الجمعة, فبراير 20, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

الإرشاد الزراعي في اليمن: بين الخبرة التقليدية والتحديات الحديثة

الإرشاد الزراعي في اليمن حكاية إنسان يبحث عن فرصة ليزرع ويعيش بكرامة، مزارع يقف في أرضه كل صباح وهو ينتظر من يساعده ويدلّه على الطريق الصحيح، وبلادنا تملك أرض خصبة، وشباب متعلم، وخبرة تراكمت عبر السنين، لكن كثير من التغيرات طرأت جعلت المزارعين يخسرون باستمرار.

كانت المواسم الزراعية معروفة لدى أجدادنا وأكثر استقرارًا والمحاصيل تنمو بسهولة، وكانت الخبرة التقليدية تكفي لضمان محصول جيد يوفر حياة مستقرة لأسرة المزارع، لكن اليوم تغيّر كل شيء تقريبًا، الأمطار لم تعد تأتي في مواعيدها، بعض السنوات تهطل بغزارة مدمرة وأحياناً جفاف شديد.

ظهرت أيضاً آفات جديدة لم يألفها المزارعون من قبل، وكذلك المياه أصبحت نادرة، والأسواق غير مستقرة، فتزداد المخاطر على كل موسم زراعي. هنا نتساءل: لماذا فقدت الأرض ذلك التوازن الذي اعتمد عليه المزارعون لسنوات طويلة؟ هل هو تغيّر طبيعي في المناخ، أم هناك أسباب أخرى؟ كيف يستطيع المزارع أن يواجه تحديات لم يعرفها من قبل؟


مواضيع مقترحة


المزارع اليوم لم يعد يعتمد فقط على الخبرة التقليدية أو الحظ، بل يحتاج إلى معرفة علمية وعملية تساعده على مواجهة هذه التحديات، وهنا يظهر دور الإرشاد الزراعي الذي يربط بين العلم والخبرة العملية في الحقول، لكنه نفسه يواجه مشاكل وضعفًا في الدعم مما يجعل الكثير من المزارعين عاجزين عن الاستفادة منه بشكل كامل.

الإرشاد الزراعي هو الجسر الذي يربط العلم مباشرة بالمزرعة، ويحوّل المعرفة النظرية إلى تطبيق عملي يمكن للمزارع أن يلمسه في أرضه. هنا يأتي سؤال آخر أكثر أهمية: أين هم خريجو كليات الزراعة الذين يُفترض أن يكونوا سندًا لهذه الأرض؟ هل يعقل أن تمتلك البلاد آلاف المهندسين الزراعيين، ومع ذلك يقف المزارع في حقله بلا من يرشده أو يقدّم له المعرفة الدقيقة التي يحتاجها؟

ببساطة يقوم المرشد الزراعي بزيارة المزارعين في حقولهم ويشرح لهم بشكل عملي كيف يزرعون محاصيلهم، ويحافظون عليها، ويزيدون من إنتاجها، ليس عبر نصائح مكتوبة على الورق فقط، بل من خلال تدريب مباشر ومتابعة مستمرة وملاحظات يومية تساعد المزارع على اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب.

تتضح أهمية الإرشاد الزراعي أكثر عندما ندرك أنه يمكّن المزارع من استخدام المياه بكفاءة، ويقلل من تدهور الأرض، ويساعده على مواجهة التغيرات المناخية والآفات والأمراض بطريقة آمنة وفعّالة، ويرفع مستوى الوعي لدى المزارعين ويحفّزهم على تبادل الخبرات فيما بينهم، مما يعزز الزراعة المستدامة.

الإرشاد الزراعي في اليمن

تعود جذور الإرشاد الزراعي في اليمن إلى خمسينيات القرن الماضي، حين تم إنشاء أول محطة بحثية في منطقة الكود بمحافظة أبين خلال فترة الاحتلال البريطاني، بهدف خدمة زراعة محصول القطن. ومع بداية السبعينيات تحولت هذه المبادرات إلى مؤسسات رسمية، ففي جنوب اليمن تأسست دائرة الأبحاث والإرشاد الزراعي عام 1980، بينما أنشئت في الشمال الإدارة العامة للإرشاد الزراعي والتدريب عام 1984.

