الثلاثاء, 14 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
حوار

بليغ الطويل: ارتفعت حالات السرطان في إب 50% ونحتاج تدخل منقذ

📅 يوليو 13, 2026

كشف مدير فرع مؤسسة مكافحة السرطان في إب الدكتور بليغ الطويل عن تزايد ملحوظ في أعداد المصابين بالأورام السرطانية خلال السنوات الماضية وقال إن الحالات في الريف قفزت بنسبة تقدر بنحو 40% إلى 50% مقارنة بالفترة التي سبقت عام 2015.

تواجه محافظة إب وسط اليمن، ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات الإصابة بمرض السرطان، حيث بلغت الحالات المسجلة لدى المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان 7,780 حالة حتى يناير من العام الجاري 2026، بمعدل تسجيل يومي يتراوح بين 70 و80 حالة.

وفي مقابلة خاصة مع منصة «ريف اليمن» حذر الدكتور الطويل، من استمرا تفشي الأورام السرطانية بين سكان المحافظة. وقال: ‹إذا لم تشهد المؤشرات الحالية تدخلاً جاداً ومنقذاً، ستتصاعد حالات الإصابة الوفيات لا سيما بين فئتي الشباب والأطفال›.


مواضيع مقترحة


وقال: “هناك ظهور لأنواع جديدة من الأورام المرتبطة بالتلوث البيئي، وهو ما يشكل ضغطاً حاداً يفوق القدرة الاستيعابية والتشغيلية لمركز العلاج الوحيد في المحافظة”، في إشارة إلى المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان.

وعن معاناة مرضى السرطان من سكان الريف، قال الطويل، إن التنقل والإيواء والوصمة المجتمعية قد تؤخر الشفاء. ودعا لإطلاق برامج نقل مجانية تربط الريف بالمركز، والتوسع في وحدات الإيواء، وتقديم مساعدات مالية طارئة.

وعن ارتفاع حالات الإصابة، أشار إلى زيادة التلوث في الآبار والمياه الجوفية، بالإضافة إلى أن هناك كارثة بيئة وصحية في “الاستخدام العشوائي والمفرط للمبيدات والسموم الزراعية المحظورة دولياً”، وأشار أيضاً إلى خطورة ري المزارع بمياه الصرف الصحي.

بليغ الطويل: ارتفعت حالات السرطان في إب 50% ونحتاج تدخل منقذ
مقتطفات من مقابلة بليغ الطويل مدير فرع مؤسسة السرطان في إب (ريف اليمن)

 

نص الحوار:

  • في البداية، كيف تلخصون واقع الدور العلاجي للمؤسسة، وتحديداً ما تقدمه للمرضى القادمين من الريف والمدينة؟

تأسست المؤسسة كمنظمة خيرية عام 2003 في صنعاء، وافتتح فرعها في إب عام 2005 كوحدة لعلاج الأورام. وتوسع الفرع عام 2013 بإنشاء مركز الحياة لمكافحة سرطان الثدي، ثم افتتحت المؤسسة في الأول من يناير 2024 “مركز الأمل لعلاج الأورام” في مديرية الظهار، لينتقل إليه العمل كلياً من مستشفى الثورة.

وحالياً، يدير الفرع ثلاثة قطاعات رئيسية مركز الأمل، ومركز الحياة، وإدارة الفرع. وتقدم المراكز خدماتها العلاجية والتشخيصية مجاناً، كالمعاينة والاستشارات الطبية عبر كادر مؤهل يستقبل من 70 إلى 80 حالة يومياً.

كما يوفر المختبر الداخلي الفحوصات مجاناً لنفس العدد يومياً، بالإضافة إلى خدمة تحضير وإعطاء العلاج الكيماوي مجاناً، بطاقة استيعابية تبلغ حالياً 45 سريراً للرقود. وتوفر المؤسسة الأدوية الكيماوية والموجهة مجاناً، في حين يتم تأمين الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي عبر مراكز خارجية بنسبة مساهمة لا تقل عن 50%.

أما بالنسبة لمرضى الريف، فنحن ندرك تحديات بعد المسافة وتكاليف المواصلات؛ لذا نسعى لتخفيف الأعباء بتوفير وحدات إيواء مجانية في مركز الأمل للحالات التي تتطلب البقاء، مع تقديم وجبات الطعام للمريض ومرافقه.

