الجمعة, فبراير 20, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 24

مهرجان خيرات اليمن.. مساحة لإبراز إبداعات المجتمع

في ساحة تملؤها روائح البن والعسل والبهارات اليمنية، امتدت أجنحة مهرجان خيرات اليمن الثاني، لتحكي كل زاوية فيها قصة كفاح ونجاح وريادة، فهناك نساء يروجن منتجاتهن بابتسامات واثقة، وشباب يعرضون مشاريعهم الناشئة بحماس، وأطفال يركضون بين الأركان يكتشفون مذاقات اليمن المتنوعة من جديد.

المهرجان الذي انطلق في الرابع وحتى التاسع من أكتوبر الجاري في صنعاء، وشارك فيه 248 مشروعًا، تحول إلى مساحة تنبض بالحياة والآمال، حيث التقى المزارعون والمنتجون ليس فقط للبيع، بل لإبراز روح المجتمع اليمني وقدرته على الاعتماد على ذاته.


   مواضيع مقترحة


المرأة والريادة

في ركنٍ تعبق منه رائحة الورد والرمان والبخور، تقف “حنين الحرازي”، مؤسسة العلامة التجارية “رشة تكفيك”، لتروي تجربتها لـ”منصة ريف اليمن”، قائلة: “مشاركتي في مهرجان خيرات اليمن شكلت نقطة تحول في مسيرتي الريادية، ومنصة لإبراز قدرة المرأة اليمنية على الإبداع والمنافسة محليًا وعالميًا”.

وتؤكد الحرازي أن منتجاتها تُحضّر بنسبة 98% من مواد خام يمنية خالصة، مستوحاة من الطبيعة المحلية الغنية بروائح تهامة وصعدة وحضرموت وعدن، وتضيف: “منتجاتنا طبيعية بالكامل، نُصنّعها بعناية وجودة عالية، وهذا ما يمنحها تميزًا واستدامة”.

وترى أن المهرجان أتاح لها منصة للتعريف ببراندها وتسويق منتجها المحلي، وفتح آفاقًا جديدة أمام النساء الرياديات لإثبات حضورهن كشريكات فاعلات في التنمية الاقتصادية، مشيرة إلى أن المنتج اليمني قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، والمنافسة الخارجية متى ما توفرت له الرعاية الكافية.

وشددت الحرازي على أن مشاركة المرأة في مثل هذه الفعاليات تبرهن على دورها القيادي والإبداعي في تحويل الموارد المحلية إلى قصص نجاح تعبّر عن هوية اليمن، وتُعطر اسمه في الأسواق.

من فكرة إلى حركة إنتاجية

من جانبه، يقول “أشرف الوادعي”، صاحب متجر “سناكات”، إن المهرجان يمثل فكرة رائدة جمعت المشاريع المنتجة في مكان واحد، ما أتاح للمشاركين فرصة مميزة لعرض منتجاتهم، والتواصل المباشر مع الجمهور والمستهلكين، معتبرًا ذلك خطوة عملية نحو تنشيط الاقتصاد المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة والأصغر.

وأوضح الوادعي أن متجره يعمل في مجال الطب والحلويات، ويقوم بدور الوسيط بين الأسر المنتجة والعملاء من خلال تقديم خدمات التسويق وإدارة الصفحات الإلكترونية لتوسيع دائرة انتشار المنتجات المحلية وتعزيز حضورها في السوق، ويضيف: “نعمل كوسيط بين الأسر المنتجة والعملاء عبر التسويق وإدارة الصفحات الإلكترونية، بهدف توسيع انتشار المنتجات المحلية”.

ويشير إلى أن عدد المشاريع الصغيرة والأصغر المشاركة، والبالغ قرابة 50 مشروعًا، يشكل رافدًا اقتصاديًا واعدًا، وانطلاقة جديدة نحو تمكين المنتجين المحليين، متمنيًا ألا تتعثر هذه المبادرات الواعدة، وأن تحظى بالدعم والاستمرارية.

واتفق الحرازي والوادعي على أن مهرجان خيرات اليمن أصبح اليوم منصة وطنية واقتصادية متكاملة تكرّس ثقافة الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي، وتمنح الأسر المنتجة والمشاريع الصغيرة والرياديات اليمنيات مساحة واسعة للتعبير عن قدراتهن وإبداعهن في بناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام.

خيرات محلية

تُعد اليمن سلة غذاء متنوعة، وذلك أنها تحتضن أصنافا متعددة من الفواكه والثمار الفريدة ذات المذاق المميز والقيمة الغذائية الكبيرة، نظرا لتفاوت الخصائص المناخية، واختلاف الظروف الطبوغرافية، مما أدى إلى اختلاف الأقاليم النباتية، وساعد على تنوع الإنتاج، بحسب المركز الوطني للمعلومات.

رئيسة جمعية الارتقاء للتنمية الاجتماعية “هناء العلوي”، بدورها قالت إن مشاركتها في مهرجان خيرات اليمن تأتي من خلال أحد مشاريع الجمعية الرائدة “اكتفاء”، الذي تصفه بأنه رافد اقتصادي مهم يسعى لتعزيز التصنيع المحلي، وتحويل المنتجات الزراعية إلى سلع غذائية جاهزة تصل مباشرة إلى المستهلك.

وأوضحت العلوي لـ”منصة ريف اليمن”، أن مشروع اكتفاء يقوم على إنتاج عصائر طبيعية من الكركديه، المانجو، التفاح، البرتقال، الطماطم، والبسباس الذي يُستخدم في صناعة الشطة اليمنية، وجميعها منتجات طبيعية محلية، مشيرة إلى أن 80% من مدخلات الإنتاج تعتمد على المنتجات الزراعية اليمنية الخام.

وأضافت أن الهدف من إنشاء المشروع هو رفع الوعي المجتمعي بأهمية المشاريع الصغيرة وتشجيع الأفراد على تأسيس منشآت إنتاجية صغيرة قادرة على تحويل المحاصيل الزراعية إلى منتجات غذائية مصنّعة محليًا تُسهم في رفد الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل للشباب والنساء، بما يحد من مشكلة البطالة ويعزز الاعتماد على الذات بدلاً من المنتجات المستوردة.

وأكدت العلوي أن من بين أهداف المشروع أيضًا الحد من استهلاك المنتجات المستوردة والسعي لجعل اليمن بلدًا مصنّعًا ومكتفيًا ذاتيًا، مشيرة إلى أنها تطمح لأن يتحول السوق المحلي من مستهلكٍ ومستوردٍ إلى منتِجٍ ومصدّرٍ لمختلف المنتجات الزراعية اليمنية، لما تمتاز به من جودة عالية وتنوع فريد.

وتحدثت عن المخاطر المرتبطة بالمنتجات المستوردة، موضحة أن بعضها قد يكون تالفًا أو مخزنًا بطريقة غير صحيحة، مما يجعله غير صالح للاستهلاك عند وصوله إلى السوق المحلية، مؤكدة أن الاعتماد على المنتج المحلي أكثر أمانًا وجودة واستدامة.

وأضافت أن المهرجان هذا العام تميز أيضًا بمشاركة عدد من الشباب والمبادرات الشبابية، بينهم فنانون ورسّامون استعرضوا أعمالهم في أجنحة مخصصة لتعليم الفنون، ما أضفى على المهرجان طابعًا ثقافيًا وتنمويًا متكاملاً.

نحو اكتفاء زراعي 

مدير مكتب إدارة المهرجان “عبدالعظيم قحطان” قال إن مهرجان خيرات اليمن في موسمه الثاني يشكل حدثًا اقتصاديًا وزراعيًا مهمًا يعكس ثراء الإنتاج المحلي وتنوعه، ويجسد رؤية عملية لتعزيز الاقتصاد الوطني عبر دعم المنتجين المحليين والمشاريع الصغيرة.

وحول مشاركتها في المهرجان، أوضحت العلوي أنها تشارك للمرة الثانية في مهرجان خيرات اليمن، الذي تعتبره حاضنة كبيرة للمشاريع الصغيرة والأصغر، ولكل المشاريع الصناعية والزراعية والجمعيات التنموية، نظرًا لدوره البارز في إبراز خيرات اليمن بمختلف أنواعها.

وأوضح قحطان خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أن المهرجان، الذي ينظمه مكتب الزراعة ووحدة تمويل المشاريع والمبادرات الزراعية والسمكية، شهد هذا العام مشاركة 248 مشروعًا توزعت بين 180 بوتًا لمشاريع متنوعة تشمل الفواكه، التمور، العسل، البن، والمشتقات الزراعية الأخرى، إلى جانب 45 بوتًا للمشاريع الصغيرة والأصغر، و23 بوتًا خصصت للأسر المنتجة التي تمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد المجتمعي.

وأشار إلى أن هذا الزخم في المشاركة يعكس حيوية القطاع الزراعي اليمني رغم التحديات، ويؤكد قدرة المنتجين المحليين على المنافسة وتطوير سلاسل القيمة في السوق المحلية. كما اعتبر أن المهرجان منصة اقتصادية متكاملة تهدف إلى توسيع دائرة التسويق للمنتجات الوطنية، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الزراعية والحرفية، إلى جانب خلق بيئة تفاعلية بين المنتجين والمستهلكين والمؤسسات التمويلية.

وأكد قحطان أن مثل هذه الفعاليات تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد الريفي وتعزيز الثقة بالمنتج اليمني، داعيًا إلى استدامة مثل هذه المبادرات كونها تمثل خطوة فاعلة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو اقتصاد إنتاجي مستدام ينهض بالقطاع الزراعي كأحد أهم ركائز التنمية في اليمن.

المتحف الوطني في صنعاء

المتحف الوطني في صنعاء

في قلب صنعاء، وتحديداً بميدان التحرير، يقف المتحف الوطني اليمني كصرح حضاري يحفظ بين جدرانه تاريخ اليمن العريق؛ إذ تأسس عام 1971 ليكون أول متحف وطني للجمهورية بعد ثورة 26 سبتمبر، محتضناً نحو 75 ألف قطعة أثرية تشمل المنحوتات والفخاريات والأقمشة المطرزة وأدوات الملاحة والأسلحة القديمة، في رحلة تروي سيرة اليمن من العصور القديمة حتى العصر الحديث.