وبعد الوحدة اليمنية عام 1990، تم دمج هذه الهيئات لتشكيل الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي ويقع مقرها الرئيسي في محافظة ذمار، وتشرف على ثماني محطات بحثية و270 مركزًا إرشاديًا في مختلف أنحاء البلاد، يعمل فيها حوالي 1,200 مرشد ومرشدة، بينهم 91 مرشدة زراعية، لتقديم خدماتها لما يزيد عن 258 ألف أسرة ريفية وتغطية نحو 500 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وفق إحصائية عام 1995 للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الأسكوا).

على مدى عقود من العمل، سجلت الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي إنجازات مهمة، أبرزها تطوير أصناف محاصيل مقاومة للأمراض والجفاف، وتحسين إنتاجية بعض الحبوب والخضروات في مناطق متعددة، ما منح المزارعين إمكانية الاعتماد على إنتاج محلي أكثر استقرارًا. وكانت هذه النجاحات دليلًا واضحًا على قدرة المنظومة على تحقيق نتائج ملموسة حين يتوفر التخطيط والدعم الكافي.

ولكن في الفترات الأخيرة شهدت الهيئة تراجعًا كبيرًا في أدائها وعدم استمرار التقدم، فقد تقلص عدد المشاريع البحثية، ولم تعد المراكز الإرشادية تقدم الخدمات بالشكل المطلوب، وتراجعت كفاءة المرشدين بسبب ضعف الدعم المؤسسي.

ويرجع السبب الرئيسي لتدهور هذه المنظومة إلى انقسامها الى هيئتين منفصلتين خلال السنوات الماضية من الصراع المستمر في اليمن والتي عطلت أيضاً جزءًا كبيرًا من العمليات البحثية والإرشادية، وضعف التمويل وانعدام الرواتب لمعظم الكوادر، هذه العوامل مجتمعة جعلت الهيئة غير قادرة على الاستمرار في برامجها السابقة وتقديم خدمات فعّالة للمزارعين، رغم امتلاكها للكفاءات والخبرة الكبيرة.

الفجوة بين خريجي الزراعة والإحتياج

يواجه الإرشاد الزراعي في اليمن تحديات كبيرة، رغم وجود تسع كليات زراعية في الجامعات اليمنية التي يتخرج منها سنويًا مئات المهندسين، إلا أن الكثير منهم لا يجد فرصة مناسبة للعمل في مجاله، هذا يترك المزارع بلا مرشد علمي يمكنه أن يساعده في أرضه.

الواقع حاليا يظهر فجوة كبيرة بين المعرفة النظرية التي يكتسبها المهندسون في الجامعة، وبين ما يحتاجه المزارع على الأرض فعليًا، ولا توجد أي بيانات حديثة عن عدد خريجو كليات الزراعة أو الذين يعملون كمهندسين زراعيين في الميدان، والذين يُفترض أن يكونوا العمود الفقري للإرشاد الزراعي في البلاد.

اخر إحصائية منشورة عام 2010 في تقرير نقابة المهندسين الزراعيين حيث أفاد “أن عدد المهندسين الزراعيين في اليمن حوالي 6,000 مهندسا ومهندسة، غالبيتهم عاطلون عن العمل وهناك 10% يجدون فرصاً بعد التخرج”، أما احتياجات القطاع الزراعي، فتشير التقديرات إلى أن اليمن يحتاج لأكثر من 20 ألف مهندس زراعي لتغطية احتياجات حوالي 71% من السكان الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.

