رحلة مضنية يخوضها الستيني “حسان صُرح” في استخراج مادة صَبّار الأولوفيرا أو ما يعرف محليا بـ”الصبر” من الجبال برفقة زوجته خميسة ذات الخمسين عامًا. يستيقظ الزوجان كل صباح مع بزوغ الشمس للبحث عن صَبّار الأولوفيرا في جبال العود الواقعة شمال محافظة الضالع جنوبي اليمن.
بعزيمة ممزوجة بالصبر والكفاح، يسعى “صُرح” المنحدر من محافظة تعز، لتأمين قوت أسرته المكونة من ثمانية أفراد، متجاهلا وعورة الطرق والمنحدرات الجبلية، حيث يعمل مع زوجته تحت ظروف قاسية تمتد لأكثر من عشر ساعات يوميًا، متحملَين الجوع والعطش ومشقة السفر.
صبار الألوفيرا نبات عصاري معروف بفوائده الطبية والجمالية، ينتشر في المناطق الجبلية اليمنية، ويستخدم بشكل شائع لعلاج الحروق والجروح، ترطيب البشرة، وتجديد خلايا الشعر. وعلى الرغم من فوائده، يُفضل استشارة الطبيب قبل استخدامه.
يعتمد صرح وزوجته على أدوات بسيطة لجمع مادة الصبر، والتي تُعد من الموارد الحيوية التي توفر لهما مصدر دخل قليل يبقيهم على قيد الحياة، تتكرر هذه الرحلات يوميًا، حيث يعانيا من نقص الموارد، وصعوبة التنقل، وغياب الدعم الحكومي؛ مما يزيد من معاناة الأسرة ويضعها على حافة اليأس.
الملجأ الأخير
بصوت مثقل بالهموم يروي صرح تجربته الشاقة في جمع نبتة الصبر (الألوفيرا)، فيقول: “منذ بداية الحرب وأنا أعمل مع زوجتي وشريكة عمري في هذه المهنة الشاقة التي استقينا منها الصبر ومرارته، نعمل بمصروفنا اليومي، وبالكاد نستطيع أن نجمع احتياجاتنا الأساسية من دقيق وسكر، وغالبًا لا يغطي ثمنها سوى القليل من تلك الاحتياجات الأساسية”.
نبات “الصبّر” قبل استخراج العصارة منه والتي تستخدم للتجميل أيضاً (ريف اليمن)
ويضيف: “نجمع كل يوم ما يقارب خمسة لترات، فنبيعها بثلاثة آلاف ريال، حيث نضطر للعمل متحملين الجوع، والعطش، وحرارة الشمس، وفي ظل هذه الظروف، لا يخلو الأمر من مخاطر وصعوبات نتعرض لها كل يوم”.
“نتعرض للكثير من المخاطر ونواجه العديد من المشاكل، فقد تعرضت للدغة ثعبان، كادت أن تودي بحياتي، وتعرضت زوجتي مرات عديدة للسقوط من أماكن مرتفعة، مما أدى إلى كسر ذراعها”، يقول صرح.
وأردف بحزن: “نحن نعيش ظروفا مأساوية، يظن الجميع أننا نتقاضى الكثير من المال مقابل هذا العمل الشاق، لكن في الحقيقة نحن نموت ببطء، خرجنا من البيت وأولادي يتضورون جوعا على أمل أن نشتري لهم الدقيق، لكن أملنا بالله لن يخيب”.
اجتثاث النبتة
وعن خطورة قطع شجرة الصبر على الطبيعة، قال الخبير الزراعي “عبدالله أحمد” إن نبات الصبر تعرض للاجتثاث في العام 2017 من قبل بعض التجار الذين كانوا يأتون إلى المنطقة لاستخراج الصبر، وهذا الأمر عرض النبتة للندرة؛ حيث كانت المنطقة مليئة بنبات الصبر.
وشدد أحمد لـ “منصة ريف اليمن”، على “ضرورة الرقابة المجتمعية لهذه النبتة المليئة بالفوائد، موضحًا أن الطريقة التي يقوم بها حسان في استخراج الصبر هي الطريقة الصحيحة، ونحن لا نمانع أن تكون مصدر دخل لأسرته، مع ضرورة الحفاظ عليها من الاجتثاث”.
يتم استخراج “الصبّار” في علب بلاستكية للبيع والحصول على عائد مادي للعيش (ريف اليمن)
تسببت الحرب بنزوح العديد من الأسر، ومن بينها أسرة حسان التي اضطرت إلى ترك منزلها في مفرق المخا، والانتقال إلى مديرية العدين بمحافظة إب، بعدما دُمرت ممارساتهم الاقتصادية والتجارية، وأصبحوا يعيشون في ظروف أقسى، بدون موارد ثابتة.
تعتمد أسرة حسان بشكل رئيسي على منتجات الطبيعة وموارد الدعم المحدودة، هذه التحديات أدت إلى تفاقم الأوضاع الصحية والنفسية، خاصة مع ضعف الخدمات الصحية والتعليمية.
ويقول الخبير الاقتصادي فارس النجار لـ”منصة ريف اليمن”، إن الأوضاع الاقتصادية في اليمن، خاصة في المناطق المتأثرة بالحرب، تتطلب تدخلات عاجلة ومستدامة لتعزيز قدرات المجتمعات المحلية على الصمود.
تأثيرات الحرب
ويضيف: “طرق جمع الموارد التقليدية مثل الصبر تعتبر جزءًا من الاقتصاد غير الرسمي، لكنها ليست كافية لضمان استقرار الأسرة أو دعم التنمية الشاملة، وعلى الحكومة والمنظمات الدولية توفير برامج دعم مستدامة لتمكين السكان من تطوير قدراتهم الاقتصادية، وتحسين سبل العيش المستدامة؛ مما يضمن لهم الاستقرار المعيشي”.
ويؤكد أن رحلة حسان وزوجته معاناة إنسانية تسلط الضوء على تداعيات الحرب في اليمن، خاصة على الفئات الضعيفة والأسر النازحة، وتتطلب هذه الظروف تضافر جهود المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية، والحكومة لدعم الأسر وإعادة بناء قدراتها الاقتصادية والصحية؛ لتمكينهم من تجاوز الأزمة وتحقيق حياة كريمة ومستقرة.
“حسان” يقطف نبته “الصبر” في إحدى جبال الضالع جنوب اليمن (ريف اليمن)
وبحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) فإن اليمن لا يزال يعاني من مستويات مرتفعة من الفقر متعدد الأبعاد، مشيرة إلى عدم إحراز أي تقدم يُذكر في الحد من هذه الظاهرة خلال العقد الماضي، نتيجة للصراع المستمر وتأثيراته الكارثية.
ووفقا للتقرير فإن اليمن ينتمي إلى قائمة البلدان العربية الثلاث الأقل نمواً إلى جانب موريتانيا وجزر القمر، حيث تستمر معدلات الفقر متعدد الأبعاد مرتفعة رغم بعض التقدم الملحوظ في دول أخرى خلال الفترة بين 2013 و2023.
وأشارت الإسكوا إلى أن الصراع المستمر منذ عام 2015 تسبب في إعاقة التنمية وأدى إلى حالة طوارئ إنسانية مدمرة، وتسبب في نزوح أعداد كبيرة من الأسر، وتعطيل سلاسل الغذاء، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية الحيوية.
في مشهد يعكس عمق العلاقة بين الإنسان والطبيعة، نجح المواطن صالح علي الجعدني من محافظة أبين في تحقيق إنجاز فريد، تمثل في تربية الغزلان الجبلية (البرية) في بيئتها المحلية، ليقدم نموذجاً نادراً من الوفاء للطبيعة وحماية التنوع البيئي في اليمن.
بجهود فردية خالصة وحب كبير للحياة البرية، استطاع الجعدني أن يوفّر بيئة آمنة ومناسبة للغزلان، من خلال الاهتمام بتغذيتها، ورعايتها الصحية، وفهم طبيعة حياتها وتكاثرها.
هذه التجربة التي بدأت بشغف شخصي تحوّلت إلى قصة نجاح ملهمة نالت إعجاب الأهالي والمهتمين بالبيئة في أبين وخارجها.
وتُظهر الصور المرفقة في الأدنى التي وثقها المصور حيدرة واقس روح الألفة بين الإنسان والغزال في مشاهد مفعمة بالحنان، حيث يتعامل الأهالي والأطفال مع هذه الكائنات بلطف ومحبة، في صورة تجسد أصالة الإنسان الأبيني وارتباطه العميق بالأرض والحياة البرية.
تجربة الجعدني ليست مجرد هواية، بل هي رسالة بيئية وإنسانية تفتح الباب أمام مبادرات مشابهة لحماية الحيوانات البرية المهددة بالانقراض، وتؤكد أن الطبيعة تمنحنا الجمال متى منحناها الأمان.
منذ القدم، ورغم تعاقب السنين وتغير مظاهر الحياة، ما يزال تنور الأرياف -أو كما يعرف محليا بـ”المافي”- حاضرا في البيوت الريفية اليمنية كأحد رموز الأصالة المتجذرة في الذاكرة الشعبية، إذ لا يمكن أن توجد بيت ريفي تخلو منه، ويعتبر من أساسيات المنازل الريفية اليمنية.