  • كيف تقيمون الوضع الصحي الحالي المرتبط بمرض السرطان في المحافظة؟ وما أبرز التحديات التي تواجهكم؟

الوضع معقد ومقلق للغاية ويستدعي تدخلاً عاجلاً لعدة أسباب وتحديات جوهرية أبرزها التشخيص المتأخر، حيث تصلنا معظم الحالات في المرحلتين الثالثة أو الرابعة، مما يقلص خيارات الشفاء ويرفع معدلات الوفيات.

ونعاني من نقص البنية التحتية؛ إذ تفتقر المحافظة تماماً لخدمات العلاج الإشعاعي أو الجراحي للأورام وهي محصورة في صنعاء، ويفتقر المركز لأجهزة الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي وفحص دلائل الأورام وبنك الدم، مما يضطرنا للشراء من مراكز خارجية ويستنزف السيولة المالية.

بليغ الطويل: تفتقر محافظة إب تماماً لخدمات العلاج الإشعاعي أو الجراحي للأورام وهي محصورة في صنعاء ونواجه عجزاً في الكوادر والتمويل

ونواجه عجزاً في الكوادر والتمويل حيث هناك نقصاً حاداً في أطباء الأورام، والأشعة، والباثولوجيا، كما أن اعتمادنا الكلي على التبرعات الموسمية يجعل وضعنا المالي غير مستقر ويؤثر على استدامة الخدمة.

واقع حالات الإصابة بالسرطان في محافظة إب وسط اليمن (ريف اليمن)
  • ما هي أكثر أنواع السرطان انتشاراً في إب؟ وما هي الفئات العمرية والجغرافية الأكثر عرضة للإصابة؟

بناءً على إحصائيات عامي 2024 و2025، يتصدر سرطان الثدي القائمة بنسبة 25% إلى 30% غالبية إصاباته بين النساء ويشخص 60% منها متأخراً.

يأتي ثانياً سرطان الدم اللوكيميا بنسبة 15% إلى 20% ويداهم الأطفال والبالغين. وتتوزع بقية النسب على أورام الجهاز الهضمي بنسبة 10% إلى 15%، وسرطان الغدة الدرقية بنسبة 10% إلى 12%، وسرطان الرئة بنسبة 8% إلى 10%، وأورام الأطفال الأخرى بنسبة 5% إلى 8%.

ديموغرافياً، الفئة الأكثر إصابة هي البالغين من 40 إلى 65 سنة بنسبة 60%. يليهم كبار السن بنسبة 20%، ثم الأطفال والمراهقين بنسبة 15% إلى 20% (تتركز في اللوكيميا والدماغ).

جغرافياً، نستقبل حالات من كل المديريات، لكن المديريات الريفية الأعلى تدفقاً وتسجيلاً هي: ذي السفال، والعدين، وبعدان، والسدة، وجبلة، ويعود ذلك لكثافتها السكانية العالية. في حين يفضل سكان الرضمة و يريم التوجه إلى صنعاء لقربهم الجغرافي منها.

  • تشهد المحافظة تزايداً مخيفاً في الإصابات، ما التفسير العلمي والبيئي وراء هذا التفشي، خاصة في المناطق الريفية؟

حالات الإصابة بالسرطان ارتفعت بنسبة 40% إلى 50% مقارنة بما قبل عام 2015، نتيجة تراكم عوامل بيئية وسلوكية خطيرة في الريف، من أبرزها تلوث المياه والمبيدات، إذ تعرضت المياه الجوفية والآبار في الريف للتلوث بمخلفات الصرف الصحي والزراعي.

كما يقوم المزارعون بالاستخدام العشوائي والمفرط للمبيدات والسموم الزراعية المحظورة دولياً، مما يؤدي لتراكم السموم في الجسم وري المحاصيل التي تؤكل بدون إنضاج بهذه المواد.

وهناك أيضاً عوامل سلوكية وغذائية مثل الانتشار الواسع لمضغ القات المرشوش بالكيماويات لساعات طويلة، وتعاطي الشمة والتدخين بين الشباب، والاعتماد على الأغذية المصنعة المليئة بالمواد الحافظة.

كما أن تلوث الهواء وغياب الإدارة البيئية، مثل حرق النفايات البلاستيكية في الهواء الطلق بالريف يطلق غازات عالية السرطنة، بجانب عوادم السيارات المتهالكة وغبار المحاجر.

