يتنفس سكان القرى الريفية في محافظة إب الصعداء وهم يشاهدون أحياءهم السكنية نظيفة، بعد أن ساهمت سيارات النفايات في تخفيف معاناتهم المستمرة منذ سنوات طويلة، حيث استبشر الأهالي والمزارعون، كونهم الأكثر تضرراً من النفايات التي كانت تجرفها سيول الأمطار إلى مزارعهم.
ما إن يسمع «محمد عبده» (46 عاماً) النداء عبر مكبر الصوت لشاحنة نقل القمامة، حتى يسارع لإخراج النفايات من منزله إلى الطريق الرئيسي في قريته بمديرية السياني جنوبي المحافظة.
يقول محمد بابتسامة يملؤها الارتياح: “نحن في قرية محطب ذات الكثافة السكانية، بدأنا أخيراً نتنفس الصعداء بنقل النفايات بعيداً عن منازلنا، كانت تلك المخلفات تمثل تهديداً حقيقياً بتفشي الأمراض والأوبئة، بعد أن تحولت مجاري السيول والأودية إلى مستنقعات ملوثة”.
مواضيع مقترحة
- النفايات الطبية في اليمن.. أزمة صحية وبيئية تبحث عن حلول
- تراكم النفايات.. كارثة بيئية وصحية تهدد سكان الأرياف
- مياه الصرف الصحي والنفايات.. قاتل يتفشى بالأرياف
قلاب القمامة
كانت منصة «ريف اليمن» قد سلطت الضوء، عبر سلسلة تقارير ميدانية، على أزمة تراكم النفايات والمخلفات البلاستيكية في القرى اليمنية، خصوصاً في ريف محافظة إب الذي أكد سكانها بأنهم يواجهون صعوبات جمة وتحديات بيئية معقدة في إيجاد سبل آمنة ومستقرة للتخلص من النفايات المتزايدة؛ وهو ما يجعل وصول شاحنات القمامة خطوة محورية لإنقاذ الأهالي من كارثة بيئية.
تتم عملية نقل النفايات بتعاون الأهالي والسلطات المحلية، حيث تكفلت الجهات المختصة بتوفير مركبات نقل النفايات المخصصة لجمع القمامة والمخلفات البلاستيكية ونقلها من القرى إلى المكبات المخصصة في محافظة إب، والتي تقع في مناطق نائية بعيدة عن الأحياء السكنية والمساحات الزراعية.
تصل ناقلات القمامة إلى القرى الريفية ذات الكثافة السكانية العالية بشكل أسبوعي، ومن بينها قرية “محطب” في ريف السياني، حيث اعتاد السكان تجميع نفاياتهم ووضعها في الطريق الرئيسي كل يوم خميس استعداداً لوصول الناقلة.
يساهم الأهالي بمبلغ رمزي يبلغ 500 ريال يمني كل شهرين، وهو مبلغ زهيد مقارنة بالخدمة التي يقدمها عمال النظافة. ورغم ضآلة المبلغ، إلا أن تقاعس البعض عن السداد يشكل عائقاً أمام استمرارية الخدمة، كونها تتطلب تكاليف تشغيلية وتغطية أجور العمال القائمين على جمع وتحميل القمامة.
يوضح “محمد عبده” لـ “ريف اليمن” الآلية المتبعة قائلاً: “جرى تكليف مجموعة من الأشخاص من أبناء القرية لجمع المساهمات المالية، من خلال تخصيص مسؤول عن كل حارة، لضمان سداد الـ 500 ريال بانتظام، مما يضمن استمرار مجيء القلاب أسبوعياً لنقل المخلفات”.

يضيف محمد: “500 ريال كل شهرين على ملاك المنازل هو مبلغ بسيط جداً مقابل الخدمة الكبيرة التي نتلقاها فبعد ثلاثة أسابيع فقط، لمسنا الأثر على أرض الواقع؛ إذ تبدو أزقة الأحياء السكنية نظيفة على غير عادتها، وهذه الخطوة الإيجابية أجبرت السكان تلقائياً على الالتزام بالنظافة والحفاظ على المظهر الحضاري”.
