الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
كتابات

الغطاء النباتي: الحارس الأخضر الذي يحمينا من مخاطر السيول

نحن الآن في موسم الأمطار، وكلما ازدادت غزارتها رأينا السيول الجارفة تنحدر من الجبال بسرعة، تحمل معها التربة والرواسب، وتترك وراءها آثاراً من الانجراف والدمار في الجبال والأودية.

وفي مثل هذه الأحداث، يتكرر السؤال دائماً: أين السدود؟ وأين الحواجز؟ لكن أليس علينا قبل ذلك أن نسأل سؤالاً أسبق وأكثر أهمية: أين الغطاء النباتي؟

فأول خط دفاع عن الجبال والتربة أمام الأمطار والسيول ليس الحجارة ولا الخرسانة، بل النبات. الأشجار والشجيرات والأعشاب التي تغطي المنحدرات ليست مجرد مشهد أخضر جميل، وإنما جزء أساسي من منظومة طبيعية تساعد على حماية التربة وإدارة مياه الأمطار والحد من سرعة الجريان السطحي.

وأنتم تقرأون هذا المقال، انظروا إلى الصورة التي التقطتها لأحد الجبال في مديرية المنار بمحافظة ذمار. لا يزال هذا الجبل يحتفظ بغطاء نباتي جيد من الأشجار والشجيرات والأعشاب والنباتات الصغيرة. وقد يبدو للبعض مجرد منظر أخضر، لكنه في الحقيقة نظام حماية طبيعي متكامل يبدأ عمله مع كل قطرة مطر. والشكر لكل من ساهم عبر السنوات في حماية هذا الغطاء النباتي والمحافظة عليه، ونسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم.


مواضيع مقترحة


ما الذي يفعله هذا الحارس الأخضر عندما تهطل الأمطار؟

تبدأ وظيفته قبل أن تصل مياه المطر إلى سطح الأرض؛ فعندما تسقط قطرات المطر مباشرة على أرض عارية، تضرب سطح التربة وتساعد على تفكيك حبيباتها، ثم يأتي الجريان السطحي ليحمل جزءاً من هذه الحبيبات نحو أسفل المنحدرات والأودية. أما في الأراضي المغطاة بالنباتات، فتعترض أوراق الأشجار والشجيرات وفروعها جزءاً من المطر وتخفف من قوة وصول القطرات إلى الأرض، بينما توفر الأعشاب والنباتات الصغيرة حماية مباشرة لسطح التربة.

وهنا يبدأ الفرق بين جبل مغطى بالنبات وجبل مكشوف. فبدلاً من أن تتحول كمية كبيرة من مياه الأمطار سريعاً إلى جريان سطحي، تحصل التربة على فرصة أكبر لامتصاص المياه، وتتباطأ حركة المياه فوق سطحها، وينخفض معها انجراف التربة وانتقال الرواسب نحو الأودية.

ولا يتوقف دور النباتات عند حماية سطح الأرض، فجذورها تسهم في تحسين بنية التربة وفتح مسارات داخلها، كما تساعد المواد العضوية الناتجة عن الأوراق والجذور المتحللة على تحسين خصائصها. والنتيجة تربة أقدر على امتصاص المياه والاحتفاظ بجزء منها، وجريان سطحي أبطأ، وانجراف أقل، ورواسب أقل تنتقل إلى الأودية.

وهذا يقودنا إلى علاقة أخرى مهمة، وهي علاقة الغطاء النباتي بتغذية المياه الجوفية. فعندما تتغلغل كمية أكبر من مياه الأمطار داخل التربة بدلاً من الجريان السريع فوق سطحها، يمكن لجزء من هذه المياه أن يتحرك إلى طبقات أعمق، وفي المواقع التي تسمح فيها طبيعة التربة والصخور بذلك قد يساهم جزء منها في تغذية الخزانات الجوفية.

الشمس ضرورية للنبات لكن ذلك لا يعني أن بقاء سطح التربة مكشوفاً أمام أشعتها باستمرار أمر مفيد وحماية سطح التربة يساعد على تقليل ارتفاع حرارتها وفقدان رطوبتها

لكن من المهم هنا ألا نبالغ في تبسيط هذه العلاقة. فليس كل ما تمتصه التربة من مياه يصل إلى المياه الجوفية؛ جزء يبقى مخزوناً في التربة، وجزء تستخدمه النباتات، وجزء يعود إلى الغلاف الجوي عن طريق التبخر والنتح. لذلك فالأدق أن نقول إن الغطاء النباتي يحسن فرص تغذية المياه الجوفية عندما تكون طبيعة التربة والجيولوجيا والظروف المحلية مناسبة لذلك.

