يواصل المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر في اليمن إصدار تنبيهاته بشأن موجات الصقيع التي تضرب المرتفعات الجبلية في محافظات: صعدة، وعمران، وصنعاء، وذمار، والبيضاء، والضالع، وإب، والجوف، بالإضافة إلى أجزاء من مأرب، وحضرموت، وشبوة، وتعز، وريمة، والمحويت، وحجة.
تأتي موجة البرد في اليمن في سياق تأثر المنطقة العربية بكتل هوائية قطبية المنشأ، وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث شدتها واتساع نطاق تأثيرها الجغرافي، إذ تمتد من المغرب غرباً وصولاً إلى اليمن وسلطنة عُمان شرقاً، وفقاً لنماذج الطقس العالمية.
وفي دول الخليج العربي، رُصد انخفاض حاد في درجات الحرارة، حيث صدرت تحذيرات من موجات غبارية في المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، في حين يسود طقس شديد البرودة في كل من قطر والبحرين، وسط استنفار للأجهزة المعنية للتعامل مع تداعيات التغيرات المناخية المتطرفة وتأثيرها على السكان.
مواضيع مقترحة
- الشتاء في اليمن: قسوة المناخ وتحديات الحياة
- التغيرات المناخية تُضاعف معاناة المشردين في شوارع اليمن
- كيف تُفاقم أزمة المناخ ضحايا الفيضانات؟
خطر البرد القارس
عادة ما تتصدر الوفيات المرتبطة بالحرارة عناوين الأخبار، لكن دراسة جديدة نُشرت في مجلة «Annals of Internal Medicine» الأمريكية أثارت مخاوف بشأن عدد وخصائص الأشخاص الذين يموتون بسبب البرد.
بحسب الدراسة اكتشف الباحثون أنه على مدار الخمسة والعشرين عامًا الماضية، كان 65% من جميع الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة ناجمًا عن البرد، بينما كانت النسبة المتبقية، والبالغة 35%، ناجمة عن الحر. وفي تلك الفترة، سُجِّل التعرض لدرجات حرارة شديدة كسبب أساسي أو مساهم في حوالي 69,256 حالة وفاة في الولايات المتحدة.
وقال المؤلف الرئيسي شادي أبو هاشم، من معهد ماساتشوستس العام بريغهام للقلب والأوعية الدموية، في بيان: “تشير نتائجنا إلى أن التعرض للحرارة والبرودة لا يزال يتسبب في وفاة الآلاف من الأشخاص كل عام في الولايات المتحدة، وهي وفيات يمكن الوقاية منها إلى حد كبير”.
وأضاف أبو هاشم، أن التعرض للحرارة والبرودة لا يزالان يتسببان في وفيات يمكن الوقاية منها، وأن هذه الوفيات ليست موزعة بالتساوي. إذ يواجه البالغون من العمر 65 عامًا فأكثر، والرجال، والسود غير اللاتينيين، باستمرار أعلى المخاطر من الطقس الحار والبارد.
تُمثل الدراسة نقلة نوعية، إذ اعتمدت معظم الأبحاث السابقة على التنبؤات أو النماذج البيئية، ودرس الكثير منها الحرارة والبرودة بشكل منفصل. إذ يقول أبو هاشم: “تستخدم دراستنا بيانات أمريكية حقيقية ومُلاحظة، تمتد لخمسة وعشرين عامًا، وتتناول الوفيات المرتبطة بالحرارة والبرودة جنبًا إلى جنب، مُصنفةً حسب العمر والجنس وهذا يُعطي صورة أوضح وأحدث عن الفئات الأكثر تضررًا ومواطن التفاوت الأكبر”.
وفيات بسبب الصقيع
بحسب أبو هاشم، تُعدّ الحرارة مصدر قلق متزايد بسبب تغير المناخ، وتستحق الاهتمام بلا شك. “لكن نتائجنا، والعديد من الدراسات العالمية، تُظهر أن التعرض للبرد لا يزال مسؤولًا عن معظم الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة. ويعود ذلك في معظمه إلى أن الوفيات المرتبطة بالبرد غالبًا ما تحدث في أيام معتدلة البرودة، وليس فقط خلال الظواهر الجوية المتطرفة، ومعظمها يرتبط بتفاقم الأمراض المزمنة أكثر من انخفاض حرارة الجسم نفسه.”
ومع ذلك، قال “يُغير تغير المناخ موازين القوى بسرعة. وكما أشارت أبحاث حديثة، من المتوقع أن يتجه العبء النسبي نحو ارتفاع درجات الحرارة، لأن الوفيات المرتبطة بالحرارة ترتفع بوتيرة أسرع من انخفاض الوفيات المرتبطة بالبرد”.
وأضاف “لذلك بدلاً من تحويل التركيز بعيدًا عن الحرارة أو البرد، فإن جهودنا في مجال الصحة العامة تحتاج إلى الاستعداد لكلا الخطرين في وقت واحد خاصة بالنسبة للمجموعات المعرضة للخطر، مع تزايد الإلحاح بشأن الحرارة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة”.
بحسب التقرير، تحدث العديد من هذه الوفيات داخل منازل سيئة التدفئة، وخاصةً بين كبار السن، ولهذا توصي بأن تحسين عزل المساكن، وضمان توفر التدفئة، والاطمئنان على صحة الأفراد المعرضين للخطر خلال فترات البرد، يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا.
