تقطع أم محمد ‹50عاماً› مسافة طويلة تقدر بنحو 2 كيلو متر، في قرية المقار بمديرية قعطبة بمحافظة الضالع، وتحمل على رأسها أوعية مياه، في رحلة يومية تبدأ في الصباح الباكر وتستمر حتى الظهيرة من أجل الحصول على لترات قليلة من الماء.
تقول أم محمد لـ “ريف اليمن”، “عشنا 5 سنوات ننعم بشرب المياه النظيفة من مشروع المياه الحكومي، ولم نكن نحمل هم تأمين المياه. أما اليوم، فأقطع مسافات بعيدة ، وما إن أصل حتى أجد نفسي مجبرة على الانتظار في طوابير طويلة أمام الخزان العام بانتظار دوري الذي قد يطول لساعات”.
معاناة أم محمد، ومعها المئات من النساء مستمرة منذ توقف مشروع المياه الذي كان يعتمد عليه سكان قرى المقار، وشليل، والقرن، وهجار شمال قعطبة لأكثر من خمسة أعوام، والذي كان يغطي الاحتياجات المنزلية لنحو 6 آلاف نسمة منذ تأسيسه في العام 2008 وحتى توقفه المفاجئ عام 2013، لتتحول حياة الأهالي منذ ذلك الحين إلى كفاح يومي مرير من أجل البقاء.
مواضيع مقترحة
- الضالع.. الماء المسموم بالفلورايد يحاصر السكان
- الجفاف في الضالع .. ظاهرة مناخية تهدد البيئة والإنسان
- في قرى الضالع.. سفر مرهق لاجل أساسيات الحياة
توقف مشروع المياه
تصف أم محمد حجم المعاناة قائلةً لـ “: “نقضي نهارنا بطوله في الذهاب والانتظار، وبالكاد نستطيع توفير خمسة إلى ستة أوعية أي ما يعادل 100 إلى 120 لترًا فقط وهي لا تكاد تكفي لكننا، نتقاسمها للشرب، وطهي الطعام، والغسيل، والنظافة المنزلية”.
الشابة أسماء علي ( 30 عاماً) إحدى نساء قرية المقار هي الأخرى تشكو من صعوبة تأمين المياه قائلة: ” تحول تأمين قطرة الماء إلى همّي الأكبر وشغلي الشاغل الذي لا يفارقني. أستيقظ فجرًا مع رفع الأذان، وأنطلق برفقة الحمار والظلام لا يزال يخيم على القرية، وما إن أصل إلى الخزان حتى أجد طابورًا من النساء قد سبَقْنني إليه، فأضطر للانتظار طويلاً حتى يأتيني الدور، ولا أعود إلى منزلي إلا قرابة الساعة السابعة صباحًا”.
وتضيف: “لا يتوقف الأمر عند الصباح؛ بل أظل طوال اليوم أتنقل بين البئر والخزان، قاطعةً مسافة مئتي متر بينهما، بحثًا عن تجمع أقل ازدحامًا علّني أجد فرصة لملء أوعيتي دون انتظار طويل”.
رحلة شاقة
يضطر السكان إلى قطع مسافات بعيدة وطرق جبلية وعرة وشديدة الانحدار للوصول إلى آبار بديلة، يشتد حولها الازدحام وتتداخل فيها طوابير المنتظرين نتيجة تدفق أهالي عدة قرى مجاورة نحو المصدر ذاته.
تقول أم عمر( 45 عاماً) لـ “ريف اليمن”، “تتضاعف مأساتنا وتضيق بنا السبل كلما تعطلت بئر قريتنا، إذ نضطر مجبرات للذهاب سيراً على الأقدام إلى بئر تقع في قمة الجبل، وهناك نقضي ساعات نترقب في طوابير ممتدة بسبب تدافع أهالي القرى الأخرى، لنعود في نهاية المطاف بوعائين أو ثلاثة فقط لا تسمن ولا تغني من جوع”.

أما أحمد سلمان( 47 عاماً) فيقول لـ “ريف اليمن” أن شح المياه وتوقف المشروع الحكومي، إلى جانب الأعطال المتكررة لبئر الوادي وتأخر أعمال صيانتها، تعد أسباباً جوهرية لتفاقم المشكلة.
