مع شروق الشمس، تبدأ أم محمد (45 عاماً) يومها الطويل في قريتها الريفية بمحافظة البيضاء وسط اليمن، تتفقد مزرعتها الصغيرة، وتجمع الحطب، وتتابع شؤون أطفالها بمفردها منذ سنوات، وذلك بعد سفر زوجها بحثاً عن فرصة عمل خارج المحافظة.
تقول أم محمد لـ “ريف اليمن”: “منذ أن سافر زوجي وأنا أتحمل كل المسؤوليات بمفردي، بدءاً من رعاية الأطفال ووصولاً إلى العمل في الأرض، أحياناً أشعر بتعب شديد، لكن ما باليد حيلة، كل ما علينا هو الاستمرار في الكفاح والعمل”.
خلال الأعوام الماضية، شهدت أرياف البيضاء موجة متزايدة من هجرة الرجال نحو المدن أو إلى خارج البلاد، جراء التدهور الاقتصادي وغياب فرص العمل، تاركين خلفهم نساءً يتحملن مسؤوليات مضاعفة في إدارة المنازل، وإحياء الأراضي الزراعية، وتربية الأبناء.
مواضيع مقترحة
- المرأة الريفية اليمنية نواة الصمود وصناعة الحياة
- فتيات البيضاء.. اختناق الأرواح بين جدران قاسية
- المرأة الريفية اليمنية: قصة كفاح مُلهمة
أعباء مضاعفة
وتحولت الهجرة من القرى الريفية في اليمن، من خيار اقتصادي مؤقت إلى واقع يفرض إعادة تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، وتغيير أدوار الأسرة والعمل والزراعة في المناطق الريفية.
و على الرغم من أن التحويلات المالية التي يرسلها المغتربون ساعدت بعض الأسر على تحسين مستواها المعيشي، إلا أن تحديات اجتماعية واقتصادية كثيرة برزت في حياة المرأة وألقت بظلالها على تماسك الأسرة واستمرار النشاط الزراعي في عدد من القرى.
السيدة خولة (40 عاماً)، أم لثلاثة أطفال، تواجه أعباء الحياة منذ سفر زوجها بحثاً عن العمل، حيث تستيقظ يومياً لتفقد الأرض ورعاية أطفالها، في ظل غياب زوجها واقتصار الحياة على اتصالات متباعدة وتحويلات مالية غير منتظمة.
تلخص خولة المعاناة قائلة لـ “ريف اليمن”: “الحياة أصبحت أكثر صعوبة بعد غياب رب الأسرة، وتحمل مسؤولية كل شيء داخل المنزل وخارجه، بدءاً من رعاية الأطفال ووصولاً إلى متابعة الزراعة وتوفير الاحتياجات اليومية”.
وتضيف: “على الرغم من إسهام التحويلات المالية أحياناً في تجاوز بعض الأزمات المعيشية، إلا أنها لا تعوض غياب الاستقرار والدعم المباشر الذي كانت تعتمد عليه الأسرة أثناء وجود رب الأسرة”.
يرى الأخصائي الاجتماعي لطف الضبياني أن تزايد هجرة الرجال من أرياف البيضاء لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل تحول إلى ظاهرة تركت آثاراً اجتماعية واضحة على الأسرة والمجتمع الريفي، إذ إن غياب الرجال لفترات طويلة دفع بالنساء إلى تحمل مسؤوليات مضاعفة تشمل إدارة شؤون المنزل، والعمل الزراعي، وتربية الأبناء، وهي أدوار كانت في السابق موزعة بالتكامل داخل الأسرة.
الضبياني: تزايد هجرة الرجال من أرياف البيضاء لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل تحول إلى ظاهرة تركت آثاراً اجتماعية على الأسرة والمجتمع
وأكد الضبياني لـ “ريف اليمن” أن “الوضع القائم استحدث ضغوطاً نفسية واجتماعية متزايدة على النساء، لا سيما في القرى التي تعتمد بشكل أساسي على الفلاحة والعمل اليومي”.
