يقف المزارع حمود قاسم (62 عاماً) وسط مزرعته يمسح العرق عن جبينه ويراقب السحب وهي تتجمع سريعاً، لا مجال للتردد أو الراحة، فهو يعمل في تشكيل “المقلح” وحفر التربة حول سيقان الذرة الرفيعة، في سباق مع الزمن قبل أن تباغته زخات المطر.
يقول قاسم لـ “ريف اليمن”: ‹مع ارتواء التربة في أول الموسم تبدأ الزروع بالارتفاع، وما إن تجف الأرض جفافاً خفيفاً وتصبح طرية صالحة للردم، حتى نسارع إلى «الحَفْرَة» وعلينا إنجازها قبل حلول ذروة أغسطس/آب، حيث تمنعنا السيول والطين من العمل›.
وتعد «الحَفْرَة» آخر مهام تقليب التربة في مزارع الذرة الرفيعة وخاصة في المدرجات الزراعية في محافظة إب وسط اليمن، وتعد آخر الأعمال اليدوية الشاقة في الموسم قبل أشهر من الحصاد، وهذه تمنع أضرار عواصف الرياح وتمنح مساحة لاستقرار ماء أكثر يحتاجه الزرع في آخر مراحل الزراعة.
وتُعد الذرة الرفيعة العمود الفقري للأمن الغذائي في المرتفعات الجبلية ذات المناخ البارد والمعتدل، حيث تعتمد زراعتها كلياً على الأمطار الموسمية وتُشكل المورد الأساسي للغذاء اليومي وعلف المواشي للأسر الريفية.
مواضيع مقترحة
- زراعة أرض الأجداد.. كيف أحيا شاب قرية مهجورة؟
- بين النجوم والمناخ المتقلب.. مزارعون يطاردون مواسم ضائعة
- كيف يواجه مزارعو ريف إب مشكلة الجفاف؟
أمطار آب
في أواخر يوليو وبداية أغسطس/آب، يضع المزارع قاسم والمئات من المزارعين اللمسات الأخيرة على حقولهم، وسط مشهد يبعث في نفوسهم رضا عميقاً وهم يرون سنابل الذرة الخضراء وهي تتشكل بعد أشهر من التعب والرعاية المتواصلة.
ويعتمد شغف المزارعين في العمل على دراية عميقة بالتقويم الزراعي، إذ يوضح الخبراء أن السير على الأرض عقب هطول الأمطار الغزيرة يتسبب في انضغاط التربة الشديد وخنق الجذور وحرمانها من الأكسجين، كما أن المحصول ينتقل إلى مرحلة الاعتماد الذاتي على مياه السماء والدفء المتبقي في التربة لاستكمال تكوين السنابل.

وتتكامل المعرفة الشعبية في اليمن مع المتطلبات الزراعية العلمية لتجعل من الحفرة إجراءً استباقياً، وتُعرف أمطار أغسطس محلياً بـ “علائم آب”، وهي غزيرة ومصحوبة برياح قوية، ويوثق التراث الفلكي الزراعي الظاهرة بمثل يتردد بين المزارعين: “في آب صُبّ الصَرَب صَب”؛ دلالة على كثافة الأمطار والسيول التي تعم الوديان.
هندسة التثبيت والوقاية
تتجلى في عملية الحفرة أو المقلح هندسة زراعية شعبية متوارثة، إذ تُردم الأتربة والسماد البلدي (العضوي) حول قواعد النباتات لتشكيل كتل ترابية دائرية مرتفعة تدعم الساق. وتكمن أهمية ذلك في حماية سيقان الذرة الرفيعة الطويلة من العواصف الشديدة والرياح التي تُعرف محلياً بـ “النود”، وتشتد خطورتها مع تضخم السنابل وزيادة وزنها قبيل بدء موسم الحصاد.
يقول المزارع قاسم إن “تثبيت الجذور يحمي الزروع من الوقوع والتكسر؛ فالنباتات التي تسقط على الأرض تتعفن حبوبها وتفقد قيمتها كغذاء بشري، ولا تصلح بعد ذلك إلا كأعلاف رخيصة؛ مما يكبد المزارع خسائر كبيرة تجعله يعجز عن تغطية تكاليف الأعمال والجهد”.
من الناحية العلمية، تمنح العملية المحاصيل دعماً ميكانيكياً يرفع مستوى نقطة الاستناد؛ مما يحفز الساق على إطلاق جذور دعامية إضافية تثبت النبات في العمود الفقري للتربة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تقليب التراب بين الصفوف يُسهم في إزالة الحشائش الضارة والطفيلية التي تنافس الذرة على الغذاء. كما تُشكل الحفر والمقالِح مسارب جانبية متناسقة تُصرف المياه الفائضة وتوجهها نحو المقاسم والأطراف، مما يحمي بؤرة الجذور ومنطقة التاج الحساسة من التعفن والإصابات الفطرية الناجمة عن التغدق المائي.

