الثلاثاء, 29 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
زقاق

المسحقة الحجرية.. إرث الأجداد الذي يحافظ على بقائه

📅 سبتمبر 29, 2026

في ظل انتشار الأدوات الكهربائية والآلات الحديثة في المطابخ اليمنية، لا تزال أدوات حجرية قديمة تحافظ على حضورها في الأرياف اليمنية والأسواق، من بينها المسحقة الحجرية أو مايطلق عليها في بعض المناطق بـ‹المرهك› التي ارتبطت منذ عقود بإعداد طبق السحاوق اليمني الشهير.

والسحاوق طبق شعبي يتكون من الطماطم والفلفل الحار والثوم ونبتات أخرى تضاف حسب الرغبة مثل الكزبرة، النعناع، الخوعة، العنصيف، ويتم تناوله مع وجبات الطعام، واشتق اسمه من الطريقة التقليدية لتحضيره، وهي جمع مكوناته وسحقها على الحجر.

لا تقتصر أهمية هذه الأداة على استخدامها في إعداد هذا الطبق فحسب، إذ تمثل جزءًا من الموروث المنزلي والحرفي الذي تناقلته الأجيال، واستخدم قديما لطحن الحبوب، فيما لا يزال بعض اليمنيين يفضلونها رغم توفر البدائل الحديثة، كالخلاطات الكهربائية.


مواضيع مقترحة


حرفة متوارثة

يقول الحاج ناجي سعيد، إنه يعمل في بيع وشراء المساحق الحجرية منذ نحو 25 عاما، لافتا أن الإقبال على هذه الأداة لا يزال مستمرا، بل إن عدد المشترين ازداد خلال السنوات الأخيرة، ربما نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وعدم القدرة على استخدام الخلاط.

ولم تعد المسحقة مجرد أداة من الماضي، إذ لا يزال حاضرًا في الأسواق بشكل كبير، وبحسب الحاج سعيد تختلف أسعاره بحسب الحجم وجودته ونوعه.

مشيرا أن سعره كان سابقا يتراوح بين 2,000 و3,000 ريال، بينما تتراوح أسعاره حاليا بين 7 و8 ألف وبعضها يصل إلى 10 ألف ريال، وقد يصل سعر بعض الأنواع إلى 15,000 ريال أو أكثر.

وتتنوع المساحق في أحجامها بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، ولا تصنع من أي نوع من الأحجار، بل من حجر خاص يختار بعناية، ويستخرج من مناطق مختلفة، ويعد الحجر التهامي الأجود في صناعة هذه الأداة.

ويوضح سعيد أن الحجر يمر بعدة مراحل، فبعد استخراجه قبل أن يصبح صالحا للاستخدام، تبدأ بغسله، ثم تشكيله وتسويته باستخدام أدوات مخصصة، حتى يأخذ شكله النهائي، وتحتاج صناعة القطعة الواحدة إلى جهد، قد تستغرق من يومين إلى ثلاثة أيام، بحسب طبيعة الحجر وحجمه.

طعم السحاوق بالحجر له نكهة أقوى وطعم ألذ وتشعر فيه بطعم المكونات المضافة (ريف اليمن)

ورغم سهولة استخدام الأدوات الحديثة وسرعتها، لا يزال أغلب اليمنيين يتمسكون بالمسحقة، ليس فقط باعتباره أداة تراثية، وإنما لما يرونه من اختلاف في مذاق الطعام عند استخدامه.

وتقول نجوى قاسم، وهي امرأة ريفية، لـ”ريف اليمن”، إن المسحقة لها عراقة خاصة، لأنها ارتبطت بالمطبخ اليمني منذ زمن طويل، مشيرة إلى أنها ما تزال تفضل استخدامها رغم توفر الآلات والأدوات الحديثة.

وترى نجوى أن للمكونات التي تُسحق بالحجر طعما مميزا، خصوصا البسباس، مؤكدة أن الطعم الذي يخرج من المسحقة لذيذ وله نكهة مختلفة، وهو ما يجعلها، بالنسبة لها، أكثر من مجرد أداة قديمة، مشيرة أنها تستخدمها أحيانا بديل لصحون التقديم، ويتم وضع وجبة العصيدة عليها وأكلها.

ويتفق معها محمد يوسف، من منطقة صبر، الذي يقول إنه يفضل المسحقة على الخلاطة الكهربائية، موضحا أن استخدامها في سحق البسباس يجعله قارح وخامر 〈لذيذ وذو ريحة طيبة〉 بينما تعطي الخلاطة طعما مختلفا، لكنه في رأيه لا يشبه طعم الحجر.

نكهة أقوى

وتختلف تسمية هذه الأداة من منطقة يمنية إلى أخرى؛ ففي بعض المناطق تعرف باسم المسحقة، بينما تُسمى في مناطق أخرى المرهك، ورغم اختلاف التسمية، فإنها تشير إلى الأداة الحجرية التي استخدمها اليمنيون منذ القدم لسحق البسباس وبعض المكونات الغذائية كالحبوب، قبل أن تدخل الأدوات الكهربائية الحديثة إلى المطابخ.

لم تعد المسحقة مجرد أداة من الماضي، إذ لا يزال حاضرًا في الأسواق بشكل كبير وأغلب اليمنيين يتمسكون بها رغم توفر الأدوات الحديثة

ولا يقتصر استخدام المسحقة على سكان الريف، إذ ما تزال حاضرة في بعض المطابخ داخل المدن، حيث يفضلها بعض المستهلكين على الخلاطات الكهربائية، ويقول أنور بليغ، وهو أحد سكان المدينة إنه رغم توفر الخلاطات والأدوات الكهربائية وسهولة استخدامها، فإنه يفضل السحاوق المعدّ في المسحقة.

ويقول بليغ لـ”ريف اليمن”، إن طعم السحاوق بالحجر له نكهة أقوى وطعم ألذ، وتشعر فيه بطعم المكونات المضافة، كالثوم ونبتات أخرى، رغم أنها متعبة لكن لها مذاق مختلف، مشيرا إلى أن استخدام المسحقة لا يرتبط بالحاجة إلى أداة بديلة عن الآلات الحديثة، وإنما بتفضيل المذاق الذي تمنحه للطعام.

لا تمثل المسحقة مجرد أداة، بل تحمل جانبا من ذاكرة الحياة الريفية، حين كانت الأدوات المنزلية تعتمد على المواد المحلية والعمل اليدوي والخبرة المتوارثة، ومع استمرار صناعته وبيعه واستخدامه حتى اليوم، فإنه يحافظ على مكانته كجزء من الموروث الذي يجمع بين الحرفة القديمة والحجر الطبيعي والمذاق التقليدي.