الأربعاء, 10 يونيو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في شؤون المجتمع الريفي في اليمن.
مجتمع

أطفال أكبر من أعمارهم.. كيف تسرق الأزمات الطفولة؟

📅 يونيو 10, 2026

في كثير من القرى اليمنية، لا تشبه الطفولة دائما صورتها التقليدية المرتبطة باللعب والمدرسة والبراءة، ولا يُقاس عمر الطفل بعدد السنوات التي عاشها، بل بحجم المسؤوليات التي يحملها، فبين الزراعة والرعي وأماكن العمل، يكبر بعض الأطفال قبل أوانهم، حتى تبدو ملامح الطفولة أقل حضورًا في تفاصيل حياتهم اليومية.

خلال الأشهر الماضية، أعادت الطفلة مرام الخطيب فتح النقاش حول هذه الظاهرة، بعد انتشار مقاطع مصورة لها أثارت موجة من التعليقات الساخرة والمستغربة على مواقع التواصل، لكن ما بدا للبعض مادة للتندر، يراه مختصون انعكاسا لواقع يعيشه كثير من أطفال الأرياف الذين دفعتهم الظروف المعيشية القاسية إلى تبني سلوكيات وأدوار تتجاوز أعمارهم.

مثل مرام يعيش حسام ناجي، البالغ من العمر 12 عامًا، حياة تختلف كثيرًا عن حياة أقرانه في إحدى قرى مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، فمنذ سنواته الأولى اعتاد مرافقة والده في أعمال الزراعة ورعي الأغنام، متنقلا بين الحقول ومتطلبات الحياة الريفية الشاقة.

مع مرور الوقت، بدأت شخصية حسام تتشكل بصورة مختلفة؛ يتحدث بطريقة أقرب للكبار، ويجلس في مجالسهم، ويتبنى مفاهيم مرتبطة بالمسؤولية والرجولة أكثر من ارتباطها بعالم الأطفال.


مواضيع مقترحة


لا يرى حسام في ذلك أمرًا غريبًا، بل يعتبر نفسه شخصًا سبق عمره الطبيعي، غير أن هذه الصورة التي بناها عن ذاته جعلته عرضة للسخرية والتندر من بعض أقرانه والمحيطين به، خاصة مع تكراره لعبارات وممارسات يعتبرها كثيرون غير مألوفة لطفل في سنه.

ويقول والده لـ “ريف اليمن” إن حسام سريع الغضب والتأثر بتعليقات الناس، وغالبا ما يخلق صراعات في المنزل، وقد غادر المنزل أكثر من مرة نتيجة شعوره الدائم بعدم التقبل، ويضيف أن ابنه يعاني أيضًا من ضعف في التحصيل الدراسي، إلى جانب مشكلة صحية أثرت على صوته ومنحته نبرة خشنة مبكرة.

ومع اختلاطه المستمر بالكبار وتحمله لأعمال تفوق عمره، بدأ حسام يشعر بانتماء أكبر لعالم الرجال مقارنة بعالم الأطفال، رغم إنه يلاقي التندر والسخرية ذاتها من عالم الكبار، لكنه أصبح يراهم أقرب له من الاطفال الأخرين، في صورة تتكرر بدرجات مختلفة لدى كثير من أطفال الأرياف اليمنية.

فقر وحرب

لا تبدو قصة حسام ومرام حالة فردية، بل جزءا من واقع أوسع فرضته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية في اليمن، ففي ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، وجد آلاف الأطفال أنفسهم مضطرين إلى تحمل مسؤوليات أسرية ومهنية مبكرة، أو الانقطاع عن التعليم والانخراط في سوق العمل لمساعدة أسرهم على البقاء.

وبحسب تقارير أممية حديثة صادرة خلال عام 2024 فإن طفلًا واحدًا من كل أربعة أطفال في سن الدراسة باليمن أصبح خارج المدرسة، بينما تشير التقارير إلى أن الأطفال المنقطعين عن التعليم يكونون أكثر عرضة للعمل المبكر والضغوط النفسية وتحمل مسؤوليات تتجاوز أعمارهم.

