أدى انهيار هائل للجليد والصخور في جبال الهيمالايا على الحدود النيبالية-التبتية الأربعاء 26 أغسطس 2026، إلى اندفاع كميات هائلة من المياه والحطام عبر الأودية، فدُمرت منازل وطرق وجسور، وأودت بحياة 359 شخصاً ومازال هناك نحو 1500 مفقود.
الفيضانات المفاجئة المدمرة حدثت نتيجة انهيار كتلة ضخمة من الجليد والطين والصخور في نهر جبلي. ويحذر العلماء من أن ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الجليد يجعلان هذه البيئات الجبلية أكثر هشاشة وأكثر عرضة لانهيارات مماثلة.
قد يبدو هذا الخبر بعيداً عن اليمن جغرافياً، لكنه يحمل سؤالاً ملحّاً: ماذا يحدث لسبل عيش الأسر اليمنية عندما تتكرر الصدمات المناخية، في حين تعيش هذه الأسر أصلاً تحت ضغط الفقر وتدهور الاقتصاد وضعف الخدمات؟
سبل العيش بالنسبة لأسرة ريفية يمنية، قد تكون قطعة أرض زراعية، وعدد من الأغنام أو الماعز، وخلايا نحل، وبئر ماء، ومنزل، وأدوات زراعية بسيطة، أو دخل يومي يعتمد عليه أحد أفراد الأسرة.
هذه الأصول مجتمعة هي ما يمنح الأسرة قدرتها على إنتاج الغذاء وكسب الدخل ومواجهة الغد. وعندما تأتي كارثة وتدمر أحد هذه الأصول، فإن التأثير لا يكون لحظياً ينتهي بانحسار المياه أو توقف الأمطار، بل يمتد لسنوات.
سبل العيش بالنسبة لأسرة ريفية يمنية قد تكون قطعة أرض زراعية، وعدد من الأغنام أو الماعز، أو خلايا نحل، هذه الأصول مجتمعة هي ما يمنح الأسرة قدرتها على إنتاج الغذاء
حيث إن فقدان الأرض وخاصة في المناطق الريفية هي خسارة الزراعة والماشية وفقدان مصدر دخل إنتاجي، وتدمير مصدر المياه يهدد الزراعة والإنسان معاً، وانقطاع الطريق يعني فقدان الوصول إلى المزرعة والسوق.
وعندما تحدث فيضانات أو سيول شديدة، فإن الضرر لا يقتصر على المياه التي تدخل المنازل؛ فالتربة الزراعية قد تنجرف، والمدرجات قد تنهار، وقنوات الري قد تتضرر، والآبار قد تتلوث أو تُدفن. وقد يخسر المزارع محصوله في ساعات بعد أن أنفق عليه أشهراً من العمل والمال.

كيف تتأثر اليمن؟
المخاوف من الفيضانات نتيجة التغير المناخي في اليمن ليست افتراضياً، فقد أشارت منظمة الفاو «FAO» إلى أن الأمطار الشديدة تسببت في سيول مفاجئة أثرت على المجتمعات والأراضي الزراعية في مناطق يمنية عدة.
وفي محافظة حضرموت تحديداً، تواجه المجتمعات الزراعية تحدياً مزدوجاً: الجفاف من جهة والفيضانات من جهة أخرى، مما جعل حماية البنية التحتية المائية وإدارة المياه جزءاً لا يتجزأ من تعزيز صمود سبل العيش.
أما الجفاف فلا يأتي في يوم واحد، لكنه لا يقل خطورة عن الفيضانات، وهذا يعني أن المراعي لا تتجدد، ومصادر المياه تنضب، والمحاصيل المطرية تتراجع، وتصبح الأعلاف أكثر تكلفة. ومع استمرار الجفاف، يبدأ المربي ببيع جزء من قطيعه لتوفير احتياجات أسرته أو شراء الأعلاف، وقد يصل الأمر إلى فقدان معظم القطيع بسبب سوء التغذية والأمراض.
وتشير «الفاو» إلى أن جزيرة سقطرى واجهت عامين متتاليين من الجفاف أدى إلى تدهور المراعي ونقص المياه واضطرار أسر للتنقل مسافات طويلة بحثاً عن الماء، كما أن أحجام القطعان في اليمن انخفضت بأكثر من 50% مقارنة بما قبل الصراع، نتيجة المرض والنفوق والبيع الاضطراري.
التغير المناخي لا يضرب الإنسان والمزرعة فقط. الحيوان يتأثر بارتفاع الحرارة ونقص المياه وتراجع المراعي، فيضعف إنتاج الحليب واللحم وترتفع تكلفة علاجه وتغذيته، أما النحال فيتأثر بتغير مواسم الإزهار وتوفر النباتات الرحيقية، فتتأثر إنتاجية خلاياه وجودة العسل. وهكذا يمكن للتغير المناخي أن يضرب أكثر من مصدر دخل في الأسرة الريفية في الوقت ذاته.
