه الأرضة حشرات تتلف الخشب (فيسبوك)
يبدأ الحرفي في عملية التجهيز التي تتطلب مهارات عالية، حيث يبدأ بتقطيع الأخشاب إلى الأبعاد المناسبة باستخدام الأدوات اليدوية التقليدية مثل الفؤوس والمناشير، ويعتمد في هذه العملية على قياسات دقيقة تضمن توافق الأجزاء مع بعضها البعض في المنتج النهائي.
ثم بعد التقطيع، يتم تنعيم الأسطح باستخدام أدوات خاصة من أجل الحصول على نعومة وسطح أملس جاهز للزخرفة أو التشكيل، مثل السكاكين والأزاميل والحفارات والمطارق والمبارد.
يؤكد المهندس الأغبري أن من أفضل أنواع الخشب خشب الطنب لأنه يصمد لمئات السنين دون أن تهاجمه الأرضة (وهي حشرات تتلف الخشب) أو يتأثر بالتغيرات الجوية والمناخية. فهو إلى جانب قوته ومتانته، ممتاز للنحت والقطع، فلا يلتوي ولا يتأثر مهما كانت آلة القطع أو النحت قوية.
الصناعة والزخرفة
وأضاف: “أما خشب الطلح فيتم استخدامه في صنع الأبواب الخارجية لصلابته، إلا أنه غير مرغوب فيه كثيرًا نتيجة قابليته للتشظي، ولذلك لا يُنفَّذ العمل فيه إلا إذا كان أخضر. وأفضل ما يُصنع منه المحاريت”.
وتابع: “أما خشب الحُمَر وخشب البرقوق، فيُستخدمان في صنع قطع الأثاث التي تحتاج إلى خراطة، مثل أقطاب المداعب ومشاربها، قبل تزيينها وتطريزها بالفضة”.
رغم التطور التكنولوجي إلا أن الحرفيين اليمنيين حافظوا على مهاراتهم التقليدية التي ورثوها عن أجدادهم بالنقش على الخشب
“حامد الراعي، 55 عامًا”، أحد أبرز الحرفيين في هذه المرحلة، يقول: “أعمل على التشكيل والزخرفة وتحويل القطع الخشبية إلى قطع فنية تحمل لمسات جمالية تعكس الزخرفة والتنقيش والحفر على الأسطح بأدوات دقيقة”.
ويضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “أستخدم أشكالًا هندسية وزخارف نباتية وأحيانًا رموزًا تاريخية أو دينية. ومن أبرز هذه الزخارف كانت النقوش التي تمثل الطراز اليمني التقليدي، والتي تتضمن أشكالًا مزخرفة كالزهور والأقواس والدوائر المتداخلة والتصاميم اللافتة التي تعكس الذوق الرفيع”.
ويقول الراعي: “نقوم بصنع الأبواب والنوافذ الخشبية المزخرفة بدقة شديدة لتتناسب مع الطابع المعماري التقليدي، وكذلك صنع صناديق الحبوب والأدوات الزراعية وأدوات الطهي”.
وقديماً كان الحرفيون جزاءً من بنية الأسواق اليمنية القديمة، حيث وفرت فرص عمل للكثير من الشباب وصدرت منتجاتها إذ إن الأدوات الخشبية التي كان ينتجها الحرفيون لها دور أساسي في الحياة العامة.
أدوات مختلفة
ومن أبرز تلك الأدوات التي كان يتم تصنيعها: الأبواب الخشبية والنوافذ المزخرفة الجميلة، والمتقنة الأثاث مثل الطاولات والكراسي والقعائد التهامية، أسرّة النوم، صناديق خشبية لحفظ الحبوب، المساطر الخشبية، المطارق الخشبية، النول اليدوي في حياكة القماش، الملاعق الخشبية، الرفوف، الخزائن، القوالب الخشبية في صب الخرسانة، وأدوات التقطيع والمصنوعات المنزلية المختلفة. بالإضافة إلى أدوات الزراعة مثل المجارف والمحاريث والمناجل والفؤوس التي تُستخدم في الحقول الزراعية.
يتم صناعة الأبواب والنوافذ الخشبية المزخرفة بدقة شديدة لتتناسب مع الطابع المعماري التقليدي (فيس بوك)
ورغم أن هذه الأدوات تهدف إلى الاستخدام اليومي، إلا أن دقة العمل تجعلها تبدو كقطع فنية تحمل في طياتها عبق التراث والهوية اليمنية. وعلى الرغم أيضاً من التطور التكنولوجي وظهور الآلات الحديثة في العصر الحالي، إلا أن الحرفيين اليمنيين حافظوا على مهاراتهم التقليدية التي ورثوها عن أجدادهم.
ويواجه هذا القطاع اليوم تحديات قاسية، في مقدمتها صعوبة الحصول على المواد الخام بفعل النزاعات المستمرة، ومع ذلك ما تزال الحرف التقليدية تُمارس في بعض المناطق، مجسّدةً قدرة الإنسان اليمني على التمسك بتراثه والحفاظ على هويته الثقافية رغم قسوة الظروف.
ويقول المختص في فن نحت الاخشاب “فهد الأعرج”، إن الحل لصعوبة الحصول على المواد يكمن في تعاون الجميع العمال والسلطات المحلية والمنظمات الدولية للعمل على استدامتها من خلال زراعة الأشجار وتطوير مهارات الحرفيين وحماية هذه الحرفة لأنها جزء من الهوية اليمنية. ويؤكد: “إذا توحدت هذه الجهود يمكن للقطاع أن يستمر ويصمد رغم الظروف”.
