قبل عامين، تخرج الشاب أحمد فهد من كلية التجارة تخصص المحاسبة المالية، حاملا شهادة جامعية اعتقد أنها ستكون مفتاحه الأول إلى سوق العمل، لكنه منذ أن بدأ البحث عن وظيفة، وجد نفسه أمام مفارقة لم يتوقعها؛ فكلما اقترب من فرصة، واجهه السؤال ذاته أين شهادة الخبرة؟
أحمد، المنحدر من مديرية مشرعة وحدنان بمحافظة تعز، لم يكتف بشهادة المحاسبة، بل واصل دراسته في تخصص تقنية المعلومات، وأكمل عامه الثاني ويستعد لدخول عامه الثالث، وبين مواصلة دراسته والبحث عن وظيفة، يحاول أن يشق طريقه في سوق عمل يصف الوصول إليه بالشاق، في ظل الظروف التي تعيشها البلاد.
يقول أحمد لـ “ريف اليمن”، إنه كان يدخل مقابلات التوظيف بمعنويات مرتفعة، مؤمنا بأن سنوات الدراسة ستقوده في النهاية إلى وظيفة تعينه على أعباء الحياة وتساعده على إكمال دراسته، لكن تلك المعنويات اصطدمت مرارا بشرط لم يستطع تحقيقه الخبرة السابقة.
ويضيف:” في إحدى مقابلات التوظيف، وبعد الاطلاع على إفادة التخرج وسؤالي عن المدة التي انقضت منذ التخرج، أبلغت بأن المؤسسة تبحث عن شخص لديه خبرة عملية”، كان حينها حديث التخرج، ولم تتح له فرصة العمل في تخصصه من قبل، لتنتهي المقابلة بخيبة أمل، لا بسبب نقص مؤهله الأكاديمي، بل لافتقاده خبرة لم تتح له الفرصة لاكتسابها.
مواضيع مقترحة
- التدريب المهني: خيار شباب الريف لمواجهة الأزمات
- نائب رئيس جامعة تعز: العزوف عن كليات التربية يهدد مستقبل الأجيال
- عميد كلية ناصر لحج: التعليم التطبيقي مفتاح الأمن الغذائي
الاستبعاد بسبب الخبرة
وتكرر الأمر في مقابلة أخرى، حين كان يستعد للإجابة عن أسئلة تتعلق بالمحاسبة والقوائم المالية والقيود المحاسبية، لكنه فوجئ بأن التركيز انصب على خبراته السابقة وشهادات الخبرة التي لا يملكها.
ويوضح أحمد أنه تقدم إلى وظائف عدة من دون أن يحصل على فرصة، وكان يأمل أن تكون الوظيفة بداية حياته المهنية، لكن غياب شهادة الخبرة ظل سببا لاستبعاده، وبدا له أن الشهادة التي تثبت سنوات دراسته لم تكن كافية لفتح أبواب سوق العمل.
ورغم ذلك، لم يبقَ أحمد خارج سوق العمل تماما؛ فقد عمل أمينا للمخازن، وخاض تجربة في المبيعات، واكتسب من تلك الأعمال واحتكاكه بالآخرين مهارات عملية، غير أن هذه التجارب لم تحتسب له عند التقدم إلى وظائف المحاسبة، لأنها لم تكن في تخصصه، ولم تمنحه خبرة موثقة في استخدام أنظمة المحاسبة.
ومع تكرار الرفض، بدأ أحمد يعيد التفكير في قدراته ومستقبله المهني، وفي الطريقة التي كان ينبغي أن يستعد بها لسوق العمل، ويؤكد أن الدراسة الأكاديمية وحدها لم تكن كافية، وأن اكتساب المهارات التطبيقية والتدرب على أنظمة المحاسبة بالتوازي مع الدراسة الجامعية كان يمكن أن يمنحه فرصة أفضل عند التخرج.
محاولات لا تكتمل
لا تختلف تجربة سلمى، وهو اسم مستعار لخريجة إعلام من مديرية صبر الموادم، كثيرا عن قصة أحمد، فقد بدأت البحث عن أول فرصة عمل قبل نحو عامين، وكانت محطتها الأولى إحدى الإذاعات المحلية، حيث تقدمت للعمل وطلب منها الحضور لفترة قصيرة للاستماع إلى أداء المذيعين، على أن تخضع لاحقا لاختبار يؤهلها للعمل.
وتقول سلمى لـ “ريف اليمن”، إنها أمضت أسبوعا في الانتظار، ثم أسبوعين، قبل أن ينقضي شهر كامل من دون أن تتلقى ردا، رغم محاولاتها المتكررة للتواصل مع الإذاعة، ومع استمرار الصمت، تضاءلت آمالها في القبول، وتركت التجربة أثرا نفسيا عليها، ودفعتها إلى الشعور بالحزن والتشكيك في كفاءتها.
غياب شهادة الخبرة ظل سببا لاستبعاد أحمد وبدا له أن الشهادة التي تثبت سنوات دراسته لم تكن كافية لفتح أبواب سوق العمل
لم تتوقف محاولات سلمى عند هذه التجربة؛ فقد تقدمت إلى مؤسسة إعلامية أخرى للحصول على فرصة تدريب، مع وعد باختيار المتميزين للعمل بعد انتهاء التدريب، لكن مقابلة القبول انتهت باستبعادها هي ورفيقتها.
