الثلاثاء, 30 يونيو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تراث

التراث الثقافي اليمني: معركة مفتوحة بمواجهة الحرب والإهمال

ريف اليمن 📅 يونيو 30, 2026

تواجه اليمن تحديات كبيرة في الحفاظ على تراثها الثقافي، في ظل عمليات نهب واسعة النطاق، ومواقع أثرية تفتقر إلى الحماية، ومجتمع أنهكته أكثر من عشر سنوات من الحرب.

ومع ذلك ما يزال وزير الثقافة اليمني المعين حديثًا في الحكومة اليمنية، مطيع أحمد قاسم دماج، متمسكًا بنظرة متفائلة، معتبرًا أن التفاؤل في حد ذاته أحد المكاسب المهمة في ظل الظروف الراهنة. وفق ما أفادت صحيفة الفنون الدولية «The Art Newspaper».

يقول دماج ‹عندما أقرأ الأخبار عن اليمن، أجد أنها تركز على الوضع السيئ، لكنها لا تعكس الواقع بالكامل، فلا تُظهر تراثنا ولا ثقافتنا، نحن بلد غني بالموسيقى والشعر والرواية والتاريخ والمواقع الأثرية›.

بضيف: ‹وعندما أتحدث عن استعادة مواردنا، فإنني لا أقصد المال فقط، بل أقصد أيضًا استعادة الرواية اليمنية. اليمن يمر بمرحلة حرجة للغاية، ونحن بحاجة إلى أن يسمع العالم صوتنا›.

وبالنسبة لدماج، كما هو الحال بالنسبة لعدد متزايد من اليمنيين، يمثل التراث الثقافي وسيلة لمواجهة الصورة النمطية السائدة عن اليمن بوصفه بلدًا غارقًا في الحرب أو ميؤوسًا من مستقبله.

ويشير إلى عدد من الفعاليات الثقافية التي أُقيمت مؤخرًا دون أن تحظى باهتمام خارجي يُذكر، من بينها قمة ثقافية في حضرموت، وأسبوع ثقافي في عدن، إضافة إلى مؤتمر للتراث عُقد في تعز تزامنًا مع اليوم العالمي للتراث في 18 أبريل/نيسان.

كما لفت إلى أن دار السينما التاريخية في عدن، التي يعود تاريخ إنشائها إلى ثلاثينيات القرن الماضي، تستعد لإعادة افتتاح أبوابها قريبًا، مؤكدًا أنه يعمل بشكل نشط على استقطاب استثمارات من القطاع الخاص لدعم المشاريع الثقافية.


مواضيع مقترحة


من جهتها، قالت سميرة عبدالمولى قائد القباطي، عالمة الآثار ومديرة التخطيط في الهيئة العامة للآثار ‹من الصعب أن نتوقع من شخص يكافح لتأمين لقمة عيشه أن يخصص وقتًا وجهدًا كبيرين لترميم وحماية المباني والمواقع التاريخية›.

وأضافت: ‹نحن نهتم بالتراث لأننا نؤمن بأن البقاء لا يتعلق بالطعام والشراب فقط، بل يشمل أيضًا الحفاظ على الروح والفكر والهوية التي تميزنا كيمنيين›.

متاحف آمنة

ومن بين أولويات دماج في المرحلة المقبلة العمل على إبرام اتفاقيات دولية مع الدول التي وصلت إليها قطع أثرية يمنية هُربت بطرق غير مشروعة. ويجري الوزير مفاوضات مع ألمانيا والولايات المتحدة وسويسرا وفرنسا، إلا أن هذه الاتفاقيات تتطلب أولًا إقناع الحكومة اليمنية بأهمية منح هذا الملف أولوية خاصة، نظرًا لأنها اتفاقيات تُبرم بين الحكومات.

كما يشير دماج إلى تحدٍ آخر يتمثل في ضرورة توفير متاحف آمنة وقادرة على استقبال القطع الأثرية المستعادة، وهو أمر يراه صعبًا في ظل محدودية الإمكانات، موضحًا أن ميزانية إدارة المتاحف في الوزارة تقل عن ألف دولار شهريًا. ويرى أن عودة الآثار المنهوبة إلى موطنها قد تستغرق وقتًا طويلًا رغم وجود النوايا الحسنة.

ومنذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2014، تعرضت البلاد لغارات جوية ومعارك ميدانية طالت مواقع مدنية وعسكرية على حد سواء، بينما أدى انتشار الفقر إلى زيادة عمليات التهريب والعبث بالمواقع التراثية غير المحروسة في مختلف أنحاء البلاد.

رجل وابنته يترجمان نصًا عربيًا جنوبيًا قديمًا (برنت إي. هوفمان)

ويقول المخرج السينمائي برنت إي. هوفمان -الذي ساهم في تنظيم مؤتمر التراث في تعز– ‹عملت في أماكن عديدة حول العالم، من بينها أفغانستان وباكستان والصين وعدد من الدول الأفريقية، لكن اليمن يمثل عاصفة مكتملة من التهديدات التي تواجه التراث الثقافي›.

يضيف: ‹العزلة، ونقص التمويل، وضعف الرقابة، وغياب الوعي الدولي، وتغير المناخ، والنهب، والحرب، كلها عوامل تجتمع في الوقت نفسه في مختلف المواقع التراثية›.

آثار الحرب على التراث الثقافي

وتحمل مدينة تعز آثار الحصار الذي استمر قرابة عقد من الزمن. فالحواجز الترابية والأنقاض تفصل فعليًا بين المناطق الخاضعة لسيطرة الأطراف المتصارعة، في مشهد يشبه إلى حد ما جدار برلين. وفق الصحيفة التي أشارت بأن حجم الأضرار التي لحقت بالمدينة كان كبيرًا.

وادت الغارات الجوية إلى إلحاق أضرار جسيمة بقلعة القاهرة التاريخية، الحصن الذي يعود إلى القرن الثاني عشر ويطل على مدينة تعز. وتشرف سميرة القباطي حاليًا على جهود إعادة ترميم القلعة.

كما احترقت محتويات المكتبة الوطنية، ودُمرت إحدى القباب التاريخية في المدينة القديمة، وهي ضريح الشيخ عبد الهادي السعدي الذي يعود إلى القرن السادس عشر. ولم تقتصر الأضرار على تعز، إذ لحقت خسائر بمدينة عدن وحضرموت، فيما تعرضت صنعاء القديمة، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لدمار واسع النطاق.

محافظة مأرب أيضاً الواقعة شرق صنعاء، كانت موطنًا لمملكة سبأ، القوة الإقليمية التي ازدهرت بين نحو 1000 قبل الميلاد و275 ميلادي، وما تزال حاضرة في المخيال الشعبي من خلال شخصية الملكة سبأ.

ورغم الأهمية التاريخية للموقع، فإن بقايا معابد المملكة ومستوطناتها وتحصيناتها لم تُنقب بالكامل حتى اليوم، كما أن المواقع المكتشفة محاطة بأسوار شبكية متضررة تسمح بعمليات النهب والتخريب، إضافة إلى تعرضها للعوامل البيئية والنزاعات المسلحة.


ورغم تراجع حدة القتال منذ ابريل 2022، إلا إن غارات جوية إسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2025 في صنعاء تسببت في أضرار بالمتحف الوطني في صنعاء، ومواقع أخرى وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى.

ومن بين المواقع المتضررة حي صلاح الدين ومسجده التاريخي الذي يعود إلى القرن السابع الميلادي، ويشتهر بمئذنته المزخرفة التي تعود إلى العهد العثماني. كما تعرض الجانب الشرقي من المسجد لأضرار كبيرة خلّفت نقاط ضعف تهدد سلامة المبنى بالكامل إذا لم تُعالج بسرعة.

هذه الأضرار لم تحظَ بتغطية تُذكر في وسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية، بسبب تراجع الاهتمام الدولي بالحرب في اليمن وصعوبة تدفق المعلومات من الداخل.

وتقول أخصائية التراث الثقافي نهى عون ‹الغارات الجوية تمزق النسيج التاريخي لصنعاء، والهزات تهدد مآذنها القديمة. لكننا نقف أيضًا أمام جدار من الصمت والعجز. فمعاناة اليمنيين لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل في صعوبة إيصال الحقيقة والواقع اليمني إلى العالم›.