بليغ الطويل: ارتفاع حالات السرطان في الريف نتيجة تراكم عوامل بيئية وسلوكية خطيرة أبرزها تلوث المياه الجوفية والآبار بمخلفات الصرف الصحي والزراعي والاستخدام الكارثي للمبيدات

بالإضافة إلى تداعيات الحرب والاقتصاد، والتي تسبب الضغوط النفسية المزمنة؛ ضعف جهاز المناعة وفق الدراسات العلمية، يضاف إليها الفقر المدقع الذي يؤخر قدرة المواطن على الانتقال والتشخيص المبكر. ونقدّر أن الرقم الفعلي على أرض الواقع أعلى بـ 50% بسبب وجود حالات في مناطق نائية بعيدة.

أنواع السرطان الأكثر انتشاراً في إب وبيانات أخرى (ريف اليمن)
  • ما حجم المعاناة التي تواجه مرضى الريف والأطفال والنساء تحديداً جراء هذا الوضع؟ وهل هناك من يتوقف عن العلاج؟

المعاناة هنا مركبة، إذ إن تكاليف المواصلات وحدها من المديريات البعيدة تلتهم نصف دخل الأسر (10 آلاف إلى 25 ألف ريال)، مما يضطرهم لبيع ممتلكاتهم أو الاستدانة والوقوع في فخ الفقر المدقع، وللأسف نتلقى حالات مؤلمة لمرضى يتوقفون تماماً عن العلاج لعجزهم المالي.

بالحديث عن النساء فإن المعاناة مضاعفة لوجود عوائق ثقافية، فالنظرة السلبية لبعض المجتمعات الريفية لسرطانات الثدي أو الجهاز التناسلي تدفع النساء لإخفاء المرض خوفاً من الوصمة حتى تضيع فرصة الشفاء، فضلاً عن قيود السفر التي تشترط وجود محرم مما يعطل رب الأسرة عن عمله.

أما بالنسبة للأطفال فإن حالاتهم هي الأكثر إيلاماً، فأجسامهم ضعيفة أمام الآثار الجانبية للكيماوي، وانعزالهم عن الدراسة يسبب لهم قلقاً حاداً، ولتخفيف ذلك جهزنا قسماً للدعم النفسي والأنشطة الترفيهية بمركز الأمل.

  • كيف يمكن مساعدة المرضى؟ وما الدور المأمول من المجتمع والسلطات؟

لإنقاذ المرضى وضمان عدم انقطاعهم، يجب العمل على ثلاثة مسارات: أولا المجتمع المحلي والذي يتمثل بنشر وعي الكشف المبكر لكسر الوصمة، ودعم المبادرات الخيرية لتبني الأسر الأشد فقراً، وتطوع الشباب للمساندة النفسية.

ثانياً السلطات والمنظمات من خلال إطلاق برامج نقل مجانية تربط الريف بالمركز، والتوسع في وحدات الإيواء، وتقديم مساعدات مالية طارئة. بجانب دور السلطات في تسهيل الشراكات الإدارية لرفد المركز بالأجهزة الحيوية وتأمين تمويل مستدام للخروج من عباءة التبرعات الموسمية.

  • ما هي رسالتكم التوعوية للمواطنين، وكلمتكم الصارمة للمزارعين؟

رسالتنا للمجتمع هي أن السرطان ليس حكماً بالإعدام، والوقاية تبدأ بالإقلاع عن السلوكيات غير الصحية، التدخين، والشمة، والقات المرشوش، والاعتماد على غذاء صحي.

وأوكد هنا على أهمية الكشف المبكر والذي يرفع نسب الشفاء لمستويات قياسية ويخفض كلفة العلاج؛ لذا ننصح النساء بالفحص الذاتي شهرياً والماموجرام ‹فحص بالأشعة السينية منخفضة الجرعة يستخدم لتصوير أنسجة الثدي› بعد الأربعين، والرجال بفحص البروستاتا بعد الخمسين.

أما رسالتنا الصارمة للمزارعين فهي أن ري المحاصيل بمياه الصرف الصحي واستخدام المبيدات المحظورة هو ضخ مباشر للسموم في أجساد أبنائكم وإخوانكم، وتحولوا فوراً لمصادر مياه آمنة واستشيروا المرشدين الزراعيين، كفانا استنزافاً للأرواح، فالصحة إن دمرت لن يتبقى لنا مجتمع يستهلك ما تزرعوه.