تعد مدينتا جبلة وإب القديمتان الوجه التاريخي للمحافظة وذاكرتها الروحية والثقافية، وتفصح العمارة عن مراجل تأريخية متعاقبة، وفيهما تنسجم العمارة مع المعرفة حيث الجامعٌ يتحوّل إلى مدرسة، ومدرسةٌ تنتج مكتبة، ومكتبةٌ تُبقي سيرة ملكةٍ يمنية نشأت يتيمة ثم جلست على عرش الحكم.
في الجزء الثاني من المقالات التي تركز على محافظة إب التأريخية والسياحية، نستعرض تأريخ مدينة جبلة عاصمة الدولة الصليحية وموطن الملكة أروى، أطول من ترأس قيادة الدولة، بالإضافة إلى مدينة إب القديمة بما فيها من أسوارٍ وأبواب، وجامع، ومدارس، وأسواق.
تقع مدينة جبلة جنوب غرب مدينة إب، وقد تقاربت المسافات بينهما بفعل التوسّع العمراني، ترتفع جبلة نحو 1350 مترا فوق سطح البحر، وتقوم على هضبةٍ في السفح الشمالي لجبل التعكّر، وتخطيط المدينة نصف دائري يطلّ على وادٍ ذي منعطفاتٍ ضيقة؛ لذلك سُمّيت قديما بمدينة النهرين.
وتكشف هويتها المعمارية بمنازلها المتلاصقة المشيدة من الأحجار وأزقتها الضيقة والنوافذ والاقواس المتقنة عن نمطٍ معماريٍ قريب من إب القديمة، لكنه يحمل خصوصية العاصمة لعصر الدولة الصليحية التي استمرت نحو 91 عاماً (1047- 1138م) وكانوا يرتبطون معها في علاقةٍ تبعيةٍ سياسية/مذهبية نسبيةٍ للدولة الفاطمية في مصر.
في جبلة اعتُمدت سياسات إدارية أعادت ترتيب الأقاليم ومعها الجبايات والولاءات، وشيدت كحلقة وصل بين المركز والأطراف عبر شبكةٍ من القلاع والمرافق والسواقي، وتوطدت مكانةُ المدينة بصفتها مركز إشعاعٍ علمي إلى جانب وظيفتها السياسية.
الملكة أروي
ولدت السيدة بنت أحمد الصليحي سنة 440هـ، يتيمةَ الأب في عدن، وكفلها الملك علي بن محمد الصليحي وزوجته السيدة أسماء بنت شهاب التي عُرفت بالفطنة وسعة العلم والمشورة حتى خُطب لها على المنابر فأنشآها على العلم والتهذيب، وظهرت عليها علامات النبوغ مبكرا فحفظت القرآن والأخبار والأشعار.
تزوّجت ولي العهد المكرّم أحمد سنة 458هـ، الذي تولى الحكم بعد سنة واحدة من زواجهم بعد اغتيال الملك، وكانت السيدة أروى شريكته في التدبير وإدارة الحكم بعدما أصيب زوجها بمرض “الفالج” حيث نُقل إلى حصن التعكر وفوّضها بصلاحيات الحكم ثم توفّي سنة 477هـ؛ فكانت ملكة وصيّة، تدير شبكة من الوزراء والمستشارين، وتستمدّ الشرعية من المستنصر الفاطمي في مصر.
جانب من متحف جبلة يظهر الأزياء التي كانت موجود بمراحل تأريخية (محمد المعلمي)
كان اسمها الرسمي في سجلات المكاتبات الفاطمية “السيدة” لكنّ الاسم الشعبي أروى طغى لارتباطه بإنشاء السواقي والقنوات وتوسيع موارد الري، فغدا الاسم مرتبطاً بإنجازات في الموارد المائية، وفي ذلك دلالة على اقتصاد الماء بوصفه لغة للسلطة وللرحمة معا.
حملت لقب “حُجّة الدعوة” في اليمن وبلاد السند والهند وعمان واليمامة؛ وكان الدعاة يتعلمون على يديها «من وراء حجاب»، وجمعت بين النسك والورع والحزم السياسي، وأدارت اليمن أكثر من خمسةٍ وخمسين عاما حتى وفاتها سنة 532هـ، فطُويت بغيابها صفحةٌ من التاريخ اليمني الوسيط.
وتوفت الملكة أروري عن عمر ناهر 92 عاماً، من خلال ضريحها ومعالم جبلة وموقع بناء ضريحها، أرادت أن تبقى معلما لا يتقادم، وأن يظلّ حضورها مرجعا روحيا، وهذا كان جزءاً من تأثر الدولة الصليحية بالدولة الفاطمية.
جامع الملكة في جبلة
على تلٍّ مرتفع عن المدينة، ينتصب الجامع الكبير المنسوب إلى السيدة أروى؛ تُرجّح مصادر تأريخية أنّ بناءه يعود إلى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، حين أمرت الملكة بتحويل ما كان يعرف بـ«دار العِزّ» الأول إلى جامع، وهذا الدار هو مملوك للعائلة الحاكمة حينها.
