السبت, 7 نوفمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
موسوعة

‹جبل صَبِر› حارس مدينة تعز وملك الجبال الجنوبية

ريف اليمن 📅 نوفمبر 7, 2026

جبل صبر الواقع في تعز هو ‹ملك الجبال الجنوبية› كما يصفه لسان اليمن المؤرخ الهمداني، حيث يعد حارس المدينة الجغرافي المأهول بالسكان ويبلغ إرتفاعه أكثر من ثلاثة ألف متر عن مستوى سطح البحر.

طبوغرافيا، يدخل جبل صبر ضمن مناطق المرتفعات الوسطى والجنوبية ويشكل معلماً مهماً ويشرف على المناطق الجنوبية من أعلى قمة فيه هي قمة جبل العروس.

وعلى امتداد شريانه الجغرافي، تتجلى الهوية الإنسانية للجبل في المرأة الصبرية، التي تمثل بزيها التقليديّ الفريد رمزاً ثقافياً حياً في ذاكرة تعز الاجتماعية، وشاهداً على أدوارها الإنتاجية والتراثية.

وجيولوجياً، هو جبل جراتيني من العصر الثلاثي صخوره غنية جداً بالمكثفات بكافة أنواعها وفيها معدن الهاليت” والفلزات المعدنية إضافة إلى صخور بركانية منها كوارتز والمونزونيت، وفق المركز الوطني للمعلومات.


مواضيع مقترحة


يضم جبل صَبِر ثلاث مديريات وهي صبر الموادم، ومشرعة وحدنان، والمسراخ (الصورة: محمد التويجي/ ريف اليمن)

الموقع والسكان

يقع جبل صبر في الجزء الجنوبي من مدينة تعز ضمن النطاق الأوسط للمحافظة، حيث يمتد كحائط صد طبيعي، ويرتفع عن سطح البحر بأكثر 3,070 متراً، وعن المدينة بنحو 1500 متر.

تتسم تضاريس جبل صبر بين مدرجات زراعية خضراء، ووديان سحيقة، وشبكة من الطرق الملتوية التي تلتف حول السفوح لتصل بين التجمعات السكانية وتربط الجبل بمركز المدينة.

ويضم جبل صَبِر ثلاث مديريات وفق التقسيم الإداري كالتالي:

• صبر المَوادم: تقع جنوب وشرق مدينة تعز، وتحيط بها من الشمال مديريات صالة، القاهرة، والمظفر والتعزية، ومن الجنوب مديريتي المسراخ وخدير، ومن الشرق مديرية خدير وجزء من مديرية ماوية، ومن الغرب مديرية مشرعة وحدنان.
مساحتها تقدر بنحو 202 كيلومتر مربع.

• مَشْرَعَة وحدنان: تقع جنوب مدينة تعز على بعد نحو 22 كيلومتر تحيط بها من الشمال مديرية التعزية ومن الشرق مديرية صبر الموادم ومن الجنوب مديرية جبل حبشي ومن الغرب مديرية مقبنة.
مساحتها حوالي 14.8 كيلومتر مربع.

• المِسْرَاخ: تقع جنوب غرب مدينة تعز على بعد نحو 25 كيلو متر، يحيط بها من الشمال مديرية مشرعة وحدنان، ومن الجنوب مديريتي سامع والمعافر، ومن الشرق مديرية صبر الموادم، ومن الغرب مديرية جبل حبشي.

تقدر مساحتها بنحو 90.6 كيلومتر مربع.

ووفقا لأخر إحصاء رسمي عام 2004، يبلغ عدد سكان مديريات صَبر الثلاث، 234 ألف نسمة، لكن ووفقا لمعدل النمو السنوي في تعز 2,47 بالمئة، فيقدر عدد السكان التقريبي حاليا نحو 400 ألف نسمة.

ويرتبط التواجد السكاني الكثيف بـ 31 عزلة إدارية تتفرع منها مئات القرى المأهولة التي تمتد من قاعدة الجبل وصولاً إلى أعلى قمة الجبال، ويعتمد السكان على النشاط الزراعي في المدرجات الزراعية الصغيرة كجزء من توفير سبل العيش.

المعالم السياحية

تعد رحلة الصعود إلى قمة جبل صبر تجربة مدهشة إذ تنبض طرقاته الملتوية بالحياة والحركة كشريط حي يعرض يوميات السكان وعلاقتهم الوثيقة بالأرض والجبل في مشهد بانورامي متجدد، بإيقاع الحياة اليومية المنتظمة من خلال البائعين والبائعات على جنبات الطريق لعرض المشاقر والورود والرياحين.

