بعد قرون من ريادتها التاريخية في تعريف العالم بمذاق البن، عادت اليمن لتصدر نمطاً ثقافياً جديداً يتجاوز حدود المنتج التقليدي، إذ تشهد الولايات المتحدة انتشاراً متسارعاً للمقاهي اليمنية التي باتت تشكل ظاهرة اقتصادية واجتماعية لافتة.
ووفقاً لبيانات شركة تكنوميك الاستشارية، سجلت السلاسل الست الرئيسية المتخصصة في المشروبات اليمنية قفزة نوعية في عدد فروعها بنسبة بلغت 50% خلال العام الماضي، لتصل إلى 136 مقهى وفق تقرير نشرته صحيفة «The Independent» البريطانية.
وتؤكد التقارير أن الإحصائية لا تشمل عشرات السلاسل الناشئة والمقاهي المستقلة التي تعتمد في قوائمها على أصناف القهوة والشاي المستوردة مباشرة من المزارع اليمنية، مما يعكس تصاعد الطلب على المذاق الأصيل والارتباط بالجودة التاريخية للبن اليمني.
مواضيع مقترحة
- فعاليات ثقافية في مدن صينية للتعريف بعراقة البن اليمني
- البن اليمني ضمن أفضل 4 أنواع في العالم
- التغير المناخي وزراعة القات يهددان مستقبل البن الخولاني
بديل اجتماعي
تستجيب المقاهي اليمنية للمتغيرات الاجتماعية الراهنة في المجتمع الأمريكي عبر تقديم نموذج بديل لـ”الفضاءات الثالثة”، إذ تفتح أبوابها حتى ساعات متأخرة، تتجاوز أحياناً الثالثة صباحاً ولا سيما خلال شهر رمضان المبارك مما يوفر ملاذاً اجتماعياً لشريحة متنامية من الأمريكيين الباحثين عن خيارات ترفيهية بعيدة عن استهلاك الكحول.
وتتزامن الظاهرة مع تراجع تاريخي في معدلات شرب الكحول، حيث كشف استطلاع لمؤسسة “غالوب” العام الماضي أن 54% فقط من البالغين في الولايات المتحدة أفادوا بتناولهم الكحول، وهي النسبة الأدنى المسجلة منذ تسعة عقود.
يوضح أحمد بدر، صاحب مقهى أروى اليمني في مدينة ساني فيل بكاليفورنيا، جوهر هذه التجربة بقوله: “تتمحور الحياة الليلية في الشرق الأوسط عموماً حول القهوة؛ حيث يجتمع الناس للمسامرة وتبادل الأحاديث، وهو ما سعينا لنقله وتوطينه هنا” .
وإلى جانب البعد الاجتماعي، يلعب العامل الديموغرافي دوراً محورياً في هذا الرواج؛ إذ ارتفع عدد الأمريكيين من أصول عربية بنسبة 43% بين عامي 2010 و2024، وهي نسبة تتجاوز بكثير معدل نمو السكان الإجمالي في الولايات المتحدة البالغ 10%، وفقاً لبيانات المعهد العربي الأمريكي.
ورغم تركز المقاهي في مناطق الكثافة العربية التقليدية مثل ميشيغان وكاليفورنيا وتكساس، إلا أنها بدأت بالتمدد نحو مواقع جغرافية متنوعة تشمل ألفاريتا في جورجيا، وأوفرلاند بارك في كانساس، وبورتلاند في ولاية مين.

مذاق الوطن
فارس المطرحي المؤسس المشارك ومالك سلسلة مقاهي أروى اليمنية، ومقرها تكساس، والتي تضم 11 فرعاً في أنحاء الولايات المتحدة، بالإضافة إلى 30 فرعاً آخر قيد الإنشاء. ويؤكد المطرحي أن الحرب المستمرة في اليمن، والتي بدأت عام 2014، حالت دون زيارة اليمنيين الأمريكيين أمثاله لوطنهم؛ لذا سعى إلى استحضار أجواء اليمن في مقاهيه.
وتتميز فروع أروى بألوانها الصحراوية الطبيعية، وأقواسها المعمارية التي تحاكي المساجد، ومصابيحها المصممة على شكل قبعات مزارعي البن اليمنيين.
ويقول المطرحي: “كانت إحدى طرق زيارة اليمن دون السفر إليه هي نقل تلك التجربة إلى الولايات المتحدة، وقد مثّل ذلك شغفاً كبيراً لنا عند افتتاح أول فروعنا؛ لقد كان أمراً مؤثراً للغاية بالنسبة لنا جميعاً، لأنه نقلنا حقاً إلى اليمن”.
ومع ذلك، أشار المطرحي إلى أن غالبية زبائنه ليسوا من أصول عربية. ففي الواقع، يبحث الأمريكيون بمختلف خلفياتهم عن نكهات عالمية جديدة وتجارب أصيلة، وفقاً لشركة أبحاث السوق “داتاسينشال”. كما تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في الانتشار السريع لاتجاهات الأطعمة والمشروبات المبتكرة.