رغم أن اليمن تخرّج كل عام مئات المهندسين الزراعيين، إلا أن الواقع يظهر فجوة كبيرة بين هؤلاء الخريجين وما يحتاجه المزارع على الأرض، بمعنى آخر هناك مهندسون موجودون، لكن كثير منهم لا يعمل في الإرشاد الزراعي أو لا يجد فرصًا مناسبة لاستخدام معرفته في خدمة المزارع، وهناك ثلاثة أسباب رئيسة كالتالي:

1. ضعف فرص العمل: كثير من المزارعين يعيشون في مناطق نائية، والقطاع الزراعي الرسمي لا يملك الوظائف الكافية لاستيعاب كل المهندسين المتخرجين.

2. تمويل محدود: الميزانيات المخصصة للإرشاد الزراعي ضئيلة، ما يجعل من الصعب توظيف جميع المهندسين المؤهلين أو دعم مشاريع تدريبية واسعة.

3. سوء توزيع الكوادر: بعض المناطق الريفية لا يصلها أي مرشد، بينما توجد مناطق أخرى بها أكثر من حاجة المشروع، وهذا يجعل الدعم غير متوازن.

ويعتمد المزارعون غالبًا على خبراتهم الشخصية أو نصائح غير دقيقة، بدل أن يحصل على التوجيه المهني من مهندس زراعي مؤهل، وهذا يزيد من المخاطر على إنتاجه، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتدهور التربة. لكي نفهم حجم الفجوة بشكل أفضل، من المهم معرفة عدد المهندسين الزراعيين المتاحين فعليًا، لكن للأسف لا توجد إحصاءات حديثة ودقيقة.

إحدى أكبر التحديات التي تواجه الإرشاد الزراعي في اليمن هي غياب إحصاءات حديثة ودقيقة عن خريجي كليات الزراعة. فحتى لو كانت هناك كليات تخرّج مهندسين سنويًا، يصعب معرفة العدد الفعلي للكوادر المؤهلة التي يمكن توظيفها في الإرشاد الزراعي.

وفي محاولة لمعرفة إحصائيات عدد خريجي الكليات الزراعية، رصدت منصة “ريف اليمن” المواقع الرسمية لكليات الزراعية في الجامعات والحكومية، وأشارت بيانات جامعة صنعاء أن عدد خريجيها منذ أول دفعة في عام 1988 وحتى 2023 وصل إلى حوالي 4,152 مهندسًا ومهندسة، في جامعة سيئون سجلت عدد المقيدين منذ تأسيسها وحتى 2023 حوالي 949 طالبًا وطالبة.

أما جامعة ذمار، فقد نشرت بيانات جزئية عن إجمالي عدد الخريجين بين 2016 و2022، والذي بلغ حوالي 645 مهندسًا، أما كلية ناصر للعلوم الزراعية في جامعة لحج، وهي أول كلية زراعية على مستوى الجزيرة العربية والخليج، نشرت بيانات قديمة حين كانت تتبع جامعة عدن، أفادت بتخرج منها 614 مهندسًا بين 1990 و2010.

معظم الكليات الأخرى لم تنشر بيانات حديثة أو لم تنشرها إطلاقًا، ما يجعل من الصعب تقدير حجم الموارد البشرية الفعلية المتاحة للإرشاد الزراعي. هذه البيانات موجودة، لكنها مبعثرة وصعبة الوصول إليها عبر مواقع الجامعات الرسمية، ما يطرح تساؤلاً مهمًا: كيف يمكن التخطيط للخدمات الزراعية وتوزيع المرشدين بفعالية دون معرفة دقيقة بعدد المهندسين المتاحين؟

تأثير الصراع على الإرشاد الزراعي

في اليمن، أدى تقسيم الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي إلى هيئتين منفصلتين في ذمار وعدن إلى صعوبة الحصول على بيانات موحدة، مما أثر على قدرة النظام الإرشادي على التخطيط الفعّال، وقبل الانقسام، كان لدى الهيئة الموحدة حوالي 1400 موظف في عام 2013، منهم 27% باحثين زراعية، وفق دراسة نشرت المجلة السورية للبحوث الزراعية، 2019.