انتقل المتحف من مقره السابق في دار الشكر – الذي تحوّل منذ عام 1993 إلى متحف للتراث الشعبي – إلى مقره الحالي في دار السعادة، ليواصل دوره في توثيق التراث اليمني وحمايته من الاندثار عبر إتاحته للجمهور.

وبسبب الحرب والأحداث المتتالية أغلق المتحف أبوابه وتوقفت الزيارات لأكثر من 13 عاماً، قبل أن يُعاد افتتاحه في أبريل 2024، ليعود من جديد نافذة فريدة للتعرّف على الإرث الثقافي والتاريخي اليمني.

في العاشر من سبتمبر 2025 تعرّضت بعض مقتنيات المتحف وأجزاء من نوافذه وهيكله لأضرار نتيجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت صحيفة “26 سبتمبر” في ميدان التحرير وسط صنعاء.

فيما يلي صور وثقتها ونشرتها بثينة محمد على حسابها في فيسبوك، وأخرى التقطها آيمن محرم، توثق جانبا من جمال المكان وتفاصيل مقتنياته من زوايا متعددة، لتكشف الروح الحية للقطع الأثرية وتشجع الزوار على استكشاف قصصها وحضارتها.


الريف اليمني.. الغائب الأكبر في أجندة الإعلام المحلي

في الوقت الذي يشكل فيه الريف اليمني نحو 70% من سكان اليمن لا يزال حضوره في وسائل الإعلام المحلية باهتًا، ولا يتجاوز حدود التغطيات الموسمية أو الكوارث الطبيعية، فالإعلام بمختلف وسائله نادرًا ما يتوجه بعدساته وأقلامه نحو الأطراف التي تختزن حياة كاملة مليئة بالتحديات الزراعية، التعليمية، الصحية والبيئية.

وبينما يعيش سكان الريف واقعًا متجددًا من المعاناة اليومية، تبقى قضاياهم حبيسة الصمت الإعلامي، أو تمر مرور الكرام في نشرات الأخبار والتقارير العامة؛ ما يجعل الحديث عن الريف في الإعلام المحلي ضرورة مهنية وإنسانية، تستدعي مراجعة عميقة لدور الإعلام في التنمية والتوعية والتعبير عن الفئات المهمشة.

تغطية محدودة

يقول الدكتور “عبدالعالم السبئي”، مدير مكتب التربية والتعليم بمديرية مشرعة وحدنان في تعز، إن التغطية الإعلامية لقضايا الريف محدودة، وغالبًا ما تتركز على الأحداث الكبيرة أو الرسمية دون التعمق في التحديات اليومية للقضايا التربوية والصحية والزراعية، وغالبًا ما تُقدَّم هذه القضايا بتقارير عامة لا تُترجم إلى حملات توعية أو دعم فعلي في المناطق النائية.


    مواضيع مقترحة

وأضاف السبئي خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”: “للأسف، الإعلام المحلي نادراً ما يصل إلينا بشكل فعّال أو منتظم، رغم حاجة الريف لبرامج إعلامية تحشد الدعم وتطرح حلولاً واقعية، خصوصًا لمعاناة المعلمين، وانقطاع الطالبات عن التعليم، وافتقار المرافق الصحية، وسوء الخدمات، وغياب الإرشاد الزراعي، إلى جانب قصص النجاح الريفية التي تستحق أن تُروى وتُلهم”.

أول منصة متخصصة

في هذا السياق، يقول مدير تحرير “منصة ريف اليمن”، عماد المشرع، إن المنصة تعطي الريف اليمني وسكانه كل اهتمامها الإعلامي منذ انطلاقتها، حيث تُعد أول وسيلة صحفية يمنية متخصصة بشكل كامل في الريف اليمني وقضاياه.

ويؤكد المشرع أن “الريف ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو مجتمع حيوي يتطلب تغطية متخصصة وعميقة، والمنصة تركز على مجموعة واسعة من القضايا الريفية؛ بدءًا من الزراعة، مرورًا بالمرأة والطفل، والثقافة والتراث، وصولًا إلى قضايا المناخ والبيئة، الموارد المائية، وحتى قصص النجاح الريفية التي غالبًا ما تغيب عن الإعلام”.


“منصة ريف اليمن تعطي الريف وسكانه كل اهتمامها الإعلامي منذ انطلاقتها، وتُعد أول وسيلة يمنية متخصصة في الريف، ونحرص أن تكون رسائلنا إعلامية وتنموية في الوقت نفسه”.


ويضيف: “من خلال تقارير ميدانية وتحقيقات صحفية استقصائية، نسعى إلى تقديم صورة واقعية عن الحياة الريفية، بما يشمل التحديات اليومية والفرص التنموية، كما نحرص على أن تكون رسائلنا إعلامية وتنموية في الوقت نفسه، تساهم في نشر المعرفة، وتحفيز المبادرات المجتمعية، وتوثيق التجارب الريفية الناجحة التي يمكن أن تلهم مناطق أخرى”.

بدوره يشير المدير التنفيذي لإذاعة رمز “سعيد القدسي” إلى ندرة وسائل الإعلام المختلفة في تغطية القضايا الريفية، إذ نادرًا ما يكون هناك برنامج أو فلاش توعوي يهتم بهذه المواضيع، وغالبًا ما تكون بدعم من منظمات أو جهات مهتمة.

ويضيف القدسي خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أنه وبحكم عمله السابق في أكثر من وسيلة إعلامية، لم يجد اهتمامًا حقيقيًا بقضايا الريف، معتبراً أن الرسالة الإعلامية في المدن شبه مكتملة، بينما ما زال هناك قصور كبير في الريف، لافتا إلى أن إذاعته خصصت مساحة لتغطية قضايا الريف من خلال أكثر من برنامج.

عوامل متشابكة

من جهته، يرى “رأفت رشاد”، مدير إذاعة عدنية والمستشار في تطوير الإذاعات المحلية، أن غياب الإعلام عن الريف اليمني يعود إلى عوامل متشابكة، أهمها تركيز الإعلام المحلي على المراكز الحضرية، حيث تتركز الأحداث السياسية والأمنية، فيما تبقى المناطق الريفية على هامش التغطية.

ويضيف أن هذا التوجه ليس عشوائيا، بل هو انعكاس لواقع يفرض نفسه، فمعظم وسائل الإعلام تفتقر للإمكانيات المالية والبشرية التي تمكّنها من الوصول إلى تلك المناطق النائية، كما أن التغطية الإعلامية لقضايا الريف تتطلب جهدا ميدانيا، وفهما عميقا للبيئة الاجتماعية والزراعية، وهو ما لا يتوافر دائما في فرق التحرير أو المراسلين.

ويؤكد رشاد أن التغطيات الإعلامية للقضايا الريفية غالبًا ما تكون موسمية أو طارئة، وليست ضمن استراتيجية طويلة الأمد، نتيجة صعوبة الوصول إلى القرى، وغياب البنية التحتية، مشيرا إلى أن إذاعة عدنية FM تسعى إلى كسر هذا التهميش عبر توسيع نطاق البث باستخدام الإنترنت الفضائي، والتخطيط لإطلاق برامج زراعية وصحية ومتعلقة بالمناخ.


“ما يقدم في الإعلام حول الريف غالبا ما يكون في سياق الكوارث والأزمات الإنسانية، أو من خلال المبادرات الفردية أو الإذاعات المحلية والمنصات الرقمية كمنصة ريف اليمن التي تحاول سد الفجوة”.


أستاذة الإعلام بجامعة صنعاء وجامعة الملك سعود، الدكتورة “بلقيس محمد علوان” قالت: “يمكن القول إن الإعلام المحلي اليمني بكل وسائله يُعتبر غائبا جزئيا عن قضايا الريف، وما يقدمه عن الريف وقضاياه ضعيف جدا في تغطيته للقضايا التنموية والاجتماعية العميقة”.

وأرجعت علوان ذلك لهيمنة الصراع السياسي والوضع الأمني على أجندة الغالبية العظمى من وسائل الإعلام (المرئية والمكتوبة والمسموعة والرقمية)؛ مما يقلل بشكل كبير من المساحة المخصصة للقصص التي تتعلق بحياة أكثر من ثلثي اليمنيين، مثل قضايا المياه، والتعليم، والصحة والتنمية الريفية، والتراث الثقافي غير المرتبط بالحرب.

وأوضحت خلال حديثها لمنصة ريف اليمن أن ما يقدم في الإعلام حول الريف غالبا ما يكون في سياقين رئيسيين: الكوارث والأزمات الإنسانية؛ فتُغطى قضايا الريف عندما ترتبط بالنزوح أو سوء التغذية أو الأوبئة كـ”أخبار عاجلة” لا كتحقيقات تنموية، أو من خلال المبادرات الفردية الإعلامية المستقلة أو الإذاعات المحلية الصغيرة والمنصات الرقمية كمنصة ريف اليمن التي تقوم بعمل رائع في هذا السياق، وتحاول سد الفجوة.

تحديات هيكلية وميدانية

وعن أسباب غياب الإعلام عن تناول القضايا الريفية، تقول علوان: “يمكن تقسيم أسباب هذا الغياب إلى تحديات هيكلية (متعلقة بالملكية والأجندة) وتحديات ميدانية (متعلقة بالتكاليف والأمن)، حيث إن الأسباب الهيكلية تتعلق بكيفية عمل وسائل الإعلام نفسها ومن يمولها، إذ إن أغلب وسائل الإعلام مملوكة أو مموّلة من أطراف الصراع أو مرتبطة بها، وبالتالي، تُوجّه الأجندة لخدمة الأهداف السياسية والعسكرية على حساب القضايا المحلية غير المسيّسة في الريف”.

