في قلب التضاريس الجبلية الوعرة بمديرية الشمايتين جنوب غرب محافظة تعز، يعيش سكان عزلتي العلقمة وراسن واقعًا قاسيًا فرضته طريق جبلية متهالكة أصبحت المنفذ الوحيد الذي يربط أكثر من 20 ألف نسمة بالمدينة ومحيطها.
ولم تعد هذه الطريق مجرد وسيلة للتنقل، بل تحولت إلى مصدر معاناة يومية تستنزف السكان اقتصاديًا ونفسيًا، وتضعهم في مواجهة مستمرة مع مخاطر الحوادث والعزلة والحرمان من كثير من الخدمات الأساسية.
يمتد الطريق عبر منحدرات حادة ومنعطفات ضيقة شديدة الوعورة، وقد شُقّ قبل عقود طويلة دون أن يحظى بأعمال صيانة أو تأهيل حقيقية. ويعتمد عليه السكان بشكل كامل في التنقل ونقل البضائع والوصول إلى الأسواق والمراكز الصحية والخدمات المختلفة.
مواضيع مقترحة
- ‹الظهرة› : قرية قاومت حصار التضاريس
- دَكاكين الأرياف.. شريان حياة للسكان
- تعز: عزلة حَوَامِرَة منطقة خارج خارطة الخدمات
مع كل موسم أمطار، تتضاعف المعاناة؛ إذ تتساقط الصخور على أجزاء واسعة من الطريق، فيما تتحول بعض المقاطع إلى مسارات طينية زلقة تهدد حياة المسافرين والسائقين.
رحلة بين الحياة والموت
يصف السائقون الطريق بأنها “رحلة يومية بين الحياة والموت”، في ظل غياب الحواجز الوقائية، وانعدام وسائل السلامة، وتهالك أجزاء واسعة من المسار الجبلي. ويقول عبد الفتاح البتّه، وهو سائق يعمل على خط راسن–تعز، إن العمل على هذا الخط بات يمثل استنزافًا مستمرًا للسائقين ومركباتهم.
ويضيف البته: “إذا نجونا من الحوادث لا ننجو من الخسائر، فالسيارة تحتاج إلى إصلاح بعد كل رحلة تقريبًا، وما نكسبه ننفقه على الصيانة وقطع الغيار”. ويتابع: “نخوض معركة يومية مع طريق قاسية، وكأننا نعمل فقط لإبقاء سياراتنا على قيد الحياة”.
أما التاجر سمير راشد، فيؤكد أن وعورة الطريق رفعت تكاليف النقل بشكل كبير، موضحًا أن الأعطال المتكررة واستهلاك الوقود والمخاطر المستمرة تنعكس مباشرة على أسعار السلع في القرى.
مضاعفة الأسعار
لم تقتصر آثار الطريق على حركة التنقل فحسب، بل ألقت بظلالها الثقيلة على الأوضاع المعيشية للسكان، إذ تشهد أسعار المواد الغذائية ومواد البناء ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بمدينة التربة (مركز المديرية) نتيجة ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة وصول الشاحنات والمركبات.
ويؤكد الأهالي أن الفارق السعري في بعض السلع يتجاوز 20 في المائة. المواطن محمد علي (46 عامًا) يقول: “ما نشتريه في التربة بنحو ألفي ريال، يصل سعر القرية إلى أضعاف ذلك أحيانًا، والسبب الرئيسي هو الطريق”.
في السياق ذاته، يشير مقاول البناء عماد والي إلى أن ارتفاع تكاليف النقل أثّر بشكل مباشر على قطاع البناء، موضحًا أن كثيرًا من الأهالي باتوا عاجزين عن شراء الأسمنت والحديد بأسعار مناسبة.
ويقول: “الأحجار متوفرة لدينا، لكن الأسمنت يصل بأسعار مرتفعة جدًا، ما يدفع بعض المواطنين للعودة إلى استخدام الطين بدلًا من الأسمنت، والأخشاب بدلًا من الحديد كما كان يحدث قديمًا”، ويضيف أن هذه البدائل التقليدية تجعل المنازل أكثر عرضة للتضرر والانهيارات خلال مواسم الأمطار.