حاولت بعد ذلك اكتساب الخبرة من خلال المشاركة في مبادرات وفعاليات تطوعية، لكنها تقول إن أصحاب الخبرات السابقة كانوا يحظون بالأولوية، فيما أسندت إليها مبادرات أخرى أعمالا لا ترتبط بتخصصها، وهو ما حدّ من قدرتها على بناء خبرة مهنية في مجال الإعلام.
ومع تضاؤل فرص العمل في تخصصها، اضطرت سلمى إلى العمل في مجالات أخرى، بينها السكرتارية والعمل في مكتبة، لا بوصفها خيارات مهنية مرتبطة بدراستها، بل وسيلة لتلبية احتياجات الحياة، وترى أن المشكلة لا تكمن في غياب رغبة الخريجين في العمل، بقدر ما ترتبط بصعوبة الوصول إلى الفرصة الأولى التي تتيح لهم إثبات قدراتهم واكتساب الخبرة المطلوبة.
فجوة بين التعليم والسوق
ويضع هيثم العامري، مسؤول البرامج في إحدى المنظمات، هذه التجارب في إطار أوسع، يتمثل في الفجوة بين التعليم الجامعي ومتطلبات سوق العمل، ويرى أن ما يتلقاه الطالب خلال سنوات الدراسة لا يواكب، في كثير من الأحيان، المهارات التي يتطلبها سوق العمل، مرجعا ذلك إلى عدم تحديث المناهج والبرامج التعليمية بصورة مستمرة في عدد من التخصصات.
ونتيجة لذلك، يدخل الخريج سوق العمل وهو يمتلك معرفة أكاديمية، لكنه قد يفتقر إلى بعض المهارات التطبيقية اللازمة لأداء الوظيفة، ما يدفع بعض الخريجين إلى التوقف عن البحث في تخصصاتهم أو الانتقال إلى أعمال لا ترتبط بدراستهم.
ويشير العامري إلى أن نقص الخبرة يمثل جانبًا آخر من المشكلة؛ فحديث التخرج لا يمتلك، بطبيعة الحال، سجلا مهنيًا طويلًا ينافس به أصحاب الخبرة، وعندما لا يجد فرصة للتوظيف، قد يتجه إلى العمل التطوعي بحثًا عن تجربة يضيفها إلى سيرته الذاتية.
لكن التطوع -بحسب العامري- لا يؤدي بالضرورة إلى اكتساب خبرة مهنية حقيقية، خصوصا عندما تكون الجهة مكتفية بالموظفين، أو عندما لا يمنح المتطوع مهام فعلية مرتبطة بتخصصه، وهكذا قد تتحول محاولة تجاوز حاجز الخبرة إلى حلقة مفرغة، لا وظيفة بسبب غياب الخبرة، ولا خبرة مهنية كافية من دون وظيفة أو تدريب عملي حقيقي.
حلقة مفرغة
من جهته، يرى فؤاد الفقيه، مدير مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، أن انعدام الخبرة يمثل عائقًا أمام الخريج حديث التخرج، الذي لا يمتلك عادةً الخبرة اللازمة للالتحاق بسوق العمل مباشرة بعد الجامعة.
ويشير الفقيه إلى أن ذلك قد يدفع بعض الشباب إلى العزوف عن مواصلة البحث عن فرص توظيف، أو اللجوء إلى التطوع لدى جهات لديها اكتفاء من العمالة، من دون أن تتيح لهم بالضرورة تنفيذ مهام فعلية تساعدهم على اكتساب الخبرة وإثبات جدارتهم.
ويضيف أن بعض هذه التجارب قد تنتهي باستغلال جهود المتطوعين من دون مقابل، فيما يظلون عاجزين عن الحصول على الخبرة المهنية التي يحتاجون إليها للتقدم إلى وظائف أخرى.
ويقول الفقيه إن حلقة الوصل بين الجامعات وسوق العمل أصبحت ضعيفة؛ ففي السابق، كانت بعض الشركات والمؤسسات الحكومية توفر مسارات للتلمذة والتدريب العملي، بينما يتخرج الطلاب اليوم، في حالات كثيرة، بمعرفة نظرية في وقت يتطلب فيه سوق العمل مهارات تطبيقية.
ويرى أن الخريج يجد نفسه أمام فجوة لا تتحمل جهة واحدة مسؤولية معالجتها، وقد يضطر إلى البحث عن فرص تطوعية غير مدفوعة مقابل اكتساب الخبرة.
الفقيه: حلقة الوصل بين الجامعات وسوق العمل أصبحت ضعيفة والخريج يجد نفسه أمام فجوة لا تتحمل جهة واحدة مسؤولية معالجتها
وبحسب تقديرات الفقيه، تتوزع مسؤولية المشكلة بين سوق العمل والنظام التعليمي والخريجين أنفسهم؛ إذ يعزو 40% منها إلى سوق العمل الذي يطلب الخبرة حتى في وظائف مبتدئة، و35% إلى النظام التعليمي الذي لا يوفر، وفق تقديره، تدريبا ميدانيا كافيا للخريجين، و25% إلى الخريجين الذين ينتظر بعضهم الوظائف الحكومية من دون تطوير مهارات إضافية أو خوض تجارب عملية.