وعلى الرغم من تنوع قوائم الطعام، تقدم المقاهي اليمنية بصفة عامة مشروبات مميزة، مثل “الشاي العدني” المنكّه، و”القشر” وهو مشروب تقليدي يُصنع من قشور حبوب البن المجففة. وقد تشتمل المشروبات الشائعة مثل “اللاتيه” على توابل خاصة أو عسل؛ وفي مقهى “أروى”، يُزيّن اللاتيه برسمة جمل تُشكل باستخدام التوابل.
كما تضم واجهات العرض مخبوزات متنوعة مثل “خلية النحل” (خبز العسل اليمني)، وهي معجنات محشوة بالجبن ومغطاة بالعسل، أو “البسبوسة” وهي كعكة منقوعة في القطر وغالباً ما تُنكّه بالليمون أو ماء الورد. كما تتضمن العديد من قوائم الطعام اليمنية مشروبات أمريكية شائعة، مثل “لاتيه الماتشا” ومشروبات التوت المنعشة.
خيارات لعشاق القهوة
أكد بيتر جوليانو، الباحث في جمعية القهوة المختصة وهي منظمة غير ربحية مقرها كاليفورنيا، أن المقاهي ذات الطابع الثقافي المميز تمثل محركاً رئيسياً لنمو صناعة القهوة في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة. وإلى جانب المقاهي اليمنية، أشار جوليانو إلى نماذج أخرى ناجحة مثل سلسلة مقاهي “تييرا ميا” ذات الطابع اللاتيني في كاليفورنيا، وشركة “نغوين كوفي سبلاي” في نيويورك المتخصصة في تحميص البن الفيتنامي.
وفي سياق رصد انطباعات الزبائن، قالت سيندي دونوفان، التي زارت مقهى “بدر” في ساني فيل لأول مرة بعد عثورها عليه عبر الإنترنت، إنها تبحث دوماً عن القهوة الجودة وقد أبدت إعجاباً لافتاً بالقهوة اليمنية. ووصف دونوفان تجربتها قائلة: “أعتقد أنها أكثر رقة ونعومة وأغنى نكهة من القهوة الداكنة المعتادة؛ فالهيل يمنح هذه المشروبات مذاقاً رائعاً وعميقاً دون أن تكون ثقيلة”.
من جانبه، أوضح المطرحي أن معظم القهوة اليمنية تُجفف تحت أشعة الشمس، وهي عملية تعزز نكهتها وتُبرز لمحات من مذاق الشوكولاتة والفواكه. وأضاف أن المقاهي اليمنية غالباً ما تخلط القهوة بمزيج خاص من التوابل يُعرف بـ “الحوائج”، والذي قد يضم الهيل، أو الزنجبيل، أو القرفة، أو القرنفل، أو الكزبرة، أو جوزة الطيب.
وفيما يتعلق بآلية التحضير، أشار محمد ناصر، مدير العمليات في سلسلة مقاهي “حراز” (ومقرها ديربورن بميشيغان، وتضم 50 فرعاً قائماً و50 أخرى قيد الإنشاء)، إلى أن التميز يكمن في اللمسة اليدوية. وقال ناصر: “لا نعتمد في تحضير القهوة والشاي على الآلات الأوتوماتيكية فحسب، بل نقوم بعمليات المزج والخلط يدوياً، مع غليهما بالماء والحليب المبخر، لضمان الوصول إلى المذاق واللون المثاليين”.
تاريخ اليمن العريق
للقهوة تاريخ عريق في اليمن؛ فبينما يُرجح أن اكتشافها الأول كان في إثيوبيا، إلا أن زراعتها استقرت في اليمن بحلول القرن الخامس عشر الميلادي، حيث كان الرهبان يُعدونها للاستعانة بها على السهر والتركيز أثناء الصلاة، وفقاً للجمعية الوطنية للقهوة منظمة تجارية أمريكية.
و احتكرت اليمن تجارة القهوة عالمياً لنحو مائتي عام، إلى أن تمكن تجار هولنديون من تهريب بذورها إلى إندونيسيا والبدء بزراعتها هناك.
بدأت المقاهي اليمنية بالتمدد في مدن أمريكية كثيرة من بينها ألفاريتا في جورجيا، وأوفرلاند بارك في كانساس، وبورتلاند في ولاية مين
وأوضح المطرحي أن انتعاش صناعة البن اليمنية على مدى العقدين الماضيين بقيادة شركات ومؤسسات ورواد أعمال شباب ساهم بشكل مباشر في تحقيق الازدهار الحالي لهذه التجارة في الولايات المتحدة. ويُعد قطاع البن من أكثر القطاعات واعديةً لتحقيق التنمية الاقتصادية في اليمن، حيث يعيش أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، وفقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
واختتم المطرحي حديثه بالتأكيد على البعد الثقافي للمشروع قائلاً: “نحن سفراء لثقافتنا وشعبنا؛ لذا نسعى من خلال افتتاح هذه المقاهي إلى مد جسور التواصل مع الآخرين، وإبراز قيم كرم الضيافة اليمني، وعرض ما تمتلكه بلادنا من موروث غني”.