ولا تتوقف المعاناة عند حدود الغذاء والبناء، بل تمتد إلى ضعف خدمات الاتصالات والإنترنت، الأمر الذي يزيد من عزلة المنطقة ويُعمّق الفجوة بينها وبين المدن. ومع الأعياد والمناسبات، تتجدد معاناة أبناء المنطقة المقيمين في المدن، إذ يتحول الوصول إلى الأهل والأقارب إلى رحلة شاقة ومكلفة، ويقول المهندس جميل عبده مرشد إنه يحلم منذ سنوات بأن يصل إلى قريته بسيارته الخاصة دون عناء، إلا أن وعورة الطريق تحول دون ذلك.
ويضيف: “أضطر إلى إيقاف سيارتي في مركز المديرية أو في منتصف الطريق، ثم أستقل سيارة جبلية للوصول إلى القرية، وأبقى طوال الإجازة قلقًا على سيارتي التي أتركها بعيدًا”، ويتابع: “في كثير من المناسبات أفضل البقاء في المدينة بدلًا من خوض رحلة متعبة ومحفوفة بالمخاطر”.
تخدم أكثر من 20 ألف نسمة ورغم المناشدات المتكررة لا تزال الطريق خارج نطاق مشاريع التأهيل الحكومية منذ سنوات
حياة المرضى والحالات الطارئة هي الأخرى تدفع الثمن عاليا، فبحسب الأهالي، يستغرق نقل المرضى ساعات طويلة للوصول إلى أقرب مركز صحي في التربة أو إلى مستشفيات مدينة تعز، في ظل غياب سيارات إسعاف مجهزة مع ارتفاع تكاليف النقل.
ويؤكد السكان أن تأخر إسعاف الحالات الحرجة يؤدي أحيانًا إلى نتائج مأساوية، خصوصًا بين النساء الحوامل وكبار السن والأطفال. ورغم المناشدات المتكررة، لا تزال الطريق خارج نطاق مشاريع التأهيل الحكومية، بحسب ما يؤكده الأهالي.
صبري الزريقي، مدير مكتب مدير عام مديرية الشمايتين، قال إن احتياجات قطاع الطرقات في المديرية كبيرة ومتعددة، مشيرًا إلى تنفيذ أعمال رصف للطريق الممتدة من الكناية في راسن إلى وادي تب بالعَلْقَمة.
وأضاف أن هناك توجهًا لاستكمال أعمال الرصف للطريق الرابطة بين مركز المديرية وعزلتي العلقمة وراسن، مؤكدًا أن السلطة المحلية تعمل وفق الإمكانات المتاحة للتخفيف من معاناة المواطنين.
لكن السكان يشيرون إلى أن بعض مشاريع الرصف تنفذ في طرق فرعية محدودة الاستخدام، بينما تبقى الطرق الرئيسية التي تخدم آلاف المواطنين دون تدخلات كافية.
مبادرات مجتمعية
ويقول محمد غالب سبيع، رئيس مجالس قرى راسن: “طالبنا مرارًا بإدراج الطريق ضمن مشاريع التأهيل والصيانة، لكن دون استجابة فعلية. الجميع يحمّل المسؤولية لجهات أخرى، بينما يظل المواطن وحده من يدفع الثمن”.
وفي الوقت الذي حاول فيه معدّ التقرير الحصول على تعليق من الجهات المختصة في مديرية الشمايتين ومكتب الأشغال العامة، لم يتسنَّ له الحصول على رد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
ويقول الأهالي إنهم أطلقوا خلال الفترة الماضية مبادرات مجتمعية بدعم من فاعلي خير، تمكنوا من خلالها من رصف أجزاء محدودة من الطريق وتحسين بعض المقاطع الأكثر خطورة، غير أن السكان يرون أن تلك الجهود رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن مشروع حكومي متكامل يعالج المشكلة من جذورها.
ويطالب الأهالي بسرعة تنفيذ مشروع شامل يتضمن توسعة المقاطع الضيقة ورصف الطريق وإنشاء حواجز أمان وقنوات لتصريف مياه الأمطار، بما يضمن سلامة المسافرين ويخفف من معاناة السكان.
وبين مطالب متكررة ووعود مؤجلة، تظل طريق العلقمة وراسن شاهدًا على معاناة يومية يعيشها آلاف السكان في واحدة من أكثر مناطق تعز عزلة، ففيها لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بحجم المخاطر والخسائر والتعب الذي يواجهه الناس يوميًا في سبيل الوصول إلى أبسط حقوقهم في الحياة.





