الثلاثاء, 14 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
التغير المناخي

بيوت تهامة الطينية.. ذاكرة معمارية في مواجهة المناخ

📅 يوليو 14, 2026

في ليلة ماطرة شهدتها قرى شمالي محافظة حجة العام الماضي، لم يفصل إبراهيم علي، وأسرته عن الموت سوى ثوان معدودة، فبينما كانت الأمطار تهطل بغزارة، بدأ المنزل الطيني الذي احتمت به الأسرة لعقود يتهاوى أمام أعينهم، بسبب تأثره بمياه الأمطار التي استمرت لساعات.

يستعيد إبراهيم تلك اللحظات الصعبة ويقول لـ”ريف اليمن”: “ما إن تجاوزنا عتبة الباب حتى تحول البيت إلى كومة من الركام، هربنا بأرواحنا فقط، بينما دفنت الأنقاض كل ما نملك؛ الأثاث، واحتياجات الأطفال، ومؤونة الغذاء، خسرنا كل شيء في لحظة واحدة”.

في تهامة، لم تعد الأمطار بالنسبة إلى كثير من السكان موسمًا ينتظرونه لتلطيف حرارة الصيف، بل تحولت إلى مصدر خوف دائم، مع تزايد انهيار البيوت الطينية التي تؤوي آلاف الأسر، في ظل تراجع القدرة على صيانة المنازل التي شكلت لعقود جزءًا من هوية المنطقة وعمارتها التقليدية.


مواضيع مقترحة


انهيارات البيوت الطينية في تهامة لم تعد حوادث معزولة، بل جزءًا من أزمة أوسع تشهدها اليمن مع تزايد الفيضانات والأمطار الغزيرة، وبحسب تقرير صادر عن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، تضررت أكثر من 47 ألف أسرة جراء الفيضانات والأمطار التي شهدتها البلاد خلال عام 2025.

وكانت محافظة حجة الأكثر تضررا، إذ بلغ عدد الأسر المتأثرة نحو 17,498 أسرة، أي ما يقارب 37% من إجمالي الأسر المتضررة على مستوى البلاد، وتكتسب هذه الأرقام بعدًا أكثر قسوة، إذ تتحول المنازل التي وفرت الحماية للسكان على مدى عقود إلى مصدر خطر يهدد حياتهم مع كل موسم أمطار.

ويقول البنّاء المتخصص بالبيوت الطينية حسن قبول، إن الانهيار لا يحدث فجأة، بل يسبقه تدهور تدريجي، لافتا أن مياه الأمطار تتسرب أولًا عبر الأسطح إلى الرواكب، وهي الجذوع الخشبية التي تحمل السقف، فتتغلغل الرطوبة داخلها وتضعف قدرتها على تحمل الأوزان مع مرور الوقت.

ويشير قبول خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن كثيرا من الأهالي يلجؤون بدافع الخوف من تسرب المياه، إلى إضافة طبقات جديدة من الطين فوق الأسطح مع كل موسم أمطار، معتقدين أنها توفر حماية أكبر، بينما تؤدي في الواقع إلى زيادة الأحمال على الأخشاب التي أضعفتها الرطوبة.

موضحا أن هذا الحمل الإضافي يؤدي تدريجيًا إلى انحناء السقف، قبل أن ينهار بشكل مفاجئ، وقد يحدث ذلك ليلًا، بينما يكون أفراد الأسرة نائمين، ما يؤدي إلى تعريض حياة من فيه للخطر.

 

موجات الأمطار لم تعد تشبه ما عرفته الأجيال السابقة، إذ فرضت التغيرات المناخية واقعًا جديدًا يتسم بفترات جفاف طويلة تعقبها أمطار غزيرة خلال وقت قصير، نتيجة التغيرات المناخية، وأدت هذه الظاهرة، وفق تقارير إنسانية، إلى أضرار واسعة في المنازل والبنية التحتية، لا سيما في المناطق الريفية الأكثر هشاشة، حيث تعتمد آلاف الأسر على مساكن طينية لم تُصمم لتحمل هذا النمط المتطرف من الأمطار.

وتزداد المخاطر عندما تستمر الأمطار عدة أيام متتالية، إذ تتشبع الجدران والأسقف بالمياه، وتفقد تماسكها تدريجيًا، فيما تزداد الأحمال على الأخشاب الحاملة، لترتفع احتمالات الانهيار بصورة كبيرة، وتكبيد الأسر خسائر مادية كبيرة.