حاليا تشير التقارير إلى أن مجموع القوى العاملة في الهيئة العامة للبحوث في عدن وفروعها المختلفة لا يتجاوز 787 موظفًا، بينهم 194 باحثًا فقط، هذا الانقسام، الذي نتج عن الحرب المستمرة، جعل جمع البيانات وتنظيمها صعبًا، كما أثر بشكل مباشر على جودة الإرشاد المقدم للمزارعين بسبب عدم تبادل الإنجازات والخطط. الفارق بين ما كان متاحًا قبل الانقسام وما هو موجود الآن يعكس حجم التحدي الكبير، وكيف يمكن إدارة الإرشاد الزراعي بفعالية دون توحيد الجهود والبيانات بين الهيئتين؟

نقص المرشدين الزراعيين المؤهلين يؤدي إما إلى توزيع غير منظم لخدمات الإرشاد الزراعي أو غياب في غالبية المناطق الزراعية كما هو حاليا، ويجد المزارع نفسه مضطرًا للاعتماد على خبرته الشخصية وحدها، ما يزيد المخاطر على محصوله ويحد من فرص تحسين الإنتاج.

هذه الفجوة بين الموارد البشرية المؤهلة واحتياجات السوق تجعل الزراعة في اليمن تواجه تحديات في مواجهة الأخطار الطبيعية، بسبب التغيرات المناخية وتقلبات المواسم وعدم وجود إرشادات للتكييف، بالإضافة إلى أن ضعف منظومة الإرشاد الزراعي يؤثر بشكل مباشر على الإنتاج وهذا ما يحدث في الواقع حيث إن كثير من المزارعين يفتقدون التوجيه العلمي الذي يساعدهم على اختيار الأصناف المناسبة، تحسين التربة، إدارة المياه، ومكافحة الآفات والأمراض بكفاءة.

لكن كيف يمكن تحسين الإرشاد الزراعي إذا لم نعرف بالضبط عدد المهندسين الزراعيين المتوفرين، وأين يعملون، وما هي خبراتهم؟ بدون هذه المعلومات، يصبح من الصعب تنظيم الإرشاد وتقديم الدعم اللازم لكل مزارع في الوقت المناسب.

تحديات الزراعة في غياب الإرشاد الزراعي

في اليمن، يواجه المزارع تحديات كبيرة كل يوم، المشكلة ليست فقط في الطبيعة الصعبة أو المناخ المتقلب، بل أيضًا في غياب الدعم والإرشاد الزراعي الصحيح. عندما لا يكون هناك مرشد مؤهل بجانبه، يضطر المزارع للاعتماد على خبراته القديمة التي لا تتناسب من كثير من التحديات المشاكل الحديثة وأبرزها:

تأثير التغير المناخي

أحد أكبر التحديات التي تواجه المزارعين اليمنيين هي تغير المواسم الزراعية، حيث لم تعد الأمطار تأتي في مواعيدها المعتادة؛ فهناك سنوات تمطر بغزارة تسبب فيضانات مدمرة وأصبحت تحدث سنوياً وتتفاوت خسائرها، وسنوات أخرى تكاد تكون جافة تمامًا غالبية أشهر موسم الأمطار كما حدث خلال موسم الأمطار الماضي حيث ضرب الجفاف غالبية المحافظات اليمنية وتسبب بخسائر كبيرة.

وأحيانًا يأتي الحر الشديد فجأة، أو البرد غير المتوقع، فيصبح المزارع غير متأكد متى يزرع أو كيف يحمي محصوله وقد يخسر موسمًا كاملاً بسبب ذلك، كما تظهر آفات جديدة في الحقول لم يعتد المزارع التعامل معها من قبل، مما يزيد من خطر الخسارة، وفي هذه الظروف يصبح وجود دعم تقني وإرشادي متخصص أمرًا ضروريًا للغاية.

