الاثنين, 7 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
نقيل

الألغام في البيضاء.. خطر يهدد حياة السكان وسبل العيش

📅 سبتمبر 7, 2026

في نهاية يونيو 2026، خرج الطفل صالح علي العبد، 15 عاماً، من منزله في قرية آل حميقان بوادي المخنق في مديرية الزاهر بمحافظة البيضاء لجلب المياه ورعي الأغنام، لكن رحلته انتهت بانفجار لغم أرضي أودى بحياته.

وتتكرر حوادث الألغام في  البيضاء، حيث تلوثت الأراضي والطرق والمزارع بمخلفات الحرب، ما يهدد حياة السكان ويقيد حركتهم اليومية، ويجعل الوصول إلى مصادر المياه ومناطق الرعي والزراعة محفوفاً بالمخاطر.

ويمتد أثر التلوث إلى ما هو أبعد من الخسائر البشرية، إذ أخرج مساحات من الأراضي والمراعي عن العمل، واعاق النشاط الزراعي، وقلّص قدرة الأسر على الاعتماد على مواردها المحلية.


مواضيع مقترحة


بين الموت والنزوح

بعد أيام قليلة، وعلى الطريق الترابي نفسه في وادي المخنق، لقي عمه سالم العبد حتفه أثناء رعي الأغنام بانفجار لغم مماثل أدى إلى وفاته.

وفي أواخر يوليو 2026، تكرر سقوط الضحايا في منطقة ذي مخشب، عندما انفجر لغم بمجموعة من الأطفال أثناء عبورهم الطريق، ما أسفر عن مقتل الطفلين أمير صالح قرواش، 11 عاماً، ونجيب عبدالله العابسي، 12 عاماً، وإصابة ثلاثة آخرين كانوا برفقتهما بشظايا.

وبحسب الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، وثّقت الشبكة مقتل 2,316 مدنياً وإصابة 4,115 آخرين، بينهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال، خلال الفترة من يناير 2017 إلى يناير 2025. كما تظهر بيانات مشروع رصد الأثر المدني CIMP مقتل 18 طفلاً خلال عام 2025، و20 طفلاً آخرين خلال النصف الأول من عام 2026، جراء انفجارات الألغام والذخائر غير المنفجرة.

الألغام في البيضاء.. خطر يهدد حياة السكان وسبل العيش
الألغام في البيضاء.. خطر يهدد حياة السكان وسبل العيش

ويقدّر المركز الأمريكي للعدالة إجمالي الضحايا المدنيين بنحو 15 ألف شخص بين قتيل وجريح ومصاب بإعاقة دائمة منذ اندلاع الصراع المسلح.

ولم تقتصر آثار الألغام على القتل والإصابة، إذ دفعت مئات الأسر في قرى مديرية الزاهر ومحيطها إلى النزوح وترك مساكنها ومزارعها بحثاً عن مناطق أكثر أمناً. ففي قرية الحبج التابعة لمنطقة آل حميقان، أدى انتشار الألغام ومخلفات الحرب غير المنفجرة إلى سقوط عشرات الضحايا، فيما دفعت المخاطر المستمرة عشرات العائلات إلى هجر منازلها والتخلي عن مصادر رزقها.

ويرى رئيس المركز الأمريكي للعدالة، المحامي عبدالرحمن برمان، أن خطورة الألغام في المناطق الريفية ترتبط بزراعتها في أماكن مدنية وحيوية، مثل المسارات الزراعية ومحيط آبار المياه والمراعي المفتوحة، وهي مواقع يرتادها السكان بصورة منتظمة.

وأوضح برمان لـ “ريف اليمن” أن خطر الألغام لا ينتهي بتوقف العمليات العسكرية، كما أنها لا تميز بين مقاتل ومدني أو طفل وراعٍ. ويضيف أن آثار الانفجارات تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة إلى التأثير في بنية الأسرة الريفية عند فقدان معيلها أو إصابته، فضلاً عن الآثار النفسية التي قد تتركها هذه الحوادث على الأطفال.

الألغام تضرب الإنتاج الزراعي

يصف حسين الحميقاني، أحد سكان قرية الحبج في البيضاء، المعاناة اليومية التي يواجهها الأهالي بسبب الألغام، قائلاً لـ”ريف اليمن” إن الألغام حرمت مئات الأسر من الاستفادة من أراضيها الزراعية المحيطة بالقرى، والتي كانت تنتج كميات وفيرة من الحبوب والمحاصيل الغذائية وتمثل مورداً أساسياً للغذاء والدخل.