وتخطيط الجامع أقرب إلى المستطيل (مقاسة نحو 20×18م)، يتوسطه فناءٌ مكشوف، وتحيط به أروقة من الجهات الأربع، وتتفاوت في عدد البلاطات وصفوف الأعمدة، وتعلوها مصندقاتٌ خشبية مزخرفة بنقوشٍ نباتية وهندسية وكتابية تتأثر بفنون العمارة الفاطمية، وللجامع مدخلان جنوبيان، وتقوم في الجهة الجنوبية مئذنتان ما يمنحه حضورا بصريا لافتا على خطّ أفق المدينة.
جامع الملكة أروى التأريخي في مدينة جبلة (محمد المعلمي)
لم يكن الجامع مكانَ عبادةٍ وحسب؛ لقد كان مركزَ إشعاعٍ علمي، حلقاتُ تحفيظ القران، دروسُ فقهٍ وحديثٍ وتأويل، وإدارة أوقافٍ تُغذّي دور العلم في محيط المدينة، من هنا نفهم كيف التقت السلطة الروحية والسلطة السياسية في بنية واحدة حيث إن «دار العزّ» تبدّلت وظيفته دون أن يفقد هويته المعمارية أو رسالته السلطوية أيضاً.
بجوار الركن الشمالي الغربي للجامع تقع قبّة الضريح؛ وهو من أهم أضرحة القرن السادس الهجري المتبقية في اليمن؛ إذ لم يصلنا من أضرحة ملوك الدولة الصليحية غيره شاهدا معماريا مكتملا، دوِّنت على جدرانه كتاباتٌ بخطّي الكوفي والنسخ، وزخارف نباتية وهندسية، ومن جانبي المدخل تشكيلاتٌ فنية.
مكتبة الجامع: مخطوطاتٌ بأيدي النساء
تضم مكتبة الجامع الكبير في جبلة نوادراً من الكتب والمخطوطات والشروح والتعليقات، ويتميّز كثيرٌ منها بأنّها كتبت من قبل نساء عاصرن عهد الملكة أروى، هذا المشهد يبدّد الصور النمطية عن المرأة اليمنية؛ حيث كانت فاعلة في المجتمع؛ تكتب وتُعلّق وتشرح.
وللسيدة أروى نصيبٌ من المخطوطات والتعليقات على بعض الكتب، دلالة على عمق تكوينها المعرفي، ولا تمنح زيارة المكتبة معرفة بنصوصٍ وحبر فقط، بل تكشف جزءاً من تأريخ الوعي وشكل العلم في جبلة قديماً، والذي كانت تتشارك فيها الأدوار كمؤسسة مجتمعية فاعلة.
تمثّل جبلة مزاراً دينياً لأتباع الإسماعيلية، ومنهم طائفة البُهرة المنتشرة في الهند، الذين يخصّون ضريح الملكة وجامعها بالزيارة خلال العقود الماضية، حاليا يحتاج الجامع والضريح إلى إدارة منفتحة لجلب السياحة الدينية مرة أخرى، يمكن لهذا النوع من السياحة أن يوفّر عوائد اقتصادية كبرى.
إحدى المخطوطات في مكتبة جامع الملكة أروى في جبلة (محمد المعلمي)
متحف جبلة والسوق القديم
في مدينة جبلة خُصّص مبنى قديم كان من ملحقات دار الحكم ليكون متحف الملكة أروى، ويتكون من غرف وقاعات عرض لمقتنياتٍ ترصد الموروث الشعبي وأدوات الحياة في ذلك العصر، إضافة إلى قطع أثرية تضم أسلحة وأواني طعامٍ وشراب، أدواتِ زراعةٍ وحدادةٍ ونجارة، وكثيراً من العلوم والمخطوطات.
ويوجد في المتحف مئات الصور التي تحكي عن المعالم الأثرية والنقوش المميزة، ومقتنيات تُحاكي مناهج وطرق التعليم آنذاك. ما يميّز المتحف ليس حجم مقتنياته، بل سياقه التعليمي، فهو يقرّب الزائر من حياةٍ متطورة ومتقدمة ازدهرت في ظل حكم الملكة أروى.
وافتتح المتحف عام 1993، وكان هناك حرص من قبل التربويين بتنظيم رحلات للطلاب إلى المتحف من أجل تنمية إدراك طلاب المدارس، حيث كانت جزءاً من المنهج الدراسي في كافة المراحل التعليمية، حيث ينظر إلى ذلك العصر بازدهار العلم والمعرفة.
كما يشكّل السوق القديم العصب اليومي لمدينة جبلة بدكاكين متلاصقة، وحِرف تقليدية، ومنتجات زراعية، للسوق قيمةٌ تراثية معنوية؛ فهو أرشيف اجتماعي يُظهر تغيرات الذوق والاستهلاك والتواصل بين أهل المدينة وزائريها، ويحتاج تنظيما بسيطا يحفظ نظافته وواجهاته، ويمنع التشويه البصري.
إحدى أزقة السوق القديم في مدينة جبلة التأريخية (أكرم تاج الدين)
بالإضافة إلى ذلك كان هناك اهتمام كبير من قبل الدولة الصليحية بـ “جبل التعكر” لموقعه المشرف على مدينة جبلة (عاصمة الدولة) الذي يرتفع عن سطح البحر نحو 3230م، ويُعدّ من أمنع معاقل اليمن وأكثرها تحصينا، تعاقبت عليه دولٌ منذ 2700 عام.
