الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
طرُق

تكافل الأهالي يكسر صخور العزلة ويشق طريق الحياة في وصاب

📅 أكتوبر 27, 2026

في أعالي جبال وصاب العالي بمحافظة ذمار، حيث تعيش 14 قرية في عزلة عن الطرق والخدمات الأساسية، يواصل الأهالي شق طريق «بناهه الحُجف» بجهودهم الذاتية وتبرعاتهم المحدودة، في محاولة لإنهاء سنوات طويلة من المعاناة التي جعلت نقل المرضى والاحتياجات اليومية رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.

وعلى امتداد المنعطفات الجبلية الوعرة، تختزن ذاكرة السكان قصصًا مؤلمة لمرضى ونساء حوامل وأطفال واجهوا الموت قبل الوصول إلى أقرب مرفق صحي، فيما اضطر الأهالي إلى نقل بعضهم على الأكتاف وفي النعوش عبر مسارات تستغرق ساعات من المشي.

واليوم، ومع وصول الطريق إلى عدد من القرى، بدأت ملامح التغيير تلوح أمام السكان، خصوصًا أبناء الجيل الثالث الذين يشاهدون السيارات تصل إلى مناطقهم للمرة الأولى، لكن اكتمال هذا الحلم لا يزال مرهونًا بتوفير التمويل والوقود اللازمين لمواصلة العمل، وسط مناشدات الأهالي للجهات الرسمية والمانحين التدخل لاستكمال الطريق.

مرضى على الأكتاف

يستعيد التربوي فاضل حسن قاسم، أحد أبناء قرية الحُجف جبئ، سنوات المعاناة التي عاشها السكان قبل بدء شق الطريق، موضحًا أن المشروع ظل حلمًا يراود الآباء والأجداد، دون أن يتمكنوا من تحقيقه طوال حياتهم.

ويقول لـ«ريف اليمن» إن الطريق يخدم نحو 14 قرية في مخلاف بني شعيب «قشط»، يقطنها قرابة ثمانية آلاف نسمة، مشيرًا إلى أن ما تحقق جاء بجهود الأهالي وأهل الخير ومشايخ المنطقة، الذين تكاتفوا لتخفيف معاناة السكان.


مواضيع مقترحة


ويضيف أن العمل وصل إلى عدد من القرى، ولم يتبقَّ سوى مسافة لاستكمال الطريق وصولًا إلى قرية الحُجف، آخر محطاته، وسط آمال الأهالي بإنجاز المشروع وإنهاء عزلتهم.

وعن حجم المعاناة السابقة، يوضح قاسم أن السكان كانوا ينقلون أمتعتهم واحتياجاتهم على ظهور الدواب أو يحملونها بأنفسهم عبر طرق جبلية وعرة، في رحلة تستغرق نحو سبع ساعات مشيًا على الأقدام.

ولم تقتصر المعاناة على مشقة التنقل، بل امتدت إلى فقدان أرواح بسبب صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، إذ يقول إن أطفالًا ونساءً توفوا في ظروف كان يمكن تداركها لو توفرت وسيلة نقل تسعفهم في الوقت المناسب، كما سقطت دواب من المرتفعات أثناء نقل الأمتعة.

ويستحضر قاسم إحدى أكثر محطات حياته ألمًا، حين تعرضت والدته لنزيف حاد عقب الولادة، ولم يتمكن أفراد الأسرة من إسعافها بسبب انعدام الطريق، فتوفيت بينهم دون أن يستطيعوا إنقاذها.

كما يروي تعرض ابنته لمرض أدخلها في غيبوبة، ما اضطر الأسرة إلى جمع الرجال لحملها على الأكتاف في رحلة استمرت سبع ساعات حتى الوصول إلى الطريق العام، حيث نُقلت لتلقي العلاج، قبل أن تتعافى بعد معاناة شديدة.

الطريق يخدم نحو 14 قرية في مخلاف بني شعيب «قشط»، يقطنها قرابة ثمانية آلاف نسمة

بالنسبة للشاب صلاح نبيل بهوث، البالغ من العمر 25 عامًا، يمثل وصول السيارات إلى قريته تحولًا استثنائيًا بعد سنوات من العزلة وصعوبة الحصول على أبسط الاحتياجات.

السيارات لأول مرة

ويقول لـ«ريف اليمن» إن مشروع طريق «بناهه الحُجف» لا يمثل مجرد طريق جبلي، بل مدخلًا إلى حياة أكثر استقرارًا، وفرصة لوصول الخدمات الأساسية إلى القرى المستفيدة، من الشعوب إلى الحُجف.

ويضيف: «بالنسبة لي ولأهلي، هذا المشروع لا يقتصر على كونه طريقًا جبليًا عابرًا، وإنما هو الحياة الكريمة بأسرها، والباب الأول لدخول مقومات الحياة والخدمات إلى قريتي ومنطقتي».

ويشير إلى أن الحصول على المواد الغذائية كان مهمة شاقة ومكلفة، فيما واجه المرضى مخاطر كبيرة بسبب غياب وسائل النقل، واضطرت الأسر إلى حمل مرضاها على الأكتاف عبر الجبال الوعرة.

ويصف بهوث واقع الحياة قبل بدء المشروع قائلًا إن السكان عاشوا سنوات طويلة دون وسائل نقل تسهل تنقلهم، أو متاجر توفر احتياجاتهم، أو مرافق صحية تقدم العلاج، أو معدات زراعية تخفف عنهم أعباء العمل.

