الأربعاء, 2 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تراث

‹جَيْشَان العود› بقايا مدينة تاريخية تنتظر الإنقاذ

📅 سبتمبر 1, 2026

على بعد 20 كيلومترًا شمال غرب مدينة قعطبة بمحافظة الضالع، تقف مدينة جَيْشَان العود التاريخية شاهدًا حيًا على بقايا حضارة يمنية عريقة تمتد لقرون طويلة، وتعود جذورها الأولى إلى عهد الدولة الحميرية.

عُرفت المدينة تاريخيًا بكونها مركز مخلاف جَيْشَان ، وهو الإقليم الذي احتل مكانة بارزة وظل معتمدًا في التمايز الجغرافي والإداري لليمن امتدادًا من العصور القديمة، مرورًا بالعهود الإسلامية، وصولاً إلى العهد العثماني، وينقل المؤرخون مثل بن الكلبي وياقوت الحموي أن تسميتها تنتسب إلى مؤسسها الأول جيشان بن حجر بن ذي رعين الحميري.

تتميز بتراث عريق ومعالم معمارية فريدة مثل الحصون التاريخية المنيعة، أبرزها حصن المقار، وحصن جَيْشَان ، وحصن هجار، بالإضافة إلى بقايا البنايات الحجرية، والمدافن الصخرية، والصهاريج، والنقوش الحميرية المنحوتة في الجبال، إلى جانب الرموز والإشارات القديمة.


مواضيع مقترحة


معالم منهارة

تقع حضارة جَيْشَان في عزلة الأعشور أسفل مخلاف العود، وتحدها مناطق قعطبة، والضالع، ومريس، ودمت. وكان نطاقها الجغرافي الممتد يمثل إقليمًا حضاريًا واسعاً.

يذكر الحسن بن أحمد الهمداني في كتابه التوثيقي صفة جزيرة العرب أن أراضيها النفوذية كانت تمتد من قلعة صهيب بمنطقة الحبيلين شمال محافظة لحج جنوبًا، لتصل إلى مناطق الرياشية والنادرة شمالًا، ومن الشعيب شرقًا لتصل إلى بلاد الشعر وقلعة يراخ غربًا.

تميز المدينة بتراث عريق وبقايا معالم معمارية مثل الحصون التاريخية(ريف اليمن)

كما لعبت الدولة الحميرية دورًا محورياً في حكم الجزء الأكبر من المناطق الوسطى، وتحديدًا مخلاف العود الذي تتربع فيه هذه المدينة الأثرية. ونظرًا لموقعها الجغرافي المرتفع، إذ ترتفع المنطقة حوالي 2942 مترًا عن سطح البحر، فقد شكلت امتدادًا جغرافيًا وحيويًا مهمًا للحضارات اليمنية المتعاقبة عبر التاريخ.

كما كانت تمثل نقطة وصل استراتيجية وتجارية وثقافية تربط بين العديد من الحضارات القديمة، مثل حضارة ظفار، وأوسان، وقتبان، وغيرها من الممالك اليمنية القديمة.

أعمال نبش عشوائية

على الرغم من التاريخ الحافل، تتعرض مدينة جَيْشَان اليوم لأعمال نبش عشوائية تطال القبور والمباني التاريخية وتغيير الأشكال الأصلية للمدافن الأثرية، من قبل بعض المواطنين الذين ينشطون في البحث عن الكنوز والآثار .

يقول مدير عام الآثار بمحافظة الضالع زياد الورد إن العوامل الزمنية والطبيعية مثل الزلازل والأمطار الموسمية أدت إلى طمس جزء كبير من المعالم التاريخية للمدينة، وأكد أن المعالم الحضارية في جَيْشَان مر عليها آلاف السنين، ما يجعلها اليوم أكثر عرضة للاندثار النهائي إذا لم تتخذ التدابير العاجلة.

غياب اهتمام الجهات المختصة بالتراث، تسبب في توجه بعض الأهالي إلى نبش البنايات القديمة بحثًا عن الكنوز (ريف اليمن)

وأوضح الورد لـ “ريف اليمن” أن غياب اهتمام الجهات المختصة بالتراث، إلى جانب لجوء بعض الأهالي إلى نبش البنايات القديمة بحثًا عن الكنوز واللقايا الأثرية، أو هدمها لغرض التوسع العمراني والزراعي، أدى بشكل مباشر إلى تشويه المعالم وطمس هويتها.

