الاثنين, 3 أغسطس 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
زراعة

العنب اليمني.. أصناف متعددة وتحديات تهدد الإنتاج

📅 أغسطس 3, 2026

مع انطلاق موسم حصاد العنب اليمني في منتصف يونيو/ حزيران من كل عام، تتحول الأسواق اليمنية إلى مركز للنشاط الاقتصادي والتفاعل الاجتماعي، لا سيما في الأرياف، حيث يحرص بعض أصحاب المتاجر الريفية على توفير أصناف العنب المتنوعة لتلبية طلب السكان، في مشهد يعكس الأهمية الغذائية والاقتصادية لهذا المحصول.

ويشتهر اليمن بإنتاج أصناف متعددة من العنب تتميز بجودتها العالية، ويحتل المرتبة السادسة عربيًا بإنتاج يتجاوز 145 ألف طن سنويًا، وفقًا للإحصاء الزراعي لعام 2021. ولا تقتصر أهمية العنب على قيمته الاقتصادية والغذائية، بل يمتد حضوره إلى الموروث الثقافي والوجدان الشعبي، إذ تغنى به الشعراء والفنانون وترسخ ذلك في الذاكرة والوجدان الشعبي.


مواضيع مقترحة


ويقول حمود حسن (40 عامًا)، أحد سكان ريف السياني جنوبي محافظة إب، إنه يحرص على شراء العنب لأسرته مع بداية كل موسم، رغم ارتفاع أسعاره في بعض الأحيان، موضحًا لـ”ريف اليمن” أن العنب يعد الفاكهة المفضلة لدى أفراد أسرته، لذلك يحرص على تنويع الأصناف التي يشتريها للاستمتاع بمذاقها المميز.

أصناف متعددة

ويؤكد أن العنب يتجاوز كونه فاكهة صيفية، ليشكل جزءا من العادات الاجتماعية في الريف اليمني، حيث تزين عناقيد أصنافه المتنوعة، مثل الرازقي والعاصمي، الموائد العائلية ومجالس الضيافة، في تقليد يتجدد مع كل موسم حصاد.

تتجاوز أصناف العنب المسجلة رسمياً في البلاد 20 نوعاً تتفاوت في ألوانها وأحجامها ونسب سكرياتها، فيما تتركز زراعتها الاستراتيجية في حوض صنعاء وبعض مديريات محافظتي صعدة والجوف؛ ما يمنح المحصول مكانة زراعية واقتصادية مرموقة في سلة الإنتاج الوطني.

وفي حين يتمكن حمود من شراء الفاكهة لأسرته، يعجز صالح حسن (42 عاماً)، أحد سكان مديرية السبرة بمحافظة إب، عن الشراء بسبب تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف النقل التي تضاعف الأسعار في قريته.

ويقول حسن لـ “ريف اليمن”: “ننتظر العنب كل عام ببهجة، لكن ارتفاع أسعاره يمنعنا من شرائه كما كنا نفعل سابقاً، حيث يصل سعر الكيلو من العنب الرازقي إلى قرانا بنحو 1000 ريال يمني وهو مبلغ كبير مقارنة مع دخلنا المحدود”، ويضيف: “إذا أردت شراء كمية تكفي العائلة، فنحن نضطر في كثير من الأحيان للاكتفاء بكميات بسيطة جداً أو العزوف عن الشراء تماماً”.

 العنب.. بين جودة الأصناف والتحديات
تشتهر اليمن بزراعة أنواع مختلفة من العنب تُعدّ الأجود عالميا

وعن تنوع الأصناف، يأتي الرازقي في طليعة العنب الأبيض بحباته المستطيلة الشديدة الحلاوة، وهو الخيار الأول لإنتاج الزبيب الفاخر، بينما يتسيد العاصمي الأصناف الملونة بحباته البيضاوية؛ حيث تمنحه قشرته السميكة قدرة عالية على تحمل مشاق النقل والتوزيع بين المحافظات البعيدة.

أما العنب الأسود الحاتمي فيمتاز بغناه بمضادات الأكسدة والحديد، حيث يُستهلك طازجاً أو يُحول إلى زبيب أسود يُستفاد منه في الطب الشعبي التقليدي. وتكتمل قائمة الفاكهة الوطنية بأصناف أخرى متعددة، منها: الزيتوني، العرقي، البياض، الجوفي، والمطري، ضمن موسم حصاد ممتد ومتواصل ينطلق من قلب الصيف حتى انتصاف الخريف.

