يواجه القطاع الصحي في اليمن خطر الانهيار التام، جراء تآكل البنية التحتية ونقص الكوادر والمستلزمات الطبية، مما أدى إلى تراجع قدرة المرافق والمستشفيات على تقديم خدماتها للسكان بمختلف المحافظات اليمنية.
ويتزامن ذلك مع تصاعد وتيرة الصراع العسكري بعد 12 عاماً من النزاع المستمر في اليمن، ما يهدد بتوقف المنظومة الطبية تماماً، وسط تفاقم النزوح الجماعي، وانعدام الأمن الغذائي، وتفشي الأوبئة.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية لعام 2026 أن 19.3 مليون شخص بحاجة إلى تدخلات صحية عاجلة، في ظل تراجع التمويل والدعم الدولي، مما أدى إلى تقليص نطاق الاستجابة الإنسانية إلى حدودها الأدنى.
مواضيع مقترحة
- المخاض في العراء: معاناة الحوامل في ظل انهيار الرعاية الصحية
- ريف تعز تحت وطأة النزوح: شتات جديد بلا مأوى
- ‹عيادة› مبادرة طبية تستهدف الفئات الأشد ضعفا في ريف تعز
ومع انخفاض نسبة المرافق الطبية التي تعمل بكامل طاقتها إلى 60%، تضطر المستشفيات إلى استهلاك قدرتها التشغيلية في علاج جرحى المواجهات المسلحة على حساب تقديم الرعاية الأساسية للأمومة والطفولة والأمراض المزمنة.
التصعيد العسكري
مع تجدد المواجهات المسلحة، اتسعت رقعة الضغط لتخنق ما تبقى من غرف الطوارئ والجراحة، إذ تشير الأرقام الأولية الصادرة عن مركز عمليات الطوارئ التابع لوزارة الصحة العامة والسكان إلى أنها وثقت السلطات في الفترة بين 6 و24 أغسطس تسجيل 67 حالة وفاة و288 إصابة، توزعت على 7 محافظات هي مأرب وحضرموت والحديدة وتعز والضالع وشبوة ولحج.
أدى ذلك إلى حدوث تعقيدات لوجستية قاهرة، حيث أن المستشفيات المحلية تفتقر للقدرات الجراحية والعناية المركزة، مما يتطلب نقل الجرحى عبر المحافظات ويضاعف معدلات الوفيات والمضاعفات.
ويكشف الواقع في مأرب البُعد الأكثر إيلاماً؛ إذ تسببت الهجمات قرب مخيمات النازحين في النسيم الغربي والميل والمغاوير في فرار أكثر من 35,000 نازح من أصل 4.5 مليون نازح داخلياً بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وفي مستشفى مأرب العام، اضطرت الإدارة لتعليق خدمات الولادة ورعاية الأمومة مؤقتاً لتوجيه الأسرة والكوادر نحو جرحى النزاع، مما ينعكس سلباً على صحة الأمهات والأطفال حسبما أكدت الصحة العالمية.
تفشي الأوبئة
رصدت بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2026 انتشاراً واسعاً للأوبئة في البلاد، إذ سجلت من 1 يناير حتى 2 أغسطس 17,629 حالة مشتبه بإصابتها بمرض الحصبة، منها 9,113 حالة مؤكدة و101 حالة وفاة، مع تركز معظم الإصابات في المحافظات الشمالية جراء تراجع حملات التطعيم الروتيني.
وأوضحت التقارير تسجيل 6,625 حالة اشتباه بالكوليرا و8 وفيات حتى 9 أغسطس، إلى جانب 8,703 حالات إصابة بحمى الضنك و26 وفاة. وتواجه المنظومة الصحية صعوبات بالغة في التعامل مع هذه الجائحة المتزامنة في ظل شح المستلزمات والكوادر الطبية.

ويتزامن تدهور القطاع الصحي مع أزمة غذائية حادة؛ حيث يواجه أكثر من 18 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي وفق تقارير منظمة الأغذية والزراعة الفاو . وتضاعف الأوضاع من مخاطر وفاة الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم بمقدار 12 ضعفاً، مما يرفع معدلات الوفيات الناجمة عن تداخل سوء التغذية بالأمراض الوبائية والإصابات الميدانية.
شح التمويل
تعود الأزمة الصحية الراهنة إلى تراجع الدعم الدولي وضعف الأداء المؤسسي، ما خفّض قدرة القطاع الصحي على التعامل مع تزايد الاحتياجات الطبية. وأفادت تقارير كتلة الصحة بتقلص نطاق التدخلات الميدانية لتستهدف 7.3 ملايين شخص فقط من أصل 19.3 مليوناً بحاجة للمساعدات الصحية، ما يمثل 38% من إجمالي الاحتياج.
ويعود التراجع إلى تلقي كتلة الصحة 18% فقط من التمويل المطلوب لعام 2026، ما أدى إلى تجميد العديد من البرامج الإغاثية والأنشطة الطبية الميدانية.
الصحة العالمية: تقلص نطاق التدخلات الميدانية لتستهدف 7.3 ملايين شخص فقط من أصل 19.3 مليوناً بحاجة للمساعدات الصحية
وتأثرت البنية التشغيلية في المحافظات الشمالية التي تضم 90 منطقة ذات أولوية قصوى من أصل 105 منطقة، إذ تسبب تعليق عمليات الأمم المتحدة هناك منذ أكتوبر 2025 في انخفاض المرافق الطبية المدعومة بنسبة 63%، وتراجع أعداد المستفيدين بنسبة 87%، وانقطاع الخدمات عن 46 منطقة.
وفي إطار التدخلات الطارئة، أعلنت منظمة الصحة العالمية تسيير شحنات مستلزمات وأدوية من عدن إلى مستشفى مأرب العام لتغطية احتياجات نحو 5,000 إلى 8,000 مريض لمدة تصل إلى 8 أسابيع، مع التخطيط لتوزيعات إضافية في تعز وحضرموت والضالع، في ظل مخاوف من نفاد المخزون الاستراتيجي نتيجة نقص التمويل المرن.