والمافي تنور طيني توقد ناره بالحطب، تتصاعد منه رائحة الخبز الطازج التي تعبق المكان وتوقظ الحنين، حاملة معها مذاقا أصيلا يختزل تاريخ الريف اليمني وعاداته اليومية البسيطة.
خلال العقدين الماضيين، انتشرت التناوير المعدنية بشكل واسع في الأرياف اليمنية لاعتمادها على الغاز وسرعتها في إنضاج المخبوزات، بالإضافة الى ارتفاع أسعار الحطب، الأمر الذي أدى إلى تراجع اعتماد بعض البيوت في الأرياف على المأفي، غير أنه لايزال حاضرا ولم يتم الاستغناء عنه، ويستخدم لصناعة العديد من المخبوزات ذات المذاق الاستثنائي، في إصرار ريفي على حفظ شيء من هوية الأرض، وتذكير للأجيال الجديدة بأن خبز المافي الطيني لا يجاريه فرن حديث.
يُصنع المافي من الطين، بأحجام متعددة، على أيدي مدّارين محترفين، وحين تشتريه الأُسر يضعونه بعناية في إحدى زوايا مطبخ البيت، أو ما يسمى في بعض أرياف تعز “المِنداد”، وهي غرفة جانبية أو على سطح البيت تحوي فتحة مستديرة أو فتحتين، يخرج منها الدخان المتصاعد، يوضع الحطب داخل المأفي، وحين تشتعل النار يبدأ الجدار الطيني في بث حرارة متوازنة تستمر طويلا، تجعل الخبز ينضج برائحة مميزة.
تعليقا على ذلك، تقول سالي النبهاني:”ما فيش (لايوجد)مثل خبز وفطير المأفي، طعمه هو الأجمل، حتى لو كثرت التناوير وتعددت أنواع الأفران، يبقى المأفي الريفي هو الأول وأكلاته هي الأفضل”.
وأوضحت النبهاني وهي إعلامية من مديرية المعافر خلال حديثها لـ”منصة ريف اليمن”، أن المافي في المناطق الريفية بشكل عام موجود في كل بيت، لأنهم يعتمدون عليه بشكل أساسي أكثر من التنورات الغازية، وغالبا ما يستخدمونه، وذلك لأنه قد تأتي أوقات ينعدم فيها الغاز أو ترتفع أسعاره، وأحيانا ينفد فجأة، وأيضا لأن المأفي متوفر دائما، وبالمقابل فإن أي شيء يطبخ داخله يكون حلو.
طعم مختلف ونكهة مميزة
وأضافت “:معظم أهالي الريف لا يستطيعون التخلّي عن المافي، وإن انكسر وانتهى، يحرصون على توفيره بصورة عاجلة، وأي طعام مطبوخ في المافي يكون له طعم مختلف ونكهة مميزة، ومذاقه يذكرك بالانتماء للبلاد، ومهما اغترب الشخص أو ابتعد، تظل نكهة طبخات المافي راسخة لأنه تربى عليها.
وذكرت النبهاني أن هناك وجبات كثيرة تقوم بتحضيرها عن طريق المافي: مثل الملوج، والخبز، والفطير بأنواعه المتعددة، وأيضا القُرم، وعند الانتهاء من خبز هذه الأشياء، يمكننا استغلال الفحم المتبقي بوضع أي شيء داخل المافي، مثل العدس أو الفاصوليا أو الحنيد على الجمر، وهذا يمنحها نكهة مميزة وطعمًا مختلفًا ولذيذًا.
يُجمع أهالي الأرياف على أن ما يخبز في المافي ألذ بكثير من الخبز المصنوع في التنور المعدني، فالعجين حين يلتصق بجدار الطين، يكتسب طعمًا مختلفًا، كما أن دخان الحطب يمنحه نكهة لا يمكن تكرارها في أفران الغاز أو التنور الحديدي.
الناشط الشبابي ماجد الشميري، قال إن أسرته في القرية اعتادت على إعداد المخبوزات في المافي بشكل أسبوعي، حتى أصبح جزءًا من العادات الغذائية الراسخة. مشيرًا إلى أن “موائد الأسر في الجمعة والمناسبات كالأعياد لا تكتمل أبدًا من دون وجود نوع من خبز المافي الذي يضفي على الأجواء نكهة خاصة لا يضاهيها شيء”.
ويضيف الشميري خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أن مخبوزات المافي ليست مجرد طعام عادي، بل هي موروث اجتماعي وثقافي له مكانته في أريافنا، لما تحمله من دلالات على البساطة والدفء العائلي، وارتباط الناس بذاكرتهم القروية ومذاق الأرض الذي يظل حاضرًا في كل لقمة.
المافي في ذاكرة المغتربين
رغم أن المافي ما يزال حاضرًا في كثير من بيوت الريف، إلا أن ذكراه تمتد أبعد من حدود القرية، إذ يظل حاضرًا في وجدان المغتربين الذين تركوا قراهم وراءهم، فالمافي بالنسبة لهم، ليس مجرد تنور طيني، بل هو رائحة البيت الأول، وذاكرة الجدّات، ومذاق الطفولة الذي لا يغيب مهما ابتعدت المسافات.
يقول الباحث والكاتب نبيل البكيري، إنه لم يأكل فطير وخبز وكدِر المافي الطيني منذ عشر سنوات بسبب إقامته خارج اليمن، ويضيف:”نحاول تقليد كل ذلك في الأفران الكهربائية الحديثة، ولكنها تبقى صورة ونسخة مقلدة وغير حقيقية من خبز المافي الطيني الذي تربّينا عليه”.
ويصف البكري خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، خبز المافي بأنه “خبز صحي مخلوط بشيء من الذات والهوية والتراث الذي يشكل هوينتنا الثقافية”.
أما المواطن أنور مقبل، فيصف خبر المأفي بأنه الألذ على الإطلاق، ويقول:” أجمل الهدايا التي تصل من الريف هي المخبوزات التي يتم صناعتها بالمأفي الطيني، فنكهتها وطعمها لا يمكن أن توفره التناوير الغازية الحديثة”.
ويضيف خلال حديثه لـ “منصة ريف اليمن”، أن أسرته لاتزال تحافظ على الموروث القديم بإشعال المأفي كل صباح جمعة، ويتم صناعة الخبز الملوح كوجبة فطور، وعمل فطير من حبوب الذرة أو الغرب كوجبة للغذاء، لافتا أن أسرته تقدم له الهدايا الريفية المختلفة على رأسها الفطير والملوح”.
ورغم التطور يبقى المافي أكثر من مجرد تنور طيني يُخبز فيه العجين؛ بل هو ذاكرة حيّة تتوارثها الأجيال، وجمرٌ يشعل الحنين في القلب، ورمزٌ من رموز الريف الذي يعرف كيف يحفظ أصالته رغم تغيّر الأزمنة، وبظل شاهدًا على ارتباط الناس بجذورهم.
رغم مساهمة الانتشار الواسع لأنظمة الطاقة الشمسية في اليمن في تخفيف أزمة الكهرباء، يفاقم أزمة النفايات ويشكل تهديدا بيئيا مباشرا على المجتمعات الريفية والحضرية على حد سواء، وفق المعهد الدنماركي للدراسات الدولية (DIIS).
وأشار المعهد في تقريره بعنوان “العنف البطيء للنفايات في اليمن..معالجة العواقب طويلة الأمد للتحول نحو الطاقة الشمسية”، أشار إلى أن الطاقة الشمسية أصبحت أحد المصادر الرئيسية للكهرباء في اليمن، حيث أفاد 73% من المشاركين في استطلاع رأي شمل ألف شخص بأن منازلهم بدأت باستخدام هذه الأنظمة بعد عام 2015، مما يعكس تحولا واسع النطاق نحو حلول الطاقة المتجددة في كل من المناطق اليمنية.
وأكد التقرير أن الجهات المانحة والوكالات الدولية عززت الطاقة المتجددة كحل فعال ومستدام لأزمة الطاقة، خاصة في المجتمعات النائية والمحرومة، لما توفره من تكاليف تشغيلية منخفضة وتأثير بيئي محدود، مع إمكانية تمكين السكان المحليين ودعم جهود التعافي والتنمية طويلة الأمد.
لكن التوسع السريع في تركيبات الطاقة الشمسية يعود بشكل رئيسي إلى التمويل المجزأ القائم على المشاريع، ومحدودية التنسيق مع السلطات المحلية، ما يرفع من احتمالات تراكم النفايات الناتجة عن هذه الأنظمة ويجعل دمج أفضل الممارسات في دورة المشروع أمرًا ضروريا لتجنب التلوث البيئي.
التخلص غير المنظم
وأشار المعهد إلى أن النزاع المستمر أعاق جمع بيانات دقيقة حول إدارة النفايات في اليمن، لكن تقييما أُجري عام 2014 كشف أن نحو 70% من النفايات تلقى في العراء، و26% تذهب إلى مكبات النفايات، فيما لم يتم إعادة تدوير سوى أقل من 7%.