أدت الألغام إلى سقوط عشرات الضحايا، ودفعت المخاطر المستمرة كثيراً من العائلات إلى ترك منازلها والتخلي عن مصادر رزقها

وأضاف أن الرعاة والمزارعين اضطروا إلى استخدام مسارات بديلة وتجنب الوديان والشعاب التي يُشتبه في تلوثها بالألغام، غير أن ذلك لم ينهِ الخطر، نظراً إلى اضطرار السكان إلى التنقل يومياً لجلب المياه ورعي الماشية.

وقال الخبير الزراعي والأكاديمي في جامعة إقليم سبأ، الدكتور فضل مسعود، إن المتفجرات المزروعة تحولت من خطر أمني إلى عامل استنزاف اقتصادي طويل الأمد للمجتمعات المحلية. مشيراً إلى أن المراعي الطبيعية تمثل مورداً أساسياً لقطاع تربية المواشي في المناطق الريفية، وأن تلوثها بالمتفجرات يحصر الرعاة في مساحات محدودة وآمنة، ما يزيد الضغط على الغطاء النباتي ويرفع احتمالات الرعي الجائر.

وأوضح مسعود لـ”ريف اليمن” أن تقلص المراعي يفرض على مربي الماشية أعباء مالية إضافية، من بينها شراء الأعلاف ونقل المواشي إلى مناطق بعيدة، وهو ما يرفع تكاليف الإنتاج ويقلل هامش دخل الأسر.

وأشار إلى أن توقف استغلال الأراضي الزراعية يضر بالتوازن البيئي المحلي، فيما يؤدي نفوق المواشي أو إصابتها بالألغام إلى خسائر اقتصادية مباشرة للأسر، باعتبار الثروة الحيوانية أحد أهم أصولها ومصادر دخلها.

التطهير واستعادة سبل العيش

يرى باحثون وخبراء أن تطهير المناطق الريفية في اليمن من الألغام ومخلفات الحرب يمثل خطوة أساسية لاستعادة النشاط الزراعي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المحلية. وتتطلب معالجة المشكلة الإسراع في تطهير المزارع والمراعي ومصادر المياه والطرق الحيوية، بما يتيح للسكان الوصول إلى أراضيهم واستئناف أنشطتهم الزراعية والرعوية.

الألغام في البيضاء.. خطر يهدد حياة السكان وسبل العيش
نصائح للتعامل مع الألغام ومخلفات الحرب التي تجرفها السيول (ريف اليمن)

ويقترح الدكتور مسعود مجموعة من التدابير، من بينها تنفيذ حملات توعية تستهدف المزارعين والرعاة وطلاب المدارس في القرى، لتعريفهم بمخاطر الأجسام المشبوهة وطرق الوقاية منها والإبلاغ عنها، بالتوازي مع توفير برامج دعم اقتصادي للأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها، وإعادة تأهيل الأراضي والمجاري المائية بعد الانتهاء من عمليات التطهير.

من جانبه، يشدد برمان على ضرورة إعطاء الأولوية لمسح وتطهير الطرق الفرعية ومناطق تجمع المياه والمراعي القريبة من التجمعات السكانية، إلى جانب تنفيذ مسوحات ميدانية شاملة بدعم وتنسيق مع المنظمات الدولية والمؤسسات الأممية المختصة. كما يدعو إلى إلزام جماعة الحوثي بتسليم الخرائط والمخططات المتعلقة بالمناطق الملغمة.

عبد الرحمن برمان: تطهير المناطق الريفية في اليمن من الألغام يمثل خطوة أساسية لاستعادة النشاط الزراعي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المحلية للمجتمعات المتضررة

ويؤكد برمان أهمية إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة ومحدثة للمناطق الخطرة وضحايا الألغام، وتوفير الخدمات الطبية والتأهيلية اللازمة، بما في ذلك الأطراف الصناعية والدعم النفسي للمصابين، إلى جانب تفعيل آليات المساءلة القانونية وتعويض المتضررين عن الخسائر البشرية والمادية.

وتظل إزالة الألغام شرطاً أساسياً لتمكين سكان المناطق المتضررة من العودة إلى أراضيهم واستعادة مصادر رزقهم، إذ إن استمرار وجودها يبقي الطرق والمزارع والمراعي ومصادر المياه عرضة للخطر، حتى بعد توقف الحرب.