وللغطاء النباتي وظيفة أخرى يعرف المزارع اليمني أهميتها جيداً، وهي المحافظة على «الروى»، فعندما تظل التربة مكشوفة أمام الشمس، ترتفع حرارة سطحها وتفقد رطوبتها بسرعة أكبر، بينما يساعد الغطاء النباتي والأعشاب والمخلفات النباتية على حماية سطح التربة وتقليل الفقد السريع للرطوبة.

وهنا أيضاً نحتاج إلى تصحيح مفهوم شائع، الشمس ضرورية للنبات، لكن ذلك لا يعني أن بقاء سطح التربة مكشوفاً أمام أشعتها باستمرار أمر مفيد. حماية سطح التربة تساعد على تقليل ارتفاع حرارتها وفقدان رطوبتها، وبالتالي الاحتفاظ بالروى مدة أطول.

وفي بعض مناطق محافظة ريمة، توجد ممارسة زراعية بسيطة وجميلة تعكس فهماً شعبياً لهذه الفكرة، إذ يقوم بعض المزارعين برص أحجار مسطحة حول أشجار البن للمساعدة في المحافظة على «الروى». ورغم بساطة هذه الممارسة، فإنها تؤدي جزءاً من الوظيفة نفسها: حماية رطوبة التربة من الفقد السريع.

وادي دوعن في حضرموت شرقي اليمن (الصورة: فهد باوجيه/ فيسبوك)

حماية التربة من الانجراف

أما واحدة من أهم وظائف الغطاء النباتي فهي حماية التربة نفسها من الانجراف، فالجذور تساعد على تماسك التربة، والأعشاب تحمي سطحها، والشجيرات تدعم الطبقات السطحية، بينما تسهم الأشجار وجذورها في استقرار التربة على المنحدرات.

وعندما نفقد هذا الغطاء، تبدأ سلسلة من المشكلات منذ هطول المطر. تضرب القطرات التربة المكشوفة مباشرة، وتتفكك حبيباتها، ويزداد الجريان السطحي، وتتسارع التعرية، ثم تبدأ الأخاديد بالتشكل، وتتحول أجزاء من التربة الخصبة تدريجياً إلى رواسب تحملها السيول بعيداً.

وهكذا قد نخسر خلال موسم مطري واحد جزءاً من تربة خصبة احتاج تكوينها إلى سنوات طويلة، ثم نعود بعد ذلك للبحث عن حلول إنشائية مكلفة لمشكلة كان جزء مهم من الوقاية منها يبدأ من أعلى الجبل، بحماية التربة والغطاء النباتي.

ولهذا فإن إدارة المساقط المائية لا تعني بناء السدود والحواجز فقط. نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تجمع بين الوسائل الحيوية والوسائل الإنشائية. تشمل الوسائل الحيوية حماية الغطاء النباتي، وتشجيع التجدد الطبيعي، والتشجير، وإدارة المراعي، والمحافظة على الأعشاب والشجيرات.

وفي المقابل تشمل الوسائل الإنشائية المدرجات الزراعية والسلاسل الحجرية وحواجز الترسيب وحواجز الأودية والخزانات والسدود ومنشآت حصاد المياه.

ولا ينبغي النظر إلى هذين المسارين باعتبارهما بديلين لبعضهما، فالحماية الحقيقية للمسقط المائي تتحقق عندما يتكاملان. الغطاء النباتي يخفف أثر المطر، والجذور تساعد على تثبيت التربة، والتربة تمتص جزءاً من المياه، والمدرجات تبطئ الجريان، والحواجز تساعد على احتجاز الرواسب، ومنشآت حصاد المياه تحتفظ بجزء من مياه الأمطار والسيول.

بهذا المفهوم، ننتقل من التفكير في كيفية «مقاومة السيول» بعد أن تتجمع وتكتسب سرعتها وقوتها، إلى التفكير في كيفية إدارة مياه الأمطار منذ اللحظة التي تسقط فيها أول قطرة على قمة الجبل.

وفي اليمن، لا ينبغي النظر إلى حماية الغطاء النباتي باعتبارها قضية تجميلية، ولا حتى قضية بيئية هامشية. إنها قضية مياه وتربة وزراعة، وقضية حماية من السيول ومواجهة للجفاف، وقضية ترتبط بالأمن المائي والغذائي ومستقبل المجتمعات الريفية.

لذلك، قبل أن نسأل فقط عن السدود التي ينبغي بناؤها في أسفل الأودية، علينا أن نسأل أيضاً عما بقي فوق الجبال من أشجار وشجيرات وأعشاب، وكيف نحميه ونستعيد ما فقدناه منه.

فقبل أن نبني السدود في أسفل الأودية، علينا أن نحافظ على الحارس الأخضر فوق الجبال.


*نقلا من صفحة الكاتب على فيسبوك

فؤاد الصيادي، إستشاري بناء القدرة على التكيف وتحسين سُبل المعيش، عمل سابقا في البنك الدولي.