تتجاوز التحديات البيئية في اليمن مجرد المظاهر السطحية المتمثلة في تكدس المخلفات في الشوارع أو تلوث الشواطئ والمياه البحرية، لتتحول إلى أزمة مركبة تمس عصب الحياة اليومية للمواطن اليمني وتلقي بظلالها القاتمة على مختلف القطاعات الحيوية.
وفي ظل محدودية الإمكانات، تبرز المبادرات الفردية والمجتمعية كإحدى الوسائل التي يمكن أن تسهم في مواجهة هذه التحديات، خصوصا عندما تجد التنسيق والدعم من السلطات المحلية والقطاع الخاص والمنظمات.
في 16 أغسطس الماضي، أعلن ناشطون مجتمعيون في محافظة شبوة إطلاق حملة تطوعية لتنظيف شاطئ بئر علي في مديرية رضوم، بعد ملاحظة تكدس المخلفات البلاستيكية والعلب الحديدية ومخلفات أخرى على امتداد أجزاء من الشاطئ.
مواضيع مقترحة
- شبوة.. السلطة توجه بإنشاء سدود وحواجز لحصاد الأمطار
- نفايات الطاقة الشمسية تهدد البيئة والمجتمعات الريفية
- جزيرة ميون.. موقع استراتيجي على طريق التجارة الدولية
ويقول الناشط المجتمعي وصاحب فكرة المبادرة، سليم باعتود، إن تكدس المخلفات على الشاطئ أثار استياءه، ودفعه إلى التواصل مع عدد من زملائه وأصدقائه للاتفاق على تنفيذ مبادرة تسهم في تحسين البيئة الساحلية، وإحياء الحملات التطوعية التي كانوا ينظمونها بصورة دورية قبل عام 2014.
الحفاظ على البيئة
ويضيف:”بدأت المبادرة في 26 أغسطس، واستمرت حتى مطلع سبتمبر”، لكنه يرى أن الحفاظ على نظافة البيئة الساحلية يحتاج إلى دور أكبر من السلطة المحلية، خصوصًا أن توفير المعدات والأدوات، مثل صناديق وسلال المخلفات، يتجاوز إمكانات المبادرة الذاتية.
لافتا أن المشاركين سعوا إلى التواصل مع الجهات المعنية لوضع لوائح ومنشورات ولافتات توعوية وتحذيرية، بهدف الحد من رمي المخلفات والحفاظ على نظافة الشاطئ.
ويشير باعتود إلى أن المبادرة لم تتلقَّ دعمًا أو تمويلًا من أي جهة أو مؤسسة، رغم إرسال رسائل إلى الجهات المختصة والمنظمات والمؤسسات المجتمعية.
في المقابل، تجاوبت جمعية بئر علي السمكية مع المبادرة من خلال توفير بعض معدات التنظيف وبرميلين من الديزل، فيما وضعت اللجنة الأهلية في المنطقة سيارة النظافة تحت تصرف المبادرة عند الحاجة.

ويقول رئيس المبادرة، فهمي با كردوس، إن الحملة جاءت استجابة للاستياء العام من تلوث البيئة الساحلية، واتفاق أبناء المنطقة على الإسهام في معالجتها بجهود مجتمعية.
ويشير خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، أن المبادرة ليست الأولى، إذ سبق للمشاركين تنظيم حملات لإزالة الأكياس البلاستيكية العالقة بالأشجار والمخلفات المتراكمة في الشوارع العامة.
ويضيف أن أبناء المنطقة شاركوا وفق إمكاناتهم، سواء بالعمل الميداني أو المساهمة في توفير الطعام والشراب أو تسخير سياراتهم الخاصة لخدمة الحملة.
جهود شبابية
من جهته، يقول الناشط المجتمعي ياسر حسن إن المبادرة غطت أكثر من كيلومتر من امتداد الشاطئ، رغم اعتمادها بصورة أساسية على الجهود الذاتية، ويوضح أن إدارة المبادرة تنظم أعمالها عبر مجموعة على تطبيق “واتساب” أُنشئت خصيصًا لهذا الغرض، وحملت اسم “أنصار البيئة”.
باكردوس: الحملة جاءت استجابة للاستياء العام من تلوث البيئة الساحلية واتفاق أبناء المنطقة على الإسهام في معالجتها بجهود مجتمعية.
ويشير حسن إلى أن تنظيف الشاطئ يمثل المرحلة الأولى، على أن تتبعها مراحل أخرى تشمل مساحات إضافية من الشاطئ والشارع والخط العام، بهدف الحفاظ على البيئة والمظهر الجمالي للمنطقة.
ويؤكد الحاجة إلى دعم المنظمات والمؤسسات المجتمعية ورؤوس الأموال من التجار والمستثمرين للجهود الشبابية الساعية إلى حماية البيئة.
لا تقتصر المبادرات البيئية على تنظيف الشواطئ، إذ يمكن للمجتمعات المحلية أن تسهم أيضًا في التخفيف من آثار ارتفاع درجات الحرارة، خصوصًا في المناطق الحارة والساحلية.
ويقول عبدالقادر يغنم، مدير عام الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي في محافظة الحديدة، إن زيادة المساحات الخضراء والغطاء النباتي، والتوسع في زراعة الأشجار، وتشجيع التشجير حول المدارس والمستشفيات والمرافق الحكومية ومواقع القطاع الخاص، يمكن أن تسهم في التخفيف من آثار ارتفاع درجات الحرارة.
ويوضح أن الأشجار والنباتات توفر الظل، وتحسن البيئة المحلية، وتخفف الإحساس بالحرارة، إلى جانب إسهامها في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتحسين جودة الهواء.

ولا تتوقف جهود التشجير، بحسب يغنم، عند زراعة الأشجار، وإنما تشمل رعايتها وريها وحمايتها حتى تنمو وتصبح جزءًا مستدامًا من البيئة المحلية، وفي هذا الإطار، قامت السلطة المحلية بمحافظة الحديدة، بالتنسيق مع القطاع الخاص، بزراعة نحو نصف مليون شجرة في مداخل المحافظة، وفقًا ليغنم.
إسهام مجتمعي
ويرى الإعلامي والناشط الحقوقي والمجتمعي محمد عابد أن مبادرة تنظيف شاطئ بئر علي تمثل صورة من صور الإسهام المجتمعي في حماية البيئة البحرية، خصوصًا أن المنطقة تعد من الوجهات السياحية في شبوة، ويقصدها زوار من داخل المحافظة وخارجها للاستمتاع بالبحر والسباحة.
ويلفت عابد لـ”ريف اليمن”، ضعف حضور منظمات المجتمع المدني في مجال حماية البيئة، رغم وجود عدد منها في المنطقة، لكنه يرى أن مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على البيئة جيد إلى حد كبير.
ويؤكد عبدالقادر يغنم أهمية بناء شراكات حقيقية مع المبادرات المجتمعية لضمان استمراريتها واستدامتها، إلى جانب إشراك أفراد المجتمع في الأنشطة التطوعية المرتبطة بحماية البيئة، ويرى أن المشاركة في حماية البيئة لا تنفصل عن حماية الصحة وتحسين مستوى المعيشة ودعم الاقتصاد المحلي.
وتشير تجربة مبادرة بئر علي إلى أن المجتمعات المحلية قادرة على البدء بإمكاناتها المحدودة، لكن استمرار هذه الجهود وتوسيع أثرها يحتاج إلى شراكات أكثر فاعلية مع السلطات المحلية والقطاع الخاص والمنظمات، بما يحول المبادرات الفردية من حملات مؤقتة إلى جهود مستدامة لحماية البيئة





