في بعض المناطق الريفية اليمنية، ما تزال الطبيعة تحتفظ بمكانتها كصيدلية مفتوحة ومائدة عامرة بما تجود به الأرض، ولم يقطع أهالي الريف صلتهم بالأشجار والنباتات ذات القيمة الغذائية والدوائية، في مقدمتها ‹الحَلْقَة›، التي توارث الناس فوائدها جيلاً بعد آخر، مستندين إلى خبرة شعبية طويلة.
وتُعد “الحَلْقَة” واحدة من النباتات التي ما تزال حاضرة بقوة في الحياة اليومية لسكان الأرياف، حيث تستخدم أقراصها مع الطعام، كما يلجأ إليها الأهالي في التداوي الشعبي لعلاج عدد من الأمراض، في مشهد يعكس استمرار حضور الطب التقليدي وعمق العلاقة بين الإنسان وبيئته الريفية.
والحَلْقَة عبارة عن أقراص دائرية يابسة ذات مذاق حامض، تحضر من شجرة تحمل الاسم نفسه، وهي شجرة عصارية متسلقة تنمو في المناطق الجبلية، وتتداخل في شكلها مع نبات “الحَلَص” أو ما يُعرف محلياً بـ”العلفق”، إلا أن الأهالي يميزون بينهما بسهولة؛ إذ تتكون أوراق الحَلْقَة من ثلاث وريقات رقيقة متصلة، بينما يكون ” الحَلَص ” بورقة واحدة أكثر سماكة.
مواضيع مقترحة
- الأعشاب.. بين التراث العلاجي والمخاطر الصحية
- «العُثْرُب» طب الأجداد مازال يستخدم كدواء في الريف
- ‹العُشّار› نبات يجمع بين السُمّ والدواء
تقول سبأ الجمّالي، وهي إحدى النساء الريفيات اللواتي يواصلن الاهتمام بزراعة شجرة الحَلْقَة وإعداد أقراصها، إن عملية التحضير تمر بعدة مراحل دقيقة تبدأ بجمع الأوراق من عناقيدها، ثم غسلها جيدا قبل وضعها في قدر على النار وغمرها بالماء حتى تنضج تماما.
وتضيف لـ”ريف اليمن”:”بعد إنضاجها تخلط جيدا، ثم تقسم إلى دوائر بحجم قبضة اليد وتوضع فوق أسطح المنازل تحت أشعة الشمس، وفي اليوم الثالث تسوّى وتشكّل على هيئة أقراص مستديرة”.
وتوضح أن الأقراص تُترك تحت الشمس نحو أسبوع كامل، مع تقليبها مرتين يوميا حتى تجف تماما وتصبح جاهزة للاستخدام، قبل أن تجمع وتربط في شكل عناقيد تخزن داخل المنازل.

وتشير الجمّالي إلى أن كثيراً من الأسر الريفية ما تزال تحرص على زراعة الحَلْقَة داخل منازلها، مؤكدة أن شجرة أو شجرتين تكفيان احتياج الأسرة طوال العام إذا جرى الاعتناء بهما بالشكل المناسب.
وتضيف: “يمكن للشجرة الواحدة أن تنتج نحو خمسين قرصاً في الموسم الواحد، ويتم حصادها مرتين سنوياً، فيما تعطي الأشجار الكبيرة إنتاجاً أكبر”.
غذاء ودواء
من جانبه، يقول سلطان هزاع، أحد أبناء مديريات الحجرية، إن الحَلْقَة تُعد جزءاً أساسياً من المائدة الريفية في المنطقة. ويضيف لـ”ريف اليمن”: الحَلْقَة بالنسبة لنا أشبه بالكنز، وما يكاد يخلو منها بيت في مناطق الحجرية، لأن الناس يعتبرونها من الأساسيات التي لا ينبغي أن تنقطع.
ويوضح هزاع أن الحَلْقَة تُستخدم بطرق متعددة في إعداد الطعام، إذ تُؤكل مع العصيدة، إما بشكلها الصافي أو ممزوجة بالبيض أو الحلبة، كما تُقدم مع الفطير، وتُضاف إلى المرق والتوابل لمنحه مذاقاً حامضاً مميزاً.
ولا يقتصر حضور الحَلْقَة على المائدة فقط، بل يمتد إلى الاستخدامات العلاجية الشعبية، حيث يؤمن كثير من الأهالي بقدرتها على المساعدة في علاج الحميات والملاريا ونزلات البرد وفقدان الشهية وبعض حالات ضعف المناعة.
ويشير هزاع إلى أن الأهالي كانوا يعتمدون عليها بشكل لافت خلال انتشار جائحة كورونا، إذ ارتفع الطلب عليها بصورة كبيرة، وجرى بيعها ونقلها إلى المدن والأسواق خارج المناطق الريفية.

وبحسب شهادات عدد من الأهالي، أصبحت الحَلْقَة بالنسبة لبعض الأسر الريفية مصدراً إضافياً للدخل، حيث تهتم هذه الأسر بزراعة أشجارها وإنتاج كميات كبيرة من الأقراص لبيعها في الأسواق المحلية.
ويؤكد مواطنون أن بعض الباعة يتنقلون بين القرى والمنازل لشراء الأقراص من النساء الريفيات، ثم يعيدون بيعها في المدن والمناطق الأخرى، خصوصاً مع استمرار الطلب عليها بوصفها منتجاً غذائياً شعبياً معروفاً.
تحذيرات طبية
ورغم الانتشار الواسع للحَلْقَة واستخدامها المتوارث في الأرياف، يحذر أطباء من الإفراط في تناولها لأغراض علاجية دون استشارة مختصين، نظراً لطبيعتها الحمضية، التي قد تتسبب بمضاعفات صحية لدى بعض الأشخاص، خصوصاً المرضى الذين يعانون من مشكلات في المعدة أو الجهاز الهضمي.
وتقول الدكتورة جواهر عبدالله خالد، أخصائية التغذية العلاجية والحميات السريرية، إن نبتة “الحَلْقَة ” تُعد إضافة غذائية ممتازة ومفيدة عند تناولها ضمن الحدود الطبيعية في وجباتنا التقليدية كالعصيد وغيرها.

وأضافت جواهر لـ”ريف اليمن”، أن تناولها باعتدال هو المفتاح، مشددة على عدم استخدامها كبديل للأدوية الموصوفة دون استشارة طبية.
ودعت فئات (الحوامل ومرضى السكري والذين يتناولون مميعات الدم) توخي الحذر وتجنب الجرعات الكبيرة من النبتة حتى لا يتعرضون لمضاعفات محتملة.
ومع ذلك، ما تزال الحَلْقَة تحتفظ بمكانتها في ذاكرة الريف اليمني ومائدته الشعبية، بوصفها واحدة من النباتات التي جمعت بين الغذاء والتداوي، وحافظت على حضورها رغم تغير الزمن واتساع الاعتماد على المنتجات الحديثة.