على الرغم من استفادة بعض الأسر من التحويلات المالية وتحسن دخلها نسبياً، إلا أن ذلك لا يلغي الآثار العميقة المرتبطة بتراجع الاستقرار الأسري، وفقدان السند المباشر داخل محيط المنزل، يقول الضبياني.
تدهور الزراعة
ويحذر الضبياني من أن استمرار الهجرة قد يؤثر مستقبلاً على النشاط الزراعي والحياة الاجتماعية في الريف، خاصة مع تراجع أعداد الشباب العاملين في الزراعة واتجاههم إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل، داعياً في الوقت ذاته إلى دعم مشاريع تنموية وفرص عمل محلية تحد من النزوح الاقتصادي من القرى.
من جانبها تؤكد الباحثة الاقتصادية زهراء علي أن الهجرة أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر الدخل للأسر الريفية في اليمن، لا سيما في المحافظات التي تعتمد على الزراعة والعمل اليومي مثل البيضاء.
وأوضحت زهراء لـ”ريف اليمن” أن تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة دفعا أعداداً كبيرة من الشباب إلى مغادرة القرى بحثاً عن فرص عمل داخل المدن أو خارج البلاد.
وأضافت أن التحويلات المالية التي يرسلها المغتربون ساعدت العديد من الأسر على تغطية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء، والتعليم، والعلاج، كما ساهمت أحياناً في تحسين مستوى المعيشة، وبناء المنازل، وشراء مستلزمات زراعية؛ لكنها لا تمثل حلاً اقتصادياً مستداماً لأنها ترتبط بظروف العمل خارج البلاد، وتظل بالتالي عرضة للتراجع أو التوقف في أي وقت.
دراسة: العوامل الاقتصادية وتراجع فرص العمل تأتي في صدارة أسباب انتقال السكان من المحافظات الريفية إلى المدن أو إلى خارج مناطقهم الأصلية
وأكدت أن اعتماد الأسر الريفية على الأموال القادمة من الخارج أدى تدريجياً إلى تراجع الاهتمام بالإنتاج الزراعي المحلي في بعض القرى، وذلك بالتزامن مع مغادرة أعداد كبيرة من الرجال العاملين في الزراعة، الأمر الذي انعكس مباشرة على حجم الأراضي المزروعة والإنتاج الزراعي، لا سيما في المناطق التي تعتمد أساساً على الجهد الأسري في مجالي الزراعة والرعي.
فجوة اقتصادية
وكانت دراسة أكاديمية حديثة حول الهجرة الداخلية في اليمن أكدت أن العوامل الاقتصادية وتراجع فرص العمل تأتي في صدارة أسباب انتقال السكان من المحافظات الريفية إلى المدن أو إلى خارج مناطقهم الأصلية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على النشاط الزراعي والبنية الاجتماعية في عدد من المناطق الريفية.
وتؤكد زهراء علي لـ “ريف اليمن” أن استمرار الهجرة دون توفير مشاريع تنموية وفرص عمل محلية من شأنه أن يوسع الفجوة الاقتصادية والاجتماعية داخل الريف اليمني، محذرة من أن بعض القرى بدأت بالفعل تفقد جزءاً حيوياً من قوتها الشابة المنتجة، الأمر الذي يهدد مستقبل النشاط الزراعي والاستقرار الاجتماعي.
وبحسب تقرير للأمم المتحدة فإن النساء الريفيات في اليمن يبذلن دوراً محورياً في رعاية أسرهنّ، لكن التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة تحول دون تمكّنهن من تحقيق الدخل الكافي لضمان النمو الصحي لأطفالهنّ لا سيما في ظل افتقار الكثير منهنّ لفرص التعليم والتدريب، وهو ما يترك أسرهنّ في مواجهة مباشرة مع الصدمات الاقتصادية وخطر انعدام الأمن الغذائي.