وتم بناء أسوار وأبراج دفاعية في قمة الجبل، وأيضاً حفرت مخازن (مدافن) للحبوب، وصهاريج لتخزين المياه ومخازن للسلاح ومنشآت أخرى، وكثيرٌ منها من إنجازات الملكة أروى، وما تزال بقايا الحصن شواهد هندسية على إرادة إيصال الماء في التضاريس الوعرة.
إب القديمة وأسوارها العتيقة
تعد مدينة إب القديمة، واحدةٌ من المدن اليمنية التي أحيطت بسورٍ يطوّقها من جميع الجهات، وكان لها خمسة أبواب، ولم يبق منها قائما سوى باب واحد يسمى “باب الراكزة” فيما تتوزّع بقايا السور والأبراج الدفاعية على تخوم النسيج القديم.
هذا التفكير في كثير من المدن اليمنية القديمة يعكس جزءاً من الاحتياطات الدفاعية والأمنية، وخلق استقرار يجعل المدينة ذات جدوى اقتصادية من خلال: تنظيم الدخول والخروج، حماية السوق، وضبط حركة الناس والبضائع؛ بما يضمن مورد الجباية وتأمين بضائع التجار. ومن أبرز المعالم في مدينة إب القديمة:
الجامع الكبير
في وسط مدينة إب القديمة يقع الجامع الكبير ويعرف أيضا بجامع الخطابي أو العمري، ويرجع تأسيسه إلى عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ويقع على ربوةٍ تُبلغ عبر درجٍ مرصوف بالأحجار، تخطيطه يتبع النموذج المبكّر للعمارة الإسلامية، قبة كبيرة تحيط به أربعة أروقة، أعمقها رواق القبلة.
صورة ملتقطة من الجامع الكبير في مدينة إب القديمة (محمد المعلمي)
وشهد الجامع توسعاتٍ وتجديدات متوالية، آخرها مسجّل على جدار القبلة باسم الوزير حسن باشا سنة 996هـ، وللجامع ثلاثة مداخل من الجهة الغربية، وفي الجهة الجنوبية الشرقية بنيت مئذنةٌ عالية يعود طرازها الراهن إلى العصر الرسولي (وقد نُقش تاريخٌ 685هـ على حجرٍ أسفلها).
يُعتبر الجامع الكبير في إب من أقدم أربعة جوامع في اليمن بعد جامع الجند، والجامع الكبير بصنعاء، وجامع الأشاعرة في زبيد، وبني الجامع بتفاصيل معقدة، ويتوسط المحراب جدار القبلة المزخرفة، وفي الرواق المواجه للقبلة يوجد 12 قبة صغيرة متجاورة تتوسطها قبة عالية.
المدرسة الجلالية العليا
تقع المدرسة الجلالية العليا في وسط إب القديمة، وهي نموذجٌ فريد للمدارس العليا، وأدّت وظيفتين، هما: المسجدٌ تُقام فيه الشعائر الإسلامية، والتراث العلمي، وفي مدخل مسجد الصلاة نقشٌ نصه «أمر بعمارة هذه المدرسة الشيخ جلال الدين محمد بن بكر السيري، شيخ مخلاف بعدان، سنة 815هـ».
يتألّف مكان الصلاة من رواقين يحملان بوائك من أعمدةٍ مضلّعة ذات تيجانٍ رشيقة، تعلوها مصندقاتٌ خشبية بزخارف نباتية وهندسية وكتابية، أما قاعة التدريس تقع غرباً ويفتح على المصلى بعقدٍ حجريٍّ بديع، وتظهر المئذنة بشكل مميز يبدأ بقاعدة مربعة، يعلوها بناء مضلّع مزخرف، وتنتهي بقبة تبدو كأنها تاج معماري متقن.
مدرسة المشنة
شرق المدينة القديمة، في حي الشنين تقع مدرسة المشنة التي أمر ببنائها الأمير جلال الدين النظاري في منتصف القرن الثامن الهجري. يتشابه تقسيمها الوظيفي والمعماري مع مدرسة الجلالية، وإن كان ثراؤها الفني أقل؛ لكنها تبقى حلقة في سلسلة مؤسساتٍ علميةٍ شكلت شبكة «تعليمٍ عام» بالمعنى التراثي، وكانت وقفاً للتعليم؛ عبارة عن حلقاتٌ للمبتدئين والمتقدمين، وأبوابٌها مفتوحة في مجتمعٍ يحب المعرفة.
مدينة إب القديمة ليلاً صورة التقطت في العام 2012 (عصام الكمالي)
السوق القديم في إب
يحتفظ سوق إب القديم بطابعه القديم، وتبرز فيه محلات الحرف القديمة الشهيرة (نحاس/خشب/جلود)، قهوةٌ ويمنيات، وأثوابٌ تُفصّل على مقاس المدينة، السوق هو منصة ذاكرة تُقرأ منها أحوال الناس وتغيرات الأذواق.
ويحتاج السوق إلى تنظيم من خلال العناية بالواجهات للمحلات، وإنشاء تخطيطٍ بسيطٍ لحركة المشاة وإدارة النفايات؛ فالسائح لا يشتري سلعة فقط، بل صورة وانطباعاً عن المكان، وهذه يحتاج إلى جهد في التنظيم والترميم والصيانة، وفرض ضوابط صارمة للحفاظ على مظهر السوق.