منذ ذلك الحين، أدى النزاع إلى تدمير البنية التحتية وتوقف دفع الرواتب وغياب المعدات اللازمة مثل شاحنات القمامة، حيث تم تقييم 45% من المركبات في يوليو 2015 على أنها غير قابلة للوصول أو مكسورة أو مسروقة. كما تضاعف عدد مكبات النفايات منذ 2014، مع تفاوت كبير بين المحافظات، وسجلت حضرموت أعلى كمية من النفايات الصلبة.
وحذر المعهد من أن التلوث والنفايات يمكن أن يصبحا محركين للصراع المحلي ويقوضا التماسك الاجتماعي، خاصة مع ضعف قطاع إعادة التدوير وغياب أي إطار قانوني للتعامل مع البطاريات.
وأشار إلى أن العديد من مكبات النفايات غير محددة ومحمية، مما يسمح بتسرب العصارة – السائل الملوث الناتج عن تحلل النفايات – إلى التربة والمياه الجوفية، في وقت يعاني اليمن بالفعل من ندرة حادة في المياه وانخفاض مستويات المياه الجوفية بمعدل 3-8 أمتار سنويًا، وتقليص الأراضي الزراعية بنسبة 3-5% سنويا.
وعند التخلص من الألواح الشمسية والبطاريات المهملة، يمكن لمياه الأمطار أن تجرف المعادن السامة إلى مصادر المياه والنفط المحيطة، ما يزيد من تآكل سبل العيش الريفية ويعرض المجتمعات لمخاطر التلوث الغذائي والمائي، بحسب المعهد.
الفقراء كحماة للبيئة
وكشف التقرير أن أكثر من نصف المشاركين يأخذون الألواح الشمسية المعطلة إلى ورش البطاريات أو الصيانة، بسبب ارتفاع أسعار البطاريات والألواح، حيث وصف أكثر من 75% منها بأنها مرتفعة جدا أو مرتفعة نسبيا، ويعد الاستخدام الأكثر شيوعا للطاقة الشمسية الإضاءة بنسبة 73.9%، يليه شحن الهواتف بنسبة 50.6%.
وأوضح المعهد أن التكلفة الأولية المرتفعة للمعدات تدفع الأسر لاستخدام أنظمة أقل جودة وأكثر عرضة للفشل بعد فترة قصيرة، ما يسرع من تدفق نفايات الطاقة الشمسية. كما يفتقد السوق لأي معايير أو شهادات جودة للمنتجات المستوردة، ويعتمد التعامل مع النفايات على القيمة الاقتصادية للمواد وليس على الاعتبارات البيئية.
وبمجرد توقف الأنظمة عن العمل، تبيع الأسر هذه المعدات أو تهديها لجامعي الخردة (19.2%)، أو لمحلات الخردة (28.4%)، أو لتجار صغار يعيدون بيعها أو تفكيكها لاستعادة مكوناتها. وتعتمد المناطق الريفية بشكل أكبر على مشتري الخردة المتنقلين، مما يزيد من احتمال التخلص غير الآمن من المعدات.
نحو 70% من النفايات تلقى في العراء، و26% تذهب إلى مكبات النفايات، فيما لم يتم إعادة تدوير سوى أقل من 7%.
وأفاد 22% من المشاركين أن الألواح الشمسية ترمى مع النفايات المنزلية أو تترك على الأسطح والساحات عند تلفها، رغم إمكانية إعادة تدوير الأجزاء القابلة للبيع.
وأشار المعهد إلى أن جامعي النفايات غالبا من الفئات المهمشة ويعملون دون معدات سلامة، معرضين لمخاطر صحية، وغالبًا لا يستفيدون من برامج إدارة النفايات المدعومة من الجهات المانحة التي تعطي الأولوية للنازحين داخليًا.
كما أن التصدير يمثل المحرك الأساسي لاستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير، لكن النزاع أثر على قدرة القطاع الخاص بسبب محدودية الكهرباء وقيود التصدير، مما جعل التعامل مع النفايات يعتمد على القيمة الاقتصادية لا على البيئة.
جعل النفايات الشمسية مهمة
رغم بعض الدعم من المجتمع الدولي قبل النزاع، لم تعد إدارة النفايات قضية مركزية في العمل الإنساني، لكن المخاوف البيئية معترف بها على نطاق واسع بين اليمنيين، خاصة في المناطق الريفية، حيث يعانون من آثار تغير المناخ والتلوث مباشرة مثل الفيضانات المفاجئة، وتراجع الأمطار الموسمية، والجفاف، وتآكل التربة، واستنزاف المياه الجوفية.
وأكد التقرير أن الانتشار الواسع للطاقة الشمسية مدفوع بأزمة الطاقة وليس بالوعي البيئي، وأن الأسر الفقيرة تعطي الأولوية للشواغل المعيشية العاجلة. ومع ذلك، يمكن أن يصبح التلوث والنفايات دافعين للصراع المحلي ويقوضا التماسك الاجتماعي.
في استطلاع حديث، وصف أكثر من نصف المشاركين مواجهتهم أو سماعهم عن صراعات أو توترات في منطقتهم بسبب عوامل بيئية، وكان التلوث السبب الرئيسي للصراع، يليه ندرة المياه. وبينما تُمثّل نفايات الطاقة الشمسية جزءًا صغيرًا فقط من مشكلة أكبر، إلا أنها تتقاطع مع نزاعات بيئية ونزاعات أوسع نطاقًا حول استخدام الأراضي.
يُعدّ وزن المواليد إجراءً أساسياً في إدارة القطيع الحديثة، فهو يوفّر بيانات دقيقة عن صحة الأم وجودة الرعاية قبل الولادة وبعدها، ويساعد في تقييم حالة المواليد ونموها وتقسيمها، كما يُستخدم كأداة لمتابعة معدلات النمو وكفاءة التغذية والرعاية الصحية، مما يمكّن المربي من اتخاذ قرارات دقيقة لتحسين الأداء والإنتاج.
تتناول منصة ريف اليمن في هذا التقرير الإرشادي أهمية وزن المواليد في متابعة النمو وتحسين الإنتاج، ويعرض الفترات والطرق المناسبة للوزن، وكيفية الاستفادة من النتائج في تطوير القطيع ورفع كفاءته.
أهمية وزن مواليد الحيوانات الرضّع:
متابعة النمو: يُساعد التسجيل المنتظم للأوزان في معرفة مدى تطور الحيوان، ومقارنة معدل نموه بالمعدلات القياسية للسلالة.
تصنيف المواليد حسب الأداء: يُمكن تقسيم المواليد إلى مجموعات حسب سرعة النمو، مما يساعد في توجيه الرعاية والتغذية بشكل مناسب لكل فئة.
تحسين برامج الانتخاب الوراثي: الوزن المبكر مؤشر قوي على الصفات الوراثية المرتبطة بالنمو والتحويل الغذائي، وبالتالي يمكن الاعتماد عليه في اختيار الذكور والإناث الأفضل كآباء وأمهات مستقبلية.
تقييم الذكور الطلوقة (الفحول): عند مقارنة أوزان مواليد فحل معين مع غيره من الفحول، يمكن تحديد مدى تفوقه الوراثي في نقل صفات النمو.
تقييم الأمهات من حيث كفاءة الرضاعة والرعاية: الأمهات التي تُنتج مواليد أعلى وزناً وأسرع نمواً غالباً ما تكون أكثر إنتاجية وجدوى اقتصادية.
الوزن عند الولادة: لتسجيل الوزن الأساسي للحيوان، ومعرفة الحالة الصحية للمولود.
الوزن عند الفطام: لقياس كفاءة الرضاعة الطبيعية أو الصناعية.
الوزن الشهري أو الدوري: لمتابعة النمو المستمر، وتقييم كفاءة التغذية أو الكشف عن أي تأخر في النمو مبكراً.
كيف نزن مواليد الحيوانات بطريقة صحيحة؟
الوقت المناسب: أفضل وقت هو الصباح قبل الأكل أو الشرب، لأن الامتلاء يؤثر على الوزن.
مكان الوزن: يكون الميزان على أرض مستقيمة وثابتة، ويفضل في مكان مظلل ومريح للحيوان.
نظافة الميزان: ننظف الميزان دائماً من الأوساخ، وكذلك نزيل الروث أو الطين من جسم الحيوان قبل الوزن.
المعايرة (الضبط): نتاكد كل فترة أن الميزان مضبوط ويعطي وزناً صحيحاً.
سلامة المولود: نعامل المولود بلطف، ويكون الشخص الذي يزن حيواناً هادئاً ومتعوداً على التعامل معه.
تسجيل الوزن: نكتب التاريخ، رقم الحيوان، جنسه (ذكر أو أنثى)، والوزن في سجل خاص أو في دفتر.
تقييم نتائج وزن الحيوانات الرضيعة
إذا كان الوزن ضعيفاً جداً: نراجع التغذية أو نعرض الحيوان على البيطري المختص في المنطقة إن وجد.
إذا كان الوزن جيداً أو عالياً: نعتبر هذا الحيوان مميزاً ونحافظ عليه للتربية.
من خلال المقارنة بين المواليد نعرف أي الأمهات والفحول أفضل إنتاجاً.
الفوائد الاقتصادية
المواليد التي تنمو جيداً تستهلك علفاً أقل وتربح أكثر.
نقلل الخسائر الناتجة عن ضعف النمو أو المرض.
نحسن السلالة ونزيد الإنتاج من الحليب واللحم.
نحصل على قطيع قوي ومربح.
