الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تحديات

أشجار السيسبان.. من مكافحة التصحر إلى خطر الانتشار

📅 سبتمبر 22, 2026

يحمل الأربعيني سالم صالح، فأسه كل صباح، ويتجه إلى مناطق انتشار شجرة السيسبان في أحد أرياف محافظة الحديدة، حيث يقطع منها حزمًا من الحطب، ويقوم ببيعها في المدينة لتأمين قوت أسرته، ومع شح فرص العمل، تحولت هذه الشجرة بالنسبة إليه من نبات سريع الانتشار يُنظر إليه بوصفه ضارًا، إلى مورد رزق ومهنة يومية لا يملك ترف الاستغناء عنها.

يقول سالم لـ”ريف اليمن”: “أخرج كل صباح بحثًا عن السيسبان، أقطعه وأحمله إلى المدينة لبيعه كحطب، قد لا يكون مردوده كبيرًا، لكنه يساعدني في توفير احتياجات أسرتي، خصوصًا في ظل انعدام فرص العمل”.

ويضيف:”أشجار السيسبان هي الأشجار الوحيدة التي يمكنني احتطابها دون أن يعترض ملاك الأراضي؛ فهناك أشجار أخرى، لكن أصحابها يمنعون اقتطاعها”.

السيسبان، المعروف علميًا باسم «Prosopis Juliflora» نوع من جنس Prosopis التابع للفصيلة البقولية، يتميز بقدرته العالية على تحمل الجفاف والتكيف مع البيئات القاحلة، ولهذه الخصائص، استخدم في مكافحة التصحر وتثبيت الكثبان الرملية وإنشاء مصدات الرياح، إلى جانب الاستفادة منها في الحطب والأعلاف.


مواضيع مقترحة


وتشير منظمة الأغذية والزراعة «FAO» إلى أن تفاصيل أول إدخال للأنواع غير المحلية من «Prosopis» لا تزال غير معروفة، مع احتمال انتقالها في وقت مبكر عبر تجارة الحيوانات، لكن عام 1974 يمثل محطة موثقة؛ إذ أدخلت هيئة تطوير تهامة واختبرت أنواعًا غير محلية مقاومة للجفاف، وتعد الأنواع الأمريكية من أعلى معدلات البقاء وإنتاجية الكتلة الحيوية، فزُرعت شتلاتها في مصدات حول المدن والقرى.

وتؤكد قائمة التنوع البيولوجي في اليمن للدكتور عبد الولي الخُليدي وجود السيسبان بوصفها نوعًا مُدخلًا إلى اليمن، وتذكر زراعتها كمصدات رياح وأسوار في مناطق من بينها تهامة وعدن والمكلا ولحج وشبوة وسقطرى.

كيف انتشر؟

وهكذا، دخلت أنواع السيسبان إلى المشهد الزراعي والبيئي اليمني في سياق البحث عن أشجار قادرة على مواجهة الجفاف وزحف الرمال، قبل أن تكشف قدرتها العالية على البقاء والانتشار جانبًا آخر من المشكلة؛ إذ انتقلت الأنواع المدخلة لاحقًا إلى الأراضي الزراعية والأودية والأراضي البور، وأصبحت في بعض المواقع نباتًا غازيًا يحتاج إلى إدارة ومكافحة.

ويقول الدكتور محمد القطامي، أستاذ علم النبات وعميد كلية الزراعة بجامعة سيئون، إن السيسبان نبات دخيل على البيئة اليمنية، استُقدم أساسًا للمساهمة في الحد من الزحف الصحراوي، مستفيدًا من قدرته العالية على النمو والتكيف مع البيئات الجافة.

الباحث الشاجري: قطع الأشجار لا يكفي دائمًا لمنع عودتها، ما يجعل المكافحة بحاجة إلى التعامل مع الأشجار القائمة ومخزون البذور

لم تنتشر الشجرة بسبب قدرتها على التكيف وحدها، بل ساعدت عوامل أخرى في نقل بذورها، ويشير عيسى الشاجري، الباحث في شؤون الزراعة والبيئة، إلى أن بذور السيسبان يمكن أن تنتقل عبر الحيوانات التي تتغذى على قرونه، ثم تخرج مع الفضلات في أماكن جديدة، كما يمكن لمياه السيول والرياح أن تنقلها إلى مواقع أخرى.

ويضيف الشاجري لـ”ريف اليمن”، أن قطع الأشجار لا يكفي دائمًا لمنع عودتها، ما يجعل المكافحة بحاجة إلى التعامل مع الأشجار القائمة ومخزون البذور، ومنع إعادة الانتشار، واختيار أسلوب المكافحة وفق طبيعة كل موقع.