وتربط بين جبلة ومدينة إب القديمة كثير من التفاصيل التأريخية، بدءاً من الفكرة المؤسِّسة للمدينتين المتقاربتين جغرافياً، ففي جبلة يتحوّل «دار العزّ» إلى جامعٍ للعلم والعبادة، وفي إب القديمة، ينمو المسجد والمدرسة والسوق في منظومة واحدة، وتتشابه الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في المدنيتين من وظيفة المرأة المهم في مراحل متعددة من التأريخ، فوصلت المرأة إلى الحكم بالإضافة إلى دورها ككاتبة وناسخة للمعلقات، كما تُظهر النقوش.
وتبرز هندسة وصول الماء إلى المنازل والمرافق؛ ففي جبلة تم بناء قنوات تصل الحصن بالمدينة، وفي مدينة إب القديمة، أنشأت شبكة سقاياتٍ وأحواضٍ تخدم المصلين والزوّار، وأيضاً تتشابه لغة الزخرفة النباتية والهندسية والمصندقات الخشبية وأنواع الكتابات بخطي الكوفي والنسخ، وهذه كلها مفردات تُعيد إنتاج المعنى الثقافي الذي يشير لمرحلة تطور علمي.
توصيات سياحية
ربما تتساءل كيف يمكن خلق مسارات سياحية في مديني جبلة وإب القديمة، ورغم أن ذلك مرتبط بحالة الاستقرار في البلاد، لكننا نضع هذه التوصيات لفتح باب الأمل للمستقبل، واستغلال المقدرات التي نمتلكها من أجل التنمية.
وهنا أقترح أنه يمكن خلق مساريين للزائر إلى جبلة ومدينة إب القديمة تكون متنوعة وثرية يتم فيها استكشاف وزيارة كل المواقع التأريخية بالإضافة إلى المناظر الطبيعة، وأيضا تفعيل السياحة الدينية، وخلق ظروف ملائمة لها مثل المزارات الشهيرة في حضرموت شرقي اليمن.
مسار جبلة
يبدأ بزيارة جامع الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، وتكون جولة مع قراءةٍ سريعة لتاريخ البناء ووظائفه، ومن ثم مكتبة الجامع للاطلاع على نماذج مصوّرة من المخطوطات، مع شرح لدور المرأة الناسخة في زمن الدولة الصليحية.
ويكون ضريح الملكة أروى جزءاً من هذا المسار، وتكون الزيارة تليق بالمكان، وتوضع إرشادات واضحة للزوار، ثم زيارة متحف جبلة وهي محطة للسائح لقراءة أدوات الحياة اليومية، وينتهي المسار هذا بالصعود إلى جبل التعكّر حيث إطلالة بانورامية ساحرة، وقراءة سريعة لوظائف الأسوار والأبراج، وملاحظة بقايا القنوات.
مسار إب القديمة
يبدأ مسار هذه الزيارة من باب الراكزة وبقايا السور في مدينة إب القديمة، وهذه زيارة معرفية للتأمل وقراءة التوثيق التأريخي لأسوار المدينة، ومن ثم المرور إلى الجامع الكبير وسط المدينة، حيث يستطيع الزائر تتبع تأريخ التوسعات والنقش الرسولي والتخطيط الحَرمي.
في ذات المسار السياحي يتم زيارة مدرستي الجلالية والمشنة، والوقوف عند الإيوان والمصندقات والمئذنة «التاج» ومقارنة المدرستين ببعضهما والتحولات التأريخية التي جرت فيهما في مراحل متعددة، ينتهي هذا المسار بزيارة السوق القديم، وتكون فترة زمنية حرة لالتقاط نبض المدينة، وشراء مصنوعات محلية.
السياحة الدينية
وتوفر مدينة جبلة سياحة دينية مهمة لبعض الطوائف، ويمكن تفعليها بضوابط واستلهام فكرة المزارات الموجودة في حضرموت، ويبدأ ذلك بتوفير مركز استقبال في جبلة لزوّار الجامع والضريح، وإعداد تعليمات الزيارة، وتعريف بالمكتبة، ومعلومات حول المواعيد المناسبة.
وتحتاج السياحة الدينية دائما للتنسيق مع مسؤولين في الوفود الدينية سواء كانوا من الطائفية الإسماعيلية أو البهرة، لتنظيم الزيارات بما يحفظ الوقار للمدينة ويزيد المنفعة المحلية اقتصاديا للسكان، مع احترام تنظيمات اللباس والتصوير داخل المعالم، وتوفير بدائل لمساحات تصوير خارجية.
5 مفاتيح لتأهيل المدن سياحياً
لا يمكن استقبال زوار وسياح من خارج البلاد دون توفير بنية تحتية أولاً، إلى جانب ذلك تحتاج المدن التأريخية إلى إدارة حديثة واهتمام بالصيانة والتفاصيل الصغيرة التي تعطي انطباعاً إيجابياً للزائر، وتجعله مروجاً للسياحة، وهنا أقترح خمسة أشياء يجب الاهتمام بها:
ترميمٌ علميّ: العمل على ترميم أسقف المصندقات، وواجهات المآذن، وأطراف النقوش؛ مع استخدام موادّ محلية (حجر/جص/قضاض) وأساليب إرواء حجرية للزخارف، تحت إشراف خبراء.
