«يا هارب من الموت ماحد من الموت ناجي ويا هارب من الجوع اهرب سحول ابن ناجي» بهذا المثل الشعبي لخص اليمنيون أهمية وادي السحول في محافظة إب وسط اليمن، والذي يعد أحد أشهر الأودية الزراعية الخصبة، وكان ينتج محاصيل وفيره، حتى صار اسمه مرادفا للبركة والاكتفاء.
وقال المهندس الزراعي المهتم بالتنمية الريفية، هلال الجشاري “ان وادي سحول بن ناجي كان يُعرف بـ”أرض العطاء” ومضرب للمثل في الأمن الغذائي بزراعة الحبوب، لكنه اليوم للأسف تحول إلى سهل أسود بسبب انتشار زراعة القات”.
وأضاف في مقابلة مع منصة “ريف اليمن”، “ان التوسع العمراني العشوائي الذي التهم الأراضي الزراعية الخصبة، وهذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم عوامل اقتصادية واجتماعية وبيئية متشابكة على مدى عقود”.
يقع “السحول” شمال مدينة إب (وسط اليمن) ويمتد على أطراف مديريات “ريف إب، حبيش، المخادر”، وهو مخلاف واسع خصب يشمل الحقول والوديان والهضاب المحيطة، وتنتشر المدرجات الزراعية المرتبة على السفوح الجبلية، مما يمنح المنطقة منظراً جميلاً ومتدرجاً في الزراعة.
ودعا الجشاري “لإنقاذ الزراعة التي تعد العمود الفقري لأمننا الغذائي، وحماية ما تبقى الآراضي الزراعية”، مضيفاً “لم يعد ذلك خياراً بل هو ضرورة وجود حيث بات المزارعون يدركون تراجع الجدوى الاقتصادية لزراعة القات”.
وحول أسباب التحول الذي شهده وادي السحول وتداعياته الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، أجرينا هذه المقابلة مع المهندس الزراعي المهتم بالتنمية الريفية “هلال مطير الجشاري” ونترككم مع نص المقابلة.

• بداية، كيف تصف واقع وادي سحول بن ناجي اليوم مقارنة بماضيه الزراعي؟
سابقا كان وادي سحول بن ناجي يُعرف بـ”أرض العطاء” ومضرب المثل في الأمن الغذائي بزراعة الحبوب، لكنه اليوم – للأسف – تحول إلى سهل أسود بسبب انتشار زراعة القات والتوسع العمراني العشوائي الذي التهم الأراضي الزراعية الخصبة، وهذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم عوامل اقتصادية واجتماعية وبيئية متشابكة على مدى عقود.
• برأيك ما أبرز الأسباب التي دفعت المزارعين إلى استبدال زراعة الحبوب والفواكه بالقات؟
هناك عدة أسباب أبرزها العائد المادي المرتفع والسريع للقات، فهو محصول نقدي يدر دخلا ثابتا طوال العام يمكنهم من تلبية احتياجاتهم الأساسية وتحسين مستوى معيشتهم، على عكس الحبوب والفواكه التي تُزرع في مواسم محددة، وتتطلب وقتًا طويلًا حتى تُثمر.
كما أن شجرة القات تتحمل الظروف المناخية الصعبة، وتقاوم الآفات والأمراض بشكل أفضل من المحاصيل التقليدية؛ مما يجعلها خيارًا مغريًا للمزارعين في ظل غياب الدعم الحكومي والبدائل الاقتصادية.
ولا ننسى أن الطلب المتزايد على القات في السوق المحلية جعله محصولا مضمون التسويق، فهو جزء من العادات الاجتماعية اليومية لنسبة كبيرة من اليمنيين، في حين تواجه الحبوب والخضروات تقلبات في الأسعار وارتفاعا في تكاليف الإنتاج بسبب ضعف البحث الزراعي، وعدم توفر بذور محسنة عالية الإنتاجية.
• ما أبرز المخاطر الاقتصادية الناجمة عن استمرار هذا التحول الزراعي؟
الخطر الأكبر هو ضرب الأمن الغذائي الوطني، فالتوسع في زراعة القات على حساب المحاصيل الغذائية الأساسية يجعل اليمن أكثر اعتمادا على الواردات لتغطية احتياجاتها من القمح والحبوب، ويجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
كما يؤدي ذلك إلى هدر الموارد المالية، إذ ينفق اليمنيون مبالغ طائلة يوميا على شراء القات، وهي أموال يمكن استثمارها في القطاعات الإنتاجية الأخرى؛ مما يؤثر سلبا على الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى ذلك، تسبب زراعة القات في تراجع الإنتاجية العامة للمجتمع، لأن مضغه يستهلك ساعات طويلة من وقت الأيدي العاملة؛ ما يقلل من كفاءة العمل في القطاعات الإنتاجية الأخرى.
الجشاري: التوسع في زراعة القات على حساب المحاصيل الغذائية يجعل اليمن أكثر اعتمادا على الواردات
• من الناحية البيئية، ما الذي تسببه زراعة القات لوادي السحول خاصة ولليمن عامة؟
المخاطر والتداعيات على مستوى البيئة والمياه الجوفية كبيرة، وزراعة القات تتطلب كميات هائلة من المياه، وتشير الدراسات إلى أنها تستهلك أكثر من 40% من المياه الجوفية في اليمن، ما يؤدي إلى انخفاض حاد في منسوب المياه وتهديد مباشر للأمن المائي، وبحسب تحليل سلسلة قيمة البن والقات في اليمن الذي أعدّه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تستهلك نبتة القات ثلث المياه الجوفية.