توصيات فنية
استخدام موازين رقمية دقيقة مخصصة للحيوانات الصغيرة مثل العجول أو الجِداء.
اعتماد نظام ترقيم للحيوانات لتسهيل المتابعة.
حفظ السجلات بشكل منتظم.
تدريب العمال والفنيين على طرق الوزن السليمة.
حلل البيانات التي يتم جمعها عند التسجيل لتقييم الأداء.
توصلنا مما سبق إلى أن وزن المواليد ليس إجراءً روتينياً فحسب، بل هو أداة علمية أساسية لإدارة القطيع وفق أسس اقتصادية وإنتاجية صحيحة، حيث يسهم الالتزام بممارسات الوزن الدقيقة والمتابعة الدورية في بناء قطيع صحي، عالي الكفاءة، وقادر على تحقيق عائد مستدام.
*صورة الغلاف مولدة بالذكاء الاصطناعي
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
صادق المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثالثة والأربعين المنعقدة حالياً، في مدينة سمرقند بجمهورية أوزبكستان، على قرار المجلس التنفيذي للمنظمة لدعم اليمن في مجالات صون التراث الثقافي والتعليم والتعليم العالي والإعلام في ظل أوضاع الصراع الراهنة.
يأتي هذا القرار بعد أن تقدمت به البعثة الدائمة للجمهورية اليمنية بهدف حماية التراث الثقافي والتعليم والصحافة في اليمن، وتتويجاً لمشروع قرار اعتمدته اليونسكو في 15 أكتوبر الماضي، إلى مكافحة تهريب الآثار وحماية التراث الثقافي اليمني، بما يتوافق مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث في أوقات النزاعات المسلحة.
وأكد القرار على دعم اليمن في الحفاظ على تراثه الثقافي وتعزيز قطاع التعليم والإعلام في ظل الأوضاع الراهنة
وكانت قد أعلنت منظمة اليونسكو الأسبوع الماضي عن وقف مشاريعها التطويرية في مدينة صنعاء القديمة، والمدرجة على قائمة التراث العالمية منذ عام 1986 ، إضافة إلى مدينة شبام التاريخية في حضرموت
وتمتلك اليمن إرثاً أثرياً غنياً يعكس تاريخها العريق وحضارتها القديمة مثل سبأ ومعين وقتبان، ويشمل هذا الإرث المعابد والتماثيل، والمدن التاريخية مثل شبام وزبيد، التي تحتوي على مساجد ومعالم أثرية فريدة تشهد على عراقة الثقافة اليمنية.
لكن هذا التراث يواجه تهديدات كبيرة، أبرزها عمليات التهريب ونقص الحماية الفعالة حيث تهرب العديد من القطع الأثرية إلى خارج البلاد وتظل المواقع معرضة للنهب والتدمير في ظل الأوضاع السياسية المتدهورة، مما يستدعي تكثيف الجهود للحفاظ على هذه الكنوز وحمايتها من الضياع.
لا يزال الحزن يخيم على قرية البرحة الواقعة بعزلة الشراجة في مديرية جبل حبشي غرب تعز، منذ الأربعاء الماضي، هناك حيث انطفأت ضحكات ثلاث فتيات شقيقات، بعدما غمرهن الماء أثناء محاولتهن جلبه من خزان مكشوف لم تعرف أسرتهن أنه سيخطفهن إلى الأبد.
لم تكن الفتيات الثلاث سوى أطفال في ربيع العمر، يحملن أوعية الماء الصغيرة كما اعتدن كل صباح، غير أن تلك الرحلة القصيرة تحولت إلى مأساة غيرت ملامح القرية، وتركت في قلوب الأهالي وجعا لا ينسى.
ذلك الصباح لم يكن مختلفا عن غيره بالنسبة لأهالي البرحة، فاليوم يبدأ عادة بمشوار الماء؛ رحلة النساء والفتيات اليومية نحو الخزانات لجلب ما يسدّ العطش. لكن هذا اليوم حمل في طياته ما لم تتخيله القرية الصغيرة، يوما أسود كتب في ذاكرتها إلى الأبد.
صباح ذلك اليوم خرجت ثلاث فتيات صغيرات من أسرة واحدة -إخلاص (9 أعوام)، ورود (13 عامًا)، وميمونة (6 أعوام)- يحملن أوعية الماء على أمل العودة إلى المنزل كما في كل مرة، لكن القدر كان أسرع من خطواتهن الصغيرة، سقطت الفتيات داخل الخزان المائي القريب من منزل الأسرة، ولم ينج منهن أحد.
كانت الأسرة حينها منشغلة بإسعاف طفلة مريضة، وعند عودتها إلى المنزل كان المشهد مفزعا: الخزان الذي بناه الأب ليكون مصدر حياة للأسرة، تحول إلى فخ قاتل أودى بأغلى ما يملك.
يقول الشيخ “رشيد ناجي”، أحد وجهاء القرية: “عندما خرج أفراد أسرة ماجد عبدالله محمد حسن لإسعاف طفلة لهم كانت مريضة، لم يتخيلوا أن عودتهم ستقودهم إلى هذه الفاجعة؛ وجدوا الفتيات الثلاث غارقات في الخزان الذي لم يكن قد اكتمل بعد أو جرى تغطيته، كان الخزان مشروع حياة، لكنه أصبح سببا للموت”.
خزان مياه مكشوف على الطريق العام في جبل حبشي، تعز (ريف اليمن)
يؤكد مدير مكتب الإعلام في مديرية جبل حبشي، “صفوان الجبيحي”، لـ”منصة ريف اليمن”، أن الفتيات الثلاث من أسرة ماجد حسن، وقد سقطن في خزان المياه أثناء محاولتهن جلب الماء لأسرتهن، مشيرا إلى أن التحقيقات الأولية ترجح أن الحادثة وقعت نتيجة انزلاق غير مقصود أثناء اقترابهن من فتحة الخزان.
كانت القرية على موعد مع مأساة خيمت على بيوتها جميعا، فبينما تحاول الأمهات التماسك أمام أطفالهن، تتردد في الأذهان صور الفتيات الثلاث، وهنّ يغادرن المنزل في لحظاتهن الأخيرة.
صدى الفقد ووجع القلوب
يقول الناشط المجتمعي “بشير المخمري”، وهو أحد أبناء المنطقة، بصوت يملؤه الأسى: “انتهت حياة الثلاث الفتيات في أحد خزانات المياه بكارثةٍ لا تُحتمل. ذهبن دون وداع، ولم يستطع الأهالي إنقاذهن. لا أحد يعلم كيف حدث الغرق بالتحديد، فالأسرة كانت خارج المنزل، وعندما عادت لم تجد البنات، بحثت عنهن طويلًا حتى وجدتهن داخل الخزان”.
ويضيف المخمري: “ثلاث زهرات انطفأن بلمح البصر، تاركاتٍ خلفهن وجعا لا يوصف، إنها فاجعة تهز الضمير الإنساني، وصرخة تنبيه يجب أن توقظ الجميع: كم من أرواح بريئة فقدناها في مصائد الخزانات المكشوفة في ريفنا؟”.
ودعا إلى ضرورة تأمين الخزانات والآبار المكشوفة في القرى والأرياف، وتنفيذ حملات توعية عاجلة للأسر والأطفال حول مخاطرها، مؤكدًا أن “قطرات الماء لا يجب أن تكون سببًا للموت”.
تعاني أكثر المناطق اليمنية من غياب المشاريع الأساسية والخدمية وربطها بشبكات المياه، ما يجبر الأسر إلى البحث عن مصادر المياه في المرتفعات الشاهقة والسدود المكشوفة والخزانات المجاورة للمنازل التي تكون عادة خطيرة على حياة النساء اللواتي لا يستطعن السيطرة على أنفسهن إذا ما تعرضن لحوادث سقوط.
قرية البرحة ليست سوى نموذج من عشرات القرى اليمنية التي تعيش خارج خارطة الخدمات الأساسية، ويقدّر سكانها بنحو 500 نسمة، ويواجهون صعوبات يومية في الحصول على المياه، نتيجة غياب شبكات الإمداد ووعورة الطرق المؤدية إلى مصادرها.
خلفية مأساوية لمشكلة مزمنة
يقول الشيخ رشيد ناجي: “نحتاج إلى وقفة جادة من الجهات المعنية. الناس هنا يعيشون بالإمكانات البسيطة، يبنون خزانات مائية بأنفسهم، ولكنها تظل مكشوفة وخطرة؛ لأنهم لا يجدون دعمًا أو توجيهًا لحمايتها”.
تأتي هذه الحادثة في وقت تعاني فيه تعز من أزمة مياه خانقة، جعلت آلاف الأسر تضطر إلى حفر خزانات وسدود محلية لجمع مياه الأمطار، لكن هذه الحلول المؤقتة تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مصائد موت، خصوصا للأطفال والنساء في القرى الجبلية، حيث غياب الرقابة والإرشاد وضعف الوعي بمخاطر تلك الخزانات المكشوفة.