تفسيرٌ موقعي: لوحاتٌ ثنائية اللغة (عربية/إنجليزية) تُعرّف بالمكان وزمنه ووظيفته، وتشرح للزائر تفاصيل المواقع التأريخية وإرشادات أخرى توضح بدقة.
مساراتٌ آمنة: تحتاج المدن التأريخية والمواقع السياحية تخطيط مشيٍ واضح؛ درابزين في المنحدرات، نقاط ظلّ واستراحة قرب المواقع، ومخارج طوارئ.
حُرّاسُ ذاكرة: تدريب مرشدين محليين (نساء ورجال) على السرد الرشيق، الإسعاف الأولي، وأخلاقيات الاستقبال.
اقتصادٌ أهليّ: بيوت ضيافة محدودة السعة حول جبلة، أكشاكُ قهوةٍ ريفية قرب باب الراكزة، وأسواقٌ للحِرف الأصيلة (خشب/نحاس/نسيج) تُمنع فيها السلع الوافدة التي تُشوّه ذائقة المكان.
مسجد الملكة أروى بنت أحمد الصليحي في مدينة جبلة التأريخية
كيف نحافظ على المدينتين؟
في مواسم المطر تصبح الأسقف الخشبية والمصندقات أكثر عرضة لتسرّب المياه؛ ما يهدّد الزخارف ويُضعف البنية. المعالجة الفاعلة تبدأ ببرنامج صيانةٍ دورية يعتمد موادّ مائية غير جارحة تحفظ لون الخشب ونسيجه، مع إغلاقٍ مؤقت للنقاط الحساسة عند اشتداد الأمطار، وتوجيه حركة الزوار بعيدا عن المواضع المعرّضة للخطر إلى أن تُستكمل المعالجات.
وتواجه المعالم أيضا ظاهرة العبث والخدش على الجدران، وهي خسارة متراكمة للذاكرة البصرية. الحلّ يعتمد مقاربة مزدوجة، رقابة بكاميرات تُغطي الممرات الرئيسة، وحملات توعية مدرسية ومجتمعية تُحوّل “الحماية” إلى سلوكٍ يومي، مع غرامات واضحة تُطبَّق بثبات لردع المخالفات من دون ضجيج.
أما التشويه البصري حول المواقع -من لوحات وإعلانات وأسلاك وبسطات عشوائية- فيُعالج عبر دليل واجهات مُلزم يحدد ألوان الطلاء المسموح بها، وأحجام ونِسَب اللوحات وخاماتها، ومسارات تمديد الأسلاك بعيدا عن الواجهات التاريخية. بالتوازي، يُنشأ سوقٌ بديلٌ منظم لأصحاب البسطات في نطاقٍ قريب، يوفّر لهم دخلا مستقرا، ويُعيد للمشهد صفاءه.
وتبقى الخدمات الأساسية حجر الزاوية في تجربة الزائر، وأقترح تجهيز محيطات المواقع بمراحيض صديقة للبيئة تعمل بالتبخير أو التحلّل، ونقاط لمياه الشرب، ومواقف سيارات صغيرة خارج الحرم الأثري، مع تشغيل نظام عرباتٍ خفيفة للنقل الداخلي. بهذه البنية الرشيقة تُصان كرامة المكان، وتتحسّن جودة الزيارة، ويشعر المجتمع والزائر معا أن التراث قابل للحياة لا مجرد أثرٍ للفرجة.
المراجع
– الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن- حسين بن فيض الله الهمداني الطبعة الثالثة، 1986م.
– هذه هي اليمن… الأرض والإنسان والتاريخ – عبد الله الثور، دار العودة- بيروت.
– الملكة سيدة بنت أحمد الصليحي – إيمان ناجي سعيد المقطري، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 2004م.
– نتائج المسح السياحي (1996–1999م) – الهيئة العامة للتنمية السياحية، صنعاء.
– العيون المائية الحارّة في اليمن وأهميتها- هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية، صنعاء. الطبعة الأولى، 2003م.
– موسوعة أعلام اليمن – عبد الولي الشميري.
– حمير بين الخبر والأثر – الدكتور يوسف محمد عبد الله مجلة دراسات يمنية، العدد 42، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 1990م.
مع بزوغ الفجر، ينطلق أبو وازع (51 عاماً) من منزله الطيني في أعالي جبال منطقة “العرضية” بمديرية “برط” الجبلية بمحافظة الجوف، حاملاً إحدى أغنامه، ومسابقاً الخطى للحاق بسيارة “تويوتا” قديمة تقله إلى سوق “رجوزة” البعيد، في مشهد يتكرر كل ثلاثاء وخميس، حيث يتدفق السكان من كل حدب وصوب لبيع ما تيسر من الماعز لتأمين لقمة العيش.
في السوق، يبدو جليّاً الاعتماد على الماعز بوصفه شريانَ حياة أساسيّاً، ويصف أبو وازع الماشية بعبارة تختزل مكانتها في الوجدان الشعبي قائلاً: “إنها بندق القبيلة الثاني الذي يعتمد عليه كل الناس هنا”، في إشارة بليغة إلى أنها توازي أهمية السلاح الذي يعد حمله ضرورة متوارثة في المجتمعات القبلية اليمنية.