ويشير سلمان إلى أن الأزمة امتدت لتلقي بظلالها على السلم الاجتماعي داخل القرى، حيث تتسبب فترات الانتظار الطويلة وحالة الزحام الشديد حول مصادر المياه في نشوب مشاحنات وخلافات يومية بين النساء والأطفال.
من جانبه، يشير خليل العسيلي وهو أحد سكان قرية الاخزاج إلى عوامل جغرافية واجتماعية أخرى أسهمت في تعقيد المشهد، مبيناً أن تراجع معدلات هطول الأمطار، وعدم وفرة الآبار السطحية في الوادي، بالتزامن مع الانفجار السكاني، جعلت الحصول على مياه الشرب ترفاً يصعب نيله.
ويضيف العسيلي لـ “ريف اليمن “، “يذهب بعض الأهالي بسياراتهم لتعبئة خزانات تفوق سعتها ألف لتر للاستخدام المنزلي أو لري بعض المزروعات، مما يتسبب في جفاف الخزانات سريعاً ويخلق ضغطاً هائلاً على البئر، ليدفع الثمن في النهاية النساء والأطفال الذين يتجرعون مرارة التعب والعناء اليومي والعناء اليومي لتأمين حصص أسرهم البسيطة”.
تهديد السلم الاجتماعي
لم تتوقف تداعيات أزمة المياه عند مشقة الجلب فحسب، إذ ألقت بظلالها على النسيج الاجتماعي والسلم الاجتماعي حيث تسببت طوابير الانتظار الطويلة والازدحام الشديد حول الآبار والخزانات في نشوب مشاجرات متكررة بين النساء والأطفال. وهي خلافات سرعان ما تتطور لتنتقل عدواها إلى الآباء والرجال، مما يستدعي تدخل الوجهاء والمشايخ لفض النزاعات واحتوائها.

ومما يضاعف القلق والعبء على الأهالي، اضطرار النساء والأطفال للذهاب في فترات مسائية والتأخر عند الآبار حتى الثامنة ليلاً، وهو ما بات يثير استياءً وتخوفاً واسعاً في أوساط هذا المجتمع المحافظ، الذي يرى فيها تهديداً مباشراً للاستقرار الأسري والاجتماعي.
وتتعالى أصوات المناشدات والمطالبات لتخفيف الأزمة، حيث طالب الشخصية الاجتماعية، الشيخ علي الذواد، عبر منصة “ريف اليمن”، الجهات الحكومية المختصة والمنظمات الإنسانية بضرورة التدخل العاجل لإصلاح شبكة المياه الحكومية المتعثرة.
وأكد لـ “ريف اليمن” أن إعادة تأهيل المشروع تمثل الحل الجذري والوحيد لإنهاء النقص الحاد في المياه. وحذر الذواد قائلاً: “إن القرى التي كانت تعتمد كلياً على البئر باتت اليوم تواجه أزمة جفاف غير مسبوقة، تفرض التدخل الفوري”.
وفي ظل مناشدات السكان أقر مدير عام المؤسسة للمياه والصرف الصحي بمحافظة الضالع، أحمد الحلقبي، بحجم المعاناة، لكنه أكد عجز المؤسسة عن تقديم حلول في الوقت الراهن جراء انعدام الإمكانيات والموازنات التشغيلية، مضيفاً لـ” ريف اليمن” : “ما زلنا نواجه تحديات خانقة في تأمين مياه المدن، وهو ما يضاعف من صعوبة تلبية احتياجات المناطق الريفية، ومع ذلك نسعى جاهدين للتحرك وفق المتاح والممكن”.
واختتم الحلقبي حديثه بالإشارة إلى أن المؤسسة رفعت تقارير متكاملة تتضمن احتياجات القرى المتضررة إلى الجهات العليا والمنظمات الداعمة دون تلقي أي رد حتى الآن، مؤكداً أن “تكاتف ومبادرة أهالي القرى لإصلاح البئر الحكومي يمثل الحل الوحيد الممكن حالياً لمعالجة أزمة المياه”.