تدهور التربة وسوء إدارة الموارد

الكثير من المزارعين ما زال يعتمد على الطرق التقليدية في الزراعة، وأحيانًا يستخدم الأسمدة والمبيدات بطريقة غير صحيحة، وهذا يؤدي إلى تدهور خصوبة التربة وارتفاع تكاليف الإنتاج، كما يؤثر على جودة المحاصيل.

إضافة الى ذلك فإن المياه في اليمن مورد نادر وحساس، وإدارتها بشكل خاطئ يعني فقدان جزء كبير من المحصول، وفي ظل غياب المرشد الزراعي أو محدودية دوره، يبقى المزارع محتارًا حول كيفية تحسين التربة أو استخدام المياه بطريقة صحيحة ومستدامة، ما يجعل الإنتاج أقل وأصعب.

التخزين بعد الحصاد

بعد الحصاد، يواجه المزارع مشاكل كبيرة بسبب التخزين السيء والنقل غير المناسب للمحاصيل، هذا يؤدي إلى فقدان جزء كبير من الإنتاج أو بيع المحصول بجودة منخفضة وأسعار ضعيفة، كل ذلك يزيد من صعوبة حياة المزارع ويجعل القطاع الزراعي أكثر هشاشة.

هجرة المزارعين والاعتماد على الاستيراد

خسارة المواسم المتكررة تدفع بعض المزارعين لترك أراضيهم والانتقال إلى المدن بحثًا عن فرص أفضل، كما يضطر بعض المهندسين الزراعيين للعمل في مجالات أخرى أو مغادرة البلاد، وتؤدي هذه الهجرة إلى قلة الخبرة العملية في الريف، مما يصعب على المزارعين مواجهة مشاكل الزراعة اليومية.

كل هذه المشاكل تجعل الإنتاج الزراعي المحلي ضعيفًا، مما يضطر اليمن إلى الاعتماد أكثر على استيراد الغذاء من الخارج، وهذا يجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية ونقص الإمدادات الغذائية، ويهدد الأمن الغذائي للبلاد، لذلك، ضعف الإرشاد الزراعي ليس مجرد مشكلة تقنية، بل قضية استراتيجية تؤثر على حياة الناس والاقتصاد الوطني كله، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

البطالة بين خريجي الزراعة

بطالة خريجي كليات الزراعة مشكلة كبيرة للإرشاد الزراعي في اليمن. هؤلاء المهندسون، الذين يفترض أن يكونوا دعمًا للمزارعين، كثير منهم بلا عمل، ومعرفتهم العلمية تبقى محصورة في الكتب والدروس النظرية. والمزارع بدوره يفتقد التوجيه العملي الذي يمكن أن يحسن إنتاجه ويحمي محصوله، يحتاج هؤلاء الخريجون لاستثمار ما تعلموه وتدريبهم ميدانيا لتعزيز قدراتهم من أجل خدمة الزراعة وتحسين حياة المزارعين.

كيف نجح الإرشاد الزراعي في بعض الدول؟

تمكنت بعض الدول من رفع إنتاجيتها الزراعية وتحسين دخل صغار المزارعين، بينما لا يزال الكثير من المزارعين في اليمن يكافحون لتحقيق محصول آمن ودخل مستقر، وهنا يبرز دور طرق الزراعة الحديثة التي لم تقتصر على النصائح النظرية، بل اعتمدت على التعلم العملي مباشرة في الحقل من قبل المرشدين الزراعية.

تُشير دراسة بحثية -نشرت في 2003– أن مهندسي الزراعة في جنوب وشرق أفريقيا واجهوا مشاكل مشابهة لما يحدث في اليمن، منها قلة فرص العمل، ضعف التمويل المؤسسي، وصعوبة التنسيق بين الجامعات وهيئات البحث والوزارات. هذه العوامل حدّت من قدرة المهندسين على تقديم إرشاد فعال للمزارعين رغم خبرتهم.