ويضيف بلهجته البدوية: “ماشي معنا دخل يعيشنا في هذه المنطقة القاسية لولا بيع الجلب (الماعز) كنا متنا من الجوع، كل الناس هنا يربون الأغنام ويبيعون منها كل أسبوع لشراء الدقيق والرز والملابس”.
ووفقاً لموقع «وورلد بوبيوليشن ريفيو» يمتلك اليمن 10.3 ملايين رأس من الأغنام، وهو ما يمثل 0.73% من الإجمالي العالمي، إلا أن هذه النسبة تمثل العالم بأسره لسكان تلك المرتفعات.
شريان حياة.. وعملة بديلة
في جبال “برط” الوعرة، وحيث تغيب مصادر الدخل الحديثة، تسود حياة البداوة والتنقل، لا تكاد تجد أسرة لا تمارس الرعي؛ فالأغنام ليست مصدراً للغذاء فحسب، بل هي “العملة الصعبة” التي تغطي نفقات الملابس، وتكاليف شراء الدراجات النارية -وسيلة المواصلات الوحيدة لقهر وعورة الطرق- وحتى تكاليف الزواج والتعليم.
وحتى وقت قريب، كانت الماعز والخراف تُستخدم حرفياً كبديل للنقود، بما في ذلك دفع مهور الزواج. وهذا ما حدث تماماً مع هادي القوزع، وهو شاب ثلاثيني من أبناء المنطقة، لم تساعده أغنامه في سداد مهر زوجته فقط، بل مهدت له الطريق نحو التعليم الجامعي.
الأغنام ليست مصدراً للغذاء فحسب بل هي “العملة الصعبة” التي تغطي معظم نفقات الأسر في الجوف
يقول هادي، وهو أحد القلائل الجامعيين في منطقته: “في عام 2012، كان لدي شغف بدراسة التجارة، وحين فتحت جامعة العلوم والتكنولوجيا فرعاً في مركز (برط العنان)، كانت تلك فرصتي”.
ويستدرك هادي في حديثه لـ”منصة ريف اليمن” قائلاً: “لم أكن أملك المال لتغطية الرسوم التي بلغت حينها 100 ألف ريال (نحو 200 دولار)، لكننا كنا نملك قطيعاً جيداً. بعت أربعة كباش لتدبّر أمر رسوم السنة الأولى، وواصلت الاعتماد على بيع الماعز كلما تعثرت بالرسوم، حتى حصلت على دبلوم المحاسبة”.
هذه القيمة الاقتصادية للماعز يدعمها رأي العلم أيضاً. يؤكد الخبير البيئي اليمني، محمد الشرعبي، أن تربية الماعز في اليمن ليست مجرد وسيلة للعيش، بل “ثقافة زراعية ومعرفة تقليدية متجذرة”.
ويوضح الشرعبي في حديثه لـ”منصة ريف اليمن” قائلاً: “ارتبطت الماعز بحياة اليمنيين من حيث كونها مصدراً للغذاء (ألبان، أجبان، لحوم)، ومصدراً للصناعات الجلدية، فضلاً عن دورها الحيوي في الزراعة؛ إذ يُستخدم سمادها العضوي (الدمال) للحفاظ على خصوبة التربة وتحسين جودة المحاصيل”.
كما يشير إلى أن المزارع اليمني خصص تاريخياً الجزء السفلي من منزله للماشية، مقدماً لها رعاية فائقة ضمن نظام “الزراعة الكثيفة” الذي يجمع بين الإنتاج النباتي والحيواني.
أزمة الغاز الناجمة عن الصراع ضاعفت نسبة اعتماد العديد من المواطنين على الحطب مما أثر على الماشية (UNDB)
خطر الاحتطاب المحدق
رغم هذه الأهمية، يواجه هذا القطاع خطراً داهماً. فأبو وازع، الذي كان يملك قطيعاً يتجاوز 150 رأساً، يمتلك اليوم 60 رأساً فقط، ويشكو أولاده من صعوبة إطعامها، ويرجع السبب في ذلك إلى تدهور المراعي الطبيعية وتناقص الأمطار، لكن السبب الأبرز والأخطر هو “الاحتطاب الجائر” لصناعة الفحم النباتي.
يمتلك اليمن 10.8 ملايين رأس من الأغنام، وهو ما يمثل 0.73% من الإجمالي العالمي
مع اشتداد الفقر واندلاع الحرب في 2015، لجأ الكثيرون ممن لا يملكون الماشية -أو حتى من يملكونها- إلى قطع الأشجار (مثل القرض والسدر) لتحويلها إلى فحم وبيعه.
يحيى القرشي (40 عاماً)، أب لأربعة أطفال من منطقة “العشة”، يعتمد بشكل شبه كلي على صناعة الفحم لأن ما يملكه من ماعز قليل لا يكفي لإعالة أسرته. يوكل يحيى أولاده لقطع الأشجار وحرقها ببطء في حفر معزولة عن الهواء لإنتاج الفحم، وبعد بضعة أيام، يُستخرج الفحم، ويجري تبريده قبل تعبئته في أكياس (شوالات) للبيع.
يقول القرشي لـ”منصة ريف اليمن”،: “معظم الناس في المنطقة يسودون (ينتجون الفحم). ننتج شوالة (كيساً) كل أسبوع أو أسبوعين ونبيعها بـ 7 أو 8 آلاف ريال (حوالي 17 دولاراً). مبلغ قليل، لكنه يغطي المصاريف الضرورية بعد انقطاع راتب والدي التقاعدي بسبب الحرب”.