ومن الأسباب كذلك أن المؤسسات الإعلامية تتركز في المدن الرئيسية، وتُعطي الأولوية للأخبار التي تهم جمهورها الحضري بشكل مباشر؛ مما يخلق تحيزا ضمنيا يقلل من جاذبية القصص الريفية، أضف إلى ذلك ضعف التدريب ونقص الموارد.


 من الحلول التي يمكن من خلالها مواجهة هذه التحديات، التحول إلى نماذج أكثر مرونة وكفاءة، وتمكين الصحافة المجتمعية، وتدريب شباب الأرياف؛ مما يقلل التكاليف والمخاطر الأمنية


أما التحديات الميدانية واللوجستية والمتمثلة بتكلفة الوصول والمخاطر فهي – بحسب الدكتورة علوان – أسباب تجعل العمل في الريف شاقا ومحفوفا بالمخاطر نظرا لصعوبة وتكلفة الوصول إلى المناطق الريفية التي تمتد لمساحة شاسعة عبر طرق صعبة ووعرة، أضف إليها ضعف وتقطع شبكة الانترنت والكهرباء الذي يعيق عمل المراسلين، ويزيد الأمر سوءا مع المخاطر الأمنية وغياب الحماية.

المخرج الدرامي والمسرحي “أحمد جباره” قال إن الإعلام اليمني حاليا بعيد عن الريف بحكم تواجده في المدينة، لكن في السابق كان هناك اهتمام بالريف من خلال البرامج والمسلسلات والأغاني التي تتكلم عن حياة الريف وقضاياه.

ويضيف جباره خلال حديثه لمنصة ريف اليمن أن وزارة الزراعة ووزارة الصحة -كمثال- كانتا لهما اهتمام بإنتاج مواد تهتم بقضايا الريف من خلال حملات تثقيف وتوعية وفلاشات، لكن دورها غاب في الوقت الراهن، مرجعا أسباب غياب الإعلام عن الاهتمام بقضايا الريف لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وأيضا لحالة الضغوط التي تعيشها وسائل الإعلام ذاتها.

حلول

تطرح علوان مجموعة من الحلول التي يمكن من خلالها مواجهة هذه التحديات، وتقول إنه يمكن أن يتبنى الإعلام المستقل التحول إلى نماذج أكثر مرونة وكفاءة، من خلال تمكين الصحافة المجتمعية (Citizen Journalism)، والاعتماد على تدريب وتجهيز أبناء المجتمع المحلي أنفسهم ليكونوا مراسلين، مما يقلل التكاليف اللوجستية والمخاطر الأمنية بشكل كبير، ويضمن أن القصص تأتي من الداخل.

كما يطرح السبئي حلولا لتمكين الوصول الإعلامي إلى الريف، ومنها تدريب شباب الريف على الصحافة المجتمعية، وإنشاء منصات إعلامية محلية أو مجتمعية، مثل إذاعات مدرسية أو صفحات توعوية، وبناء شراكات بين الإعلام والمدارس الريفية لإنتاج محتوى تربوي وصحي وزراعي، ودعم حكومي ومنظمات دولية لإنشاء وحدات إعلامية متنقلة تصل إلى القرى، وإدماج الإعلام في المناهج التعليمية كأداة للتعبير والتوثيق.


* تم إنتاج هذه المادة من قبل منصة ريف اليمن ضمن مشروع سينما الأربعاء بالشراكة مع بيت الصحافة ومؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية.

الرمل الأبيض: مصدر دخل مئات الأسر الريفية في المحويت

النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت
النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت

تحت أشعة الشمس الحارقة يعمل الشاب العشريني “أبو بكر الفتح”، في تجميع مادة الرمل الأبيض في مديرية بني سعد بمحافظة المحويت من أجل تأمين الغذاء لأفراد عائلته في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية جراء تداعيات الحرب في اليمن.

الفتح واحد من بين العشرات الذين يعملون في استخراج وتجميع الرمل في المديرية، حيث اتجه كثير من أرباب الأسر إلى استخراجه من أعماق وادي سردد باستخدام معدات يدوية بسيطة، وتجميعه إلى جانب الوادي على شكل أكوام؛ بغرض بيعه لمقاولي البناء والطرقات وغيرهم.

والرمل الأبيض هو مادة ملساء يتم استخراجها من أعماق وادي سردد، تشكَّلت عبر آلاف السنين بفعل التحولات الجيولوجية واستمرار جريان المياه وتدفق السيول من أعالي الجبال إلى قاع الوادي ليحولها الأهالي في محافظة المحويت، إلى ركيزة أساسية في البناء والمعيشة.


      مواضيع مقترحة

شريان حياة

يبذل العاملون في تجميع الرمل الأبيض بمحافظة المحويت جهوداً شاقة تحت أشعة الشمس الحارقة؛ إذ يستمرون في العمل لساعات طويلة، فهو مصدر دخلهم الوحيد الذي يعتمدون عليه في تأمين الغذاء نتيجة انعدام فرص العمل واشتداد الظروف القاسية التي أجبرتهم على اختيار هذه المهنة المحفوفة بالمخاطر.

يصف أبوبكر الفتح معاناته قائلاً لـ “منصة ريف اليمن”: “أنحني بظهري لساعات طويلة فوق مياه الوادي العميقة ممسكًا بـ(الكَرِيك) وذات يوم أثناء سحب قطعة كبيرة لم أتمالك نفسي جيدًا، فانزلق أحد أطرافها ليخترق قدمي، حتى نزفت الدماء، وكان الألم شديدًا في الماء، لكنني لم أتوقف؛ فكل سلة من الرمل تمثل قوت يومي لأسرتي، وكل لحظة توقف قد تعني فقدان رزق يوم”.

ويضيف: “استمريت رغم الجرح في جمع الرمل، أوازن بين الألم وضغط المياه المتواصل مع كل دفعة أُخرجها من أعماق الوادي، كل قطعة تحمل قصة صبر وعناء، وكل قطرة دم تروي حكاية الإنسان الذي يواجه الطبيعة من أجل البقاء في وادي سردد”.

وأشار إلى أن الرمل ليس مجرد مادة تُجمع، بل هو شهادة على الصبر والإصرار على مواجهة الألم يوميًا لتحصيل الرزق، وعلى قدرة الإنسان على مقارعة المخاطر حتى في أعمق المياه.

النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت
يبذل العاملون في تجميع الرمل الأبيض بمحافظة المحويت جهوداً شاقة تحت أشعة الشمس الحارقة (ريف اليمن)

“أحمد سعيد( 60عاماً)”، هو الآخر أجبرته الظروف المعيشية على العمل في تجميع الرمل الأبيض. ويوضح: “أعمل في استخراجه وتجميعه وتكويمه أنا وأولادي، ونبذل جهوداً شاقة منذ الصباح الباكر حتى وقت الظهيرة”.

يقول سعيد لـ “منصة ريف اليمن”: “نضطر أحيانًا إلى العمل حتى ساعات متأخرة من الليل، ونضطر للعمل على ضوء الكشافات، غير مكترثين بالمخاطر من وحوش البراري أو تدفق سيل مفاجئ، خاصة في موسم الأمطار الموسمية صيفاً، لكن يبقى هذا الخيار الأمثل لتحصيل رزقنا”.

وتابع: “يُشرق الصباح على أصوات السيارات (الشاص والقلاَّبات) التي تمزج صوتها مع خرير المياه، فنواصل الجهد ونحمّل الأكوام بالغَرْف باستخدام الكريك من أجل أن نحصل على الأموال، حيث تبلغ حمولة القلاَّب 10 آلاف ريال، والسيارة 5 آلاف، وأحياناً 4 آلاف ريال، وهي مبالغ لا تكفي لتغطية احتياجات الحياة اليومية، الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد آخر”.

عمل متوارث

يقول “عمران ثابت (26 عاماً)”، أحد سكان مديرية بني سعد: “تعتمد عملية جمع الرمل على خبرة الأهالي الطويلة، حيث يُستخرج من قاع الوادي كما هو، بما يتناسب مع احتياجات البناء والتزيين، ويتم نقله يدوياً أو باستخدام وسائل بسيطة”.

وأوضح ثابت لـ” منصة ريف اليمن” أن “هذه المهارة تنتقل من جيل إلى جيل، ورغم بساطتها، فهي تتطلب معرفة دقيقة بأماكن تواجد الرمل ومراقبة مستويات المياه، خاصة في مواسم الأمطار حيث يكون الوادي غزير الجريان”.

النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت
الرمل الأبيض مادة ملساء يتم استخراجها من أعماق وادي سردد، تشكَّلت عبر آلاف السنين بفعل التحولات الجيولوجية (ريف اليمن)

يوضح المهندس المدني وخبير مواد البناء “ياسين العديني”: “الرمل الأبيض مادة طبيعية غنية بالسيليكا، تُستخدم في البناء لإنتاج الأسمنت والخرسانة، حيث تعمل على تعزيز الصلابة والمتانة وتزيد من مقاومة الضغط والرطوبة”.

وأضاف العديني لـ “منصة ريف اليمن”: “يُستخدم الرمل في العديد من مجالات العمارة والبناء، حيث يدخل في صناعة البلاط والسيراميك والخزف، ويُعد مادة اقتصادية متوفرة محليًا، مقارنة بمواد البناء المستوردة”.

“كما أنه فريد من نوعه؛ إذ يساعد بشكل كبير على جريان المياه في الوديان، ويكشف عن الطبقات المتحولة بصورة طبيعية، وقد يصبح متاحًا كصفائح صالحة للاستخدام المباشر في البناء، تتراوح ألوان النيس بين الأبيض المائل للرمادي والفاتح، مع خطوط داكنة طبيعية، ما يجعله مادة جمالية، ونتيجة لذلك بدأ الأهالي بالمحافظة في استخدام الرمل الأبيض في المشاريع العمرانية الحديثة مثل واجهات الأبنية والفنادق وغيرها من المباني السكنية”، يضيف العديني.