كما تشير التقارير أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة والنزوح المستمر في المناطق الريفية دفعت كثيرًا من الأطفال إلى الانخراط في أعمال شاقة أو أدوار أسرية مبكرة، ما ينعكس تدريجيًا على شخصياتهم وطريقة حديثهم ونظرتهم لأنفسهم وللعالم من حولهم.

العزعزي: في البيئات القاسية يتحول الطفل تدريجيًا من متلقٍ للرعاية إلى شخص يتحمل أدوارًا ومسؤوليات تفوق عمره الطبيعي نتيجة الفقر والتفكك الأسري

أما مجاهد حميد، القادم من محافظة ريمة، فقد وجد نفسه في مواجهة واقع مختلف عندما غادر قريته في سن الرابعة عشرة متجهًا إلى صنعاء بحثًا عن فرصة عمل تساعد أسرته، استقر مجاهد في أحد البوفيات المزدحمة، حيث عمل لساعات طويلة وسط عمال أكبر منه سنًا، في بيئة يغلب عليها تعاطي القات والتدخين والسهر.

ومنذ أيامه الأولى، لم يُنظر إليه كطفل، بل كعامل صغير مطالب بإثبات قدرته على مجاراة الكبار والتكيف مع نمط حياتهم، ويقول لـ “ريف اليمن” تعرضت لسخرية متكررة بسبب صغر سني وشكلي، ما وضعني تحت ضغط دائم لإثبات ذاتي”.

ومع مرور الوقت، بدأ يندمج مع البيئة المحيطة به، فشارك في جلسات القات وبدأ التدخين، ليس اقتناعًا بقدر ما كان محاولة لتجنب العزلة والشعور بالنقص أمام الآخرين، لكن هذا التكيف كانت له كلفته النفسية؛ إذ أصبح أكثر توترًا وانفعالًا، وتراجعت علاقته بالتعليم تدريجيًا، حتى انخرط بشكل كامل في العمل، ليجد نفسه مبكرًا في عالم الكبار بكل ما يحمله من مسؤوليات وضغوط.

النضوج القسري

ترى الأخصائية النفسية الدكتورة شيماء العزعزي أن هذه السلوكيات يمكن تفسيرها بما يُعرف في علم النفس بـ”التقمص المبكر لأدوار الكبار” أو “النضوج القسري المبكر”.

وتوضح العزعزي لـ”ريف اليمن” أن الطفل في البيئات القاسية يتحول تدريجيًا من متلقٍ للرعاية إلى شخص يتحمل أدوارًا ومسؤوليات تفوق عمره الطبيعي، نتيجة الفقر والتفكك الأسري والضغوط الاقتصادية والحاجة إلى العمل المبكر.

وتضيف أن الطفل الذي يعيش وسط القلق والمسؤوليات اليومية يتعلم مبكرًا أن الطفولة لم تعد أولوية في حياته، فيتخلى تدريجيًا عن اللعب وعن كثير من السلوكيات المرتبطة بعمره، ويتجه نحو التصرف بطريقة أقرب للكبار.

أطفال يبيعون خبز يتم إعداده منزليًا على المارة والمسافرين غربي تعز (ريف اليمن)

وبحسب العزعزي، فإن بعض الأطفال يطورون ما يُعرف بـ“النضج الدفاعي”، حيث يبدون أكثر صرامة وهدوءًا من أقرانهم بعد أن يتعلموا أن التعبير عن الضعف أو الحاجة للعب قد يُقابل بالسخرية أو التقليل من شأنهم.

ولكنها تعقب أن اللعب ليس ترفًا، بل حاجة نفسية أساسية لبناء التوازن العاطفي والاجتماعي لدى الطفل، مشيرة إلى أن الطفل الذي يتحمل أعباء الحياة مبكرًا “قد ينمو وظيفيًا، لكنه يتضرر عاطفيًا”، إلا أنها تؤكد أن هذا النضوج الظاهري لا يعني نموًا صحيًا متكاملًا، موضحة أن الطفل قد ينمو وظيفيًا ويتحمل المسؤولية، لكنه يتضرر عاطفيًا ونفسيًا على المدى البعيد.