رحلت إخلاص وورود وميمونة، وبقيت قصتهن شاهدا مؤلما على معاناة الريف اليمني، حيث الماء صار في أحيانٍ كثيرة عنوانا للفقد والموت، رحلن وتركن وراءهن قلوبا مكلومة وأحلام الطفولة الغارقة في خزان مكشوف، تلك الحادثة المؤلمة لا تعيد فقط طرح سؤال الإهمال، بل تذكر بوجع الريف اليمني الذي ما يزال يدفع ثمن غياب أبسط مقوّمات السلامة والخدمات الأساسية.
حوادث الآبار والخزانات في المناطق الريفية في اليمن تكررت بشكل لافت؛ إذ شهدت مديرية “كُعَيدِنَة” بمحافظة حجة عدة حوادث سقوط، وسجلت وفيات، وفق تقرير سابق لمنصة ريف اليمن. وقال “أحمد حاسر (35 عاما)”، المنحدر من قرية المواهبة إن الآبار المكشوفة أصبحت شبحاً يهدد حياة السكان في القرى الريفية بمحافظة حجة”.
أحد خزانات مياه الشرب في جبل حبشي غربي تعز (ريف اليمن)
وفي محافظة الضالع فقد عبد الرحمن حيدرة (52 عاما) أربع نساء من أسرته غرقا، بينهنّ ابنته، وذلك نتيجة سقوطهن في أحد الحواجز المائية أثناء بحثهن عن المياه، بوادي مقلد بمنطقة الشريس بضواحي مدينة الضالع.
وقال حيدرة لمنصة ريف اليمن في تقرير سابق: “فقدتُ ابنتي وخالتها واثنتين من بنات صهيري بسبب سقوطهن داخل حوض ماء أثناء ذهابهن للاحتطاب. مررن بطريق صخرية محاذية للحوض المائي، وحدثت الكارثة”. وبلغ عدد حالات الوفاة نتيجة الغرق أو السقوط من المنحدرات بمديرية الأزرق بمحافظة الضالع جنوب اليمن، 30 حالة في العامين 2022 و2023، وفق إحصائية لمركز سوث 24 للدراسات.
وخلال السنوات الماضية تعرض الكثير من سكان القرى الريفية للوفاة أثناء جلب المياه من الآبار المكشوفة، التي تفتقر إلى أدنى مقومات السلامة، خصوصاً النساء اللواتي يتحملن مسؤولية البحث عن الماء، وجلبه من مناطق بعيدة من آبار غير آمنة.
خلال موسم الأمطار الغزيرة التي شهدها اليمن في الشهرين الماضيين، لم تكن السيول وحدها مصدر قلق لمزارعي وادي نخلة شمال محافظة تعز، بل الحواجز المائية المهجورة التي تحولت من مشاريع تنموية واعدة إلى خطر دائم يهدد الأرض والإنسان، فغياب الصيانة لسنوات طويلة جعلها تفقد وظيفتها الأساسية في حفظ المياه وتنظيم جريان السيول.
تراكمت كميات ضخمة من الرواسب في قاع تلك الحواجز، حتى انسدت ممراتها وتحولت إلى سدود عشوائية، تدفع السيول نحو المزارع بدلا من احتوائها، مسببة دمارا واسعا في الأراضي الزراعية.
يقول المزارع “محمد سعيد الصوفي”: “تعرضت مزارعي التي تحتوي على أشجار المانجو والموز إلى دمار واسع، خسرت معظم محاصيلي، وغطت الأتربة القادمة من الحواجز المائية التربة الخصبة بطبقات كثيفة”.
مصدر خطر
ويضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “كنا نأمل أن يكون الحاجز المائي شريان حياة لمزارعنا، لكنه أصبح اليوم مُهدِّداً مباشراً لأراضينا ومزارعنا، رغم الحذر من الكارثة، لكن لم يكن باليد حيلة”.
وأشار إلى أن الأراضي الزراعية في الوادي تتميز بتربة خصبة، لكن السيول طمرتها بطبقات من الأتربة المتنوعة، وجرفت ما تبقى من محاصيل زراعية، وأصبح السكان بلا مصادر دخل، كون اعتمادهم الرئيسي على تلك المزارع.
من جهته يروي المزارع “عبد العزيز الشرعبي” المأساة المتكررة ويقول: “كل عام نعيش الكارثة ذاتها؛ السيول تجرف محاصيلنا وتغمر أراضينا بالأتربة، والسبب أن الحواجز لم يتم صيانتها منذ أكثر من عقد ونصف”.
ويضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “أصبحت السيول أقوى، والحواجز أضعف، ونحن الخاسر الأكبر، نطالب الجهات المختصة بالتدخل العاجل لتنظيف الحواجز ورفع الرواسب المتراكمة فيها؛ حتى لا تتكرر المأساة في الموسم المقبل”.
غياب الصيانة
يصف المهندس “عبدالقادر السميطي” المشهد للحواجز قائلاً: “الحواجز المائية التي أنشئت في وادي نخلة قبل نحو سبعة عشر عاما، كانت مشروعا طموحا لاحتجاز مياه السيول وتغذية المزارع، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى خطر قائم”.
صور تظهر الحاجز المائي ممتلئاً بالأتربة والرواسب ما يجعله مصدر تهديد للمزارعين وأراضيهم (ريف اليمن)
ويؤكد السميطي خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أنه بسبب غياب الصيانة الدورية والرقابة الفنية، تراكمت الرسوبيات داخل الحواجز حتى فقدت سعتها التخزينية، مضيفا: “بعد 17 عاما دون صيانة دورية، أصبح الحاجز أقرب إلى منشأة منهارة وظيفياً منه إلى منشأة خزنية فعّالة، وتحول لمصدر تهديد للأراضي الزراعية”.
وعن الآثار المباشرة، قال السميطي: “على المدى القريب سيؤدي الوضع إلى فقدان جزء كبير من سعة الحاجز، وزيادة فيضان السيول أثناء الأمطار الغزيرة، وطمر مساحات زراعية كبيرة، وانخفاض انتظام إمدادات الري”، لافتا إلى أن العواقب بعيدة المدى ستشمل تحول الحوض إلى مستنقع رسوبي مغلق يقلل من نفاذية التربة، وفشل منشآت الري، وتقلص الرقعة الزراعية الصالحة، وهجرة بعض المزارعين.
وبيّن أن تراكم الرواسب رغم أنه قد يحمل مواداً عضوية مفيدة مؤقتاً، إلا أن الطمر العميق يدفن الطبقة السطحية الخصبة ويغير بنية التربة؛ مما يقلل التهوية والنفاذية، ويؤدي إلى مشاكل تصريف وزيادة الملوحة، والنتيجة النهائية هي انخفاض غلة المحصول وجودته.
وحذّر السميطي من أن غياب الصيانة قد يحول السدود من أدوات إدارة مياه قيمة إلى أعباء، مؤكداً أن الصيانة الدورية ضرورية لاستمرار فاعليتها، ويرى أن الإجراءات المقترحة يجب أن تكون مرتبة بالأولوية، بدءاً من التقييم الفني الميداني، وإزالة الرواسب، وإعادة تأهيل ممرات التصريف.
تراكم الرواسب
تواجه العديد من الحواجز والسدود في اليمن مشكلة تراكم الرواسب في قاعها، وهي ظاهرة عالمية، لكنها في اليمن تتضاعف بسبب تضاريسنا المتفاوتة، وارتفاع شدة الأمطار، فالجريان السطحي الناتج عن الأمطار الغزيرة يجرف الأتربة من أعالي المرتفعات إلى بطون الأودية والحواجز؛ ما يؤدي إلى تراكم الرواسب عامًا بعد آخر.
السميطي: بعد 17 عاما من عدم الصيانة الدورية، أصبح الحاجز أقرب إلى منشأة منهارة وظيفياً منه إلى منشأة خزنية فعّالة وتحول لمصدر تهديد للأراضي الزراعية.
ويوضح الخبير البيئي “د. أنور الشاذلي” المختص في قضايا البيئة والتغيرات المناخية أن الرواسب في قاع الحواجز المائية والسدود تمثل مشكلة عالمية، إلا أنها في اليمن تشكل معضلة مضاعفة لأسباب عدة، لافتًا إلى أن التضاريس اليمنية متباينة بين عالية المرتفعات ومتوسطة الارتفاع، إضافة إلى وجود المرتفعات القريبة من السهول الواسعة المعروفة بالأودية.
وأضاف الشاذلي لـ “منصة ريف اليمن” أن الشدة المطرية العالية في اليمن، خصوصًا أثناء الهطول الكثيف، تتفاعل مع هذه التضاريس المتفاوتة لتنتج جريانًا سطحيًا قويًا جدًا، حيث تتسارع السيول عبر الممرات الضيقة محدثة ضغطًا عاليًا على الحواجز والسدود.
ولفت إلى أن هذا الأمر يجعل تراب اليمن عرضة لعمليتي الهدم في أعالي المرتفعات والرواسب في بطون الأودية والحواجز، وهي العملية التي صنفت أكثر من 65% من تربته على أنها “تراب أنديزول”، أي ترب حديثة التطور وتراكمية، غير مستقرة، وحساسة لتراكم السيول والأمطار.
وأشار الشاذلي إلى أن الأمطار الغزيرة تجرف الأتربة من أعالي الجبال إلى أسفل، لتصطدم بالحواجز التي جفت منها المياه، ما يزيد من تراكم الرواسب عامًا بعد آخر، موضحًا أن هذا التراكم له آثار كبيرة، أولها حرمان الأراضي الزراعية من المواد الخصيبة التي تحملها هذه الأتربة، والتي تساعد على تحسين الخواص الفيزيائية للتربة وإغنائها بالعناصر الطبيعية والأكاسيد.