وأكد الورد أن الدور الواجب على الدولة والحكومة القيام به حيال المدينة التاريخية هو العمل الفوري على الحفاظ على ما تبقى من الشواهد الأثرية، وترميم الأجزاء التهدمت من الحصون التاريخية الثلاثة، مع فرض حظر كامل على الاستحداثات السكنية والزراعية داخل حرم المدينة.

وتابع: بالإضافة إلى فرض عقوبات قانونية صارمة على من يمارسون أعمال النبش والتدمير في القبور والمدافن، وإعلانها رسميًا كمنطقة محمية حضارية.

ولم تقتصر المخاطر على التدخل البشري فقط، بل أدت التغيرات المناخية وهطول الأمطار الغزيرة إلى تفاقم الأزمة، بالإضافة إلى قيام بعض السكان المحليين بهدم المباني والأسوار الأثرية لاستحداث مساكن جديدة، أو إنشاء مدرجات زراعية، أو شق طرقات وسط الأحياء التاريخية.

ويؤكد ناجي الضحياني، وهو أحد سكان المنطقة، أنه نتيجة لصغر المساحة الجغرافية ووعورة التضاريس، يلجأ بعض أهالي القرية إلى شق الطرق وهدم أجزاء من المعالم من أجل بناء منازل شخصية. وأضاف أن بعض الأشخاص يتسللون خفية تحت سترة الليل للبحث عن الكنوز واللقايا، فيقومون بهدم الجدران القديمة ونبش القبور الصخرية.

بقايا نقوش تم طمسها والكتابة فوقها من قبل بعض المواطنين (ريف اليمن)

وذكر الضحياني لـ “ريف اليمن” أن القرية تقع في منتصف المنحدر الجبلي، ومع اندلاع موسم الأمطار الشديدة، تتشكل سيول جارفة تنحدر على الأبنية والمعالم التاريخية، ما يتسبب في انهيارها المباشر أو طمرها بالكامل تحت طبقات من الركام والتراب.

حلول الإنقاذ

ضمن حديثه لـ “ريف اليمن”، وجّه زياد الورد دعوة عاجلة إلى الجهات المعنية بالآثار والتراث الوطني والهيئات الدولية المختصة لضرورة وضع تدابير عاجلة للتدخل السريع لإنقاذ ما تبقى من هذه الحضارة.

وقدّم الورد رؤية تشمل إجراء مسوحات أثرية ميدانية شاملة، وتحديد الحرم الجغرافي لمدينة جيشان بدقة، وتثبيت لوحات تعريفية وإرشادية، وفرض الحماية القانونية لمنع أي تعديات جديدة.

حوض وعين ماء في المنطقة مازالت موجودة حتي وقتنا الحاضر (ريف اليمن)

كما طالب بالبدء الفوري في تنفيذ عمليات تنقيب علمية ودراسات ترميم وفق المعايير الدولية لحماية الجدران والقنوات المائية والحصون، بالتوازي مع دعم برامج التوعية والتثقيف المجتمعي لإشراك الأهالي في حماية تراثهم. وحمّل الأهالي المسؤولية المجتمعية والوطنية للحد من التوسع العمراني ومراقبة المخربين والإبلاغ عنهم.

من جانبه، أكد خليل العسيلي، وهو شخصية اجتماعية بالمنطقة، أن ما تتعرض له آثار جيشان يعد سلوكًا مجرماً دينيًا وقانونيًا يتطلب عقوبات رادعة لردع العابثين، مشددًا لـ “ريف اليمن” على ضرورة إطلاق مبادرة حكومية ومجتمعية مشتركة لإنقاذ المنطقة.

وتعكس مدينة جَيْشَان صورة مصغرة للتدهور الواسع الذي يعصف بالمدن التاريخية والتراثية في اليمن، حيث تتضافر تداعيات الحرب المستمرة مع كوارث التغيرات المناخية لتهديد ما تبقى من الذاكرة الحضارية للبلاد بالاندثار.