ويعتمد المزارعون في إتمام العمل على المفرس اليدوي الذي يتطلب مهارة عالية لردم التراب بعناية دون إيذاء النسغ أو قطع الجذور.
ويصف الفلاح حمدي محمد (35 عاماً) مشقة العمل قائلاً لـ “ريف اليمن”: “نبدأ من الفجر، نتنقل بين الخطوط المزدحمة بالزروع، ونبذل جهداً مضاعفاً تحت أشعة الشمس الحارقة في الحقول التي أُهملت عملية تنظيفها من الأعشاب في المذرى الأول”.
تحدي المناخ وسوق العمل الريفي
تضع الفترة الزمنية الضيقة المزارعين في سباق محاط بالمخاطر، وهو ما يختصره المثل الشعبي التراثي: “إذا قفل الطين، حَرُمَت الفأس والمفرس”، في إشارة تحذيرية من أن نزول المطر وتحول التربة إلى كتلة لزجة يحرمان الفلاح تماماً من دخول حقله، لكون الحركة فوق الطين تتلف النسغ وتقتلع الجذور الرقيقة.
وتتضاعف الأعباء اليوم في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها اليمن، إذ تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى تذبذب مواعيد الأمطار الموسمية وهطولها بشكل مباغت، إذ إن الإرباك في التقويم الزراعي يضيق المهلة المتاحة أمام الأهالي، فأي هطول مطري مبكر قبل إتمام ردم قواعد النباتات يُسارع في إحداث “قفل الطين”، متثاقلاً بتجريد سيقان الذرة من دعائمها أمام الرياح والسيول.
وأمام الخطر وضيق الوقت، تحولت فترة الحفرة إلى محرك اقتصادي ينعش سوق العمل للعمال الزراعيين بالأجر. يُضطر المزارعون للاستعانة بفلاحين لتدارك الوقت المتاح، وهو ما يوفر فرص دخل مؤقتة للأسر الأشد فقراً.

يوضح حمدي، الذي يعول أسرة مكونة من خمسة أفراد، أن جدول عمله يزدحم خلال هذه الفترة وقال: “أنتقل من مزرعة إلى أخرى لمساعدة الأهالي قبل أن تنزل السحب، أتقاضى نحو 4 آلاف ريال يمني مقابل العمل من الصباح حتى الظهر، وأحياناً أستمر حتى المساء لتلبية طلب المزارعين الذين يخشون ضياع محاصيلهم”.
وتجدر الإشارة إلى أن الحفرة ليست مجرد خطوة زراعية عابرة، بل هي طقس سنوي يمارسه المزارعون الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للغذاء والعيش، حيث يظل القطاع الزراعي الركيزة الأولى لاستيعاب العمالة في اليمن بنسبة تصل إلى 54%، كما يساهم بنحو 13.7% من إجمالي الناتج المحلي.