ويشير إلى أن استمرار تراكم الرواسب يؤدي إلى انخفاض السعة التخزينية للسدود والحواجز، ويشجع على تكوين الطحالب وانتشار المكونات غير المرغوبة؛ ما يضعف البنية الفنية لهذه المشاريع. كما أن انخفاض السعة التخزينية خلال الفيضانات يزيد من مخاطر تدمير السدود، وسحب الأشجار والمدرجات الزراعية.
تداعيات اقتصادية
وبحسب الشاذلي فإن استمرار الرواسب يحرم الأراضي الزراعية من المخصبات الطبيعية ويؤثر على خصوبة التربة؛ ما يجعلها ضحلة ويعرّي جذور الأشجار المثمرة، مؤكدًا أن ما تعانيه مناطق مثل وادي نخلة لا يختلف عن محافظات أخرى، مثل خولان بصنعاء وعمران والمناطق المنحدرة على السواحل الجنوبية، حيث تشهد تدهورًا مشابهًا في الأراضي الزراعية.
مطالبات للجهات المعنية بسرعة التحرك لإنقاذ ما تبقى من الأراضي الزراعية في المنطقة (ريف اليمن)
ولفت إلى أن هذه الظاهرة ساهمت في فقدان أكثر من 30% من الأراضي الزراعية في بعض المناطق، مؤكداً أن الحلول تتطلب تدخلا عاجلا لإزالة الرواسب المتراكمة، وتأهيل الحواجز والسدود، وتنفيذ برامج صيانة دورية ومراقبة مستمرة؛ لضمان حماية التربة الزراعية، وإعادة تأهيل السعة التخزينية للمياه واستدامة الإنتاج الزراعي.
يؤكد المزارعون أن خسائرهم الزراعية انعكست مباشرة على مستوى المعيشة، إذ تقول المواطنة “فاطمة سعيد العسالي” لـ “منصة ريف اليمن”: “لقد تأثرت جميع جوانب حياتنا، لا زراعة، لا دخل ثابت، والأطفال الآن معرضون للخطر. حتى مع المساعدات، لا يمكن تعويض الخسائر بالكامل”.
وتشير إلى أن هذه الأزمة تزيد من الهجرة الريفية إلى المدن والمناطق الأخرى بحثًا عن فرص عمل؛ ما يهدد النسيج الاجتماعي في وادي نخلة، داعية الجهات المعنية إلى التحرك بشكل عاجل لإنقاذ ما تبقى من الأراضي الزراعية في المنطقة.
تعرف محافظة إب في اليمن بأنها خضراء وصائدة للسحب، ووجهة للسياحة الريفية خلال موسم الأمطار؛ حيث تكون جبالها شديدة الخضرة وتتدفق الشلالات في كثير من المناطق، لكن الجانب الذي لا يعرف كثيراً هو المعالم التأريخية والأثرية العريقة فيها؛ حيث كان موطن مملكة “ذي ريدان” إحدى أبرز مراحل توحد الحِميريين.
جغرافياً نهلت من أعالي الهضبة نقاء الهواء، وتوسّطت بين السواحل والمرافئ والسهول الخصبة، وتأريخاً كانت عقدة مواصلات للتجارة والعبور، ومطمع نفوذ الممالك القديمة، ومركز ثقلٍ سياسي منذ تحوّل القرار إلى الملك ظفار في العصر الثاني من تاريخ اليمن القديم، حين تبدّلت مسارات التجارة وخرائط النفوذ.
وتقع إب جنوب صنعاء على بُعد حوالي 193 كيلومترًا، على الطريق الرئيسي المؤدي إلى تعز، وتشق وديانها العميقة طرق ضيقة ومنحدرة تصبّ في البحر الأحمر غرباً، وخليج عدن جنوباً، هذا الموقع الوسيط جعلها نقطة التقاء مهمة؛ حيث تتصل بموزع وعدن عبر الجند، ووادي بنا وصولًا إلى ظفار، كما ترتبط بالهضبة الشمالية عبر يريم وبعدان إلى طرق القوافل. ولهذا، ما تزال آثار السماسر (أماكن خدمة المسافرين)، والحصون والقلاع شاهدة على دور إب في حماية التجارة.
نركز في ثلاثة مقالات على محافظة إب اليمنية، وتأريخيها العريق والمؤثر في اليمن قديماً؛ حيث مازالت الآثار تكشف عن جزء من مسار الحقب التأريخية التي مرت وتركت إرثاً حضارياً مازال يحتاج الى دراسة واهتمام، بالإضافة إلى أهمية المحافظة كونها وجهة للسياحة الريفية بطبيعتها الخلابة.
يسلط هذا المقال الضوء على تأريخ إب وتطوّر الحكم في اليمن قديماً، بدءًا من مملكة سبأ، ثم سبأ وذي ريدان، ويشرح كيف انتقل مركز السلطة من سلحين/مأرب إلى ظفار/ذي ريدان، مرورًا بعصر التبابعة، ثم فترة النفوذ الخارجي قبل الإسلام، ويستعرض أبرز المواقع التاريخية، وسيُخصص جزءٌ ثانٍ -ينشر لاحقًا- لسرد تفصيلي عن جبلة وإب القديمة ومعالمهما.
تأريخ إب: من مأرب إلى ظفار
انتهى العصر الأول من تاريخ اليمن القديم قرابة عام 115 قبل الميلاد، وكانت سبأ عمود الكيان السياسي والاقتصادي، ومأرب عاصمة المراسيم في معبد الإله إلمقه، ومع تحوّل طريق اللبان من البرّ في المشرق إلى خطوط الملاحة البحرية، تراجعت أهمية مدن الأودية الشرقية، بينما ازدهرت مدن الموانئ والمناطق المرتفعة الواقعة على الطريق التجاري الجديد.
هنا ظهرت ظفار في إب باعتبارها مركزا سياسيا ينقل إليه “قصر ذي ريدان” الذي كان رمزا للسيادة والسلطة، وتغيّر اللقب الملكي من “ملك سبأ” إلى “ملك سبأ وذي ريدان”، في تعبير يعكس استمرار الدولة، وقدرتها على التكيّف مع التحولات الاقتصادية الجديدة.
بقايا حصن ظفار في يريم بمحافظة إب وسط اليمن
تتوافق هذه التحولات مع ما ورد في النقوش المسندية، حيث تُنسب السلالة الحاكمة إلى حمير، ويُعتمد لقب رسمي جديد هو “ملوك سبأ وذي ريدان”. في هذه المرحلة التأريخية تبرز مدينة ظفار كعاصمة فعلية للدولة، تتولى إدارة الموارد وربط المناطق الجغرافية، وتؤدي دورًا مهمًا في حماية الطريق التجاري الجديد الذي يربط بين الهضبة والساحل والداخل.
في القرن الثالث الميلادي، برز الملك شمر يهرعش (حوالي 275م) كمؤسس لفكرة “الدولة المركزية” في اليمن، حيث عمل على توحيد المناطق المختلفة، وإنهاء الصراعات الداخلية المدعومة بالتدخلات الخارجية. كما وسّع اللقب الملكي ليصبح “ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت”، في خطوة تعكس توسع الدولة سياسيًا وجغرافيًا. وبعده جاء الملك أبو كرب أسعد، المعروف بأسعد الكامل، ليعزز شبكة المصالح، ويؤمّن الطرق التجارية، ويوازن بين نفوذ الإمبراطوريتين الكبيرتين آنذاك: الروم والفرس.
وكان اليمن هدفًا استراتيجيًا تتنافس عليه القوى الكبرى، مما وضع التبابعة في قلب الصراعات، ومنح مدينة إب دورًا مركزيًا في إدارة شؤون الدولة بفضل موقعها في الهضبة على أطراف شبكة الأودية، إذ أصبحت مركزًا لتنظيم مياه الأمطار، والري، والتخزين، والطرق، وتحولت جغرافيتها إلى أداة سياسية فعالة.
عندما ضعفت الدولة، دخلت جيوش الحبشة اليمن عام 525م بدعم من الإمبراطورية البيزنطية، ثم جاء كسرى الثاني عام 598م وأطاح بالحكم الحبشي وعيّن واليًا فارسيًا، وبين هاتين القوتين عاش اليمنيون فترة من الألم والمعاناة استمرت حتى دخول الإسلام وبدأ تأريخ جديد، واستعادت مدينة إب مكانتها العلمية والدينية، من خلال شبكة من المساجد والمدارس والطرق التي نشرت العلم والفقه في مختلف المناطق.
المناطق التأريخية القديمة
إب ليست مجرد محافظة في التقسم الإداري الحديث، بل كتاب مفتوح لعصور متعاقبة، من ظفار التي مثّلت عنوان السيادة ومركز السلطة، إلى منكث حيث يقترن الماء بالحكمة، وتتكامل الطبيعة مع المعمار، وفي بيت الأشول، تتحول واجهات البيوت إلى نصوص مسندية تنطق بتاريخ العاصمة القديمة.