الجفاف لا يقل خطورة عن الفيضانات؛ إذ تتراجع المراعي، وتنضب مصادر المياه، وتتقلص المحاصيل المعتمدة على الأمطار، فيما ترتفع كلفة الأعلاف. ومع استمرار الجفاف، يضطر مربو الماشية إلى بيع جزء من قطعانهم لتلبية احتياجات أسرهم
كما أن التغير المناخي يؤثر على توزيع الأشجار والمحاصيل، فبعض المناطق قد تصبح أقل ملاءمة لأنواع كانت تنمو فيها تقليدياً، بينما قد تنفتح فرص لمحاصيل أخرى أكثر تحملاً. لكن إدخال محصول جديد يجب أن يستند إلى دراسات علمية حول المياه والتربة والحرارة والجدوى الاقتصادية، وليس إلى مجرد أن المناخ تغير.
والملاحظ أن المشكلة ليست فقط في كمية المطر، بل في توقيته وشدته ومكانه. قد نحتاج كمية معينة من المياه خلال الموسم الزراعي، لكن وصولها خلال ساعات قليلة قد يؤدي إلى فيضان وانجراف للتربة بدلاً من تغذيتها.
هناك خطر آخر لا يحظى باهتمام كافٍ، كثير من الناس يتعاملون مع المناطق بناءً على ذاكرتهم السابقة. يقول أحدهم: هذا الوادي لم تصل إليه السيول منذ عشرين سنة، لكن السؤال الصحيح ليس هل حدث الفيضان هنا سابقاً، بل هل يمكن أن يحدث مستقبلاً.
وهذا جوهر التحذيرات من التغير المناخي حيث أصبحت المخاطر غير متوقعة دائما، فالوادي الذي كان آمناً لسنوات طويلة قد لا يبقى كذلك، والأمطار الغزيرة في المناطق الجبلية يمكن أن تزيد مخاطر الانهيارات وتساقط الصخور، مما يهدد القرى، والمزارع، وشبكات المياه، والطرق.
وعندما ينقطع طريق، لا تتوقف السيارات فقط؛ يتوقف وصول الغذاء والعلف، ويتعذر نقل المحصول، وينقطع المريض عن المركز الصحي. البنية التحتية إذن ليست مجرد طرق وجسور، بل جزء أساسي من منظومة سبل العيش.
لكن ليس كل تغير مناخي سلبياً، حيث تشير دراسة البنك الدولي حول المناخ والتنمية في اليمن إلى أن بعض السيناريوهات قد تحمل فرصاً مرتبطة بزيادة الهطول في مناطق معينة، وأن الاستثمارات في إدارة المياه وحفظ التربة والزراعة الذكية مناخياً يمكن أن تسهم في الاستفادة من هذه الفرص مع إدارة المخاطر القائمة.

إدارة المخاطر
الفرق بين إدارة الكوارث وإدارة مخاطرها هو الفرق بين ماذا نفعل بعد وقوع الكارثة وكيف نمنعها من أن تحدث أصلاً. إدارة المخاطر تعني أن نسأل قبل وقوعها: ماذا يمكن أن يحدث؟ وأين؟ ومن الأكثر تعرضاً؟ وكيف نخفض الخطر؟ وكم تكلفة الوقاية مقارنة بتكلفة إعادة الإعمار؟
وهنا يأتي مفهوم الصمود المناخي لسبل العيش، المزارع يحتاج إلى محاصيل أكثر تحملاً للجفاف، وتقنيات أفضل لإدارة المياه، وحصاد مياه الأمطار، وحماية التربة، وتنويع مصادر دخله، ومربي المواشي يحتاج إلى أعلاف مخزنة، ومصادر مياه أكثر أماناً، وخدمات بيطرية.
والأسرة التي تعتمد على نشاط واحد تكون أكثر هشاشة من تلك التي تمتلك عدة مصادر للدخل. لذلك تنويع سبل العيش ليس رفاهية، بل استراتيجية تكيف مع الصدمات، ولا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية حماية نفسه.
نحتاج إلى خرائط تحدد الأودية وممرات السيول والمناطق المعرضة للانهيارات والجفاف، وتحويلها إلى أدوات عملية يستخدمها صانعو القرار والمواطنون على حد سواء في تحديد المخاطر وسبل مواجهتها
نعم، على الأسر أن تتجنب المناطق الخطرة، وعلى المزارعين أن يتعاملوا مع التحذيرات بجدية، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الدولة والمؤسسات المختصة في التخطيط، والتنظيم، وحماية الأرواح، والممتلكات.
نحتاج إلى خرائط تحدد الأودية وممرات السيول والمناطق المعرضة للانهيارات والجفاف، وتحويلها إلى أدوات عملية يستخدمها صانعو القرار والمواطنون على حد سواء في تحديد المخاطر وسبل مواجهتها.
وفي مواجهة هذه التحديات، هناك أدوار متكاملة للمنظمات الدولية والمحلية في تنفيذ برامج التكيف وبناء الصمود ودعم المجتمعات الأكثر عرضة. وللجامعات ومراكز البحوث دور أساسي في توفير البيانات العلمية التي تساعد على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة.
والإعلام يستطيع تحويل التحذيرات العلمية إلى رسائل بسيطة يفهمها الجميع، يعزز ثقافة الوقاية بدلاً من انتظار الكارثة ثم الحديث عنها. والأهم من كل ذلك إشراك المجتمعات المحلية نفسها؛ فالسكان يعرفون مناطقهم وأوديتهم ومواسم أمطارهم، ومعرفتهم التراثية يجب أن تلتقي بالعلم والبيانات الحديثة لا أن تحل محلها.
الإنذار المبكر
من أهم الاستثمارات التي تحتاجها اليمن أنظمة الإنذار المبكر متعددة المخاطر، والإنذار المبكر ليس مجرد رسالة تقول هناك أمطار، بل منظومة متكاملة تبدأ من الرصد والتنبؤ، ثم تحليل الخطر، ثم إيصال التحذير إلى المجتمع.
ثم يكون هناك خطة واضحة لما يجب فعله: أين يذهب الناس؟ ومتى يغادرون؟ وكيف يحمون حيواناتهم ووثائقهم؟ هذه التفاصيل هي التي تحول الإنذار المبكر من معلومة إلى أداة حماية فعلية.

من أهم الرسائل التي يجب أن تصل للجميع لا تجعلوا مجرى السيل مكاناً للسكن أو البناء، قد يبدو الوادي جافاً معظم أيام السنة، لكن ذلك لا يلغي وظيفته كممر لتصريف المياه. ومن الخطأ أن نقيس الأمان بعدد المرات التي حدث فيها السيل في الماضي.
التخطيط السليم يجب أن يعتمد على دراسة المخاطر والسيناريوهات المحتملة، وينطبق ذلك على إقامة المدارس والمراكز الصحية ومخازن الغذاء في المناطق المعرضة.
تشير التقديرات إلى أن نحو نصف سكان اليمن معرضون لخطر مناخي كبير واحد على الأقل، مثل الحرارة الشديدة أو الجفاف أو الفيضانات. وقطاع الزراعة، الذي يوفر سبل العيش لنسبة كبيرة من السكان، يتأثر مباشرة بعدم انتظام الأمطار وارتفاع الحرارة وتدهور الموارد الطبيعية.
واليمن لا يحتاج إلى انتظار كارثة كبرى حتى يبدأ في الاستعداد؛ فالمؤشرات واضحة بالفعل: الجفاف، تذبذب الأمطار، السيول المفاجئة، تدهور المراعي، شح المياه، وارتفاع درجات الحرارة.
التغير المناخي ليس مجرد ارتفاع في درجات الحرارة أو تغير في كمية الأمطار، إنه تغير في مستوى المخاطر التي تواجه حياة الناس وأصولهم وقدرتهم على كسب عيشهم، وعندما تتكرر الصدمات المناخية، قد لا تكون المشكلة في الكارثة نفسها، بل في تآكل قدرة الأسرة على التعافي من الكارثة السابقة والاستعداد للتالية.
لذلك، مواجهة التغيرات المناخية في اليمن يجب ألا تُفهم باعتبارها قضية بيئية فقط، بل قضية أمن غذائي واقتصاد وفقر وحماية اجتماعية واستقرار مجتمعات. والاستثمار في التكيف المناخي ليس إنفاقاً إضافياً، بل استثمار لحماية ما نملكه أصلاً.
الهدف الحقيقي ليس أن نمنع الطبيعة من التغير، فهذا ليس بأيدينا. الهدف أن نمنع تغير المناخ من تحويل كل صدمة طبيعية إلى كارثة، وأن نمنع الكارثة من تحويل الأسرة المنتجة إلى أسرة فقدت قدرتها على إعالة نفسها.
ومن نيبال إلى اليمن، تبقى الرسالة واضحة: حماية الإنسان تبدأ قبل وقوع الكارثة، وحماية سبل العيش هي جزء أساسي من حماية الإنسان.





