السبت, مارس 7, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

‹طبل السحور› ذكريات رمضان في الريف اليمني

لم يكن الطبل الذي يصدح في ليالي رمضان في الريف اليمني مجرد وسيلة لإيقاظ الناس للسحور، بل كان جزءا من طقوس اجتماعية أصيلة شكلت لسنوات طويلة أحد أبرز ملامح الحياة الرمضانية في القرى، فعلى إيقاع ضرباته كان السكان يستيقظون في توقيت واحد، ويتشاركون لحظة السحور في أجواء يملؤها الأنس والتكافل.

هذا الصوت الذي اعتادته القرى الريفية في محافظات مختلفة لعقود طويلة غاب في السنوات الأخيرة واندثر تدريجيا مع تغيّر أنماط الحياة ودخول وسائل التكنولوجيا الحديثة، ليبقى حاضرا فقط في ذاكرة الكبار الذين ما زالوا يستعيدون تلك الأيام بحنين واضح.

الحنين إلى زمن الطبل

يقول عبدالله أمين (68 عاما) من قرى مديرية السياني بمحافظة إب إن اندثار بعض مظاهر الموروث الشعبي بات يهدد بفقدان جانب مهم من التراث اليمني، خاصة في الريف الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة بفعل انتشار التكنولوجيا


مواضيع مقترحة


ويضيف أمين لـ”ريف اليمن”:”ارتبط صوت الطبل في ذاكرتنا منذ الطفولة بأوقات السحور في رمضان، حيث كنا ننتظر صوته في هدوء الليل لنستيقظ ونتناول السحور، كان رمزا للترابط الاجتماعي، وصوتا يمنح ليالي رمضان نكهة خاصة نفتقدها اليوم ونتمنى أن يعود”.

أما ملوك أحمد (57 عاما) من قرية نخلان بمحافظة إب، فتتذكر تلك الليالي الرمضانية التي كانت تمتلئ بالحياة والحركة، وكان صوت الطبل من أبرز مظاهرها.

وتتحسر ملوك على غيابه قائلة:”كان بالنسبة لي ولصديقاتي الصوت الجميل الذي كنا نترقبه كل ليلة، كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر لنسمع صوت الطبل في وقت السحور، إلى جانب عادات أخرى كانت تمنح الشهر روحا مختلفة، لكنها اليوم اختفت، ولم يعد لرمضان الطعم ذاته الذي كان في السابق”.

عادة ريفية مشتركة

لم تكن هذه العادة مقتصرة على منطقة بعينها، بل كانت حاضرة في معظم قرى الريف اليمني، ففي ريف محافظة البيضاء مثلا كان قرع الطبل ملازما لليالي السحور وجزءا أساسيا من طقوسه، حيث كان أحد أبناء القرية يجوب الطرقات ليلا لإيقاظ السكان.


الصوت الذي اعتادته القرى الريفية في محافظات مختلفة لعقود طويلة غاب في السنوات الأخيرة مع تغيّر أنماط الحياة ودخول وسائل التكنولوجيا


وتشير أم محمد البيضاني (45 عاما) من قرية الصومعة بمحافظة البيضاء إلى أن هذه العادة كانت تعكس روح التعاون بين أبناء القرية، إذ كان بعض الجيران يتولى إيقاظ من لم يسمع صوت الطبل، في صورة من صور التضامن الاجتماعي التي ميّزت حياة الريف.

وتضيف أن والدتها كثيرا ما كانت تروي لهم قصصا عن تلك الأيام، وكيف كان صوت الطبل جزءا من تفاصيل الحياة الرمضانية اليومية، الأمر الذي جعل غيابه اليوم أكثر وضوحًا لدى من عاشوا تلك المرحلة.

وفي قرية الأبرق بمحافظة عمران، تستذكر أم أسامة العمراني (60 عاما) الرجل الذي كان يتولى مهمة قرع الطبل في ليالي رمضان، حيث كان يمر بيتًا بيتًا لإيقاظ الناس للسحور.

وتقول لـ”ريف اليمن”:”كان يجوب أزقة القرية ليلا لإيقاظ الناس للسحور، لكن بعد وفاته غابت معه هذه العادة، ومع غيابها فقد السحور نكهته التي اعتدنا عليها، كما فقد شهر رمضان كثيرا من حيويته وأنسه، فقد كان الناس يتسحرون في توقيت واحد، أما اليوم فأصبح لكل بيت طريقته الخاصة في الاستيقاظ للسحور”.