في يريم، تتجاور القلعة والسوق في مشهد يعكس توازن القوة والتجارة، بينما تكشف ذو رعين عن عبقرية هندسة الماء، وديناميات العيش في تضاريس الهضبة. وعلى طريق سمارة، تقف القلعة شامخة، شاهدة على تجاذب الإمبراطوريات وجغرافيا الدفاع. أما بعدان، فحصونها المنيعة تسرد قصة التبابعة. نورد موجزاً عن هذه المناطق كالتالي:
مدينة ظفار التأريخية
مدينة ظفار التاريخية كانت عاصمة الدولة الحميرية بين عامي 115 قبل الميلاد و527 بعد الميلاد، وأظهرت المصادر اليونانية والرومانية مخططًا لمدينة ظفار، وورد اسمها في تلك “زفار”. أما المؤرخ اليمني أبو محمد الحسن الهمداني، الذي عاش في القرن الرابع الهجري، فقد أفرد لها وصفًا مفصلًا في كتابه الإكليل، متغنيًا بأثرها، ومحدّدًا موقعها بدقة.
ذكر الهمداني أن لظفار حمير (يحصب) تسعة أبواب هي: باب ولا، باب الإسلاف، باب خرفة، باب صيد، باب مآوه، باب هدوان، باب خبان، باب حوره، وباب الحقل. ويُعد باب الحقل أبرز هذه الأبواب، إذ كان مزوّدًا بأجراس تُصدر رنينًا يُسمع من مكان بعيد عند فتحه أو إغلاقه، كما كان محصنًا بسور كبير يحيط بالمنطقة؛ ما يعكس أهمية المدينة في التنظيم والدفاع.
في مدينة ظفار، تتجلّى لغة المسند منقوشة على الصخور، تحمل ألقاب الملوك، وتوثّق طقوس الدولة، وتزيّن المعمار بذائقة فنية راقية. لقد شكّل انتقال مركز الحكم من سلحين في مأرب إلى ذي ريدان في ظفار نقطة تحول استراتيجية؛ فلم تعد الشرعية محصورة في معبد واحد، بل توسّعت لتعبّر عن دولة تنسق بين الرموز الدينية والمصالح السياسية.
اليوم، تحتاج ظفار إلى مشروع إنقاذ يليق بمكانتها التاريخية؛ يشمل حفريات علمية، وترميمًا دقيقًا للمداخل والأسوار، وتوثيقًا ثلاثي الأبعاد، ومسارات تعريف باللغتين، إلى جانب مركز زوار يعيد سرد تاريخها بروح معاصرة.
قرية منكث
على الطريق المؤدي إلى ظفار، تقع قرية منكث وسط مدرجات زراعية خضراء، تسقيها مياه غيل دروان الجاري على مدار العام. في هذا المشهد الطبيعي، تتجاور السدود المنحوتة في الصخور مع الحصون التاريخية، مثل حصن دروان وحصن منكث الذي أعاد العثمانيون استخدامه خلال حكمهم الأول.
وفي وسط القرية يوجد جامع بناه الشيخ الهادي بن حسين عام 583هجرية، يوجد فيه 22 عمودًا حجريًا، وأحجارٌ مصقولة جُلبت من ظفار وقصر ذي ريدان، وعليها نقوش ورسوم بخط المسند. هذا الجامع لا يقتصر على دوره الديني حاليا، بل يعد معرضاً مفتوحاً يكشف جزءاً من ذاكرة الدولة التأريخية التي مرت على ظفار.
حصن “علي ولد زايد” صاحب الحكمة الزراعية في التراث الشعبي بقرية منكث في يريم (محمد راجح)
ويوجد في القرية حصن “علي ولد زايد” الحكيم الشعبي وترجمان النجوم الزراعية الشهير في اليمن، حيث يرى مؤرخون أنه ولد في قرية “منكث”، ويرجح باحثون أنه عاش في القرن الثاني عشر هجري (الثامن ميلادي)، والذي يعرف بالحكم والأمثال الشعبية في اليمن.
ويصفه المؤرخ والشاعر اليمني عبدالله البردوني (1929 -1999)، بأنه كل الشعب اليمني، وأن زمانه هو كل الأزمان، كما أن قريته هي كل القرى، لأنه عبَّر بكل لهجات الكل، ولا يعبر بلهجات كل الشعب إلا كل الشعب، على أن الحكايات التي أنطقت (علي بن زايد) هي بعض يوميات الناس.
بيت الأشول
تقع قرية بيت الأشول جنوب شرق ظفار، حيث بنيت منازلهم باستخدام أحجار أثرية جُلبت من العاصمة القديمة. واجهات عالية منقوشة، وصور محفورة جعلت من القرية متحفًا مفتوحًا يعكس جزءًا من هيبة ظفار التاريخية.
مجرد تأمل واجهة واحدة يكشف كيف انتقلت الرموز من مركز الدولة إلى أطرافها، وكيف تحولت عناصر البناء إلى ذاكرة اجتماعية تحفظ ملامح الماضي وتروي حكاياته.
يَرِيم التأريخية (أكام المرايم)
تمتد يريم الأثرية بما تبقّى من معالمها التاريخية، مثل حصن المرايم وبقايا السور القديم، وأبوابها الشهيرة: باب المناخ، باب قرية اليهود، والباب الصغير. وقد وصفها الرحالة كارستن نيبور في القرن الثامن عشر بأنها محطة رئيسية على طريق القوافل المتجهة نحو الهضبة الشمالية في اليمن.
ووسط المدينة القديمة تتربع قلعة المناخ المحصنة، التي لا يُمكن الوصول إليها إلا عبر درج مموّه، وقد أعاد العثمانيون ترميمها خلال حكمهم الأول. وتحيط بها جبال أثرية بارزة مثل جبل أرياب وجبل بني الحَرَثي، مما يمنح المدينة طابعًا تاريخيًا فريدًا يحكي قصة التحصين في الجغرافيا اليمنية.
مدينة يريم التأريخية في إب وسط اليمن (عمار الدبيس)
ذي رعين وجبل الماس
بالقرب من مدينة يريم، تتجاور منطقة ذي رعين مع جبل الماس، حيث تنتشر آثار هندسية مدهشة من حضارة اليمن القديم. هناك سدود حجرية، وصهاريج لتخزين المياه، ونفقان منحوتان داخل الجبل، وأيضا يوجد بقايا منشآت معمارية تحتاج إلى دراسة وتنقيب وحماية جادة من العبث.
هذه المنشآت ليست مجرد بنى خدمية، بل تمثل شهادة حيّة على براعة اليمنيين في هندسة المياه، في حضارة جعلت من الري أساسًا للعمران. فقد أنشأوا منظومات دقيقة لتجميع المياه وتمريرها وتوزيعها، بما يتناسب مع تضاريس المنطقة الوعرة ويخدم احتياجاتها الزراعية والمعيشية.
طريق وقلعة سمارة التأريخية
يرتفع طريق سمارة إلى نحو 2500 متر فوق سطح البحر، وتكشف منعطفاته، خاصة عند منطقتي البخاري وحليل، مشاهد بانورامية خلابة للأودية الغربية. وعلى هذا الطريق تقع قلعة سمارة، المعروفة شعبيًا باسم “عنق الغزال”، وهي معلم دفاعي استراتيجي استخدمه العثمانيون كمركز رئيسي خلال حكمهم الأول للمنطقة.
تتميّز القلعة بموقعها الذي يتيح مراقبة الطرق والإشراف على المناطق المحيطة، مما منحها أهمية عسكرية وتاريخية. وفي العام 2023 انهار جزء من سور “قلعة سُمارة” التي تعاني من الإهمال رغم عراقتها حيث يعود تاريخها إلى القرن الرابع هجري.
قلعة سمارة تقع في يريم على الطريق الرابط بين صنعاء وإب (حمزة العبسي)
تحتاج القلعة إلى اهتمام وترميم حيث ممكن أن تكون إمكانات سياحية واعدة؛ إذ يمكن تأهيلها لتكون منصة لتصوير المناظر الطبيعية، وموقعًا مثاليًا لرياضات المشي والطيران الشراعي، تجمع بين عبق التاريخ وجمال الطبيعة.
مسار يريم ـ القَفْر
على بُعد نحو 18 كيلومترًا غرب يريم، تبرز قرية النزهة، وفيها جبل (جرف) الملك أسعد الكامل، وهو موقع أثري غامض يثير التساؤلات حول دور المواقع الصخرية في الطقوس الدينية والتحصين العسكري. وعلى امتداد الطريق نحو مديرية القفر، تمرّ بقرى جبلية خلابة مثل إِريان وقرى جبل بني مسلم، التي ترتفع حتى 3000 متر فوق سطح البحر.
في هذه المناطق، تتوزع حصون مثل حصن إِريان وحصن علّان، المشرفَين على الأودية الزراعية الخصبة، في مشهد يجمع بين عبقرية التحصين العسكري وفن التدرج الزراعي، ويعكس قدرة الإنسان اليمني على التكيّف مع تضاريسه، وبناء منظومات متكاملة للحماية والإنتاج.
