توقف مشروع شق طريق قرية المرزوح في مديرية صبر الموادم بمحافظة تعز قبل اكتماله بنحو 500 متر نتيجة توقف التمويل، مما أبقى أكثر من 11 ألف نسمة يتوزعون على ست قرى محرومين من الخدمات الأساسية والمراكز الطبية منذ عقود.
وكان الأهالي قد أطلقوا أواخر عام 2022 مبادرة ” الفلاح” لشق طريق بطول 1.5 كيلومتر بتكلفة تقديرية بلغت 70 مليون ريال يمني. ونجحت المبادرة بجمع 41 مليون ريال عبر تبرعات محلية ومساهمات المغتربين، إلى جانب تنازل مواطنين عن أجزاء من أراضيهم ومزارعهم، ليُنجز السكان بجهود تطوعية نحو كيلومتر واحد قبل توقف الأعمال.
تقف المسافة المتبقية رغم صغرها عائقًا أمام وصول السكان إلى الخدمات الأساسية والمراكز الصحية، بعد أن بذل المجتمع المحلي كل ما يملك لإنجاز الجزء الأكبر من المشروع، ويأمل السكان أن يصل صوتهم إلى الجهات المختصة لتمويل ماتبقى وإنجاز الحلم.
مواضيع مقترحة
- كبار السن في الأرياف.. عزلة تمتد حتى آخر العمر
- رصف الطرقات.. مبادرات ريفية لإنقاذ الحياة
- قرى في الضالع.. سفر مرهق لأجل أساسيات الحياة
معاناة المرضى
تفرض الحالات الصحية الطارئة تحديات يومية على سكان قرية المرزوح، حيث يستغرق الوصول إلى أقرب مسار مخصص للمركبات وقتا كبيرا سيراً على الأقدام، بينما تتسع الرحلة لتصل إلى خمس ساعات من القرى المجاورة.
ويُضطر الأهالي إلى نقل المرضى والنساء الحوامل على الأكتاف أو ظهور الدواب عبر مسالك جبلية وعرة، قبل الوصول إلى وسيلة مواصلات تنقلهم إلى المستشفى، وهو ما يحول عملية الإسعاف إلى رحلة محفوفة بالمخاطر وتأخر الرعاية الطبية.
يروي عبد الكريم سعيد، المصاب بانزلاق غضروفي منذ أكثر من 11 عاماً، معاناته موضحاً لـ “ريف اليمن” أنه يحتاج إلى أربعة أشخاص لحمله على المحفة للوصول إلى المدينة لإجراء الفحوصات، بتكلفة تصل إلى 18 ألف ريال يمني للذهاب و24 ألف ريال للعودة، فضلاً عن تعثر رحلته أحياناً في حال عدم توفر من يحمله، مما يُبقيه في الطريق لساعات معرضاً جسده للانتكاسات الصحية.
ويوضح فهد سلطان أن نقل المرضى غير القادرين على المشي يتم عبر التناوب بين الأهالي لحملهم بالوسائل البدائية حتى النقطة التي تصل إليها السيارات.
وأكد لـ “ريف اليمن” أن المشكلة تكمن في الحالات الحرجة كالنزيف أو الولادة، حيث تؤدي عملية النقل الشاقة التي تستغرق ساعات إلى وفاة بعض المرضى قبل الوصول إلى المستشفى.

وأشار إلى أن غياب الطريق جعل التفكير الأول لدى الأهالي عند حدوث أي حالة مرضية لا يتركز في البحث عن طبيب، بل في كيفية إخراج المريض من القرية بأسرع وقت ممكن للوصول إلى أقرب نقطة طبية.
الأعباء الاقتصادية
تتحول عملية نقل الاحتياجات الأساسية ومواد البناء في قرية المرزوح إلى عبء مالي إضافي يُثقل كاهل الأسر؛ حيث تصل تكلفة نقل كيس الدقيق أو أسطوانة الغاز إلى نحو ألفي ريال يمني، وهو ما يشكل استنزافاً كبيراً لذوي الدخل المحدود الذين لا تتجاوز مرتباتهم 40 ألف ريال.
وتعتمد المنطقة كلياً على الدواب لنقل البضائع عبر مسالك جبلية وعرة، إذ تبلغ تكلفة نقل كيس الدقيق عبر الحمير نحو ثلاثة آلاف ريال يمني تُحسب بحسب بُعد المنزل عن نقطة توقف المركبات.
ويقول بدر الصبري، أحد أبناء منطقة المرزوح، إن سكان القرية والقرى المجاورة يعيشون مع مشكلة النقل بصورة يومية. ويضيف: “إذا جئنا نتحدث عن النقل الذي نعاني منه نحن أبناء قرية المرزوح والقرى المجاورة، فنحن نعيش وكأننا في القرن الثاني أو الثالث، وليس في القرن الحادي والعشرين.
تعتمد المنطقة كليا على الدواب لنقل البضائع عبر مسالك جبلية وعرة، إذ تبلغ تكلفة نقل كيس الدقيق عبر الحمير نحو ثلاثة آلاف ريال يمني وكلها بحسب المسافة
ويضيف:” كل ما ننقله في الطريق يتم بواسطة الحمير، كيس الدقيق الذي يبلغ سعره نحو 41 ألف ريال، تضاف إليه تكلفة نقل تصل إلى 3 آلاف ريال إلى بداية دخول القرية، ثم يضطر الأهالي إلى استئجار دكان لوضع الدقيق فيه إلى حين وصول الحمار لنقله إلى المنزل، وقد يستغرق ذلك يوماً أو يومين”.
وتبدأ الأزمة الفعلية فور توقف السيارات عند حدود الطريق السالك، حيث تتحول المواد المُنقولة عبر المركبات إلى حمولات يتعين على السكان نقلها صعوداً إلى الجبل على الأكتاف أو على ظهر الدواب.
ويمتد العبء ليشمل كافة مستلزمات البناء كالإسمنت والحديد، مما يرفع الكلفة الإجمالية للسلع ويفرض على الأهالي دفع مبالغ إضافية تتجاوز الأسعار السائدة في الأسواق لضمان وصولها إلى منازلهم.
وبحسب المواطنين، فإن الاعتماد الكامل على وسائل النقل البدائية جعل المرزوح، رغم قربها الجغرافي من المدينة، واحدة من أبعد القرى وأكثرها مشقة، خصوصاً أثناء نقل الاحتياجات الثقيلة أو التعامل مع الحالات الطارئة خلال الليل.
طريق التعليم
لا يختلف حال الطلاب في قرية المرزوح عن بقية السكان، إذ يفرض غياب الطريق على صغار السن رحلة يومية شاقة عبر مسالك جبلية ضيقة للوصول إلى مدارسهم، وسط ظروف مناخية متقلبة بين الحر والبرد والأمطار.
ويرى الناشط علي عبدالله أن العزلة الجغرافية انعكست سلباً على انتظام الطلاب في التعليم، فضلاً عن المخاطر المتزايدة التي تحيط بحركتهم اليومية وسط سفوح تتوزع عليها البيوت والمزارع وتفتقر للحد الأدنى من السلامة.