وتعد اليمن واحدة من أكثر بلدان العالم عرضة لتأثير أزمة المناخ، لكنها الأقل استعدادا لمواجهتها أو التكيف معها، كما تُصنف كإحدى أكبر أزمات النزوح في العالم، وهناك نحو 4.8 مليون شخص نازح في اليمن، ويعيش كثيرون منهم في مآوي مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات الأساسية، حسب منظمة الهجرة الدولية.

الخطر لم يعد مرتبطًا بالأمطار وحدها، بل أصبح الفقر عاملًا رئيسًا في تسريع انهيار البيوت الطينية، ففي الماضي، اعتادت الأسر على إجراء صيانة دورية لمنازلها قبل كل موسم أمطار، لكن تدهور الأوضاع الاقتصادية جعل كثيرًا منها عاجزة عن تحمل تكاليف الترميم.

ويقول سكان محليون إن بناء منزل طيني جديد وفق الأساليب التقليدية يكلف حاليًا نحو 500 دولار، فيما تحتاج أعمال الصيانة السنوية إلى نحو 100 دولار، وهي مبالغ تتجاوز قدرة كثير من الأسر، كما تتراوح أجور البنّاء التقليدي الماهر بين 5 و7 آلاف ريال يوميًا، ما يدفع السكان إلى الاكتفاء بترميمات محدودة، لا تصمد طويلًا أمام السيول والأمطار الغزيرة.

رحيل البنّائين

وتواجه القرى التهامية تحديًا آخر يتمثل في تراجع أعداد البنّائين التقليديين الذين شكّلوا لعقود الذاكرة الحرفية لعمارة الطين، ففي الماضي، كانت أعمال بناء البيوت الطينية وترميمها تعتمد على خبرات معلمين امتلكوا معرفة دقيقة بخصائص الطين، وطرق تدعيم الجدران، وصيانة الأسقف، وهي مهارات تناقلتها الأجيال عبر عقود طويلة.

لكن تراجع الأوضاع الاقتصادية دفع كثيرًا من هؤلاء الحرفيين إلى ترك مهنتهم والبحث عن مصادر دخل أخرى، لتبقى المنازل رهينة محاولات ترميم فردية تفتقر إلى الخبرة، ويقول علي مبخوت، وهو أحد سكان المنطقة ممن شهدوا انهيار أجزاء من منزلهم: “الاستعانة ببنّاء خبير أصبحت فوق طاقتنا. نحن بالكاد نوفر ثمن القمح لأطفالنا، لذلك نُرمم بيوتنا بأيدينا وبما يتوفر لدينا، لكنها لا تصمد أمام أول سيل غزير.”

ورغم التحديات المتزايدة، يرى مختصون أن إنقاذ البيوت الطينية في تهامة ما يزال ممكنًا، إذا ما اقترن الحفاظ على هذا الإرث المعماري بدعم جهود السكان في صيانة منازلهم وتطوير أساليب البناء التقليدية.

ويؤكد هؤلاء أن حماية البيوت الطينية لا تقتصر على ترميم الجدران والأسقف، بل تبدأ بإحياء مهنة البناء التقليدي، وتأهيل جيل جديد من الحرفيين القادرين على تطوير تقنيات البناء بما يجعلها أكثر قدرة على مقاومة الأمطار والسيول، مع الحفاظ على طابعها المعماري.

وفي هذا السياق، يقول معلم البناء التقليدي أحمد قشه، المتخصص في العمارة الطينية بتهامة، إن تحسين زوايا تصريف مياه الأمطار، واستخدام طبقات عازلة بسيطة ومنخفضة التكلفة، يمكن أن يحد بشكل كبير من تسرب المياه، ويطيل عمر المباني الطينية.

ويضيف أن البيوت الطينية ليست مجرد مساكن، بل تمثل جزءًا من الذاكرة المعمارية والاجتماعية لتهامة، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع والجهات المعنية بالتنمية وصون التراث.

ومع تزايد حدة الظواهر المناخية، تبرز الحاجة إلى مبادرات محلية وبرامج دعم تساعد الأسر على ترميم منازلها بطرق أكثر أمانًا، وتعيد الاعتبار لمهنة البناء التقليدي، حتى لا تتحول البيوت التي احتضنت أجيالًا من أبناء تهامة إلى ركام مع كل موسم مطري.