يمكن للنمو الكثيف وتراكم الفروع والمخلفات أن يعيق حركة المياه ويضيق مجاريها ما قد يزيد مخاطر الفيضانات(ريف اليمن)

ويرتبط انتشار البذور كذلك باستخدام قرون السيسبان في تغذية الحيوانات، ويوضح الدكتور صالح الحداد، المختص في أعلاف وتغذية الحيوان، أن دراسات أجريت في وادي حضرموت تناولت الحد من انتشار البذور عبر فضلات الأغنام بعد تغذيتها على القرون.

ويشير في حديثه لـ”ريف اليمن” إلى أن طحن القرون قبل تقديمها للحيوانات يمكن أن يساعد في الاستفادة منها وتقليل قدرتها على الإنبات والانتشار.

السيسبان والمياه

من أبرز خصائص السيسبان قدرته العالية على التكيف مع البيئات الجافة، بفضل نظامه الجذري الذي يساعده على الوصول إلى المياه في أعماق التربة، وهي ميزة تساعده على الصمود في ظروف شح المياه وارتفاع الحرارة.

وفي المناطق التي تقترب فيها المياه الجوفية من سطح الأرض، تثار تساؤلات حول مدى استفادة الشجرة منها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها سبب مباشر في استنزافها؛ إذ يرتبط تراجع المخزون الجوفي بعوامل متعددة، في مقدمتها الضخ الجائر ومحدودية التغذية الطبيعية.

وفي تقرير سابق لمنصة «ريف اليمن»، أشار المهندس الجيولوجي محمد الوصابي إلى أن جذور السيسبان قد تصل إلى مستويات المياه الجوفية في بعض المناطق المحاذية للجبال، مؤكدًا أن تحديد أثرها الفعلي في المخزون الجوفي يحتاج إلى دراسات ميدانية دقيقة.

وتؤكد دراسات في بيئات جافة خارج اليمن قدرة السيسبان على استهلاك كميات كبيرة من المياه؛ ففي إقليم عفار الإثيوبي بلغ متوسط استهلاك الشجرة نحو 7 لترات يوميًا، فيما أظهرت دراسة مقارنة أن تجمعات السيسبان الكثيفة استهلكت مياهًا بنحو ثلاثة أضعاف تجمعات شجرة محلية. غير أن هذه النتائج لا يمكن إسقاطها مباشرة على اليمن، في ظل محدودية القياسات المحلية التي تحدد تأثير السيسبان في مناسيب المياه الجوفية.

المهندس الوصابي: جذور السيسبان قد تصل إلى مستويات المياه الجوفية وتحديد أثرها الفعلي في المخزون يحتاج إلى دراسات دقيقة

وفي المقابل، تبدو آثاره في مجاري المياه أكثر وضوحًا؛ إذ وثقت مصادر متخصصة انتشار السيسبان في الأودية وقنوات الري في تهامة وحضرموت، وإعاقته تدفق مياه السيول وتغيير مساراتها، وأشارت تقارير محلية تناولت فيضانات حضرموت عام 2008 إلى أن كثافة السيسبان في بعض مجاري المياه أعاقت تدفق السيول وأسهمت في تغيير مساراتها.

انتشار بلا إحصاء

يقول لطفي باجهام، مدير مكتب الزراعة والري بمديرية تريم، إن دراسات ومسوحًا ميدانية تناولت انتشار السيسبان، خصوصًا في حضرموت، لكنها لا تقدم إحصاءً وطنيًا حديثًا وموحدًا يحدد المساحات التي تغطيها الشجرة في مختلف المحافظات.

وأظهرت دراسة للغطاء النباتي في حضرموت نُشرت عام 2019م أن السيسبان كان من أكثر النباتات وفرة وكثافة في منطقة الدراسة الممتدة على أجزاء من الساحل بين الشحير والريدة.

إدارة الشجرة يمكن أن تترافق مع استثمارها اقتصاديًا، من خلال الأخشاب والوقود والمنتجات الأخرى(ريف اليمن)

ويرى باجهام أن السيسبان يحمل «وجهين»؛ فهو يتحمل الجفاف والملوحة، ويمكن الاستفادة منه في الأخشاب والوقود والأعلاف وتثبيت الرمال، كما يمكن أن يوفر موردًا لنحل العسل. لكنه يتحول إلى نبات غازٍ ومضر عندما ينتشر عشوائيًا، خصوصًا داخل الأراضي الزراعية ومجاري السيول وقنوات الري.

ولم تكن المشكلة جديدة على الجهات الزراعية اليمنية. ففي عامي 2002 و2003، نفذت منظمة الأغذية والزراعة بطلب من الحكومة اليمنية، مشروعًا لإدارة السيسبان واستخدامه والسيطرة عليه.

ونُفذت أنشطة البحث والتطوير في ثلاثة مراكز زراعية رئيسية: هيئة تطوير تهامة في الحديدة، ومحطة أبحاث الكود في أبين، ومحطة سيئون البحثية في حضرموت، إلى جانب أبحاث في مركز بحوث الأغذية وتكنولوجيا ما بعد الحصاد في عدن.