ويتابع: «مات آباؤنا وأجدادنا وأحلامهم معلقة بشريان الحياة، وها نحن اليوم، كجيل ثالث، نرى النور حين تصل السيارات إلى قريتنا لأول مرة. شعور المجتمع لا يوصف من شدة الفرحة، ونحن ننتظر اللحظة التي يصل فيها الطريق إلى نهايته في قرية الحُجف».

الحصول على المواد الغذائية مهمة شاقة ومكلفة، فيما يواجه المرضى مخاطر كبيرة بسبب غياب وسائل النقل

طريق يفتح أبواب الخدمات

لا يقتصر أثر الطريق، بحسب بهوث، على تسهيل حركة السكان ونقل البضائع، بل يمتد إلى تحسين فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأخرى، وتقليل تكاليف نقل المواد الغذائية والاحتياجات اليومية.

ويقول إن استكمال المشروع سيوفر على الأهالي المال والجهد، ويمهد الطريق أمام وصول الخدمات التي افتقدوها لسنوات، داعيًا الجهات الرسمية وأهل الخير إلى المساهمة في تمويل الأعمال المتبقية.

ويضيف أن سكان المنطقة يطمحون إلى العيش بظروف أفضل، بعيدًا عن المخاطر التي فرضتها العزلة الجغرافية، مؤكدًا أن الطريق يمثل بالنسبة إليهم حقًا أساسيًا وضرورة لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة.

ويلخص واقع المنطقة، قائلًا: «لقد كنا طوال العقود الماضية كغريق أخرس يلوح بيديه في عرض البحر، فهل سيراه أحد وينقذه من الغرق؟ نتمنى من أهل الخير مواصلة دعم تكاليف العمل وتحقيق أحلامنا، وأن يمتد شريان الحياة إلى بقية القرى، فنحن أناس نستحق الحياة».

تكاليف تفوق إمكانات الأهالي

من جهته، يوضح الشيخ صالح العفيف، أحد مشايخ المنطقة، أن طريق «بناهه الحُجف» يمتد على مسافة 12 كيلومترًا، وتكمن صعوبة تنفيذه في طبيعة التضاريس الجبلية الوعرة، إذ يشكل المسار الصخري نحو 80% من إجمالي الطريق، ما يتطلب آليات ثقيلة وجهودًا مضاعفة لشق الصخور وفتح المسارات.

ويقول العفيف لـ«ريف اليمن» إن الطريق يخدم 14 قرية ومحلة يقطنها ما لا يقل عن ثمانية آلاف نسمة، يعانون صعوبات كبيرة في التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية.

التكلفة الإجمالية للمشروع لا تقل عن 28 مليون ريال، وهي كلفة تفوق قدرة السكان

ويضيف أن التكلفة الإجمالية للمشروع لا تقل عن 28 مليون ريال، وهي كلفة تفوق قدرة السكان الذين يعتمدون على تبرعاتهم المحدودة ومساهمات أهل الخير لمواصلة العمل.

وعن أبرز العقبات، يوضح العفيف أن العمل كان يعتمد على توفير آليات الحفر بجهود مختلفة، في حين كان الدعم الحكومي يغطي تكاليف وقود الديزل اللازم لتشغيلها، إلا أن هذا الدعم توقف مؤخرًا، دون أن تتضح للأهالي أسباب ذلك.

ويشير إلى أن توقف إمدادات الوقود لم ينهِ المشروع، إذ اضطر السكان، رغم ظروفهم المعيشية الصعبة، إلى شراء الديزل على نفقتهم الخاصة، إلى جانب تحمل تكاليف تشغيل آليات الحفر، حرصًا على استمرار العمل وعدم ضياع ما تحقق من إنجاز.

ويخدم الطريق قرى ومناطق عدة، بينها بنهاه، والشعوب، والطويلة، والحقيب، وخدران، وأينه، والمصاميح، وبهوث، ووادي بهوث، وشعب الجوني، والحمام، وينعم، وجبئ الشرقي والغربي، والحُجف، بما يعزز ارتباطها بالعالم الخارجي بعد سنوات من العزلة.

مناشدة لاستكمال المشروع

ويؤكد الأهالي أن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء معاناتهم، لكن الطريق لن يؤدي دوره كاملًا ما لم تصل الأعمال إلى القرى المتبقية، وتتوفر الإمكانات اللازمة لاستكمال المشروع.

ويشير التربوي فاضل قاسم إلى أن الآليات وصلت إلى عدد من القرى، فيما لا تزال قرى أخرى تنتظر وصول الطريق إليها، مناشدًا الجهات الرسمية والجهات الداعمة الالتفات إلى احتياجات المنطقة والمساهمة في استكمال المشروع.

وبين صعوبة التضاريس ومحدودية الموارد وتوقف دعم الوقود، يواصل الأهالي تمويل الطريق بما يستطيعون، في نموذج للتكافل المجتمعي الذي يسعى إلى تحويل سنوات العزلة إلى فرصة للحياة والتنمية.

وبالنسبة إلى سكان القرى المستفيدة، فإن اكتمال طريق «بناهه الحُجف» لن يعني مجرد فتح مسار للمركبات، بل إنهاء رحلة الساعات السبع على الأقدام، وتقليل مخاطر نقل المرضى، وفتح نافذة طال انتظارها أمام التعليم والصحة والاقتصاد المحلي.