كما تضفي فتيات ونساء جبل صبر بملابسهن التقليدية التراثية المميزة طابعاً حيوياً على تسويق تلك المنتجات المحلية، لتشكل الحركة السياحية والتجارية لوحة حية تعبر عن التراث غير المادي الأصيل لمحافظة تعز وتلفت اهتمام الزوار والوافدين.

يضم الجبل نسيجاً أثرياً وثقافياً متعدداً، حيث يبرز في أعلاه حصن تاج العروس التاريخي كأحد أهم الملاذات العسكرية والاستراتيجية الحصينة التي تعاقبت على السيطرة عليه دول وحكومات قديمة لحماية وتأمين الطرق التجارية والمسالك الجبلية.

يمنح موقع الحصن لزائريه فرصة التطلع إلى مشاهد بانورامية بعيدة المدى تكشف أجزاء واسعة من مدينة تعز وتصل إلى حدود المحافظات المجاورة.

تتسم تضاريس جبل صبر بين مدرجات زراعية خضراء، ووديان سحيقة (الصورة: محمد التويجي/ ريف اليمن)

كما يضم الجبل مسجد أصحاب الكهف في عزلة المعقاب الذي ترتبط به المرويات الشعبية والتاريخية المحلية، إضافة إلى المقابر الصخرية القديمة والشواهد الأثرية المحفورة في أحضان الصخر.

وتكتمل اللوحة الأثرية بالقرى الريفية المعلقة التي تتوزع بثبات على الشوامخ والسفوح الحادة، وتشكل نسيجاً معمارياً يندمج مع الطبيعة وتمنح ساكنيها وزوارها مشاهد بانورامية خلابة تطل مباشرة على شوارع تعز وأحيائها الممتدة في الأسفل.

ويعد جبل صبر الوجهة السياحية الأولى والمتنفس الطبيعي الأبرز لسكان مدينة تعز والزائرين الوافدين إليها من مختلف المحافظات، لا سيما في فصلي الربيع والصيف.

وبفضل اعتدال المناخ وانخفاض درجات الحرارة، وكثافة غطائه النباتي الذي تكسوه الأمطار الموسمية، يقدم الجبل عرضاً سياحياً متنوعاً مقترناً بخدمات سياحية جيدة، كالمطاعم والمتنزهات والاستراحات الممتدة على طول الطريق، مما يجعله مولداً رئيساً لفرص العمل للسكان المحليين ومصدراً لروافد اقتصادية متجددة للقطاع السياحي.

نبذة تأريخية

وصف لسان اليمن المؤرخ الهمداني 〈عاش في القرن التاسع ميلادي〉 جبل صبر في كتابه «الصفة» بأنه ‹ملك الجبال الجنوبية حصن منيع وهو من الجبال المسنمة من المعافر ويسكنه الحواشب والسكاسك وفيه آبار›.

هذا الوصف يشير إلى ان أحد أعظم جبال اليمن الجنوبية وأكثرها منعة، إذ يتميز بقممه الشاهقة الحادة التي جعلته من ‹الجبال المسنمة› ويقع ضمن مخلاف المعافر، وكان موطنًا لقبيلتي الحواشب والسكاسك، وهي قبائل حمير القحطانية، وقد ورد ذكرهما في المصادر التاريخية والأنساب العربية.

وخلال العصر الإسلامي كان لجبل صبر أهميه إستراتيجية من الناحية الدفاعية حيث أوردت المصادر التاريخية، دوره في عهد الدولة الصليحية، وبقى في أيدي ملوك الدولة الزريعية إلى أن استولى عليه توران شاه الأيوبي عام 569 هجرية.

ثم سيطر عليه الرسوليين إلى أن تسلمه سلاطين الدولة الطاهرية وفي الفترة الأولى من حكم الدولة العثمانية لليمن، استولى ‹أويس باشا› على مدينة تعز وما حولها من الحصون بما فيها جبل صبر.

المعالم الأثرية والتاريخية والسياحية في جبل صبر هي:

  • المساجد القديمة

مسجد أهل الكهف، الذي يرتبط أسمه بواقعة أهل الكهف التي وردت في القرآن الكريم ويذكره الرحالة والجغرافي إبن المجاور 〈عاش في القرن الثالث عشر ميلادي〉 في كتابه «صفة بلاد اليمن والحجاز» ويشير أن في مدخل المسجد عين تسمى‹عين الكوثر›.

