السبت, 19 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
صحافة

‹ميناء المخا› حين احتكرت اليمن تجارة البن العالمية

ريف اليمن 📅 سبتمبر 18, 2026

قبل أن تتصدر مدينة المخا عناوين الأخبار، كان ميناؤها التاريخي على ساحل البحر الأحمر غرب اليمن أحد أبرز مراكز تجارة البن في العالم. فمنذ قرون لعب الميناء دوراً محورياً في حركة التجارة البحرية.

ومنح الموقع الاستراتيجي للمدينة على البحر الأحمر والقرب من باب المندب مكانة تجارية بارزة، لتتحول إلى بوابة رئيسة لتصدير البن، وتحافظ على نفوذها في طرق التجارة الإقليمية والدولية لقرون متعاقبة.

في أوج ازدهارها، بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، كانت المدينة مركزًا تجاريًا مزدهرًا يضم العديد من المقاهي في اليمن التي احتكرت إمدادات حبوب البن العالمية لأكثر من مئة عام.

وفق تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» لا يزال هذا الإرث حاضرًا في ثقافة القهوة الحديثة ‹حيث أطلقت المدينة اسمها على حبوب البن، والمنتجات المتخصصة، ومشروب الموكا، وهو مشروب من الشوكولاتة والإسبريسو›.

لكن المقومات نفسها التي جعلت المخا مركزاً لتجارة البن العالمية تحولت اليوم إلى عامل يزيد من أهميتها في النزاع القائم، فموقعها الاستراتيجي جعلها هدفاً ذا قيمة عالية في الصراع الجاري وارتباطه الإقليمي والدولي.

يقول آلان ميخائيل، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ييل الامريكية: ‹للجغرافيا أهمية بالغة، وقرب المخا من مضيق باب المندب على بعد حوالي 80 كم جنوب المدينة ويربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، قد منحها على مدى قرون نفوذاً على أحد أهم الممرات التجارية في العالم›.

صعود عاصمة البن

احتل الأتراك العثمانيون اليمن في أواخر ثلاثينيات القرن السادس عشر، وحولوا المخا من قرية صيد صغيرة إلى قوة عظمى في صناعة البن، وكان البن قد رسخ مكانتها في المنطقة والعالم.

ويعتقد الباحثون أن سكان المخا كانوا أول من تناول مشروباً يعرفه مُحبو القهوة اليوم، وذلك قبل نحو قرن من الزمان، وربما بدأت هذه العادة مع الرهبان الصوفيين العرب، الذين كانوا يشربون هذا المشروب المنبه للبقاء مستيقظين لأداء صلاة منتصف الليل.

نانسي أوم: اليمن ليس موطناً للعادة الاجتماعية المتمثلة في شرب القهوة كمشروب نعرفه اليوم فحسب، بل هي موطن زراعة البن على نطاق واسع، وهو أول مورد للقهوة إلى العالم

وبحلول منتصف القرن السادس عشر، انتشر شرب القهوة على نطاق واسع في المنطقة، التي شهدت بدورها العديد من الاكتشافات الرائدة الأخرى في عالم القهوة.

‹اليمن ليس موطناً للعادة الاجتماعية المتمثلة في شرب القهوة كمشروب نعرفه اليوم فحسب، بل هو أيضاً موطن زراعة البن على نطاق واسع، وهو في الواقع أول مورد للقهوة إلى العالم› هذا ما قالته نانسي أوم، مؤلفة كتاب «بيوت تجار المخا» عن تاريخ تجارة المدينة.

في اليمن بدأ الأتراك بزراعة البن على نطاق تجاري في المرتفعات المحيطة بالمخا وقاموا بتصديره في جميع أنحاء إمبراطوريتهم، كما أسسوا احتكاراً، ومنعوا حبوب البن من مغادرة اليمن إلا إذا تم غليها أو تحميصها أولاً لمنع إنباتها، كما كتب مارك بيندرغراست في كتابه الصادر عام 1999 بعنوان «أراضٍ غير مألوفة».

بحسب بيندرغراست، في القرن السابع عشر، قام حاج مسلم يدعى بابا بودان بتهريب سبع بذور عن طريق ربطها ببطنه، ونجح لاحقاً في زراعة النبات في الهند، على الرغم من أن العلماء يختلفون حول صحة القصة.

كان قرب المخا من مضيق باب المندب عاملاً أساسياً في ازدهارها، إذ ربطها بالبحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر، وبآسيا عبر المحيط الهندي، واليوم يتعين على السفن عبور المضيق للوصول إلى قناة السويس والمياه الأوروبية الواقعة وراءها.

كان سكان المخا تجار متعددي الأعراق والأديان ينقلون منتجات تشمل المعادن والمنسوجات والتوابل، لكنها أصبحت مرتبطة بشكل كبير بالقهوة في القرن السابع عشر، عندما أنشأت بيوت التجارة الأوروبية الكبرى، بما في ذلك شركات الهند الشرقية في إنجلترا وهولندا، متاجرها هناك.

وقالت السيدة نانسي: ‹لقد عززوا العلاقة بين المخا والقهوة من خلال تسمية جميع حبوب البن التي اشتروها في اليمن وشحنوها من ميناء المخا باسم ‹بن المخا›.

مع ذلك، وبحلول عشرينيات القرن الثامن عشر، كانت زراعة البن قد بدأت في منطقة الكاريبي وجاوة بإندونيسيا، وتضاءل دور المخا المحوري.

وقالت نانسي ‹إن نهايتها جاءت في أوائل القرن التاسع عشر عندما استولى البريطانيون على عدن، وهي مدينة ساحلية تقع شرقاً، وجعلوها مركزهم التجاري الرئيسي في المنطقة›.

مزارعو البن يجففون ثمار البن في منطقة حراز جنوب غربي صنعاء، عام 2025 (خالد عبد الله/ رويترز)

نهضة هشة

أُنشئ ميناء المخا الحديث في خمسينيات القرن الماضي، لكن بحلول ذلك الوقت كانت صناعة البن في المنطقة قد اختفت تقريبًا، وعلى مر السنين، حوّلت اليمن مساحات شاسعة من أراضيها لزراعة القات بدلاً من البن.

ووصف تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» نبات القات الذي يمضغ في اليمن بأن له من تأثيرات شبيهة بـ «الأمفيتامين» الذي يعد من المنشطات للجهاز العصبي ويستخدم لعلاج اضطرابات نقص الانتباه وفرط الحركة، ولا تصرف إلا بوصفة طبية.

وقال إبراهيم المرعشي، الأستاذ المشارك في تاريخ الشرق الأوسط بجامعة ولاية كاليفورنيا: ‹عندما تم استبدال البن، كان ذلك بمثابة حكم على اليمن بالفناء›، مشيرا ‹أن القات الذي يُباع ويُستهلك محلياً، يستنزف مدخرات الأسر ويُعيق الاقتصاد ويستهلك كميات كبيرة من المياه›.

لكن في السنوات الأخيرة، ظهرت حركة لإعادة تأسيس صناعة البن في المخا واليمن، ولربط المزارعين المحليين بمقاهي البن اليمنية حول العالم.

حيث ‹ينظر المزارعون الآن إلى البن كبديل محتمل للقات ووسيلة لتحسين أوضاعهم› كما قال مختار الخنشلي، الذي يمتلك شركة بن في اليمن تربط حوالي 6000 مزارع بمحامص دولية.

إلا أن تصاعد الصراع مؤخراً في اليمن قد عرّض المكاسب الأخيرة للخطر، على حد قوله. وأضاف الخنشلي أن هذا التصاعد قد عرّض المزارعين للخطر وجعل تصدير منتجاتهم أكثر صعوبة، وهدد بدفعهم للعودة إلى زراعة القات.

وقال: ‹لأول مرة منذ سنوات، كان البن يمنح اليمنيين بصيص أمل. أما الآن، فقد تحول الميناء الذي كان من المفترض أن يصدّر هذا البن إلى العالم إلى ساحة معركة›.

ريف اليمن