وهذه النسب تقديرات يطرحها الفقيه لتوزيع أسباب المشكلة، وليست نتائج دراسة إحصائية موثقة في المعلومات المتاحة، كما يقدّر أيضا أن الفجوة بين التعليم الجامعي واحتياجات سوق العمل تمثل جانبًا كبيرًا من المشكلة.
مشيرًا إلى أن متطلبات الوظائف تتغير مع تطور الأدوات الرقمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وإدارة المشاريع والتسويق الرقمي واللغة الإنجليزية المهنية.
ويضيف أن بعض الخريجين يصلون إلى سوق العمل من دون إتقان مهارات أساسية تتطلبها وظائفهم، مثل استخدام برنامج إكس» أو كتابة المراسلات المهنية، ما قد يدفع أصحاب العمل إلى تفضيل مرشحين لديهم خبرة عملية، حتى لو كانوا أقل تأهيلا من الناحية الأكاديمية.
حلول تبدأ من التدريب
ولتخفيف بطالة الخريجين وتسهيل انتقالهم إلى سوق العمل، يقترح الفقيه حزمة من الإجراءات، تشمل إنشاء صندوق لدعم التوظيف الأول، تتكفل بموجبه الجهة الداعمة بدفع 50% من راتب الخريج خلال عامه الأول في الشركة، بما يشجع المؤسسات على استقطاب الشباب الذين يفتقرون إلى الخبرة.
كما يقترح ربط المناقصات الحكومية بالتزامات تتيح فرص عمل للخريجين الجدد، بحيث تخصص نسبة من الوظائف في المشاريع المستهدفة لهم، إلى جانب إنشاء منصة وطنية للتدريب تربط الخريجين بفرص تدريب وتطوع معتمدة، وتطوير برنامج سنة الخبرة الذي يتيح للخريج العمل لمدة عام في مؤسسة حكومية أو خاصة مقابل مكافأة وشهادة خبرة معتمدة.
وتشمل المقترحات كذلك توفير التمويل الأصغر للخريجين أصحاب المشاريع القابلة للتنفيذ، وتحويل بعض مشاريع التخرج إلى شركات ناشئة، إضافة إلى تدريب الشباب على العمل الحر وربطهم بالمنصات والفرص المناسبة بعد تأهيلهم واعتماد مهاراتهم.
العامري: المعالجة تبدأ بتحديد الاحتياجات العملية والمهارية لدى الجهات المستفيدة ثم توفير برامج تدريب متخصصة تستجيب لتلك الاحتياجات
بدوره يؤكد العامري أهمية تحديد احتياجات المؤسسات من التخصصات والمهارات قبل تصميم برامج التدريب، حتى لا تنتهي هذه البرامج بتأهيل شباب في مجالات لا تتوافر فيها فرص فعلية.
ويقترح أن تبدأ المعالجة بتحديد الاحتياجات العملية والمهارية لدى الجهات المستفيدة، ثم توفير برامج تدريب متخصصة تستجيب لتلك الاحتياجات، مع التنسيق مع المؤسسات المعنية للمشاركة في التدريب وتقديم جلسات إرشادية وتحفيزية للشباب.
ويشدد على ضرورة إلحاق المتدربين بفرص تدريب على رأس العمل داخل الإدارات والأقسام التي تحتاج فعلًا إلى كوادر جديدة، بما يضمن اكتسابهم خبرة عملية، مع متابعة أدائهم وتقييمهم من قبل الجهات المستضيفة، وتوفير التوجيه والدعم الفني اللازمين لهم.
ويرى العامري أن التنسيق المسبق مع المؤسسات يمكن أن يتيح للمتدربين أولوية في التوظيف عند توافر الشواغر واستيفائهم متطلبات الوظيفة، باعتبار أنهم خضعوا بالفعل للتدريب وتعرفوا إلى بيئة العمل وإجراءاتها.
تكشف تجربتا أحمد وسلمى عن جانب من التحديات التي تواجه الخريجين عند الانتقال من مقاعد الدراسة إلى الحياة المهنية؛ فالشهادة الجامعية لا تضمن وحدها الحصول على وظيفة، فيما تظل الخبرة شرطًا متكررًا حتى في بداية المسار المهني.
وبين تعليم يحتاج إلى تعزيز الجانب التطبيقي، ومؤسسات تطلب خبرة مسبقة، تشير المقترحات المطروحة إلى أن تجاوز هذه الفجوة يتطلب ربط التعليم باحتياجات المؤسسات، وتوفير تدريب عملي حقيقي، وفتح مسارات واضحة للتوظيف الأول، بحيث لا تبقى الخبرة شرطًا مغلقًا أمام الخريجين، بل تصبح نتيجة لفرصة يحصلون عليها في بداية حياتهم المهنية.