لمعالجة ذلك، اعتمدت بعض الدول على إنشاء برامج تدريبية عملية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات المختلفة، وربط الجامعات بالحقول لتطبيق المعرفة مباشرة. هذا يوضح أن التحديات اليمنية ليست فريدة، وأن الاستفادة من التجارب الدولية يمكن أن تساعد في وضع استراتيجيات عملية لتفعيل الإرشاد الزراعي المحلي.

أحد أبرز هذه الأساليب هو ما يعرف عالميًا بـ مدارس المزارعين الحقلية (Farmer Field Schools)، والتي تم تطبيقها بنجاح في أكثر من 90 دولة، بمشاركة ما يقارب نصف مليون مزارع سنويًا، في هذه المدارس، لا يكتفي المزارع بالاستماع إلى النصائح، بل يشارك في تجارب عملية على أرضه، يقارن بين الأساليب التقليدية والحديثة، ويتعلم من النتائج الواقعية بنفسه.

وأظهرت دراسة في شرق إفريقيا أن المشاركة في المدارس الحقلية رفعت دخل المزارعين بنسبة 61% وحسّنت إنتاجيتهم، خاصة بين النساء والمزارعين الذين لديهم مستوى محدود من القراءة والكتابة، وفق مانشر مركز «sciencedirect».

الإرشاد الزراعي في اليمن: بين الخبرة التقليدية والتحديات الحديثة
هناك نماذج محلية في الإرشاد الزراعي وتدريب المزارعين ميدانياً كان لها أثر كبير

نماذج محلية للإرشاد الزراعي

اليمن قادر على الاستفادة من هذا النهج، وهناك بالفعل تجارب محلية واعدة. ففي محافظتي تعز ولحج، قامت منظمة الفاو ومركز الملك سلمان بتدريب حوالي 70 مرشدًا زراعيًا من 13 مديرية على الممارسات الزراعية الجيدة، وربطوا التدريب بكل خطوات الزراعة، من الحرث وحتى البيع، لتوضيح كيفية تحسين الإنتاج والدخل. وقد استفادت من هذه المبادرة نحو 31,400 أسرة ريفية، وتم تزويدهم ببذور وخضروات وأدوات زراعية لدعم التعلم العملي.

وفي محافظة الحديدة، تم تنفيذ 100 مدرسة حقلية في 14 مديرية، استفاد منها نحو 2,500 مزارع ومزارعة، وركزت على أربعة محاصيل رئيسية هي السمسم، النخيل، القطن، والذرة الشامية، إضافة إلى الألبان. كما تم تدريب 54 ميسراً من كوادر الهيئة العامة لتطوير تهامة على إدارة هذه المدارس وتطبيق الممارسات الزراعية المستدامة.

تهدف هذه المبادرات إلى بناء الثقة بين المزارعين والمرشدين، وتعزيز النظم الزراعية التشاركية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد ورفع جودة الإنتاج، فضلاً عن تمكين النساء الريفيات من تحسين إنتاجية الألبان وتصنيعها، ما يعكس قدرة هذه المدارس على سد فجوة الإرشاد الزراعي التقليدي ودعم التنمية الزراعية المستدامة.

تؤكد هذه التجارب سواء المحلية أو الدولية، أن التعلم العملي في الحقل يمكن أن يرفع الإنتاج والدخل بشكل واضح، عندما يرتبط الإرشاد بكل خطوات الزراعة من الزرع حتى الحصاد والتسويق، يصبح جهد المزارع أكثر فائدة ويزيد دخله، ويعد وجود مرشدين محليين مدربين يضمن استمرار الدعم بشكل منتظم، ويساعد المزارعين على حل مشاكلهم اليومية، وتحسين إنتاجهم ودخلهم.

هل نستطيع تفعيل الإرشاد الزراعي؟

اليمن يمتلك كل البنى الأساسية لنجاح الإرشاد الزراعي، جامعات تخرج مهندسين زراعيين، محطات بحثية، خبراء محليين، ومزارعين لديهم خبرة عملية عميقة، المشكلة الأساسية تكمن في غياب تنظيم واستراتيجية واضحة لاستثمار هذه الموارد بشكل فعّال.