وقال أبو هاشم: “تحدث معظم الوفيات المرتبطة بالبرد بهدوء في الداخل أو في الأيام الباردة المعتدلة وقد لا يتم الإبلاغ عنها أبدًا إلى هيئة الأرصاد الجوية الوطنية، ولكنها تظهر في شهادات الوفاة، ولهذا السبب تظهر البيانات الطبية باستمرار المزيد من الوفيات المرتبطة بالبرد”.
سكان الريف
أظهرت دراسة أجريت في مقاطعة تشجيانغ الصينية أن سكان المجتمعات الريفية في الصين أكثر عرضة لتقلبات درجات الحرارة الشديدة، سواء كانت حارة أو باردة، مقارنة بالأشخاص الذين يعيشون في المناطق الحضرية.
في اليمن ،يشار إلى أن الريف يشكل قرابة ال70% من التركيبة السكانية للبلاد إجمالاً، حيث يتمركز غالبية السكان على الرغم من استمرار تدفق الهجرة الداخلية نحو المدن.
وبحسب الدراسة فقد لوحظ هذا التفاوت في خطر الوفاة بين المناطق الحضرية والريفية في جميع أنحاء البلاد، ولكنه كان أكبر لدى النساء منه لدى الرجال، ولدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا.
يقول الباحثون إن نتائج دراستهم لها آثار مهمة على السياسات، لا سيما في البلدان النامية. فالاستثمارات في الرعاية الصحية في المناطق الريفية قد تساعد في الحد من الهشاشة، كما أن التدابير الموجهة لضمان قدرة الناس على تدفئة وتبريد منازلهم قد تساعد في الحد من التعرض للعوامل الجوية.
وبحسب ما يقوله خبراء “فعلى الرغم من التوسع الحضري السريع، لا تزال نسبة كبيرة من سكان العالم النامي تعيش في المناطق الريفية. وهؤلاء الأشخاص أكثر عرضة للعمل لساعات طويلة في الهواء الطلق، كما أنهم يعانون من ضعف التغطية الصحية العامة. وهذان العاملان يزيدان من هشاشتهم.

إرشادات وقائية
في اليمن ينصح المركز الوطني للأرصاد كبار السن والأطفال بارتداء الملابس الشتوية للوقاية من البرد، كما نبَّه السائقين إلى توخي الحذر على الطرق نتيجة تدني الرؤية الأفقية بسبب الضباب، خصوصاً في المنعطفات الجبلية.
في السياق يُعد فهم كيفية تأثير الظروف شديدة البرودة على الجسم أمرًا ضروريًا للوقاية من مُضاعفات صحية خطيرة في الشتاء ،وفق تقرير لموقع “غريت فولز هوسبيتل” الأمريكي المتخصص في شؤون الصحة.
في حين أن الكثيرين يربطون الطقس البارد بمشاكل بسيطة مثل تشقق الشفاه أو جفاف الجلد، إلا أن الواقع هو أن التعرض لدرجات حرارة مُنخفضة يُمكن أن يُؤدي إلى حالات تُهدد الحياة وتتطلب عناية طبية فورية، بحسب الموقع.
ويشرح الموقع كيفية مقاومة جسمك للبرد، فعند التعرض له، يُفعّل الجسم آلية دفاعية متطورة للحفاظ على درجة حرارته الداخلية عند حوالي 37 درجة مئوية، تنقبض الأوعية الدموية في الأطراف، مُعيدة توجيه الدم الدافئ إلى الأعضاء الحيوية كالقلب والرئتين والدماغ، ورغم أن هذا الانقباض الوعائي يحمي الوظائف الأساسية، إلا أنه يجعل أصابع اليدين والقدمين والأذنين والأنف عرضةً للإصابات المرتبطة بالبرد.
يشير الموقع إلى أن الجسم ينتج الحرارة أيضًا من خلال الارتعاش، مما يزيد من النشاط الأيضي. ومع ذلك، فإن نظام الدفاع هذا له حدود، فالتعرض المطول أو الملابس غير المناسبة، أو الظروف الرطبة قد تُرهق هذه الآليات الوقائية، مما يؤدي إلى عواقب صحية وخيمة تتراوح من انزعاج طفيف إلى نتائج مميتة.
وذكر بأن قابلية الإصابة بالأمراض تزيد لأن الطقس البارد يجبر الناس على البقاء في الأماكن المغلقة، حيث تنتشر الفيروسات بسهولة أكبر، بينما يُضعف الهواء البارد دفاعات الجهاز المناعي في الجهاز التنفسي. ويُهيئ اجتماع التدفئة الداخلية الجافة والهواء الخارجي البارد ظروفًا مثالية لالتهابات الجهاز التنفسي.
وتشمل الوقاية غسل اليدين باستمرار، والحفاظ على مستويات الرطوبة داخل المنازل، والتطعيم ضد الإنفلونزا والالتهاب الرئوي، ودعم وظائف المناعة من خلال النوم والتغذية الكافيين.
كما أكد الموقع على أن فهم المخاطر الصحية المرتبطة بالطقس البارد يمكّن الأفراد من اتخاذ تدابير وقائية، والتعرف على العلامات التحذيرية المبكرة، والاستجابة بشكل مناسب لحماية أنفسهم والآخرين خلال فصل الشتاء.

