مع تصاعد القتال في اليمن تتفاقم الأزمة على القطاع الصحي، حيث تشهد المستشفيات ضغوطا شديدة في استقبال ضحايا الصراع، في ذات الوقت تعاني تدهوراً في ظل تفاقم أزمة الجوع حيث تعاني النساء والمواليد من سوء تغذية وغياب الرعاية الصحية.
في أحد مستشفيات مدينة تعز ترقد أمل الصبري وهي امرأة حامل وأم لطفلين تبلغ من العمر 25 عاماً، عاجزة عن الحركة بعد أن استقرت رصاصة في عمودها الفقري، أثناء محاصرتها داخل منزلها دون طعام أو ماء لمدة يومين.
أصيبت ‹أمل› برصاصة قناص في قرية الشقب التي تقع في صبر المطل على تعز، وقال الأطباء في مستشفى الثورة في تعز إنهم لم يتمكنوا من إجراء فحص بالأشعة لها لأنها تجاوزت شهرها الرابع من الحمل.
مواضيع مقترحة
- مرضى ريف تعز: معاناة مضاعفة وتنقلات مكلفة
- النازحون بمواجهة ‹الانهيار الصحي› وسط تفشي الأوبئة
- أطفال جائعون في اليمن يقتلعون من منازلهم
وقالت أمل ‹إن رصاصة دخلت في خاصرتها واستقرت قرب العمود الفقري›، ولم يتمكن الأطباء من إزالتها بسبب الجنين مشيرة ‹سأضطر للتخلي عن الجنين›، وفق تقرير وكالة «رويترز».
وتعاني المناطق الريفية من أزمة مضاعفة جراء الحرب حيث يصعب على السكان التنقل للحصول على الرعاية الصحية، حيث تعرضت كثير من المراكز في الأرياف للإغلاق بسبب اشتداد القتال وخاصة في أرياف تعز ومناطق الساحل جنوب غربي اليمن.
القطاع الصحي على وشك الانهيار
وتقول الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة إن الاحتياجات الصحية في مدينة تعز المحاصرة وصلت إلى مستوى حرج، وسط نقص حاد في الأدوية والأكسجين، والقفازات الجراحية، ومواد التخدير، والوقود.
ووفقاً جمعية الصليب الأحمر إلى أن المستشفيات القريبة من خطوط القتال في اليمن تشهد تدفقا كبيرا من المرضى، حيث تعالج ما يصل إلى 700 جريح حرب في أسبوع واحد.
محافظة تعز، التي تستضيف حوالي نصف من نزحوا باليمن منذ مطلع أغسطس/ آب، وعددهم 281 ألف شخص، وقطعت الطرق الرئيسة إليها منذ 3 أكتوبر/ تشرين ثاني، حيث يمنع القتال وصول الإمدادات الإنسانية إلى المنطقة، ويمنع المدنيين من مغادرتها.
وتشهد تعز ومأرب وساحل البحر الأحمر أعلى معدلات الإصابات، حيث يصل المرضى إلى المستشفيات وهم يعانون من جروح ناجمة عن أعيرة نارية وإصابات معقدة جراء الانفجارات، وفقاً للصليب الأحمر.
وهناك أيضاً مخاوف من تفشي الأمراض، في ظل شح المياه وتراكم النفايات في الشوارع. وقال المتحدث باسم الصليب الأحمر هاشم عسيران ‹إن نظام الرعاية الصحية بجميع أنحاء اليمن وصل إلى ‹نقطة الانهيار›.
قبل التصعيد في اليمن كان أكثر من 40 بالمئة من المستشفيات والمرافق الصحية في جميع أنحاء البلاد إما مغلقة أو تعمل بشكل جزئي بعد سنوات من الصراع، وفق عسيران.

معاناة الحوامل ومرافق تتعرض للهجوم
في مختلف أنحاء اليمن، تعطلت خدمات الرعاية الصحية للنساء الحوامل. وأشار متحدث الصليب الأحمر إلى أنه في بعض المستشفيات القريبة من خطوط المواجهة، جرى تحويل أقسام الولادة إلى غرف للطوارئ.
وقال عسيران: ‹يضطر بعض الأطباء لاتخاذ خيار صعب ومؤلم للغاية: هل أساعد هذه المرأة في وضع مولودها، أم أسرع لإنقاذ شخص ينزف حتى الموت بسبب إصابته بعيار ناري؟›.
وفي مدينة تعز، تفيد الأمم المتحدة بأن القابلات المجتمعيات توقفن عن العمل بسبب القيود المفروضة على التنقل، بالإضافة إلى أن خمسة مستشفيات تعمل فقط من بين 27 مستشفى مخصصاً لتقديم خدمات رعاية الطوارئ التوليدية ورعاية حديثي الولادة.
وحذر صندوق الأمم المتحدة للسكان، من أن تصاعد الأعمال القتالية تهدد صحة وحياة أكثر من 147,600 امرأة وفتاة في سن الإنجاب، مشيرا بأن ‹أكثر من 13,100 امرأة حامل في مدينة تعز غير قادرات على الوصول إلى خدمات رعاية الأمومة›.
ولا تقتصر معاناة القطاع الصحي على الضغط الهائل فحسب، بل إنه يتعرض أيضاً للهجمات العسكرية، ففي مديرية صبر الموادم بمحافظة تعز، تعرض أحد المستشفيات لشظايا قذائف هاون للمرة الثانية خلال شهر أكتوبر.
في حين أفادت الأمم المتحدة بمقتل مسعف وسائق في قصف أصاب سيارة إسعاف. كما أفاد مكتب الصحة محافظة تعز، باستهداف سيارة إسعاف الأربعاء 28 أكتوبر، أثناء إسعافها أحد المصابين غرب منطقة الشقب بمديرية صبر الموادم.
يوم الاثنين 27 أكتوبر وقع قصف آخر بالقرب من مستشفى المخا العام، في المدينة الساحلية التي تقع على ساحل البحر الأحمر، إلى إلحاق أضرار بالمبنى وإثارة الذعر بين المرضى.
وتدعم منظمة أطباء بلا حدود الطبية أقسام الولادة وطب الأطفال في المستشفى المخا. وقالت -في بيان- ‹مثل هذه الحوادث تمنع المرضى من القدوم إلى المستشفى خوفا على أنفسهم›.
مواليد يكافحون من أجل البقاء
واستعرض تقرير مراسلة «BBC» البريطانية في عدن، لاورلا غورين، قصة توأمان حديثا الولادة يكافحان من أجل البقاء على قيد الحياة في ظل تفاقم أزمة الجوع في اليمن بسبب الصراع.
حيث يكافح التوأمان ‹رغد حسن» وشقيقها ‹رعد› من أجل البقاء، اللذان وُلدوا قبل أوانهم، قبل سبعة أسابيع بالتزامن مع بدء التصعيد العسكري، حيث وصلت المواجهات إلى قريتهم في جبال كهبوب جنوب غربي اليمن.
اضطرت عائلتهم المكونة من سبعة أفراد إلى الفرار وسط القذائف والصواريخ وهجمات الطائرات بدون طيار، ولم يكن التوأمان محميين إلا بالبطانيات، ثم تلا ذلك ثلاثة أيام من السير على الأقدام متجهين إلى مدينة عدن.