هوية عمرانية

وؤكد “أحمد النغاشي”، مقاول طرقات، بأنه استخدم الرمل المستخرج من وادي سردد في بناء حواجز الطريق. وأشار إلى أن هذا الاستخدام جعل الرمل جزءًا لا يتجزأ من الهوية العمرانية لطرقات المحويت، ووفّر عليه تكاليف استخدام خرسانة الكسارة الباهظة.

النيس الأبيض: مصدر دخل لمئات الأسر الريفية في المحويت
يُستخدم الرمل في العديد من مجالات العمارة والبناء، حيث يدخل في صناعة البلاط والسيراميك والخزف (ريف اليمن)

وأوضح النغاشي لمنصة ريف اليمن أن معظم سكان المنطقة يعتمدون على الرمل كمصدر دخل لأسرهم خاصة عند كثرة الطلبات في بناء السدود والمدارس والمباني العامة والجسور الصغيرة وبناء الأساسات المتينة للمنازل. معظم السكان الريفيين يخلطونه مع الأسمنت ويستخدمونه في تزيين واجهات البيوت الداخلية والخارجية وفي صناعة الأدراج والأرضيات الصلبة المقاومة للرطوبة وتبليط الأفنية والبلاط الخارجي للمنازل.

مؤخراً بدأ بعض التجار المحليين بنقله إلى المدن مثل صنعاء وذمار، حيث أصبح ثروة حقيقية، لكنهم يفتقرون إلى الدعم ووسائل النقل المناسبة والطرق المعبدة والمعدات البسيطة التي قد تمكنهم من توسيع النشاط، وخلق فرص عمل للشباب، وإذا تم تنظيم الاستخراج بطريقة مستدامة يمكن أن يتحول إلى مادة تصديرية صديقة للبيئة.

كيف جفّ البحر الأحمر قبل أكثر من 6 ملايين سنة؟

كيف جفّ البحر الأحمر قبل أكثر من 6 ملايين سنة؟
نساء يمنيات وقارب في سواحل البحر الأحمر بمدينة الحديدة غربي اليمن

قدّم علماء من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) أدلةً قاطعة على أن البحر الأحمر جفّ تمامًا قبل حوالي 6.2 مليون سنة، قبل أن يمتلئ فجأةً بفيضانٍ كارثيّ من المحيط الهندي. حيث تُحدّد هذه النتائج تاريخًا حاسمًا لحدثٍ دراماتيكيّ غيّر وجه البحر الأحمر.

يتمتع البحر الأحمر بموقع إستراتيجي مهم، حيث يصل بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويربط المحيط الهندي وخليج عدن وبحر العرب بالبحر الأبيض المتوسط، ويفصل بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا.

ويمثل البحر الأحمر أهمية إستراتيجية لليمن في الموقع الجغرافي، حيث تقع أكبر كتلة سكانية في الساحل الغربي اليمني في البحر الأحمر، مما يجعلها ذات أهمية إستراتيجية كبيرة في المنطقة، وتمتلك عدة موانئ مهمة مطلة على البحر الأحمر، مثل ميناء الحديدة وميناء المخا، بالإضافة إلى مضيق باب المندب.


     مواضيع مقترحة

أحداث بيئية متطرفة

وباستخدام التصوير الزلزالي، وأدلة الأحافير الدقيقة، وتقنيات التأريخ الجيوكيميائي، أظهر باحثو جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية أن تغيرًا هائلًا حدث خلال حوالي 100,000 عام، وتمثل غمضة عين لحدث جيولوجي كبيرحيث تحول البحر الأحمر من اتصال بالبحر الأبيض المتوسط ​​إلى حوض فارغ مليء بالملح. ثم اندفع فيضان هائل عبر الحواجز البركانية ليفتح مضيق باب المندب، ويعيد ربط البحر الأحمر بمحيطات العالم، وفق مجلة «Communications Earth & Environment».

وقالت الدكتورة تيهانا بينسا، الباحثة الرئيسية في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية: “تُظهر نتائجنا أن حوض البحر الأحمر شهد أحد أكثر الأحداث البيئية تطرفًا على وجه الأرض، عندما جف تمامًا ثم أُعيد غمره فجأةً قبل حوالي 6.2 مليون سنة”. وأضافت: “أدى هذا الفيضان إلى تغيير الحوض، وأعاد إحياء الظروف البحرية، وأنشأ صلة دائمة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي”.

ويقع البحر الأحمر بين الجزيرة العربية شرقا وأفريقيا غربا، وهو عبارة عن أخدود مائي متطاول ضيق، يمتد بانحناء نحو الغرب من خليج عدن جنوبا إلى جزيرة سيناء شمالا، ومن هناك يتفرع عنه خليجان، هما: خليج العقبة شرقا وخليج السويس غربا، وتفصل بينهما شبه جزيرة سيناء.

كما يطل البحر الأحمر على 8 دول هي: اليمن والسعودية من جهة الشرق، والأردن وفلسطين المحتلة وشبه جزيرة سيناء المصرية من الشمال، ومصر والسودان وإريتريا، وجيبوتي من الغرب.

بالنسبة لليمن يُشكِّل البحر الأحمر أهمية كبيرة، إذ يُعتبر شريطًا ساحليًا حيويًا يمتد عبر محافظتي تعز والحديدة، موفِّرًا موقعًا مركزيًا لأهم الموانئ اليمنية، و يضمّ العديد من الجزر المهمة أبرزها جزيرة كمران بالإضافة إلى أن هناك ثمان دول مشاطئة للبحر الأحمر مما يعزِّز دوره المحوري في التجارة والملاحة الدولية.

ويعد البحر الأحمر، من أهم طرق الملاحة البحرية الدولية في العالم، ويتمتع بأهمية اقتصادية وعسكرية وأمنية، وتحول مؤخراً لموضع صراع ومحل تنافس إقليمي ودولي ومركزا لاحتشاد القواعد العسكرية الأجنبية.

كيف جفّ البحر الأحمر قبل أكثر من 6 ملايين سنة؟
مقاطع رقيقة من طبقات الحجر الجيري في البحر الأحمر  Communications Earth & Environment (2025). )

كيف غمر المحيط الهندي البحر الأحمر؟

كان البحر الأحمر في البداية متصلاً بالبحر الأبيض المتوسط ​​من الشمال عبر حاجز ضحل. انقطع هذا الاتصال، مما أدى إلى جفاف البحر الأحمر وتحويله إلى صحراء مالحة قاحلة. في جنوب البحر الأحمر، بالقرب من جزر حنيش، فصلت سلسلة بركانية البحر عن المحيط الهندي.

ولكن قبل حوالي 6.2 مليون سنة، اندفعت مياه البحر من المحيط الهندي عبر هذا الحاجز في فيضان كارثي. حفر السيل وادياً تحت الماء بطول 320 كيلومترًا، لا يزال ظاهرًا حتى اليوم في قاع البحر. ثم أعاد الفيضان ملء الحوض بسرعة، فأغرق المسطحات الملحية ، وأعاد الظروف البحرية الطبيعية في أقل من 100 ألف عام. حدث هذا الحدث قبل حوالي مليون سنة من إعادة ملء البحر الأبيض المتوسط ​​بفيضان زانكلين الشهير، مما منح البحر الأحمر قصة فريدة من نوعها عن نهضته.

لماذا البحر الأحمر مهم من الناحية الجيولوجية؟

تشكل البحر الأحمر نتيجة انفصال الصفيحة العربية عن الصفيحة الأفريقية قبل 30 مليون سنة. في البداية، كان البحر واديًا ضيقًا مليئًا بالبحيرات، ثم أصبح خليجًا أوسع عندما غمرته مياه البحر الأبيض المتوسط ​​قبل 23 مليون سنة. ازدهرت الحياة البحرية في البداية، كما يتضح من الشعاب المرجانية الأحفورية على طول الساحل الشمالي بالقرب من ضباء وأملج.

إلا أن التبخر وضعف دوران مياه البحر أديا إلى زيادة الملوحة، مما تسبب في انقراض الحياة البحرية قبل 15 إلى 6 ملايين سنة. إضافةً إلى ذلك، امتلأ الحوض بطبقات من الملح والجبس، مما أدى إلى جفاف البحر الأحمر تمامًا. وأعاد الفيضان الكارثي من المحيط الهندي الحياة البحرية إلى البحر الأحمر، والتي لا تزال قائمة في الشعاب المرجانية حتى يومنا هذا.

يُعدّ البحر الأحمر مختبرًا طبيعيًا لفهم كيفية نشأة المحيطات، وتراكم الصخور الملحية العملاقة، وكيفية تفاعل المناخ والقوى التكتونية على مدى ملايين السنين. يُبرز هذا الاكتشاف مدى ارتباط تاريخ البحر الأحمر بالتغيرات المحيطية العالمية. كما يُظهر أن المنطقة شهدت سابقًا ظروفًا بيئية قاسية، لكنها عادت كنظام بيئي بحري مزدهر.

كيف جفّ البحر الأحمر قبل أكثر من 6 ملايين سنة؟
طبقات البحر الأحمر المعممة تُظهر عمر الوحدات الطبقية لما بعد الصدع ( Communications Earth & Environment (2025).)

يحتضن البحر الأحمر حياة بيولوجية مزدهرة، فهو موطن لأكثر من ألف نوع من اللافقاريات و350 نوع من الشعاب المرجانية، وحوالي 1200 نوع من الأسماك، وتقدر نسبة الأسماك المستوطنة في البحر الأحمر، والتي لا توجد في غيره من البحار بنحو 14.7%.

وتعتبر الشعاب المرجانية في البحر الأحمر من أطول الشعاب المرجانية الحية المستمرة في العالم، وتمتد حوالي ألفي كيلومتر حول الساحل، وتتميز بقدرتها العالية على التكيف، ويبلغ عمرها ما بين 5 آلاف إلى 7 آلاف عام. وإلى جانب ذلك، يتوافر البحر على الأعشاب البحرية وأشجار المانغروف.