ويقع المسجد في قريتي ذمرين والمعقاب غرب جبل العروس وبني فوق مرتفع صخري بأحجار كلسية طليت بالقضاض، وهو عبارة عن بناء مستطيل الشكل يرتكز سقفه الخشبي على أعمدة من الخشب تزين تيجانها زخارف محفورة.

ويقع شمال المسجد عدداً من الأضرحة والقبور وفي الناحية الشرقية توجد فجوه محفور في الصخر يبدو أنها تتصل بسرداب طويل يؤدي إلى فتحه أخرى تعرف باسم ‹فتحة الكهف› ويقال أنها تمتد إلى مدينة ثعبات الواقعة في أسفل الجبل من الجهة الشرقية.

أيضا مسجد الشعرة، والذي يقع في الناحية الشرقية من قرية العارضة أسفل قلعة العروس بناه الشيخ ‹أحمد حسين بن إبراهيم› المعروف بصاحب الشعرة وأوقف عليه أموالاً كثيرة في قرية العارضة.

  • المقابر الصخرية

تقع في الشمال الشرقي من مدينة تعز على بعد نحو 15 كيلومتر، وتتبع مديرية صبر الموادم يعود هذا الموقع إلى عصر ما قبل الإسلام حيث تؤكـد الـشواهد الأثرية الظاهرة.

كما وجد موقع أثري على تل صخري أحتوى على مقبرة قديمة شرق قرية المحراق ويسميها الأهالي ‹سقف الحيد› نحتت القبور في باطن الصخر وتتخذ الأشكال الدائرية والبيضاوية والمستطيلة ولها فتحات خارجية تمثل مداخل لها وتؤدي عبر ممرات إلى غرف الدفن.

كما توجد مواقع أثرية في منطقة ‹حمام علي› إلى الشمال من الطريق المؤدي إلى الحمام وهي عبارة عن مساكن شبيهة تماماً بمواقع العصور الحجرية التي كشفت عنها أبحاث البعثة الأثرية لإيطالية في منطقة خولان الطيال بمحافظة صنعاء.

  • حمام جبل صبر الطبيعي العلاجي

يقع منبع الحمام في قرية المرازح التابعة لمديرية صبر الموادم تتميز مصادر مياهه المعدنية بالبرودة وذلك على عكس بقية الينابيع الأخرى حيث تمتلك مجموعة من المواد المعدنية والعناصر الكيمائية.

كما تتميز مديرية مشرعة حدنان بوجود عدد المواقع الأثرية والتاريخية التي تحتاج إلى تنقيب أثري شامل ودراسات أثرية جديرة بها تكشف النقاب عن الخلفية التاريخية، وفق المركز الوطني للمعلومات.

  • مدينة جَبَأ التأريخية

مدينة جَبَأ هي مدينة أثرية تقع في مديرية المسراخ، ورد ذكرها في النقوش القديمة باسم «جباو» وهي إحدى الممالك اليمنية القديمة وينسب إليها الملوك الجبائيون كما اشتهرت قديماً بالتجارة والصناعة.

أصبحت المدينة الآن أشبه بخرابه، لم يبق منها غير مسجدها وسوق هنالك يسمى سوق جَبَأ، رغم أنها كانت من مدن اليمن المشهورة، ومن المواقع الأثرية المهمة في المسراخ، منطقة ‹حصبان› حيث ينسبها الإخباريون إلى ‹حصبان بن حذيفة بن حجر بن قاول›.

لمحة عن الوضع الحالي

نظراً لموقع جبل صبر الاستراتيجي المطل على مدينة تعز وعدد من المحافظات الجنوبية جرى فيه خلال السنوات الماضية من الحرب في اليمن معارك سيطرة مختلفة، وأثرت تلك المواجهات على حياة الناس وتنقلهم.

كما تسببت الحرب في تعطيل الحياة الاقتصادية والزراعية في مناطق واسعة من الجبل، وتقطيع أوصال التواصل بين القرى ومركز المدينة، وتحول الجبل إلى مسرحاً لتحديات إنسانية وتنموية.

رغم المكانة الجغرافية والتاريخية والاستثنائية لجبل صبر، إلا أن القرى والسكان يواجهون تحديات جسيمة تضاعفت حدتها خلال السنوات الأخيرة، وتبرز أزمة مياه الشرب في مقدمة المعاناة.

المراجع: المركز الوطني للمعلومات

ريف اليمن