يقف المزارع رضوان السروري (48 عاماً)، في قرية المشارقة بمديرية الشمايتين جنوبي محافظة تعز، أمام أرضه التي تجف محاصيلها بعد أيام من إنباتها؛ إثر الانقطاع المفاجئ للأمطار، وعجز الوسائل التقليدية مثل فرش أوراق الأشجار والقش عن حماية التربة من الجفاف.
يضطر السروري ومزارعو الشمايتين إلى شراء المياه عبر الصهاريج في محاولة مكلفة لإنقاذ ما تبقى من المحصول، لكن التكاليف الباهظة تضاعف أعباءهم في ظل ظروفهم المادية القاسية وغياب تقنيات الري الحديثة.
ويؤكد تكبده خسائر مالية تصل إلى 200 ألف ريال يمني في الموسم الواحد لشراء البذور والأسمدة فقط، نتيجة اضطراره لإعادة البذر ثلاث مرات متتالية وتأخر موسم الحصاد، دون احتساب تكلفة الجهد الشاق الذي يبذله مع أفراد أسرته في الحرث والسقي.
مواضيع مقترحة
- سيول شبوة.. تهدد الأراضي وتفاقم خسائر المزارعين
- المدرجات الزراعية في ريمة.. كيف دمرتها السيول؟
- «الحَفْرَة» ضربة المفرس الأخيرة لحماية حقول الذرة من العواصف
خسائر باهظة
ويوضح السروري لـ “ريف اليمن” أن تقلبات المناخ أربكت الموسم الزراعي، إذ بدأت الأمطار متقطعة من منتصف أبريل/نيسان ثم انقطعت تماماً في يونيو/حزيران، ما اضطره إلى تحويل زراعته من المحاصيل الحقلية كالذرة والدخن إلى الخضروات كالبطاطس والكوسا، الأمر الذي ضاعف خسائره وتسبب في شح حاد بأعلاف الماشية.

ولا تقتصر المعاناة على قرية المشارقة، حيث امتدت إلى قرية المذاحج، إذ تؤكد المزارعة أم سلطان (51 عاماً) لـ “ريف اليمن” أن التغيرات المناخية أربكت الحسابات الزراعية والخبرات الموروثة، موضحة أن المطر أصبح يأتي خفيفاً يخدع المزارعين في غير وقته ليحثهم على البذر ثم يختفي فجأة.
وتشرح أم سلطان طبيعة الهطول المتقطع الذي يبلل القشرة السطحية للتربة فتستجيب البذرة للإنبات، بينما تظل الجذور في الأعماق جافة، وما إن تتوقف الأمطار لأسبوعين وتشتد أشعة الشمس حتى تحترق الشتلات الطرية وتتصلب البذور داخل التراب، ما كبدها خسائر تجاوزت 100 ألف ريال يمني جراء إعادة البذر مرات متتالية.
ولا تقف الخسائر عند حدود تكاليف البذر، حيث تمتد إلى القوت اليومي للأسر، إذ تُبين أم سلطان أنها ستضطر هذا العام لشراء الدقيق والقمح والذرة من السوق بأسعار مرتفعة لا تطاق، بعد أن عجزت أراضيها عن إنتاج الحبوب خلال الموسم، لتفقد بذلك مصدر أمنها الغذائي الذاتي الذي كانت تعتمد عليها.
تلف المحاصيل
ويرى المزارع أحمد الشجاع (58 عاماً)، أن التغيرات المناخية لم تقتصر على تأخر الأمطار وشحها، بل امتدت لتصيب التربة والأشجار؛ إذ أصبحت الأرض قاسية تصعب حراثتها، فيما تتلف الأشجار وتصاب بالضعف والآفات.
ويوضح الشجاع لـ “ريف اليمن” أنه يزرع أرضاً مستأجرة بنظام مناصفة المحصول في وادي المشاح، تضم الذرة وعشرات الأشجار المثمرة 20 شجرة جوافة، 12 عنب عظام، 18 رماناً، و7 شجيرات الباباي، مبيناً أن الهطول الخفيف للأمطار ثم انقطاعها السريع يؤدي إلى تساقط الثمار في مرحلة التزهير، وانتشار مرض الجرب في الجوافة.
أم سلطان: الهطول المتقطع للأمطار يبلل القشرة السطحية للتربة فتستجيب البذرة للإنبات، بينما تظل الجذور في الأعماق جافة
ويؤكد الشجاع أنه عرض ثماراً مصابة على مكتب الزراعة في التربة دون الحصول على حلول جدية، قائلاً: ما قدموه لي لم يكن نافعاً، ما تسبب في إصابة ربع المحصول وتكبده خسائر مادية قُدّرت بما بين 700 و800 ألف ريال يمني، وتضرر القوت اليومي لأسرته بنسبة 70% مقارنة بالموسم الماضي.
الجفاف المخفي
يُشخّص المهندس الزراعي عبد الحميد العزي المعاينات الميدانية لمدرجات الشمايتين بظاهرة “الجفاف المخفي”، واصفاً إياه بأنه عجز مائي لا يظهر في كميات الأمطار المسجلة، بل في عدم وصول الرطوبة إلى منطقة جذور النبات؛ إذ تهطل أمطار قصيرة تبلل السطح مؤقتاً، فيبدو الحقل مبتلاً ظاهرياً بينما يعاني النبات إجهاداً مائياً في الطبقات الأعمق.
ويؤكد العزي لـ “ريف اليمن” أن هذا النمط المطري أشد خطراً من الجفاف الكامل؛ إذ يُغري الهطول الخفيف المزارعين بالبذر بالاعتماد على الرطوبة السطحية المؤقتة، لتستهلك البذرة مخزونها الغذائي ثم تواجه الجذور الموت المحقق فور تبخر المياه وتوقف الهطول.
وأوضح أن تساقط قطرات المطر الخفيفة على التربة المكشوفة يفكك حبيباتها ويسد مسامها، ليشكل مع التبخر السريع قشرة سطحية صلبة تمنع تسرب مياه الأمطار اللاحقة وتعوق خروج البادرات، فضلاً عن زيادة الجريان السطحي وانجراف التربة عند حواف المدرجات.

ولمواجهة الظاهرة، يوصي العزي بتدريب المزارعين على اختبار رطوبة العمق من 10 إلى 20 سنتيمتراً قبل البذر، وتطبيق التغطية النباتية بقش الذرة والأوراق الجافة للحد من التبخر، والزراعة على خطوط الكنتور، إضافة إلى تقسيم البذر على دفعات، داعياً إلى التمييز بين التغير المناخي طويل الأمد والنمط المطري الموسمي.
تدخلات رسمية
يشير مدير مكتب الزراعة والري بمديرية الشمايتين، سلطان الأصبحي، إلى أن الفرق الميدانية سجلت اتساعاً ملحوظاً في رقعة القرى والمتأثرة بالجفاف المتقطع؛ إذ انحبست الأمطار في فترات حرجة من نمو المحاصيل المطرية، في حين تسببت السيول المفاجئة في جرف التربة وتقليص المساحات الرعوية.
ويؤكد الأصبحي لـ “ريف اليمن” أن المكتب أحدث تحولاً في استراتيجيته هذا العام بالتركيز على تقنيات حصاد المياه، كبناء السقايات والبرك والخزانات، وربط توزيع البذور المحسنة بمدى امتلاك المزرعة مصدراً مائياً استراتيجياً لتجاوز تقلبات المواسم، خلافاً للعام الماضي الذي اقتصر على حصر البيانات وتوزيع أدوات الري التقليدية.
الأصبحي: الفرق الميدانية سجلت اتساعاً ملحوظاً في رقعة القرى والمتأثرة بالجفاف في حين تسببت السيول المفاجئة في جرف التربة وتقليص المساحات
ولفت الأصبحي إلى التواصل المستمر مع منظمة الأغذية والزراعة الفاو لتنفيذ مشاريع مستدامة كإنشاء سدود تجميعية وتأسيس بنك محلي للبذور، مستدركاً أن الجهود تظل محدودة مقارنة بحجم الكارثة المناخية.
وتتركز خطة المكتب المستقبلية على إنشاء الكرفانات والمصائد المائية، وإعادة بناء الجدران الساندة الظُّبر، وتوفير بذور مبكرة النضج ومقاومة للجفاف.
وتُشير التقديرات لعام 2026 إلى أن نحو 53% من سكان اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد؛ حيث يقعون ضمن المرحلة الثالثة – أزمة – أو أشد وفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC.
وتأتي الصدمة المناخية الجديدة لتضاعف الضغوط المعيشية وتُعطل الأنشطة الإنسانية في البلاد، لا سيما في ظل التراجع المستمر في حجم المساعدات الإغاثية الدولية واستمرار التداعيات الاقتصادية؛ مما يضع أكثر من نصف السكان أمام مخاطر معيشية متزايدة مع اتساع رقعة الحرمان.





