تعاني الخدمات الصحية في اليمن عجزاً غير مسبوق، حيث يعمل نحو نصف المرافق الطبية في المحافظات المتضررة دون أي دعم إغاثية، ويترافق التدهور مع نقص حاد في العيادات المتنقلة وخدمات إسعاف الجرحى قرب خطوط المواجهة.
وحذرت منظمة «الصحة العالمية» من تفاقم الأوضاع الصحية جراء تداعيات التصعيد العسكري الذي تشهده البلاد منذ بداية سبتمبر/أيلول الماضي، مؤكدة أن تصاعد النزاع أسفر عن خسائر بشرية جسيمة وموجات نزوح واسعة.
وأظهرت أحدث بيانات وزارة الصحة والسكان تسجيل 959 حالة وفاة و4,207 إصابات موزعة على 10 محافظات حتى الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2026، مما يعكس حجم الضغط الهائل الملقى على كاهل المنظومة المتهالكة.
مواضيع مقترحة
- النزوح والفقر يحرمان آلاف النازحين من الرعاية الصحية
- الضالع: إعلان مديرية قعطبة منطقة موبوءة بالكوليرا
- التصعيد في اليمن يسرّع إنهيار القطاع الصحي
نزوح وحرمان صحي
وثّقت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين نزوح ما يقرب من 198 ألف شخص داخل البلاد منذ بدء التصعيد حتى 28 سبتمبر/أيلول، اضطر كثير منهم للنزوح أكثر من مرة، فضلاً عن عبور 3,800 شخص الحدود نحو جيبوتي.

وتعد الأسر النازحة الأكثر تضرراً من الأزمة، حيث لم تتلقَ الخدمات الصحية منها سوى 1,250 شخصاً فقط، أي أقل من 1% من أصل 198 ألف نازح حتى الأسبوع الماضي، ما ترك أعداداً كبيرة في تعز ولحج دون مساعدة طبية كافية.
وحذّر ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن، الدكتور سيد جعفر حسين، من تحول الوضع إلى حالة طوارئ معقدة، مؤكداً أن نقص الموارد المتاحة يهدد حياة المصابين بحالات خطيرة والذين يتطلب إنقاذهم توفير رعاية عاجلة خلال الساعة الأولى من الإصابة.
وأشار حسين إلى وجود فجوات ميدانية حادة على طول خطوط المواجهة، أبرزها افتقار نقاط التثبيت الطبية والإسعاف المتقدم على ساحل لحج وفي الضالع للشركاء المشغلين، مع وجود وكالات محدودة للغاية قادرة على تقديم رعاية الإصابات.
كارثة صحية
تتسارع وتيرة تفشي وباء الكوليرا، حيث تضاعفت عدد الإصابات ثلاث مرات خلال ثلاثة أسابيع فقط، ممتدة إلى مخيمات النازحين، إذ يرافق التفشي ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بحمى الضنك والملاريا، مما يفاقم الضغط على المنظومة الصحية المتهالكة.
الصحة العالمية: نحو نصف المرافق الصحية بلا دعم إغاثي، وأقل من 1% من النازحين تلقوا المساعدة
ورصدت الجهات الصحية أكثر من 22 ألف حالة يُشتبه في إصابتها بالحصبة خلال العام الجاري، أسفرت عن تسجيل 128 حالة وفاة بين الأطفال النازحين غير المطعمين. وتؤكد الأرقام اتساع الفجوة في التغطية التحصينية داخل المخيمات ومناطق النزوح.
وعلى صعيد الأمن الغذائي والصحي للأطفال، كشفت عمليات الفحص الميداني التي نفذتها الفرق الطبية المتنقلة مؤخراً عن مؤشرات خطر ناتجة عن تفشي سوء التغذية الحاد بشقيه الوخيم والمتوسط. وتستهدف هذه الأزمة صحة الأطفال النازحين في مختلف المناطق المتأثرة، مما يضاعف المخاطر الصحية المركبة.
وفي إطار التطورات الميدانية، أعلنت السلطة المحلية في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع جنوب اليمن، المديرية منطقة موبوءة بالكوليرا. وجاء الإعلان عقب تسجيل ارتفاع ملحوظ في الحالات المشتبهة والمؤكدة بالمرض داخل نطاق المديرية.
وصدر الإعلان خلال اجتماع موسع برئاسة مدير عام المديرية عبدالوهاب شايف سنان، وبحضور مسؤولي القطاع الصحي وإدارات المستشفيات وفرق الترصد الوبائي. واستند القرار إلى تقرير فني ميداني رصد 129 حالة إيجابية بالفحص السريع، إلى جانب تأكيد 7 حالات مخبرياً.

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه اليمن ثاني أكبر تفشٍ لوباء الكوليرا عالمياً منذ بداية عام 2025، إذ أفاد تقرير لمنظمة الصحة العالمية بتسجيل أكثر من 81 ألف حالة مشتبه بها و225 حالة وفاة، لتصبح البلاد ثالث أعلى دولة في معدل الوفيات الناجمة عن المرض بعد جنوب السودان وأفغانستان.
شح التمويل
يأتي ذلك في الوقت الذي تواجه فيه المنظمة فجوة تمويلية حرجة تهدد استمرارية عملياتها الإغاثية في اليمن، مشيرةً إلى رفع متطلبات التمويل العاجلة من 9 ملايين إلى 31 مليون دولار أمريكي، إلى جانب الحاجة لـ 700 ألف دولار إضافية لدعم الاستجابة الخاصة باللاجئين الفارين إلى جيبوتي.
وانعكس العجز التمويلي مباشرة على عمل المستشفيات التي أصبحت تعاني نقصاً حاداً في المستلزمات الجراحية ومواد التخدير ومستهلكات بنوك الدم والوقود، إلى جانب تباطؤ سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليفها، وتوقف خدمات الولادة الطارئة في مأرب ورأس العارة.
نقص الموارد المتاحة يهدد حياة المصابين بحالات خطيرة تتطلب إنقاذهم فوراً خلال الساعة الأولى
وتسعى المنظمة لتوسيع رعاية الطوارئ والاستجابة للأوبئة، بصفتها قائدة مجموعة الصحة ومقدم الخدمات في الحالات الطارئة، حيث تلقت حتى الآن 3.78 ملايين دولار من الصندوق المركزي للاستجابة للطوارئ CERF والمساعدات الإنسانية الأوروبية ECHO، و490 ألف دولار من صندوق الطوارئ للمنظمة بالإضافة إلى 150 ألف دولار للاستجابة في جيبوتي.
وحذّرت المنظمة من أن عدم تدفق التمويل العاجل سيفاقم الفجوات التشغيلية في رعاية الأمومة وحديثي الولادة والأدوية الأساسية، لا سيما مع التوقعات ببدء أثر ظاهرة النينيو المناخية اعتباراً من أكتوبر 2026، ما يهدد بزيادة معدلات سوء التغذية وتفشي الأمراض.