سد العدوف بتعز.. هل يتحول شريان الحياة إلى كارثة؟

سد العدوف بتعز.. هل يتحول شريان الحياة إلى كارثة؟

يمثل سد العدوف في مديرية الشمايتين بمحافظة تعز شريان حياة، حيث يوفر المياه لمئات الأسر الريفية، لكنه تحول اليوم إلى مصدر رعب حقيقي، إذ يواجه خطر الانهيار، مما ينذر بكارثة إنسانية تهدد حياة وممتلكات السكان.

يستحضر أهالي القرى الريفية المحيطة بالسد إلى الأذهان مأساة انهيار سد مأرب القديم رغم أن السد لا تتجاوز سعته التخزينية 70 ألف متر مكعب، إلا أن موقعه الجغرافي يعني أن انهياره من شأنه أن يتسبب بكارثة إنسانية.

ويزداد قلق السكان وسط حالة من الضبابية والتجاهل من قبل الجهات المعنية، وحالة من التضارب في تصريحات المسؤولين حول حالة السد والإجراءات المتخذة للتدخل، مما يُضاعف حالة الخوف، ويؤكد أن الإجراءات الوقائية لا ترتقي إلى مستوى الخطر الداهم.


       مواضيع مقترحة

علامات الخطر

مؤخراً، ظهرت على السد علامات واضحة تؤكد وجود خطر حقيقي يهدد بنيته، ووفقًا لسكان محليين، تتضمن أبرز هذه العلامات التشققات الواضحة وتسرب المياه من جسم السد، مشيرين إلى أن التشققات والتسربات تنذر بكارثة، وأن بيانات المسؤولين لا تتوافق مع الواقع الملموس على الأرض.

ويؤكد المهندس طه القدسي لـ “منصة ريف اليمن” أن هذه التشققات تنذر بـ”قنبلة موقوتة” تهدد بجرف الأراضي والممتلكات، موضحا أن الوضع يستدعي تدخلاً عاجلاً لتقييم الأضرار، واتخاذ المعالجات الهندسية اللازمة فوراً، حفاظاً على المخزون المائي الاستراتيجي وسلامة الأهالي الذين يقطنون أسفل السد.

في رد على المخاوف المتصاعدة، قدّم المسؤولون المحليون تفسيرات متباينة للأضرار التي لحقت بسد العدوف، مؤكدين في الوقت ذاته أن الخطر ليس وشيكًا، لكنه يتطلب تدخلاً سريعاً.

تشققات واضحة وتسرب للمياه من جسم سد العدوف جنوبي تعز

مدير إدارة الري في الشمايتين بالمحافظة “أحمد المليكي”، أوضح  أن التشققات الحالية ناتجة عن بناء السد على فترتين زمنيتين دون ترابط كافٍ بينهما. ورغم تشديده على أن السد بُني وفق المعايير العالمية، فقد أكد المليكي لـ “منصة ريف اليمن” أن الأضرار ليست وشيكة، لكنها تستوجب تدخلاً سريعاً لإجراء الصيانة والترميم اللازمين.

من جانبه، أكد “سلطان علوان”، مدير مكتب الزراعة والبيئة في الشمايتين، على جهود المكتب والسلطة المحلية لترميم السد، مشيراً إلى أنه بناءً على تقرير المهندسين، لا توجد خطورة وشيكة على السد، لكنه شدد على ضرورة إجراء صيانة عاجلة.

تشمل الإجراءات العاجلة -وفق علوان- عدة خطوات رئيسية هي: إصلاح التسربات في جسم السد، وتنظيف بحيرة السد من الرواسب المتراكمة، وعمل حواجز ترسيبية أعلى البحيرة للحد من دخول الطميري، وإزالة الأشجار والشجيرات المحيطة بجسم السد، بالإضافة إلى تحفيز الأهالي للمساهمة في أعمال الصيانة والدعم.

وفي السياق ذاته، أيّد “محمد سلطان”، مدير مكتب الأشغال في الشمايتين، الرأي الرسمي، مؤكداً أن تقرير اللجنة التي عاينت السد ينفي وجود خطر انهيار وشيك، إلا أنه أقرّ بحاجته الماسة إلى أعمال صيانة وإصلاح فورية.

شريان حياة السكان

شُيّد سد العدُوف في عام 1996 ليصبح مصدرًا أساسيًا للمياه، ويستفيد منه آلاف السكان في العديد من القرى، بالإضافة إلى المزارعين، ويمتد تأثيره على طول وادي الأشروح وقدس وصولًا إلى وادي الضباب.

“محمد مقبل”، أحد المستفيدين، أكد أن السد يُعد بالفعل شريان الحياة لسكان المنطقة، ويستفيد الأهالي منه بشكل مباشر في تغذية الآبار والعيون الجوفية، وري الأراضي الزراعية، وتوفير مياه الشرب. وأضاف لـ “منصة ريف اليمن”: “قلق الأهالي يتزايد يومًا بعد يوم، فالسكان يخشون من أن يتحول مصدر حياتهم إلى كارثة إنسانية تودي بممتلكاتهم وحياتهم في أي لحظة”.

كما أن أي ضرر يصيب السد سيجعلهم يعانون من تحديات كبيرة في الحصول على المياه، خاصة وأن اليمن يعاني من شح الموارد المائية، وتتفاقم الأزمة بسبب تفاوت هطول الأمطار السنوية وتتابع أزمات الجفاف، التي أدت بدورها إلى انخفاض المحاصيل الزراعية بشكل ملحوظ، وزادت من حدة شح المياه في الكثير من المناطق. ويُذكر أن 27% من السكان في اليمن يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى المياه الآمنة، وفقًا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM).

مطالب عاجلة

على النقيض من التصريحات الحكومية المطمئنة، دقت رئيسة مؤسسة فلوريش للتنمية، أمة الله، ناقوس الخطر، محذرة من أن انهيار السد لا يمثل كارثة إنسانية فحسب، بل يهدد المنطقة بأكملها بيئياً واقتصادياً، خاصة في ظل الأزمات المائية المتلاحقة التي تعاني منها تعز.

وأضافت أمة الله، يبقى التساؤل الأهم: ما الذي يحتاجه سد العدُوف في الوقت الحالي حتى لا تقع الكارثة؟ تتفق جميع الآراء -سواء من المهندسين أو السكان- على ضرورة التدخل السريع والفعال.

في ظل غياب أي تدخل فعلي من المنظمات، أطلقت أمة لله، مناشدات عاجلة مطالبةً المنظمات الدولية والمحلية بالتدخل الفوري لترميم السد قبل أن تتفاقم التصدعات ويصبح من المستحيل تدارك الكارثة.

شُيّد سد العدُوف عام 1996 ويستفيد منه آلاف السكان في العديد من القرى، بالإضافة إلى المزارعين

في السياق ذاته، يطالب المهندس طه القدسي بتشكيل فرق هندسية فورية لتقييم وضع السد وتقديم حلول طارئة، وتخصيص ميزانية عاجلة لترميمه وتأمينه، مؤكداً على ضرورة إجراء صيانة عاجلة تشمل إصلاح التسريبات.

يأتي هذا الخطر على خلفية أزمة مائية أوسع في اليمن؛ إذ تشير تقارير دولية ومحلية إلى أن نحو 70% من سكان الريف يفتقرون إلى المياه المأمونة. وتُعد أزمة شح المياه من أبرز التحديات الاستراتيجية طويلة الأمد في اليمن، نتيجة للاستنزاف المستمر للمياه الجوفية.

وبين التحذيرات والتطمينات، يبقى مصير سد العدوف معلقاً بين الوعود الحكومية والحاجة الملحة للعمل، فهل ستتحرك الجهات المعنية لإنقاذ هذا الشريان الحيوي، أم ستتركه يواجه مصيراً مجهولاً قد يكرر مأساة سد مأرب القديم؟

طرق العناية بالحيوانات في أواخر الحمل

ماعز من سلالة "ثمود" اليمنية

تعد مرحلة الحمل لدى الحيوانات من أكثر الفترات حساسية وأهمية، خصوصاً في الثلث الأخير، الذي يمثل نقطة تحول حرجة في عملية الإنتاج الحيواني.

خلال هذه الفترة، ينمو الجنين بسرعة ليشكل حوالي 70–80% من وزنه النهائي، ما يزيد الضغط على أعضاء الجسم الداخلية، وخاصة على البطن، ويقلل من قدرة الحيوان على تناول الطعام.

في هذه المرحلة تركز الرعاية على تلبية الاحتياجات الغذائية المتزايدة، مع تقليل مصادر الإجهاد والضغط، لضمان صحة الأم وسلامة الجنين، والوصول بها إلى الولادة في أفضل حالة ممكنة، وهو ما سنتطرق إليه في هذا الدليل الإرشادي.


    مواد ذات صلة


نصائح للعناية بالحيوانات في أواخر الحمل

التغذية

زيادة عدد مرات تقديم الأعلاف عن طريق تقسيم الطعام إلى 3–4 وجبات يوميًا بدلاً من وجبة أووجبتين فقط، مما يسهل الهضم ويقلل الضغط على المعدة التي تقل سعتها في هذه المرحلة.

  • جودة الأعلاف:
    تقديم أعلاف عالية القيمة الغذائية، تحتوي على:
    – البروتينات اللازمة لنمو الجنين.
    – الطاقة الكافية لدعم النشاط الحيوي للأم.
    – المعادن (كالكالسيوم والفوسفور) الضرورية لتقوية العظام والأسنان.
    – الفيتامينات (A، D، E) لدعم الجهاز المناعي وصحة الجنين.
  • إدخال الأعلاف الجديدة تدريجياً:
    – تجنب التغيير المفاجئ في العلف لتجنب اضطرابات الهضم.
    – يمكن مزج العلف الجديد مع القديم تدريجياً على مدار 7–10 أيام.

الماء

توفير مياه نظيفة وعذبة بشكل دائم أمام الحيوان (الكمية تختلف حسب نوع الحيوان).

  1. الأبقار: 30–60 لتر يومياً.
  2. الأغنام والماعز: 5–10 لترات يومياً.
    تنبيه: احرص على تنظيف أوعية الماء يومياً لتجنب تلوثها وانتشار الأمراض.