أدت الحرب وما نتج عنها من أزمات، مثل قلة توافر غاز الطهو وارتفاع أسعاره، إلى تحويل الفحم والحطب من “كماليات” إلى ضرورة للطبخ والتدفئة، مما خلق سوقاً رائجة لهذه المادة.
أزمة الغاز الناجمة عن الصراع ضاعفت نسبة اعتماد العديد من المواطنين على الحطب بشكل رئيسي -خاصة القاطنين في الأرياف- كونه متوافراً بكثرة في المناطق التي يعيشون فيها، إلى حد أن يحيى القرشي وغيره من غالبية سكان منطقة برط الجبلية يعتمدون كلياً على الحطب في الطبخ باستثناء مركزي المديرية، رجوزة والعنان، حتى قبل اندلاع الحرب بكثير.
يربط هادي القوزع بين الحرب وغياب بدائل الدخل، قائلاً: “المنطقة حدودية مع السعودية، وكان الشباب سابقاً يعملون هناك ويدعمون أسرهم. الآن أصبحت المنطقة منطقة حرب، والتهريب شبه مستحيل وقد يكلفك حياتك، فلم يبق أمام الناس سوى ما تجود به البيئة”.
أدت الحرب إلى تحويل الفحم والحطب من “كماليات” إلى ضرورة للطبخ والتدفئة
ويتفق الخبير الشرعبي مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن انقطاع سلاسل إمداد الغاز وتدهور العملة دفعا بالفقراء إلى هذا النهج، بل وظهر “سماسرة وتجار” يمارسون قطع الأشجار بشكل ممنهج لتلبية الطلب المتزايد في المدن.
وبحسب تقارير، يعد الاحتطاب الجائر الذي يطال غابات وأشجار اليمن، من أخطر الظواهر التي تصاعدت خلال سنوات الحرب الأخيرة، إذ يؤدي إلى آثار بيئية عديدة، منها تدهور الغطاء النباتي، والتربة وتسرب المياه، وتزايد مساحات التصحر، بحيث أن الاحتطاب الجائر لا يمثل سوى إحدى الظواهر التي فاقمتها الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من عشر سنوات.
انقطاع الخدمات أو تراجعها إلى حد كبير، إلى جانب ما تعرضت له البنية التحتية من أضرار عطلت منشآت حيوية، يتعدى أثره اليابسة إلى البيئة البحرية.
حلقة مفرغة وكارثة بيئية
النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي كارثة بيئية تهدد “شريان الحياة” نفسه. فقطع الأشجار يقضي على المراعي التي تتغذى عليها الماعز، ويعرض التربة للانجراف.
ووفقاً لدراسة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي (ديسمبر 2022)، بلغت نسبة التصحر في اليمن نحو 86%، نتيجة التغيرات المناخية وندرة الأمطار الموسمية وموجات الجفاف المتكررة وسوء استخدام المياه الجوفية والاحتطاب وتدهور الموارد، فضلاً عن التوسع العمراني.
وبحسب الدراسة، فإن التصحر في اليمن يأتي بأشكال عديدة وبدرجات متفاوتة، ويشمل تدهور المناطق الزراعية والمراعي، واقتلاع الأشجار المزروعة والانهيارات الطينية، بالإضافة إلى تدهور الموارد الطبيعية المختلفة مثل المياه والنباتات، وتملح التربة، وزحف الكثبان الرملية، والتوسع العمراني.
بلغت نسبة التصحر في اليمن نحو 86%، نتيجة التغيرات المناخية وندرة الأمطار وموجات الجفاف والاحتطاب
مأزق وجودي
يحذر الخبير محمد الشرعبي من أن “تعرية الجبال” من غطائها النباتي يحولها من “خط دفاع أول” يحمي الوديان ويغذي المياه الجوفية، إلى منحدرات صخرية تزيد من سرعة السيول الجارفة وكارثيتها. ويضيف: “استمرار استنزاف الغطاء النباتي سيؤدي لانعدام سبل العيش، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، مما يفتح الباب لمزيد من الصراعات”.
لتدارك الوضع، ينصح الشرعبي بضرورة إعادة تشجير الجبال واعتماد برامج الإدارة البيئية للجبال في اليمن بأكمله. لكن حلولاً كهذه تستلزم وجود إمكانات وجهوداً حكومية منظمة، وهو ما يبدوا أمراً بعيد المنال مع استمرار الصراع وغياب حل يلوح في الأفق.
يقف سكان مرتفعات الجوف أمام خيارات أحلاها مر. فبينما ينصح الخبراء بضرورة إعادة التشجير وحماية الجبال، يجد السكان أنفسهم مضطرين لقطع الأشجار لإطعام أطفالهم اليوم، حتى وإن كان ذلك يعني القضاء على مراعي مواشيهم التي ستطعمهم غداً.
تستمر الحلقة المفرغة؛ نزيف في الثروة الحيوانية يقابله تزايد في صناعة الفحم، في ظل غياب أي حلول حكومية أو بدائل اقتصادية تلوح في الأفق لإنقاذ الإنسان والبيئة في آن واحد.
*ُ أنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)