جبال وحصون بعدان
إلى الشرق من مدينة إب، تمتد سلسلة جبال بعدان، أحد أشهر جبال اليمن وأكثرها خصوبة، ويُنسب سكانها إلى بعدان بن جشم بن الهميسع، فيما يتكرر ذكر الاسم القديم “ذات بعدان” في النقوش المسندية بمعنى “إلهة الشمس”، وعلى قمم الجبال وسفوحها تنتشر قرى عتيقة ومدرجات زراعية خلابة، تعكس تكيّف الإنسان مع الطبيعة.
ويعلو المنطقة حصن “حُب”، أحد أمنع حصون اليمن، إلى جانب حصن المنار، وكلاهما يقف شامخًا كحارسين على مر العصور. وتعاقبت على هذه القلاع دول منذ أكثر من 2700 عام، وما تزال بعض عناصرها المعمارية قائمة حتى اليوم، لتقدّم مادة حيّة لفهم كيف استُخدمت الهضبة في الدفاع، وكيف تحوّلت إلى رمز من رموز السلطة، ومسرحٍ للتعبئة السياسية والروحية.
حصون العود
جنوب شرق إب، مرورًا بمخلاف العود ووادي بنا، كانت تسلك القوافل طرقًا تؤدي إلى السواحل والمرافئ مثل عدن وموزع. وعلى امتداد هذه الطرق التأريخية أنشئت قلاع ورباطات لتأمين حركة التجارة وحماية الشحنات، بتصاميم معمارية بسيطة في زخرفتها، لكنها بالغة الأثر في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي.
ورغم تهدّم كثير من هذه المنشآت، ما تزال آثارها قائمة، تشكّل علامات يستدل بها الباحثون على خطوط العبور القديمة، وتقدّم مادة مهمة لفهم البنية التحتية للتجارة في اليمن التاريخي، وتكشف هذه الإنشاءات حالة وعي تأريخي بالأمن، حيث لا تزدهر الزراعة ولا ينمو السوق دون أمن.
السماسر وفنّ الضيافة التجارية
كانت السماسر بمثابة فنادق للقوافل ومنصات خدمية متكاملة؛ تضم مخازن للبضائع، وإيواء للدواب، وغرفًا للتجار، وساحات للوساطة والبيع. ومن موزع وعدن إلى يريم وبعدان والعود، شكّلت هذه المنشآت شبكة مترابطة كانت بمثابة العمود الفقري للدورة الاقتصادية في اليمن قديماً.
ورغم اندثار كثير منها، ما تزال بقايا الأعتاب والأقواس والحجارة المنحوتة شاهدة تكفي لرسم طبوغرافيا العبور في العصر القديم؛ حيث كانت فيه ضريبة الطريق جزءًا من اقتصاد الدولة، وأمن المسالك شرطًا لازدهار التجارة والزراعة.
وبالإضافة إلى ذلك لتعزيز الأمن، كان نموذج مدينة إب القديمة المسوّرة ببوابات محدودة سائدًا في حواضر الهضبة اليمنية، حيث يتم بناء سور يحيط بالمكان؛ أبراج للمراقبة، وبوابات تنظم الدخول والخروج وتؤمّن الجباية والضبط، وتحمي السماسر التي توفر الضيافة للمسافرين التجار.
هذا النمط الدفاعي والاقتصادي انعكس بوضوح في يريم ومحيطها، كما في قرى العتبات الجبلية، حيث يتجاور السوق مع المسجد والسماسر (أماكن خدمة المسافرين)، لتشكّل معًا ثلاثية عمرانية تعبّر عن روح المدينة في الهضبة: الأمن، العبادة، والتبادل التجاري.
كيف يمكن إحياء المعالم التأريخية واستثمارها؟
لتحويل هذا الإرث إلى قيمة معاصرة، ثمة حزمة إجراءاتٍ عملية يمكن للسلطات أن تقوم بها للحفاظ على هذا الإرث التاريخي، وجعلها مناطق جذب سياحي يمكن أن تخلق تنمية:
حفريات علمية منهجية تشرف عليها فرق وطنية بالشراكة مع بعثاتٍ دولية؛ تُعيد بناء التسلسل الزمني، وتُخرج الطبقات بحساسية عالية.
ترميمٌ عاجل للبوابات والأسوار والزخارف مع اعتماد طرق إرواء حجرية تحمي النقوش من التآكل.
مسارات زيارة متدرجة وواضحة بعناوين ثنائية اللغة، تبدأ بـ ظفار ثم منكث وبيت الأشول فـ يريم وذي رعين، مع نقاط ظلّ واستراحات.
إنشاء مركز زائرين في مركز ظفار لما يخص التأريخ في إب مثلا، يوفّر خرائط ونماذج ومكتبة مصادر.
حماية قانونية ومراقبة تُجرّم النبش والتهريب، وتُفعِّل رقابة مجتمعية عبر تمكين الأهالي كحُرّاس للذاكرة.
تدريب مرشدين محليين على السرد التاريخي باحتراف، وعلى مهارات التفسير الموقعي وإدارة الزوار.
سياحة بحثية تستقطب طلاب الآثار والتاريخ المعماري، وتوفّر دخلا وخبرة، وتُخرج جيل حفّارين يمنيين.
هذه التدابير ليست ترفا ثقافيا، بل مشروع تنمية؛ حيث إن كل حجرٍ مُستعاد يعني فرصة عملٍ، وكل نقشٍ مُرمم يعني حرفة تعود، وكل مسار زيارة منظم يعني دخلا للمجتمع.
في الجزء الثاني، سنتناول جبلة وإب القديمة بتفصيل معماري وروحي يليق بمكانتهما في الوجدان اليمني. أما الجزء الثالث، فسيأخذنا إلى الجبال والمناظر الطبيعية ومسارات المشاهدة، بانسيابية تجمع بين سرد الجغرافيا وفنّ الرحلة.
المصادر:
– الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن، حسين بن فيض الله الهمداني – الطبعة الثالثة، 1986م.
– هذه هي اليمن.. الأرض والإنسان والتاريخ، عبد الله الثور – دار العودة، بيروت.
– الملكة سيدة بنت أحمد الصليحي، إيمان ناجي سعيد المقطري- مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 2004م.
– الهيئة العامة للتنمية السياحية صنعاء – نتائج المسح السياحي للفترة 1996–1999م.
– هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية، صنعاء – الطبعة الأولى، 2003م.
– موسوعة أعلام اليمن – عبد الولي الشميري
– حمير بين الخبر والأثر، يوسف محمد عبد الله – مجلة دراسات يمنية، العدد 42، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 1990م.
وثّق المصور المؤيد بن أحمد السامدي المدرجات الزراعية شديدة الانحدار في قرية الكبة سامد، عزلة اليمانية، مديرية الجعفرية بمحافظة ريمة، لتظهر براعة الإنسان اليمني في تحويل التضاريس الوعرة إلى مساحات زراعية مستدامة منذ القدم.
أظهرت إحدى الصور الملتقطة من الأعلى الانحدار الشديد للمدرجات المزروعة بأشجار البن ومحاصيل أخرى، إلى جانب الطريق الرئيسي، كما تبرز المنازل المعلقة فوق المدرجات والطرق المتعرجة والجدران الحجرية المتناغمة مع المنحدرات، في مشهد يجمع بين الطبيعة والبناء البشري بتناغم فريد. ولفت الناشط السياحي فهد إسماعيل الأنباري إلى أن الانحدار الفعلي للطريق أقل مما تبدو عليه الصورة، موضحاً تأثير زاوية الالتقاط على الانطباع البصري، وأرفق صوراً أخرى لتوضيح ذلك.
وتعد محافظة ريمة من أبرز محافظات غرب اليمن التي تحتضن المدرجات الزراعية التاريخية، والتي تنتشر في مختلف مديرياتها، وقد أقيمت هذه المدرجات منذ القدم للاستفادة من مياه الأمطار الموسمية، وحماية التربة من الانجراف، خصوصاً في المناطق شحيحة الموارد المائية، كما مكنت التصميمات الهندسية الدقيقة من استغلال الأراضي الصخرية والمنحدرات، ما ساهم في الحفاظ على الأراضي الزراعية لعدة قرون.
ويستفيد السكان المحليون من هذه المدرجات في زراعة الحبوب والخضروات والفواكه والقهوة، بما يدعم الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي، ويسهم في حماية الموارد المائية وتحسين خصوبة التربة وتعزيز التنوع البيولوجي والحيواني في الجبال.
وتمتد المدرجات اليمنية التاريخية عبر محافظات جبلية عدة أبرزها إب، المحويت، صنعاء، حجة، ريمة وتعز، صنعاء، البيضاء، ذمار، لضالع، ويعود تاريخها إلى آلاف السنين منذ عهد سبأ وما قبل الميلاد. وتعرف محلياً بأسماء مثل المصاطب، الجرف أو الجلّ، العصاب، وتشكل إرثاً زراعياً حياً يعكس مهارة الإنسان اليمني وتاريخه الزراعي العريق، كما تمثل مصدر دخل رئيسياً للسكان الريفيين.
وحظيت هذه المدرجات بالاعتراف الدولي، إذ أدرجت 26 موقعاً تراثياً وثقافياً وطبيعياً على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو، من بينها هذه المدرجات، وفق ما ذكره سفير اليمن في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو) محمد جميح في يونيو الماضي، مما يعكس قيمتها التاريخية والثقافية على المستوى العالمي.