الراحة وتقليل الإجهاد

الحفاظ على راحة الحيوان الحامل من خلال:

  • توفير مساحة كافية داخل الحظيرة لتجنب الزحام (خصوصاً وقت الدخول والخروج من الحظيرة).
  • تقليل الحركة الطويلة أو المشي لمسافات بعيدة في المرعى، خصوصاً مع الحمل الثقيل.
  • تجنب الأصوات العالية أو المواقف المفاجئة التي تسبب التوتر.
  • تجنب إجهاد الحيوان في المرعى، خاصة إذا كان بعيداً عن المسكن.
ينصح بمتابعة الحيوان خلال الولادة دون تدخل مفرط إلا عند وجود مشكلة واضحة.

الصحة والحماية

  1. مراقبة علامات التعب أو الأمراض، مثل فقدان الشهية، التهيج، أو القيء.
  2. منع إصابة الحيوان من خلال:
    – تجنب الضرب أو التعامل العنيف من الراعي.
    – فصل الحيوانات العدوانية أو الأكبر حجماً عن الحوامل لمنع النطح أو العض.
  3. التحضير للولادة بمكان هادئ ونظيف مع مواد نظيفة للحيوان الجديد.

العناية بالحيوانات في الثلث الأخير من الحمل هي مفتاح لنجاح الولادة وسلامة الأم والجنين، واتباع التغذية السليمة، توفير الماء والراحة، ومراقبة الصحة بشكل يومي، يقلل المخاطر ويضمن ولادة صحية.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

في يومهم العالمي.. معلمو الأرياف معاناة لا تنتهي

“حرصًا منا كمعلمين على استمرار التعليم في الريف، أواصل عملي للسنة التاسعة دون راتب حكومي، متنقلاً من مدرسة إلى أخرى حتى لا ينقطع التعليم عن طلابنا”. هكذا يصف المعلم “فواز حسان”، حاله مع العملية التعليمية في الريف، إذ لا يزال يواصل أداء رسالته التربوية التي حملها على عاتقه منذ أكثر من 17 عامًا، متحديًا تدهور الوضع المعيشي الذي يعانيه آلاف المعلمين منذ سنوات.

وتعيش العملية التعليمية في اليمن حالة تدهور غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب قبل عشر سنوات، ومعه أنهى آلاف الطلاب مراحلهم الدراسية من دون امتلاك أبسط مقومات القراءة والكتابة؛ ما جعل التعليم في الريف -على وجه الخصوص- أكثر هشاشة وضعفًا.

بحسب اليونيسيف يواجه اليمن أزمة تعليمية حادة، حيث يمكن أن يرتفع عدد الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في تعلمهم إلى 6 ملايين طفل؛ مما يؤدي إلى عواقب وخيمة طويلة المدى على الأطفال.


  مواضيع مقترحة


يخوض فواز فصلا جديدا من التحديات اليومية مع بداية كل عام دراسي، ويقطع مسافة تقارب كيلومترين سيرًا على الأقدام ذهابًا وإيابًا بين حرّ الشمس وصعوبة الطريق إلى مدرسته الواقعة في منطقة “مناقل” بمديرية جبل حبشي، دون أن يتقاضى راتبًا حكوميًا منذ العام 2017، كونه أحد النازحين الذي لم تصرف لهم رواتب.

تحديات قاهرة

يقول لـ”منصة ريف اليمن”: |في ظل استمرار انقطاع رواتب المعلمين نعمل جاهدين على استمرار التعليم في الريف، أواصل عملي دون راتب حكومي، متنقلاً من مدرسة إلى أخرى حتى لا ينقطع التعليم عن الطلاب”.

ويضيف: “منذ العام 2018 وحتى اليوم عملت في مدرستين حكوميتين ومجمع طلابي في منطقة “الرُبق” بمديرية مقبنة، دون راتب، وما اتقاضاه من مساهمات طلابية – لا يتجاوز سبعين ألف ريال شهريًا – بالكاد يغطي جزءًا من احتياجات أسرتي المكونة من ستة أفراد”.

المعلم فواز حسان أثناء شرح الدرس لطلاب في إحدى مدارس مديرية جبل حبشي غربي تعز

تنقّل فواز بين عدة مدارس ريفية في مديريتي جبل حبشي ومقبنة، حيث درّس ثلاث سنوات في مدرسة التصحيح بقرية الأشروح، ثم عامًا في مجمع طلابي بمنطقة الرُبق، متحديًا قسوة الظروف دون أي مقابل مادي سوى قناعته برسالة التعليم.

يؤكد حسان  أن أبرز التحديات التي واجهته خلال السنوات الماضية هي النزوح وانقطاع راتبه بشكل كامل، حتى أصبح بعمل بلا دخل، ولا تتوفر له أي فرص عمل أخرى. ويشير  إلى أن بعض الإدارات المدرسية لم تبدِ أي اهتمام بالمعلمين النازحين، مستغلّة حاجتهم للعمل في ظروف صعبة ودون أي مقابل.

يختصر فواز حال مئات المعلمين الريفيين الذين أجبرتهم الحرب على النزوح أو العمل دون أجر، ويقول بأسى: “منذ العام 2008 وأنا أعمل في قطاع التعليم، لكننا لم نمر بظروف كهذه من قبل، فاليوم يعيش المعلم أسوأ مراحل حياته المهنية والمعيشية”.

رغم مشقة الطريق ومتاعب الحياة، لا يزال فواز متمسكًا برسالته التربوية، مؤمنًا بأن التعليم هو الأمل الوحيد لأبناء الريف في مستقبل أفضل، حتى وإن ظل يعمل مقابل أجر زهيد من طلابه.

وفي محافظة تعز، شهد العام الدراسي 2024 – 2025 سلسلة احتجاجات وإضرابات متكررة نفذها المعلمون للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية وصرف مرتباتهم المتأخرة، حيث استمر الإضراب الشامل أربعة أشهر متتالية، وفقًا لأمين عام نقابة المعلمين اليمنيين بالمحافظة “عبدالرحمن المقطري”.

فواز يختصر حال مئات المعلمين الريفيين الذين أجبرتهم الحرب على النزوح أو العمل دون أجر

وقال المقطري لـ”منصة ريف اليمن”: “الإضراب جاء للمطالبة بتحسين المستوى المعيشي للمعلمين وحفظ كرامتهم من خلال إصلاح هيكل الأجور وزيادة الحد الأدنى، وصرف الحوافز الشهرية أسوةً ببقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، والتأمين الصحي، وتنفيذ قرارات السلطة المحلية الخاصة بإيجار المساكن”.

وأضاف أن المعلمين النازحين يعيشون أوضاعًا مأساوية، مشيرًا إلى أن بعضهم لم يتسلموا رواتبهم منذ نوفمبر الماضي، وآخرين منذ مطلع هذا العام، بينما لا يزال البعض محرومين من رواتبهم منذ عام 2017.

معاناة متفاقمة

بحسب المقطري، فإن رواتب المعلمين كانت تُصرف بانتظام حتى يناير 2018، لكن الوضع تغيّر مؤخرًا، إذ لم تُصرف المرتبات منذ يوليو الماضي وحتى أكتوبر الجاري، متسائلًا: “كيف يمكن للمعلم أن يؤدي رسالته التعليمية في ظل هذه الظروف القاهرة وانهيار الوضع المعيشي؟، مؤكدا أن الحكومة والسلطة المحلية في تعز لم تحقق أيًّا من مطالب المعلمين، ولم تلبِّ حتى أبسط حقوقهم”.

وكان المعلمون قد نفذوا إضرابا شامل شل الحركة التعليمية خلال العام الماضي، وتشهد المدارس الحكومية وخصوصًا في الريف غياباً شبه كلي للكتاب المدرسي، الأمر الذي يزيد من تعقيد العملية التعليمية لدى الطلبة، وتحديات جمة يخوضها الطلبة ويجعل مستقبلهم مهددًا أكثر من أي وقت مضى.

ووفق تقارير للبنك الدولي واليونسكو واليونيسف والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عام 2022، فإن 70% من أطفال الدول الفقيرة يعانون من مشكلة فقر التعلّم، أي عجز الطفل في سن العاشرة عن قراءة نص بسيط وفهمه، أما في اليمن، فالنسبة مرشحة لأن تكون أعلى بكثير بسبب الحرب والانقطاعات التعليمية المستمرة.

*صورة الغلاف: الجزيرة نت

كبار السن في الريف: ذاكرة المجتمع بين رماد المعاناة

كبار السن في اليمن

بين الجبال القاسية وحقول الذرة والمواشي، يعيش كبار السن في ريف اليمن حياة مليئة بالتحديات هم في الظاهر جسد منهك، لكن في الداخل ينبضون صبرا وعزيمة، عطاؤهم المستمر يذكر المجتمع بأن الشيخوخة ليست نهاية الطريق، بل امتداداً لجذور الحياة في القرى اليمنية.

في المرتفعات الجبلية الشاهقة في ريف محافظة تعز تخرج أم أحمد (70 عامًا) كل صباح متكئة على عصاها الخشبية، لتقطع مسافة طويلة إلى أقرب بئر ماء، الرحلة الشاقة تستنزف قواها لكنها لم تمنعها من الاستمرار في خدمة أسرتها، فالشيخوخة هنا ليست نهاية العطاء، بل بداية تحد جديد مع قسوة الطبيعة ونقص الخدمات.

تقول “أم أحمد” التي تنحدر أصولها من المشاولة في ريف محافظة تعز: “نعتمد على الحمير لنقل الماء، هذا العام عانينا كثيرا بسب انعدام المياه وجفاف الينابيع، لكنني اعتدت جلب الماء لأسرتي كل يوم”، لا ترى أم أحمد ذلك مرهقا لها رغم كبر سنها، بل تراه واجبا يشعرها بالحب عندما تقدم لهم ما يحتاجونه.


       مواضيع مقترحة

كبار السن في الريف

في الأول من أكتوبر من كل عام، يحيي العالم “اليوم الدولي لكبار السن” الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 1990 ليكون مناسبة للتذكير بأهمية هذه الفئة ودورها الحيوي. أما في اليمن، فيبقى هذا اليوم محطة للتأكيد على ضرورة توفير رعاية صحية واجتماعية تحفظ كرامة كبار السن، وتعيد لهم جزءا من الحقوق التي حُرموا منها.

وفي القرى لا يقتصر دورهم على النصح والإرشاد، بل يمتد إلى حفظ الأعراف والتقاليد وتسوية النزاعات، ما يجعل الحديث عنهم في هذا اليوم ليس مجرد احتفاء عالمي، بل دعوة محلية للحفاظ على قيم البر والإحسان تجاههم، وضمان استمرار دورهم المحوري في الأسرة والمجتمع.

يشكل من هم فوق 60 عاما حوالي 4.7٪ من سكان اليمن، وبحسب «Help Age International» فإن نحو 79٪ من اليمنيين فوق سن الخمسين يعانون أمراضا مزمنة تحد من قدراتهم، فيما يواجه 1.65 مليون منهم خطر الجوع والأمراض نتيجة استمرار الأزمات.


عسيران: يعاني كبار السن في الأرياف اليمنية من صعوبة الحركة بسبب طبيعة التضاريس الجغرافية، وتراجُع حجم التمويل يمثل تحديا كبيرا أمام الاستجابة الإنسانية


في قرية دير عبد بمحافظة الحديدة يعيش العم السبعيني سالم، عرف بحكمته ويديه اللتين لم تتعبا يوما من تشكيل الطين، يجتمع الأطفال حوله كل مساء عند بيته الصغير حيث يضع عجله الفخار، فيصنع أمام أعينهم أواني وأكوابا كأنها قصص تشكل من طين.

يقول العم سالم لـ “ريف اليمن”: “مع كل درس لم أكن أعلمهم كيف يشكلون الأواني فقط، بل كان يغرس فيهم الصبر والإتقان وحب التراث اليمني وحرفة أجدادنا”.

ذات يوم قرر أن يترك لهم مهمة كاملة قائلا: “تعاونا نحن والأطفال في صنع جرة كبيرة للقرية ليخزن فيها الماء، بدأ الأطفال مترددين، لكن بتشجيعي وتوجيهاتي استطاعوا أن ينجحوا في ذلك، وهو ما نأمل في زراعته في وجدان أبنائنا”.

كبار السن في الريف: ذاكرة المجتمع بين رماد المعاناة

قصة صمود وتحدٍّ

من بين قصص الصمود قصة “أحمد”، وهو رجل ستيني فقد ساقه في خضم الصراع وأحد أبنائه لاحقا، لكنه واصل عمله كمعلم ومرمم للتراث الفني؛ مستفيدا من مشاريع التمكين الاقتصادي؛ ليستعيد استقلاليته ويواصل عطاءه.

وقال المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط هاشم عسيران في تصريح لـ”ريف اليمن” إن “هذه النماذج تجسد قوة وإصرار كبار السن في اليمن بمواجهة تحديات الصراع الظروف القاسية”.

وتدعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر اليمني المجتمعات المتضررة من النزاع في اليمن بما في ذلك كبار السن الذين يواجهون تحديات مضاعفة نتيجة النزوح وصعوبة الوصول الى الخدمات الأساسية.

وأوضح عسيران: “تشمل أنشطتنا دعم المراكز الصحية والمستشفيات لضمان خدمات الرعاية الأساسية، وتوزيع الغذاء والاحتياجات المنزلية للأسر الأكثر ضعفا، بالإضافة إلى تحسين الوصول إلى المياه وخدمات الصرف الصحي”.

وقال عسيران إن “كبار السن في الأرياف اليمنية يعانون من صعوبة الحركة بسبب طبيعة التضاريس الجغرافية. ورغم الجهود فإن تراجُع حجم التمويل يمثل تحديا كبيرا أمام الاستجابة الإنسانية في وقت لا يزال فيه ملايين اليمنيين -ومن بينهم كبار السن- يعتمدون عليها”.

بيت الخبرة

يمثل كبار السن في المجتمع الريفي اليمني مصدرا أساسيا للخبرة والحكمة، حيث يستفاد منهم في تصويب مسار الحياة الأسرية والاجتماعية، ونقل العادات والتقاليد الحميدة من جيل إلى آخر؛ بما يسهم في الحفاظ على الموروث الاجتماعي. كما يفيد محمود البكاري أستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز.

في الريف اليمني، يواجه كبار السن واقعا قاسيا، فالمسافات الطويلة والطرق الوعرة تحول رحلة العلاج أو شراء الدواء إلى مغامرة قد تستغرق يوماً كاملاً، بحسب البكاري الذي نوه إلى أن معظمهم يفتقرون إلى وسائل النقل، ويضطرون للاعتماد على الحمير أو السير على الأقدام لمسافات مرهقة.


البكاري: كبار السن باتوا يتأثرون بعوامل التغيير الاجتماعي، مثل الهجرة الداخلية والخارجية؛ الأمر الذي يحد من قدرة الأبناء على الاهتمام بهم كما كان يحدث سابقا


وتفاقم الأوضاع الاقتصادية المعيشية من هذه المعاناة، إذ لا يمتلك الكثير منهم دخلاً ثابتا أو أي شكل من أشكال الضمان الاجتماعي؛ ما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع الفقر والمرض.

ويؤكد البكاري، في حديثه لـ”ريف اليمن” أن كبار السن يعدون مرجعا مهما في حل الخلافات والنزاعات الأسرية، سواء بين الأبناء أو الأزواج، لما يحظون به من احترام ومهابة وثقة في إطار الأسرة والمجتمع.

لكن البكاري يشير إلى أن كبار السن باتوا يتأثرون بعوامل التغيير الاجتماعي، مثل الهجرة الداخلية والخارجية، وتعليم الفتيات، والتحاق أفراد الأسرة بوظائف تتطلب التزاما بالدوام اليومي؛ الأمر الذي يحد من قدرة الأبناء على الاهتمام بهم كما كان يحدث سابقا.

أما عن أبرز التحديات التي تواجه هذه الفئة، فيوضح أن غياب برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والنفسية، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والأمنية الراهنة، تمثل عقبات كبيرة أمام توفير حياة كريمة للمسنين في الأرياف اليمنية.

كبار السن في الريف: ذاكرة المجتمع بين رماد المعاناة
لا يقتصر دور كبار السن في اليمن على النصح والإرشاد بل يمتد إلى حفظ الأعراف والتقاليد وتسوية النزاعات (الهلال الأحمر)

فئات متضررة

وخلال سنوات الصراع في اليمن تأثر كبار السن بشكل كبير. وقال أمين عام اللجنة الوطنية للمتطوعين بالهلال الأحمر اليمني “حسان العنسي” إن “كبار السن يعدون من أكثر الفئات تضررا في زمن الحرب، وأقلها قدرة على التأقلم مع ظروف الصراع”.

وأضاف العنسي في حديث لـ “ريف اليمن” أن “معاناة كبار السن اليومية لا تقتصر على فقدان المأوى أو النزوح المتكرر، بل تمتد لتشمل صعوبة الحصول على الأدوية المزمنة، ومشقة التنقل، وفقدان الأبناء أو المعيل، إلى جانب العزلة النفسية وغياب الرعاية الاجتماعية”.

وأوضح أن “هناك مسؤوليات عاجلة تجاه هذه الفئة يقوم بها الهلال الأحمر اليمني تجاههم، أبرزها: ضمان توفير الرعاية الصحية والأدوية بأسعار مناسبة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، إضافة إلى منحهم الأولوية في المساعدات الغذائية والمأوى”.

وأكد المسؤول في الهلال الأحمر على ضرورة “إدماج قضايا كبار السن في خطط الاستجابة الإنسانية محليًا ودوليا”، وشدد على أهمية تعزيز ثقافة احترام كبار السن وتقدير مكانتهم.

وقال العنسي: “كبار السن يمثلون ذاكرة الأوطان ومستودع القيم، ورعايتهم ليست خيارا، بل واجبا أخلاقيا وإنسانيا”، لافتاً إلى أن “خسارتهم تعني خسارة قصص الأرض وتاريخها ووصاياها”.

صوت الريف.. مبادرة تعيد الأمل لطلاب قرية في إب

خلال السنوات العشر الماضية تدهورت العملية التعليمية في اليمن بصورة غير مسبوقة، حتى باتت المدارس عاجزة عن القيام بدورها، مع فصول مكتظة، وأخرى مدمرة، ومعلمين بلا رواتب منذ سنوات، ونتيجة لذلك أنهى آلاف الطلاب مراحلهم الدراسية بلا قدرة حقيقية على القراءة والكتابة، وهو ما شكل فجوة تعليمية كبرى.

في ظل هذا الواقع المأساوي، برزت مبادرات فردية محاولة إحداث فارق، كمبادرة “صوت الريف” التي أطلقها الشاب “أحمد الصالح” في قريته وادي الجنات بمحافظة إب، ليعيد للأطفال نافذة أمل من خلال تعليمهم مهارات القراءة تدريجيًا، ويحول الكتاب من رفاهية مفقودة إلى أداة تمكّنهم من التعلم والفهم.

يقول الصالح لـ”منصة ريف اليمن”: “خلال إجازة عيد الأضحى الماضي، اصطحبت معي إلى قريتي مجموعة قصص كانت بناتي في الصف الرابع قد قرأنها في المدينة حيث أعيش، لكنني فوجئت أن طلاب القرية، بمن فيهم طلاب في الثانوية والإعدادية، عاجزون عن قراءتها بشكل صحيح”.


    مواضيع مقترحة


مبادرة بلا تمويل

ويضيف: “حينها أدركت أن هناك خللا عميقا فبدأت الفكرة بأن أُسهم في تعزيز المسار التعليمي، وبدأت أعلّمهم أساسيات القراءة، ثم أقودهم تدريجيا عبر قصص مناسبة لمستوياتهم حتى يصلوا إلى النصوص المتقدمة، عبر مبادرة تطوعية بلا تمويل ولا مؤسسات داعمة، هدفها البسيط أن تساعد أبناء القرية على امتلاك أول مفاتيح التعلّم وهي القدرة على القراءة”.

خلف هذا المشهد الصغير تختبئ أزمة وطنية أكبر؛ فالتعليم في اليمن يعيش انهيارًا غير مسبوق منذ قرابة عقد من الزمن، وهناك أكثر من 2,426 مدرسة خرجت عن الخدمة وفق تقارير “اليونيسف“؛ بعضها دُمِّر كليًا، وبعضها تحوّل إلى ملاجئ للنازحين أو مقار عسكرية. ومع كل مدرسة تُغلق؛ يُحرم آلاف الأطفال من أبسط حقوقهم.

لم يقف الأمر عند حدود المباني، فمنذ 2016 يعيش عشرات الآلاف من المعلمين بلا رواتب منتظمة، ما دفع الكثيرين إلى ترك المهنة، فيما لجأت مدارس إلى الاستعانة بأشخاص من خارج السلك التربوي، الأمر الذي انعكس مباشرة على جودة التعليم.

يضاف إلى ذلك الاكتظاظ الهائل في الفصول الدراسية بسبب النزوح؛ ففي كثير من المناطق يتجاوز عدد الطلاب خمسين طالبًا في الصف الواحد، وفي صميم الانهيار التعليمي هناك فجوة واضحة؛ فطلاب في المرحلة الإعدادية والثانوية لا يستطيعون قراءة نصوص مخصصة لتلاميذ الصفوف الأولى.

بدأ الصالح تعليم أساسيات القراءة تدريجيا عبر قصص مناسبة لمستوياتهم حتى وصلوا إلى النصوص المتقدمة (ريف اليمن)

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى ما يُعرف عالميًا بـ “فقر التعلّم”، أي عجز الطفل في سن العاشرة عن قراءة نص بسيط وفهمه، ووفق تقارير للبنك الدولي واليونسكو واليونيسف والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عام 2022، فإن 70% من أطفال الدول الفقيرة يعانون من هذه المشكلة، أما في اليمن، فالنسبة مرشحة لأن تكون أعلى بكثير بسبب الحرب والانقطاعات التعليمية المستمرة.

بدأ أحمد بتوفير قصص للمبتدئين، ثم انتقل معهم إلى المستوى المتوسط، وأخيرا إلى قصص أكثر تعقيدا ومتقدمة، وبحسب أحمد فإن المفاجأة كانت أن الإقبال تجاوز كل توقعاته، إذ كان يتوقع نحو عشرين طالبا، لكن العدد قفز إلى أكثر من ستين.

من الامتحان إلى التحفيز

مع مرور الوقت، تمكن خمسة وعشرون طالبا وطالبة من قراءة أكثر من ثلاثين قصة متوسطة، والانتقال إلى المستوى المتقدم (خلال ستة أسابيع)، ولا تزال عملية التقدم مستمرة، ويديرها طلاب من الذين استفادوا من التجربة تحت إشراف ومتابعة أحمد.

لم يكتف أحمد بتوزيع القصص، بل صمم برنامجا تدريبيا متكاملا يبدأ بتقييم الطلاب عبر اختبار قراءة لتحديد مستواهم الفعلي، بغض النظر عن صفهم الدراسي، بعد الفرز، جرى توزيع الطلاب على ثلاثة مستويات: تمهيدي، متوسط، متقدم، ولكل مستوى قصص مناسبة وفرها أحمد بتمويل شخصي.

المنهجية اعتمدت على تعليم الطلاب طرق القراءة الفاعلة، والاستماع إلى الطلاب وهم يسردون القصة بأسلوب يعكس فهمهم، وطرح أسئلة من داخل النصوص للتأكد من الفهم مع زيادة صعوبة الأسئلة تدريجيا، وإعادة القراءة عند ضعف مستوى الإتقان.

كما وسع البرنامج ليشمل تحسين الخط والإملاء بعد أن لاحظ ضعفا كبيرا فيهما، ولم يغفل عن عنصر التحفيز؛ إذ كان يعلّق أسماء المتميزين أسبوعيا عند مدخل القرية لرفع المعنويات وزيادة المنافسة، وحتى العادات الاجتماعية التي منعت بعض الفتيات من الحضور لمقر التدريب، وجد لها حلا عبر تكليف فريق ميداني متطوع من الطلاب للنزول إلى بيوتهن واختبارهن.

قائمة بأسماء الطلاب المتميزين معلقة على أحد جدران القرية تشجيعا لهم (ريف اليمن)

سرعان ما ظهرت النتائج، يؤكد الأستاذ خليل، مدرس اللغة العربية في المدرسة لـ “منصة ريف اليمن”: “لقد لاحظت تحسنا كبيرا في مستوى طلاب القرية، فقد أصبح مستواهم متقدما على أبناء القرى المجاورة”.

كما رصد مراسلنا، انطباعات الطلاب عن المبادرة لقصص نجاح فردية ملهمة، فقد قالت أماني لـ “منصة ريف اليمن”: “تخليت عن مشاهدة التلفاز وتضييع الوقت في أشياء غير مهمة. أصبح وقتي كله قراءة، وتحسّن مستواي بشكل كبير”.

أما الطالب عاصم، وهو في الصف الرابع، يقول لـ “منصة ريف اليمن”: “ما ناش مصدق أني وصلت لهذا المستوى. أصبحت أقرأ أفضل من طلاب في الإعدادية.” أما عبده، الطالب في الثاني الثانوي، فيؤكد: “لقد تحسنت مهارتي بالقراءة كثيرا، وهذه المبادرة وفرت لي كتبا كنت أتمنى أن أجدها منذ زمن”.

نشاط ثقافي ملهم

لم تكن مبادرة أحمد مجرد نشاط ثقافي عابر، بل مثلت فعل مقاومة ذكيا في وجه أزمة وطنية خانقة، فهي تتصدى مباشرة لجذر المشكلة المتمثل في “فقر التعلّم”، من خلال تزويد الطلاب بمواد قرائية مناسبة، وتدريبهم على الفهم والسرد، وخلق بيئة جماعية محفزة. الأهم من ذلك أن التجربة أثبتت قابليتها للتطبيق في أي قرية يمنية أخرى، لتكون بمثابة نموذج يمكن تكراره وتوسيعه في مناطق متعددة.

إشراك الطلاب المتفوقين كمدربين لم يكن مجرد فكرة تنظيمية، بل خطوة استراتيجية نحو الاستدامة؛ فهؤلاء الطلاب تحولوا إلى قدوات لغيرهم، وأصبحوا جزءا من حلقة تعليمية قادرة على تجديد نفسها بنفسها، حتى في ظل غياب الإمكانات وغياب صاحب المبادرة والاكتفاء بالإشراف والزيارات المؤقتة.

بإصرار أحمد، نجحت مبادرة “صوت الريف” في أن تجعل من القراءة عادة يومية لعشرات الطلاب، لكنها لا تزال حتى اللحظة حبيسة جهود فردية وإمكانات محدودة، فأحمد يدرك أن ما تحقق حتى الآن مجرد بداية، ويعترف بأن حلمه يتجاوز الواقع بكثير، ويقول: “أتمنى أن أكرم الطلاب بشهادات وجوائز، وأن أؤسس لهم مكتبة كبيرة، وأن تتوسع التجربة لتصل إلى القرى المجاورة، لكن ضعف الإمكانات هو العائق الأكبر”.

بريق النجاح انعكس سريعا حتى خارج حدود القرية، حيث بدأ أولياء الأمور في القرى المجاورة بالمطالبة بتكرار التجربة عند أبنائهم، فيما اكتفى بعضهم بالقصص القليلة التي وزعها أحمد، لكنها لم تكن كافية لتلبية الطلب المتزايد، ما يكشف بوضوح أن المبادرة لم تعد حاجة محلية ضيقة، بل صارت مطلبا مجتمعيا أوسع يحتاج إلى غطاء رسمي ودعم من المؤسسات التعليمية والجهات المانحة.

رغم نجاحها، تواجه مبادرة “صوت الريف” سؤالا جوهريا: كيف تستمر وتتوسع؟ الإجابة تبدو بسيطة من حيث الشكل، لكنها عميقة في أثرها، فتوفير مكتبة مجتمعية صغيرة مجهزة بالقصص والروايات المناسبة للمراحل المختلفة كفيل بمضاعفة عدد المستفيدين، كما أن تقديم شهادات تقدير وجوائز للمشاركين من شأنه أن يعزز روح التحدي ويحفّز الطلاب على مواصلة القراءة في القرية.

الأمر يتطلب أيضا تدريب المزيد من المتطوعين القادرين على إدارة الجلسات القرائية والإشراف على الأطفال في القرى المجاورة؛ لضمان استدامة الجهود وعدم توقفها عند حدود قرية واحدة.

يقف أحمد الصالح وأطفاله القراء على مفترق طرق التجربة أثبتت أن التغيير ممكن حتى في أقسى الظروف، وأن القراءة قد تكون أداة مقاومة ذكية في وجه الحرب والحرمان، وكل قصة يقرأها طفل ريفي هي انتصار صغير على الجهل واليأس، وخطوة جديدة نحو جيل مختلف، يملك شغف المعرفة وإرادة التغيير.

ما حققته هذه التجربة يؤكد أن الحلول قد تبدأ من خطوات متواضعة، وأن وجود دعم من مؤسسات التعليم أو منظمات المجتمع المدني أو حتى الأفراد القادرين قد يحول مبادرة شخصية إلى مشروع وطني واسع النطاق، ورغم نجاحها تقف المبادرة منتظرة شراكات أوسع، رسمية أو مجتمعية، حتى تتحول القراءة من مبادرة فردية إلى ثقافة عامة تعيد للتعليم شيئا من عافيته المفقودة.