تحديات بيئية وصحية
يُبدي سكان المناطق الريفية في محافظة إب قلقاً متزايداً جراء تراكم النفايات في الأودية الزراعية ومحيط التجمعات السكنية، في ظل تحديات جسيمة تواجههم للتخلص منها بطرق آمنة. ومع غياب البدائل والحلول المؤسسية، يضطر الأهالي إلى اعتماد وسائل بدائية، كإلقاء المخلفات في مجاري السيول؛ مما يؤدي إلى تداعيات بيئية وصحية خطيرة تهدد سلامة المجتمع المحلي.
وتشير الدراسات البحثية إلى أن التلوث البلاستيكي بات يهدد الأمن الغذائي العالمي؛ حيث يُفقد ما بين 4% و14% من إنتاج المحاصيل الأساسية كالقمح والأرز والذرة سنوياً بسبب “الجزيئات البلاستيكية الدقيقة”. وفي السياق ذاته، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن هذا التلوث يتسبب في تدهور البيئة وتلوث التربة على المدى الطويل؛ مما يضع عراقيل كبرى أمام تحقيق الزراعة المستدامة.
ولا تقتصر المخاطر على التربة فحسب، بل تمتد لتشمل الموارد المائية؛ إذ يؤدي تراكم النفايات العضوية بالقرب من الآبار والعيون والسواقي إلى تلوث المياه الجوفية بالبكتيريا القولونية والمواد الكيميائية الضارة.

كما أن ظاهرة الحرق المكشوف – وهي سلوك شائع في الأرياف – تساهم في إطلاق غازات سامة مثل أكاسيد الكربون والديوكسينات والفورانات، وهي مركبات مسرطنة تتسبب في أمراض تنفسية حادة ومزمنة، مما يفاقم من الأزمة الصحية في المنطقة.
معضلة متعاقبة
مواقع جمع النفايات الرسمية تمثل معضلة حقيقية حتى قبل الصراع القائم منذ أكثر من عقد؛ إذ لا يتجاوز عدد المكبات الرسمية في البلاد 21 مكباً، ستة منها فقط تخضع للإشراف الفني، بينما تظل بقية المكبات مفتوحة وعشوائية. وفي ظل غياب عمليات الطمر الصحي لمعظم هذه النفايات، تفاقمت التهديدات البيئية والصحية بشكل خطير.
ووفقاً لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، فإن حوالي 65% من النفايات في اليمن هي مخلفات عضوية، بينما يتكون الباقي من: 10% بلاستيك، 7% ورق، 6% معادن، 1% زجاج، و11% مواد أخرى.
وتشير التقارير إلى أن النفايات البلاستيكية وحدها تشغل حيزاً كبيراً من إجمالي المخلفات، في حين كشف تحليل لـ (DW عربية) – استناداً إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء – عن ارتفاع مقلق في حجم النفايات؛ حيث قفزت من 3.7 مليون طن في عام 2011 إلى نحو 4.4 مليون طن في عام 2017.
تصف السيدة “زينب حسن ( 37عاماً)” مشكلة تراكم النفايات والمخلفات البلاستيكية بريف إب قائلة لـ “ريف اليمن” بأنها عبء مضاعف يثقل كاهل النساء إذ تزداد المعاناة تحديداً لدى الأمهات اللاتي لديهن أطفال رضع؛ حيث يواجهن صعوبة بالغة في التخلص من الحفاضات والمخلفات اليومية لعدم توفر أماكن مخصصة لها.
واختتمت حديثها بتأكيد الأثر الإيجابي للمبادرات الحالية، قائلة: “لقد خففت عنا مبادرات نقل النفايات عبئاً ثقيلاً، وهي من أنجح الأعمال التي لمسنا أثرها الحقيقي. كل ما نرجوه هو استمرار هذا الجهد وتوسيع نطاقه لضمان بيئة صحية لأطفالنا”.
*صورة الغلاف مولدة بالذكاء الاصطناعي