أما محمد الإبي (65 عاما) من قرى مديرية السياني، فقد كان من آخر من مارسوا هذه العادة، حيث ورث مهمة قرع الطبل عن والده، ويقول:”كنت أرافق والدي في قرع الطبل لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة حتى يسمعه أهل القرية ويستيقظوا للسحور”.

ويضيف الأبي لـ”ريف اليمن”:”لم نكن نتقاضى مقابلا ماديا، بل كنا نعتبرها أمانة توارثناها عن آبائنا وأجدادنا، وكان شعورنا بالرضا كبيرا عندما نرى الناس يستيقظون بعد سماع صوت الطبل”، غير أن هذه العادة، بحسب الإبي، اختفت تدريجيا مع تغير نمط الحياة واعتماد الناس على المنبهات الحديثة.


ملوك:كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر لنسمع صوت الطبل في وقت السحور، إلى جانب عادات أخرى كانت تمنح الشهر روحا مختلفة


يرى الباحث في الموروث الشعبي محمد الشهاري أن قرع الطبل في رمضان، إلى جانب إطلاق المدفع في بعض المناطق، كان من التقاليد الاجتماعية المرتبطة بالحياة الرمضانية في اليمن.

ويقول لـ”ريف اليمن” إن هذه العادة كانت تحمل دلالات دينية واجتماعية، وتعكس خصوصية الحياة في الريف اليمني، حيث كانت التقاليد تنتقل بين الأجيال بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية.

ويشير الشهاري إلى أن التطور التكنولوجي وظهور وسائل التنبيه الحديثة مثل الهواتف المحمولة أسهما في تراجع هذه العادات، إلى جانب تغيّر أنماط الحياة وتراجع الاهتمام بالموروث الشعبي.

لافتا إلى أن ضعف الاهتمام الرسمي بالحفاظ على التراث الشعبي، إضافة إلى تراجع دور الحكماء والعلماء في المجتمع الريفي، أسهم أيضا في اندثار كثير من التقاليد، داعيا إلى ضرورة إحياء هذا الموروث الشعبي، لأن اندثاره يؤدي إلى فجوة بين الأجيال ويضعف ارتباط الجيل الحاضر بجذوره الثقافية.

عادات رمضانية اندثرت

يستعيد الحاج محمد الذيفاني (65 عاما) من قرى مسور بمحافظة عمران جانبا من العادات الرمضانية التي كانت سائدة في الماضي. ويقول:”كنا نستقبل رمضان بإشعال الشعلة من الحطب فوق أسطح المنازل، ثم يجتمع أهل القرية في الساحة قبل مغرب أول يوم من الشهر للتهليل والترحيب بقدوم رمضان”.


الباحث الشهاري:هذه العادة كانت تحمل دلالات دينية واجتماعية، وتعكس خصوصية الحياة في الريف


ويضيف أن الأطفال والشباب كانوا يرددون أهازيج شعبية مثل:”يا رمضان يا بو الحماحم… وأدي لنا قرعه دراهم”، أما موعد ما قبل السحور بنصف ساعة، كان بعض الرجال يقرعون “المرافع”، وهي إحدى أدوات الطبول، لتنبيه الناس بقرب وقت السحور، فتبدأ النساء بإعداد وجبات تقليدية مثل الفطير والقرم مع السمن والحليب والعسل البلدي.

يتابع:”لذلك نحن كبار السن افتقدنا تلك العادات التي اندثرت مع تغيّر الزمن ودخول وسائل حديثة أفقدت رمضان كثيرًا من نكهته وموروثه الشعبي، رغم أنها كانت عنوانًا لترابط المجتمع وتاريخه العريق”.

من جهته، يرى الشاب ريان المليكي (22 عامًا) أن قرع الطبل وغيره من العادات الرمضانية القديمة يمثل جزءًا من ذاكرة الجيل السابق، ويقول إن جدته كثيرا ما تحكي لهم عن تلك الأيام وتتحسر على غيابها.

مشيرا أن تلك العادات كانت تمنح رمضان أجواء روحانية واجتماعية مختلفة، مضيفا أن لكل زمن عاداته ونكهته الخاصة، غير أن غياب قرع الطبل من ليالي الريف اليمني ترك أثرا في ذاكرة الكبار، الذين يرون فيه رمزا لمرحلة كانت أكثر ترابطا وألفة.

*صورة الغلاف مولدة بالذكاء الاصطناعي

شارك الموضوع عبر: