أدى تدهور القطاع الصحي وغياب ثقة العديد من الآباء في اليمن إلى حرمان آلاف الأطفال من اللقاحات الأساسية؛ إذ يُشكل اليمن والسودان وسوريا نحو 87% من إجمالي أطفال الجرعة صفر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وأفادت دراسة حديثة صادرة عن لجنة الإنقاذ الدولية «IRC» استناداً إلى مسح شمل 15 مرفقاً صحياً في محافظات لحج وعدن وأبين وحضرموت، أن عوائق التطعيم لم تعد تقتصر على تدهور القطاع الصحي وتضرر العيادات وسلاسل الإمداد جراء الحرب.
وكشفت بأن زيادة نسبة الأطفال غير المطعمين ‹باتت ترتبط بعوامل سلوكية ونفسية تتصل بتآكل الثقة باللقاحات› في إشارة إلى توسع الدعاية التي تزعم بأن التطعيمات تسبب أمراض.
وأكدت الدراسة أنه حتى في المناطق التي تتوفر فيها اللقاحات مجاناً وتعمل مرافقها بكفاءة، تظل العوامل النفسية والاجتماعية حائلاً دون استكمال جدول التطعيمات المعتمد للأطفال.
مواضيع مقترحة
- ‹التطعيم› رحلة شاقة لإنقاذ الطفولة في الريف
- مرض الحصبة يقتل 21 طفلًا.. كيف عاد تفشي الفيروس؟
- اليمن تسجل 29 إصابة بفيروس شلل الأطفال

أرقام صادمة
تراجعت نسبة التغطية الوطنية للجرعة الأولى من لقاح الحصبة من 63% عام 2012 إلى 41% عام 2025؛ ما أدى إلى تسجيل 27,517 حالة إصابة بالحصبة و260 وفاة خلال تفشي عام 2024، يُضاف إليها 11,354 حالة حتى مطلع عام 2026، ليحتل اليمن المرتبة الثانية عالمياً في عدد الإصابات.
كما سجلت البلاد 452 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح منذ عام 2021، وقعت 98% منها بين أطفال دون سن الخامسة.
وتتفاقم المخاطر مع خروج أو تهديد نحو 40% من المرافق الصحية بالإغلاق التام بحلول أوائل عام 2026 جراء نقص التمويل وتقليص الشركاء الدوليين لعملياتهم.
وتُشير تقديرات اليونيسف إلى أن 17.8 مليون شخص يفتقرون للرعاية الصحية الكافية، فيما يُحرم نحو مليون طفل من التحصين الروتيني.
لم يتلقَ واحد من كل أربعة أطفال يمنيين المجموعة الكاملة من اللقاحات الموصى بها، ويُصنف 17% من الأطفال اليمنيين على أنهم «بدون جرعات»، أي أنهم لم يتلقوا جرعة واحدة من اللقاح.

القرار والشك
تُثبت أدلة البحث الميداني في مديريات يافع والبريقة وأحور وتريم والقطن، أن إقناع الأم يكفل في الغالب إجراء الزيارة الأولى للمرفق الصحي، لكنه يصطدم بالهيكلية السلطوية داخل المنزل لإكمال بقية الجرعات.
ويملك الآباء كلمة الفصل والموافقة المطلقة على التطعيم، وتزداد الأمور تعقيداً جراء الأعراف التي تمنع الأمهات من زيارة العيادات دون مرافق أو محرم من الرجال، وفق الدراسة.
وتتسع دائرة التأثير لتشمل الجدات والقريبات الأكبر سناً اللاتي يمارسن نفوذاً على قرار الأب بحكم انتمائهن لجيل أكثر تحفظاً تجاه اللقاحات، يرافقها نظرة حذرة لدى بعض الآباء تفترض تأثر الأمهات السريع بالآراء الشفهية المتداولة.
تراجعت تغطية لقاح الحصبة في اليمن إلى 41% بينما يفتقر 17.8 مليون شخص للرعاية الصحية، ويُحرم مليون طفل من التحصين
وقال أحد الآباء في أبين: ‹تتأثر النساء ببعضهن ويتبعن بعضهن في الامتناع، لذا لا أثق بقدرتهن على اتخاذ القرار الصحيح بغيابي›.
وبناءً عليه، يظل اقتناع الأم غير كافٍ ما لم تُستهدف البيئة الأسرية الداعمة وتُخاطب جهات اتخاذ القرار الفعليين داخل المنزل.
أظهرت نتائج المسح الاستقصائي أن ثقة مقدم الرعاية باللقاح وإيمانه بنفعه هما المحدد الأعلى تأثيراً في إكمال جدول التطعيمات، متفوقاً على المستوى التعليمي وحالة النزوح والتوزيع الجغرافي.
ورغم توفر اللقاحات مجاناً وسهولة الوصول إليها في مناطق الدراسة، تتغذى الشكوك مما يُعرف بـ«مفارقة اللقاح المجاني» حيث ينظر بعض أولياء الأمور والوجهاء لتقديم الخدمة دون مقابل مادي بريبة، مفسرين الحملات بأنها تضمر أجندات خفية مثل تقليص عدد السكان.
وتزداد الشكوك مع المخاوف المتعلقة بسلسلة التبريد وصلاحية التخزين عبر الحملات المتنقلة، ومدى تأهيل المتطوعين الصحيين.
يضاف إلى ذلك مفهوم التحيز للحاضر السلوكي، وهو إعطاء الآباء وزناً أكبر لأعراض جانبية مؤكدة وقصيرة المدى مثل الحمى والتورم على حساب فائدة وقائية مستقبلية.
وتقول إحدى الأمهات: ‹يدخل الطفل المركز سليماً ويخرج يعاني من الحمى، ما يدفعنا للخوف›. ومع غياب التوجيه الطبي المسبق للتعامل مع الأعراض، تتحول ردود الفعل المؤقتة إلى سبب رئيس للتوقف عن إكمال الجرعات.

حلول استراتيجية
كان المعلم وهيب، الذي يعمل مدرس في قرية جبل اليزيدي بيافع، يُردد الشائعات ويُثبط أهالي القرية عقب إصابة ابنته بحمى شديدة إثر تطعيمها.
إلا أن الحوار المباشر مع متطوع صحي محلي أحدث الفارق، إذ أوضح له الفرق بين الأعراض الجانبية المؤقتة والأضرار الدائمة، مما دفعه إلى اتخاذ قرار بتطعيم طفله الأصغر.
وبعدما لاحظ تحسن صحة طفله وانقطاع الوعكات المتكررة عنه، تحول وهيب من موقف التشكيك إلى مناصر فعال للتحصين ومدافع عنه في مجتمعه.
ولضمان استدامة النجاحات يتطلب ذلك تطبيق استراتيجية متكاملة توازن بين دعم البنية التحتية والتدخل السلوكي، وتبدأ الاستراتيجية بإعادة صيانة قنوات الوصول عبر دعم العيادات المهددة بالإغلاق وتعزيز سلاسل الإمداد.
بالتوازي مع العمل ضمن أربع فرص استراتيجية رئيسة تسهم في ترسيخ الوعي الصحي وتوسيعه على نطاق أوسع في عدد من المناطق اليمنية.
وتتلخص الفرص في نقل نموذج التغيير السلوكي إلى مناطق تتشابه ثقافياً وبنيوياً مثل مديرية الشحر بحضرموت، وتوسيع قاعدة المؤثرين المجتمعيين لتمتد إلى المعلمين والوجهاء المحليين والكوادر الصحية، إلى جانب دمج أدوات التغيير السلوكي والتوعية المباشرة ضمن نظام التحصين الروتيني لوزارة الصحة، وتطبيق النهج السلوكي ذاته على الحملات التكميلية للوصول إلى زهاء مليون طفل محرومين من الخدمات الروتينية على مستوى اليمن.