يقول والدهم، بجاش علي حسن، وهو راعي أغنام ‹كان الأمر صعباً للغاية، لم نجد سيارات أو وسائل نقل، وساعدنا شخص كريم ونقلنا إلى هنا›.
وأثناء نزوح العائلة التي أصبحت بلا مأوى حاليا، سيراً على الأقدام ازداد ضعف التوأم، بحسب والدتهما لينا التي قالت: ‹كانوا منهكين… وكان الجو بارداً ومغبراً، وتفاقمت حالتهم من القيء والإسهال›.
عندما وصلت العائلة إلى مستشفى الصداقة في عدن، كان التوأمان بالكاد يتمسكان بالحياة، وقال طبيب وهو يهز رأسه، بينما ينظر إلى أطرافهما الهزيلة: ‹أصبحا مجرد جلد وعظم›.
كان ‹رعد› وهو الأشدّ مرضاً أضلاعه بارزة وصدره يرتفع وينخفض مع تنفسه السريع والسطحي، بالكاد كان حجمه أكبر من يدي الممرضة التي حملته برفق لوزنه وقياس طوله.
كان بجاش ينظر إليهم، والقلق بادٍ على وجهه، جاء التشخيص سريعاً ‹سوء تغذية حاد وشديد› وهذا قد يكون قاتلاً كالرصاصة، حيث يعد سوء التغذية في اليمن هي أزمةٌ داخل أزمة، وجبهةٌ أخرى وسط الحرب، وفق تقرير بي بي سي.
سوء التغذية الحاد
وتقول الأمم المتحدة إن حوالي 800 ألف شخص لم يعد بإمكانهم تلقي مساعدات منقذة للحياة، بسبب تصاعد القتال وقطع الطرق في مدينة تعز، وتقول الأمم المتحدة إن المدنيين هناك “معرضون لخطر جسيم” ويفتقرون إلى الغذاء بسبب ارتفاع الأسعار.
يجد آباء مثل بجاش أنفسهم عالقين في خضم كل هذا، يكافحون للحصول على المساعدة لأطفالهم. ووفق مراسلة بي بي سي ‹رأينا أماً أخرى مع طفلها الرضيع الذي يعاني من سوء التغذية تُرفض مساعدتها›.
كانت أم التوأمين ‹لينا› تُطعمهم رشفات من الحليب المدعم من زجاجة صغيرة، لكن رعد لم يستطع الاحتفاظ به، كان بين ذراعيها، وعيناه متسعتان ووجنتاه غائرتان.
وحتى قبل التصعيد الأخير، قدرت الأمم المتحدة أن نصف مليون طفل يمني سيعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم هذا العام، فيما يحتاج ثلي السكان لمساعدات إنسانية.

ويعد سوء التغذية الحاد في مستشفى الصداقة بمدينة عدن أشبه بخط إنتاج للمعاناة، فبينما يغادر طفل مريض بشدة، يصل آخر. وبعض الذين غادروا المستشفى يعودون بعد فترة وجيزة.
تقول الدكتورة نور محمد: ‹أحياناً يعود إلينا الطفل بعد أسبوع أو يومين. وأحياناً يعود في نفس اليوم. يعودون ونستقبلهم وتبدأ القصة من جديد›.
حيث يعودون لأن آباءهم لا يستطيعون تحمل تكاليف التغذية السليمة أو الفيتامينات. وتضيف ‹كل طفل هنا، جاء والداه لأنهما لا يملكان شيئاً، ليس لديهما مال ولا يستطيعون تحمل تكاليف مستشفى خاص›.
يحاول العديد من الآباء -مثل بجاش – النجاة من ويلات الحرب والفقر، أصبح الآن راعيًا بلا قطيع. فعندما فرّ، اضطر لترك عشرة أغنام خلفه، كانت مصدر رزقه الوحيد.
بينما كان الأطباء يراقبون توأميه، كان يعتني بأطفاله الثلاثة الأكبر سنًا، جميعهم دون سن الخامسة، جلسوا على مقعد في ردهة المستشفى دون ألعاب أو فراش أو أي أمتعة، لكن لم يكن بإمكانهم النوم هناك.