ومع تقدم المشروع، تحول التوجه من فكرة الاستئصال شبه الكامل إلى إدارة السيسبان والاستفادة منه، خصوصًا في ظل حاجة اليمن إلى الحطب والأعلاف. فاختُبرت آلات لتقطيع الفروع وتحويلها إلى رقائق خشبية، وطُحنت القرون لاستخدامها في أعلاف الماشية، وكان طحنها يهدف أيضًا إلى تدمير البذور والحد من انتشارها عبر فضلات الحيوانات.

المنافسة على الموارد

كما خلص المشروع إلى أهمية الإدارة المستمرة بدل محاولة الاستئصال الشامل في كل المواقع، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي يسبب فيها السيسبان مشكلات، مثل الأراضي الزراعية وقنوات الري.

لا تكمن المشكلة البيئية في وجود السيسبان بحد ذاته بقدر ما تكمن في انتشاره الكثيف وخروجه عن نطاق يمكن إدارته

لا تكمن المشكلة البيئية في وجود السيسبان بحد ذاته، بقدر ما تكمن في انتشاره الكثيف وخروجه عن نطاق يمكن إدارته، ويقول الشاجري إن تجمعاته الكثيفة قد تنافس النباتات المحلية على المياه والمساحة والعناصر الغذائية، بما قد يؤثر في تركيب الغطاء النباتي والتنوع الحيوي.

ويتفق القطامي مع ذلك، موضحًا أن كثافة السيسبان قد تزيد المنافسة على الموارد وتؤثر في بعض البيئات المائية والنباتية. وفي الأودية ومجاري السيول، يمكن للنمو الكثيف وتراكم الفروع والمخلفات أن يعيق حركة المياه ويضيق مجاريها، ما قد يزيد مخاطر الفيضانات في بعض المواقع. كما يؤدي انتشاره داخل الأراضي الزراعية إلى زيادة كلفة استصلاحها والمحافظة على إنتاجيتها.

لكن الشاجري يحذر من تعميم هذه الآثار، مؤكدًا أن تقييم تأثير السيسبان في المياه والتربة والتنوع الحيوي يحتاج إلى دراسات ميدانية محلية، لأن تأثيره يختلف باختلاف الموقع والكثافة والظروف البيئية.

 

السيسبان يحتوي على مكونات غذائية يمكن الاستفادة منها، ويمكن أن يمثل موردًا علفيًا في البيئات التي ينتشر فيها(ريف اليمن)

ومن واقع تجربته، يقول منير باصالح، أحد المزارعين في ضواحي سيئون، إن السيسبان غزا مزرعته بسبب تساهله في التعامل معه خلال بدايات انتشاره، ما جعل اجتثاثه لاحقًا أكثر صعوبة وكلفة. ومع ذلك، ما يزال يستفيد منه في تثبيت التربة وتوفير الحطب، واستخدمه سابقًا كسياج للمزرعة.

بين الآفة والفرصة

لهذا لا يرى المختصون أن السيسبان عدو مطلق ينبغي اقتلاعه، ولا موردًا يمكن تركه ينتشر بلا قيود. ويقول القطامي إن التعامل معه ينبغي أن يقوم على «الإدارة»، بحيث تزال الأشجار من الأراضي الزراعية وقنوات الري ومجاري السيول والمواقع التي تسبب فيها أضرارًا، بينما يمكن الاستفادة منها في المواقع التي لا تشكل فيها تهديدًا واضحًا.

ويرى الشاجري أن الأولوية يجب أن تحدد وفق درجة الخطورة: أين ينتشر السيسبان؟ وما كثافته؟ وأين يهدد الزراعة أو التنوع النباتي أو مجاري المياه؟ ثم توجه جهود المكافحة إلى تلك المواقع، مع رصد مستمر لمنع عودة الانتشار.

أما باجهام، فيرى أن إدارة الشجرة يمكن أن تترافق مع استثمارها اقتصاديًا، من خلال الأخشاب والوقود والمنتجات الأخرى، مع توفير معدات القطع والفرم والطحن وتشجيع المشاريع الصغيرة والجمعيات التعاونية.

ولا يتوقف الاستغلال عند الخشب والوقود، ويذكر الدكتور صالح الحداد أن السيسبان يحتوي على مكونات غذائية يمكن الاستفادة منها، ويمكن أن يمثل موردًا علفيًا في البيئات التي ينتشر فيها، لكن ذلك لا يعني الاعتماد عليه منفردًا؛ إذ يشدد الحداد على أهمية التنويع وإعداد الخلطات العلفية بما يلبي احتياجات الحيوان، ويدعو إلى مزيد من الدراسات التي تحدد مكوناته وقيمته الغذائية ونسب إدخاله المناسبة في الأعلاف.