تعز، العاصمة الثقافية لليمن وموطن قلعة القاهرة (برنت إي. هوفمان)

كانت نهى عون المشاركة الوحيدة من شمال اليمن في مؤتمر التراث الذي عُقد في تعز خلال أبريل/نيسان الماضي الذي استمر يومين، كل من منظمة “التراث من أجل السلام” ومقرها مدريد، والهيئة العامة للآثار والمتاحف اليمنية، بهدف جمع المختصين الميدانيين وتبادل الخبرات حول سبل حماية التراث اليمني.

وكان عددًا كبيرًا من المشاركين في المؤتمر كانوا من النساء، في تحول لافت مقارنة بالماضي، حين كانت أدوار النساء في اليمن تقتصر غالبًا على الوظائف المكتبية. لكن برامج اليونسكو التي انطلقت في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين وسعت مشاركة النساء في العمل الميداني.

وتعمل نهى عون، وهي مهندسة بالأساس، على ترميم منشآت يمنية قديمة مثل “المرنعة”، وهي وسيلة قديمة لاستخراج المياه كانت موجودة في معظم الأحياء اليمنية. ويتكون هذا البناء من منحدر مرتفع وبئر مجاور، ويُربط حبل بحيوان -غالبًا جمل أو بقرة- وعندما ينزل الحيوان المنحدر يُسحب الماء من أعماق الأرض، ثم يتجمع في حوض يستخدمه السكان.

وتقول عون:‹المرنعة من المعالم التاريخية التي تميز اليمن، إلى جانب منازله ومبانيه. إنها معلم أثري كان له دور وظيفي مهم في الماضي، وهو جزء من هويتنا وذاكرتنا الجماعية›.

ويقول المخرج برنت هوفمان، الذي يركز فيلمه الجديد على دور المرأة اليمنية في حماية التراث ‹نظرًا لقلة الدعم المتاح، أصبحت النساء وسيلة أساسية لنقل المعرفة إلى الجيل القادم. وفي اليمن، كما في أماكن كثيرة، غالبًا ما تكون النساء هن من يبقين هذه التقاليد حية›.

تغير المناخ يضاعف الخطر

ولا تقتصر التهديدات على الحرب والنهب، إذ يواجه التراث اليمني تحديات متزايدة بسبب تغير المناخ. فالتصحر أدى إلى زيادة قوة الرياح وتسارع تآكل النقوش والمباني التاريخية، بينما تسببت الأمطار الغزيرة والسيول في تآكل المباني المشيدة بالطين والطوب التقليدي.

عرش بلقيس في مأرب

وبحسب نهى عون ‹الفيضانات تدمر البنية التحتية للمواقع التراثية والمنازل الطينية، وغالبًا ما يتولى ترميمها أشخاص يفتقرون إلى الخبرة والمعرفة الكافية، ويستخدمون مواد حديثة مثل الإسمنت قد تزيد الوضع سوءًا›.

ويمثل ضعف التعليم والتدريب بين السكان المحليين تحديًا إضافيًا، في وقت تراجعت فيه برامج بناء القدرات التي كانت تنفذها منظمات دولية خلال السنوات الماضية، كما تواجه منظمة اليونسكو تحديات كبيرة في اليمن، بعدما احتجز الحوثيون عشرة من موظفي الأمم المتحدة وهو ما جعل عمليات الأمم المتحدة هناك ‹غير قابلة للاستمرار› بحسب المنظمة.

ويخوض العاملين في مجال التراث في اليمن يخوضون سباقًا مع الزمن، ليس فقط لحماية المواقع الأثرية من التدهور، بل أيضًا للحفاظ على الكوادر البشرية القادرة على ترميمها ونقل خبراتها إلى الأجيال القادمة.

وتقول سميرة القباطي ‹في اليمن، هناك أشخاص يمتلكون خبرة عملية كبيرة لكنهم لم يحصلوا على تعليم كافٍ. وهناك عمال في مجال الترميم يقومون بأعمال قريبة من عمل المهندس، لكن بعضهم بالكاد يجيد القراءة والكتابة›.

وتضيف ‹بسبب الوضع الحالي في البلاد، وتدهور مستوى المعيشة وارتفاع معدلات الفقر، يسعى معظم الشباب إما إلى الهجرة لتحسين دخلهم، أو إلى مواصلة الدراسة بحثًا عن وظيفة ذات راتب أفضل›.

ريف اليمن