وتزرع اليمن نحو 40 صنفاً من العنب حتى منتصف القرن العشرين، لكن دراسة ميدانية أكدت أن “أصناف العنب في اليمن 28 صنفاً عرضت في معرض زراعي أقيم في نوفمبر 1964″، وفق الموسوعة اليمنية لمؤسسة العفيف، منها الأسود بأنواعه والرازقي والبياض والجوفي والعرقي والعاصمي وأصناف أخرى، ويبدأ موسم العنب في اليمن من منتصف شهر يونيو وحتى نوفمبر من كل عام.

خارطة الإنتاج

تُظهر أحدث بيانات الإحصاء الزراعي في اليمن وجود إنتاج كبير للفاكهة؛ حيث تتوزع الكميات الكبيرة على عدد من المحافظات التي تتوفر فيها الظروف المناخية والتربة الملائمة لزراعة مختلف الأصناف، وتتصدر محافظة صنعاء قائمة الإنتاج بفارق شاسع ومحوري؛ حيث تسهم وحدها بـ 112,253 طناً، لتكون المركز الرئيسي لزراعة العنب في البلاد، تليها محافظة صعدة بإنتاج يصل إلى 12,861 طناً، ثم أمانة العاصمة صنعاء بـ 10,487 طناً، فيما تحل محافظة عمران رابعة بإنتاج يبلغ 6,932 طناً.

 العنب.. بين جودة الأصناف والتحديات

وفي إطار الخارطة الجغرافية للإنتاج، تسهم محافظات أخرى بكميات متفاوتة تدعم السوق المحلي، حيث تنتج الجوف 916 طناً، وتتبعها مأرب بـ 656 طناً، وذمار بـ 651 طناً، ثم تعز بـ 436 طناً. بينما يتوزع باقي الإنتاج الإجمالي على محافظات حجة، البيضاء، المحويت، إب، وحضرموت، ليشكل التنوع الزراعي رافداً اقتصادياً مهمّاً لمزارعي العنب في مختلف المناطق اليمنية.

صناعة الزبيب

يحرص محمد نبيل (36 عاماً) أحد سكان ريف إب على شراء الزبيب الأسود لزوجته بعد ولادتها، ويقول لـ “ريف اليمن”: “بالنسبة لنا في القرية فالعنب هو العلاج الأول والمُجرّب لفقر الدم خصوصاً بعد الولادة إذ نغليه أو ننقعه ليشرب ماؤه، ويعتبره السكان أفضل من أي مقويات طبية”.

تُسهم صناعة الزبيب في استيعاب وفرة إنتاج العنب وحمايته من التلف، وتحويله إلى منتج قابل للتخزين طويل الأمد، إذ نجحت برامج الإرشاد الزراعي في تقليص مدة التجفيف من أشهر إلى نحو 15 يوماً عبر تدريب المزارعين والمرأة الريفية على الممارسات الحديثة.

تبدأ العملية باختيار الأصناف المرتفعة السكر مثل الرازقي والأسود، وفرز المحصول لاستبعاد التالف، ثم نشره على مسطحات أو معارش مخصصة للشمس والتهوية مع التقليب المنتظم، وفي المرحلة الأخيرة، يُنقّى الزبيب ويُصنّف حسب الحجم واللون بعد الوصول لنسبة الرطوبة المثالية، ثم يُحفظ في عبوات زجاجية بظروف جافة وباردة لحمايته من الرطوبة وضمان جودته.

تحديات

وفي ظل الضغوط المعيشية التي تحرم الكثيرين من شراء الفاكهة، تواجه زراعة العنب تحديات عديدة في مقدمتها التغيرات المناخية والزحف العمراني؛ إذ أسهمت الأمطار الغزيرة واضطراب مواعيد هطولها في تفشي الآفات والأمراض الزراعية؛ ما ألحق أضراراً بالغةً بالكروم وأدى إلى إتلاف أجزاء واسعة من المحصول.

 العنب.. بين جودة الأصناف والتحديات
تتجاوز أصناف العنب المسجلة رسمياً في البلاد 20 نوعاً

كما شهدت السنوات الماضية اقتلاع مساحات شاسعة من مزارع العنب وبيعها كأراضٍ للبناء عليها وتحويلها إلى مبانٍ، أو استبدالها بمزارع للقات عقب شراء شتلاتها من مديرية أرحب المجاورة. وعلى الرغم من المخاطر، لا تزال زراعة العنب تحتل المركز الأول بين مختلف أصناف الفواكه اليمنية؛ إذ يبلغ متوسط المساحة المزروعة به نحو 35% من إجمالي مساحة الفواكه، بإنتاج سنوي يتجاوز 145 ألف طن بحسب تقارير وزارة الزراعة.

وتساهم زراعة العنب في تحسين وسائل دخل المزارعين بالمناطق الريفية، كما توفّر فرص عمل لكثير من الأيدي العاملة، خصوصاً مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في اليمن، بسبب الحرب التي تشهدها البلاد منذ سنوات.