وأضاف لـ “ريف اليمن” تزداد صعوبة التنقل خلال موسم الأمطار، حيث تتحول المسارات الجبلية المحاذية للمنحدرات والصخور إلى ممرات زلقة تشكل خطراً كبيراً على الأطفال وكبار السن، وتضاعف مشقة نقل الحالات المرضية أو المواد الأساسية.
وتكمن المشكلة الرئيسية لدى الأهالي في غياب البنية التحتية الأساسية التي تمكنهم من تجاوز عقبات البيئة الجبلية، حيث تعتمد المنطقة حتى اليوم على الوسائل البدائية ذاتها لنقل الأفراد والبضائع، مما عزز عزلتها مقارنة بالقرى المجاورة المربوطة بشبكات طرق حديثة.
الأمتار الأخيرة
بحسب السكان، شملت الأعمال المنجزة في مبادرة الفلاح شق كيلومتر واحد من الطريق بالموارد المتاحة، قبل أن تتوقف الأعمال نتيجة توقف التمويل على بُعد 500 متر من الوصول إلى القرى.
وأوضح مدير عام مديرية صبر الموادم السابق، محمد الكدهي لـ “ريف اليمن” أن المبادرة جاءت لتغطي جانباً من عجز السلطة المحلية عن تنفيذ المشاريع الخدمية والاستراتيجية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، مشيداً بالدور التكافلي للمجتمع المحلي.
ويرى الأهالي أن المشروع تجاوز مرحلة التأسيس بعد إنجاز ثلثيه بجهود ذاتية، حيث يوضح فهد سلطان أن المسافة المتبقية تجسد الحد الفاصل بين العزلة والوصول للخدمات، إذ سيضمن استكمالها وصول السيارات إلى القرى، وتسهيل نقل المرضى والمواد الغذائية ومواد البناء، إلى جانب خدمة الطلاب والمزارعين.

وأضاف الصبري أن الأهالي والمغتربين بذلوا أقصى طاقاتهم بجمع الأموال، والتبرع بالأراضي، والمشاركة الميدانية في الأعمال الهندسية الشاقة، لافتاً إلى أن المطلب الحالي يتلخص في مساندة المبادرة لإكمال ما تم إنجازه بدلاً من بدء مشروع من الصفر.
ويقول: “إذا اكتمل الطريق ستصل السيارة إلى المنطقة، وسيصل المريض بصورة أسرع إلى المستشفى، وستدخل المواد الغذائية ومواد البناء بسهولة أكبر، وسيستفيد الطالب والمزارع والمرأة وكبير السن. الطريق بالنسبة لنا ليس مشروعاً للرفاهية، بل هو أساس لكل شيء يأتي بعده الصحة والمياه والتعليم والتنمية.
ومع توقف العمل، يجدد الأهالي مطالباتهم للجهات الحكومية والمنظمات المحلية والدولية وفاعلي الخير بسرعة التدخل لتوفير المبلغ المتبقي، والبالغ 29 مليون ريال يمني، لاستكمال الـ500 متر الأخيرة من الطريق، وإنهاء عقود من العزلة التي يعاني منها أكثر من 11 ألف نسمة.
ويرى السكان أن استكمال المشروع من شأنه تخفيف معاناة نقل المرضى والنساء والاحتياجات الأساسية، والحد من تكاليف نقل المواد الغذائية ومواد البناء، وتسهيل وصول الطلاب إلى مدارسهم والسكان إلى الخدمات الصحية والمراكز الرئيسية.