كما أن المزارعين يستخدمون كميات ضخمة من المبيدات والأسمدة الكيميائية؛ مما يؤدي إلى تلوث التربة والمياه وتدهور خصوبة الأرض على المدى الطويل، ويمتد تأثيرها المباشر على صحة الإنسان والحيوان، كل ذلك يجعل زراعة القات كارثة بيئية صامتة تهدد مستقبل الزراعة في وادي السحول، وتجعل الأرض غير صالحة لزراعة أي محاصيل بديلة مستقبلا إذا استمر الحال على ما هو عليه.
• هل هناك بدائل عملية يمكن للمزارعين اتباعها بدلا من زراعة القات؟
نعم، هناك خيارات واقعية وواعدة؛ يمكن للمزارعين الاتجاه نحو الزراعات البديلة المستدامة التي توفر دخلا جيدا دون تدمير مستقبل الأجيال باستنزاف الموارد، ويمكنهم التوجه لزراعة محاصيل الحبوب والمحاصيل النقدية مثل البن، والاهتمام بالزراعات ذات الجدوى الاقتصادية مثل الفواكه والخضروات التي يمكن تسويقها محليا ودوليا.
كذلك يمكن تشجيعهم على استخدام تقنيات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط لتقليل استهلاك المياه، ومن خلالكم أدعو إلى إطلاق حملات توعية مجتمعية بمخاطر القات الاقتصادية والبيئية والصحية، وتوجيه الأموال المنفقة عليه نحو الاستثمار في مشاريع تنموية أو احتياجات الأسر الأساسية.
• ما الدور المطلوب من الدولة لمواجهة هذا التدهور؟
يجب على الدولة وضع استراتيجية وطنية شاملة للحد من زراعة القات ومكافحته خصوصا في القيعان والوديان الزراعية؛ من خلال تقديم حوافز مالية وقروض ميسرة للمزارعين الذين يتجهون للزراعات البديلة، وتوفير الدعم الفني والتقني، وتفعيل الإرشاد والتدريب الزراعي والسعي، لزيادة إنتاجية المحاصيل الأخرى.
أيضا يجب تشجيع ودعم إدخال تقنيات الري الحديثة والموفرة للمياه، وتفعيل الجمعيات التعاونية والمبادرات المجتمعية، وتشجيع عمل الاتفاقيات والعهود القبلية المنظمة، ووضع قوانين صارمة للحد من التوسع في زراعة القات والتوسع العمراني، خصوصا في المناطق الخصبة بالقيعان والوديان الزراعية.
• هناك من يرى أن الزحف العمراني يمثل خطرا إضافيا على الأراضي الزراعية، ما رأيك؟
هذا صحيح تماما، فالزحف العمراني في سهل سحول بن ناجي يمثل تحديًا موازيا لزحف القات، لأن أراضي الوادي معروفة بخصوبتها العالية وقدرتها على إنتاج محاصيل متعددة خلال السنة الواحدة، لكنها الآن تستبدل بالمباني والعقارات؛ ما يؤدي إلى تلوث بيئي ناتج عن الصرف الصحي غير المعالج، والمخلفات الصلبة؛ مما يؤثر على جودة التربة والمياه.
كما أن هذا التوسع يتسبب في مشاكل اجتماعية واقتصادية؛ حيث يفضل الكثير من السكان البناء وتأجير العقارات بدلا من العمل في الزراعة؛ مما يقلل من القوة العاملة في هذا القطاع الحيوي.
الجشاري: على الدولة تقديم حوافز مالية وقروض ميسرة للمزارعين للتوجه نحو زراعة المحاصيل البديلة
• كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة؟
مواجهة هذه الظاهرة يتم عبر اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة من خلال تطبيق قوانين صارمة تجرم البناء على الأراضي الزراعية الخصبة، وتشجيع البناء العمودي بدلا من التوسع الأفقي على حساب الأراضي الزراعية، وتشجيع البناء العمودي في المناطق المخصصة لذلك، أيضا من خلال رفع وعي المجتمع بمخاطر الزحف العمراني وتأثيره على الأمن الغذائي والبيئي للأجيال القادمة.
• كلمة أخيرة؟
دعوة لإنقاذ عمود الأمن الغذائي، فالزراعة هي العمود الفقري لأمننا الغذائي، وحماية ما تبقى من أراضينا الزراعية لم يعد خياراً، بل هو ضرورة وجود حيث بات المزارعون يدركون تراجع الجدوى الاقتصادية لزراعة القات، وهناك استعداد مجتمعي حقيقي للعودة إلى الزراعة التقليدية المثمرة، وخصوصا إذا توفر الدعم اللازم، سنتمكن من إعادة بناء هذا القطاع، لكن الأهم من كل شيء علينا أن نعيد الثقة بين الإنسان وأرضه قبل أن يجف ما تبقى من ماء في باطنها.




