كما تشير إلى أن بعض البيئات الريفية اليمنية تحتوي على عوامل ثقافية تعزز هذا النمط من التنشئة، إذ يُنظر في بعض المجتمعات إلى الطفل العامل أو “الجاد” باعتباره أكثر رجولة ونضجًا، بينما يُوصم الطفل المنشغل باللعب أحيانًا بالكسل أو عدم تحمل المسؤولية.

في ظل تداخل عالم الكبار والصغار داخل المجتمعات الريفية، يصبح الأطفال أكثر عرضة لاكتساب سلوكيات الكبار وأفكارهم في سن مبكرة، إذ يجلس الأطفال في مجالس الرجال، ويستمعون لأحاديث السياسة والعمل والأسواق، ويرافقون آباءهم في المزارع والتنقلات اليومية، ما يجعلهم أكثر عرضة لاكتساب سلوكيات الكبار بصورة مبكرة تنافي لواقع سنهم وطفولتهم وتسبب لهم مشاكل مستقبلية.

تنمر وسخرية

لكن النضوج المبكر لا يكون وحده المشكلة، فطريقة تعامل المجتمع مع هؤلاء الأطفال تضاعف من معاناتهم النفسية، ويقول الناشط الصحفي والباحث أنور يحيى إن كثيرين يتعاملون مع التنمر والسخرية في الأرياف واليمن كامل باعتبارهما “مزاحًا عابرًا”، بينما قد يتحول الأمر في الحقيقة إلى بداية انهيار نفسي طويل، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين.

ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن الطفل الذي يتعرض يوميًا للإهانة بسبب شكله أو صوته أو فقره يبدأ تدريجيًا بفقدان احترامه لنفسه، ويشعر بأنه أقل من الآخرين وغير مقبول اجتماعيًا، وهو ما ينعكس لاحقًا على سلوكه وتصرفاته.

أنور يحيى: التنمر قد يكون نقطة تحول خطيرة تغيّر شخصية الإنسان خصوصًا في البيئات التي تفتقر إلى الاحتواء والدعم النفسي والاجتماعي.

وبحسب أنور، فإن بعض الأطفال قد يتحولون مع الوقت إلى أشخاص عدوانيين أو منطوين أو مهملين لأنفسهم، بينما يلجأ آخرون إلى سلوكيات مؤذية مثل التدخين أو تعاطي القات للهروب من الضغوط النفسية ومحاولة إثبات الذات، محذرا أن أخطر ما في الأمر هو أن الإنسان عندما يُدفع طويلًا إلى الشعور بأنه بلا قيمة، قد يصل إلى مرحلة يفقد فيها الاهتمام بالعواقب أو بنظرته لنفسه.

ويؤكد أن السخرية من الأطفال والمراهقين سواء في مواقع التواصل الاجتماعي كما هو الحال من تحويل شخصية مرام الخطيب إلى سخرية وتندر، أو في الواقع ليست تصرفًا بريئًا كما يظن البعض، بل قد تكون نقطة تحول خطيرة تغيّر شخصية الإنسان بالكامل، خصوصًا في البيئات التي تفتقر إلى الاحتواء والدعم النفسي والاجتماعي.

ورغم أن بعض الأطفال يكتسبون مهارات عملية مبكرة وقدرة على تحمل المسؤولية، فإن العزعزي ترى أن الكلفة النفسية لهذه التجارب تبقى مرتفعة، إذ قد يعاني هؤلاء الأطفال لاحقًا من القلق المزمن وفقدان الطفولة وصعوبة التعبير العاطفي والانقطاع عن التعليم والإرهاق النفسي.

ومع استمرار الأزمات الاقتصادية والحرب في اليمن، تبدو هذه الظاهرة مرشحة للاتساع أكثر، في ظل بيئة أصبحت فيها قيمة الطفل مرتبطة أحيانًا بقدرته على العمل والإنتاج لا بحقه في أن يعيش طفولته بصورة طبيعية، منوهة أن المشكلة الحقيقية قد لا تكون في طفل يتحدث كالكبار أو يتصرف مثلهم، بل في واقع أجبره على ذلك مبكرًا، ثم تركه يواجه السخرية وحده.