رغم أن تطوير الإرشاد الزراعي يواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالاستقرار في البلاد والخروج من حالة الصراع، إلا أن البدء بخطوات عملية محدودة ومترابطة يمكن أن يشكل حلاً تراكميًا. وهنا أقترح بعض الخطوات العملية من وجهة نظري كمهندس زراعي:

1. توثيق عدد المهندسين الزراعيين

الخطوة الأولى هي معرفة حجم الكوادر المؤهلة الموجودة بالفعل، يجب إجراء مسح شامل لمعرفة عدد المهندسين الزراعيين، تخصصاتهم، مواقع عملهم، وخبراتهم العملية، ومعرفة المناطق التي تحتاج الى مرشدين، هذا يساعد على توزيعهم بشكل مناسب، بدل أن يكون عشوائيًا.

2. إنشاء مدارس حقلية تجريبية

التعلم العملي في الحقل أثبت فعاليته عالميًا. يجب تدريب المزارعين والخريجين على إدارة التربة والمياه، مكافحة الآفات، اختيار الأصناف، وتحسين الإنتاج، وكيفية مواجهة التغيرات المناخية. في هذه المدارس، يستطيع المزارع تجربة الأساليب الجديدة، ويشوف النتائج بنفسه ويقارنها مع الطرق التقليدية، مما يعزز قدرته على اتخاذ قرارات صحيحة تناسب أرضه وظروفه.

3. تمكين المرشد المحلي

يجب دعم المهندسين الزراعيين للعمل في قراهم أو مناطقهم. هؤلاء المرشدون يعرفون الأرض والمزارعين جيدًا، ويمكنهم زيارة حقول المزارعين باستمرار لمساعدتهم على حل المشاكل اليومية، هذا الدعم المستمر يجعل الزراعة أسهل وأكثر أمانًا، ويساعد المزارعين على زيادة الإنتاج وتحسين دخلهم.

4. تفعيل التعاونيات الزراعية

التعاونيات الزراعية تستطيع حصر المزارعين في كل منطقة، وتساعدهم على شراء البذور والأسمدة بأسعار أفضل، وبيع منتجاتهم بسهولة، وكذلك تستطيع التواصل مع المرشدين الزراعيين، هذا الربط بين التعاونيات والإرشاد الزراعي يجعل المزارع يحصل على دعم دائم ويزيد فرص نجاح الزراعة الحديثة.

5. استخدام وسائل اتصال بسيطة

يمكن الاستفادة من الرسائل النصية أو التطبيقات الهاتفية لإرسال تنبيهات الطوارئ الزراعية، تعليمات الموسم، ومعلومات حول الآفات والأمراض. وإمكانية تطوير التطبيق الإلكتروني “المرشد الزراعي اليمني”، حيث يسجل فيه المزارعون والمهندسون الزراعيون ومواقع عملهم، يمكن أن يكون أداة سريعة وفعّالة لنقل المعرفة إلى أكبر عدد ممكن من المزارعين.

6. البدء بمناطق محدودة

يجب تجربة البرامج الجديدة في عدد محدود من القرى أولًا، لمتابعة النتائج وتحسينها قبل تعميمها. هذه الطريقة تقلل المخاطر وتساعد على تنظيم أفضل.

7. التعاون المشترك بين كليات الزراعة وهيئات البحوث الزراعية

يجب أن يكون هناك تعاون وثيق بين مكاتب وزارة الزراعة في المحافظات، التي تسجل عدد المزارعين والمشاكل الزراعية، والهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، المسؤولة عن إيجاد الحلول العلمية، وكليات الزراعة، التي تخرج المهندسين الزراعيين. هذا التعاون يسهّل توزيع الكوادر على المناطق الزراعية، ويساعد على معالجة المشكلات بشكل أكثر فعالية كفاءة.

شارك الموضوع عبر: