تستقطب مديرية حراز الجبلية، غرب محافظة صنعاء، أعدادا كبيرة من الزوار والعائلات الباحثة عن الطبيعة الخلابة والترفيه، إذ تشكل قممها الشاهقة ومدرجاتها الخضراء المعلقة بين الضباب إحدى أبهى الوجهات للسياحة الريفية في اليمن.
ويعد موقع حراز المتميز وقربه من الطريق الحيوي الرابط بين محافظتي صنعاء والحديدة عامل جذب رئيسياً، جعل منها محطة محورية للزوار القادمين من مختلف المحافظات بحثاً عن الهدوء والطبيعة والأجواء اللطيفة.
يجد حسين علي (42 عاما) وهو أحد سكان حراز في منطقته متنفساً طبيعياً يُغنيه وعائلته عن تكلف السفر بعيداً طلباً للترفيه، إذ يكتفي برحلة عائلية قصيرة نحو القمم العالية للاستمتاع بالأجواء المعتدلة والهدوء الاستثنائي.
ويقول حسين لـ”ريف اليمن” إن التنقل بين هذه المرتفعات في مواسم هطول الأمطار يمنح الزائر تجربة استجمام فريدة، وكأنه يسبح وسط الغيوم التي تلامس القرى والمدرجات الزراعية لتصنع لوحة جمالية ساحرة.
مواضيع مقترحة
- السياحة الريفية: إنعاش اقتصادي واستقرار اجتماعي
- قرية الحُطيب: جوهرة حراز التي تعانق السحاب
- السياحة الريفية في صنعاء: رحلة عبر التاريخ والطبيعة
تزداد المنطقة جمالاً وفقاً لحسين مع حلول فصل الصيف وهطول الأمطار، حيث تتشكل لوحة ربانية على سفوح الجبال بين الضباب الذي يلامس القمم والمدرجات الزراعية.
يؤكد علي محمد (٤٥ عاما)، وهو من سكان محافظة صنعاء، أنه قضى وقتاً ممتعاً خلال إجازة عيد الأضحى الماضي برفقة عائلته، متجولاً بين قرى حراز للمرة الثانية في تكرار لتجربة زيارته والاستمتاع بأجوائها الرائعة.
لوحة ربانية
وأوضح لـ”ريف اليمن” أنه استكشف خلال زيارته قرى حراز التاريخية المدرجة على القائمة المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو، وأشهرها “الهجرة” و”الحطيب” اللتان بُنيت بيوتهما على حافة جرف صخري شاهق لتشكلا نموذجاً فريداً للحصون اليمنية القديمة.
وفي الجبال الشاهقة، تتحول المدرجات إلى مزارع لإنتاج أرقى أنواع البن اليمني الذي تشتهر به المنطقة، كما أتاح الاستجمام هناك فرصة للتجول في أسواق “مناخة” الشعبية المركز الإداري للمنطقة والتي كانت قديماً محطة مهمة للقوافل التجارية المسافرة بين صنعاء والساحل.
وتبرز قرية “الحُطيب” بوقوعها على ارتفاع يصل إلى 3200 متر فوق سطح البحر؛ إذ تتشكل السحب أسفلها، مما يعطي الزائر انطباعاً بأن القرية تسبح فوق الغيوم.
ويقول نشوان علي (38 عاماً)، وهو من أبناء المنطقة وكان يعمل مرشداً سياحياً، إن أكثر ما كان يجذب الزوار -ولا سيما السياح الأجانب- هو القرى التي تبدو وكأنها معلقة في أعالي الجبال، والتي تظهر كيف تمكن الإنسان اليمني من تأسيس حياة كاملة في بيئة جبلية شديدة الوعورة.
ويضيف علي لـ”ريف اليمن” أنه في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، انعدمت الحركة السياحية مقارنة بالفترات السابقة التي شهدت تدفقاً مستمراً للسياح الأجانب والزوار المحليين من مختلف المحافظات،
ويشير إلى أن الفترة الأخيرة بدأت تشهد عودة توافد بعض الزوار المحليين إلى المنطقة وكسر حالة الجمود التي كانت مخيمة منذ اندلاع الحرب عام 2014م.
تساهم شاليهات حراز في إعادة الحياة للسياحة الجبلية في المنطقة، بعد حالة الركود التي شهدتها منذ بداية الحرب
ولم يعد الاستمتاع بهذا الجمال مقتصراً على الرحلات التقليدية؛ إذ شهدت المنطقة نقلة نوعية في الخدمات السياحية؛ ففي أعالي جبال حراز غربي صنعاء، تحول الضباب والمدرجات الزراعية إلى خلفية لأول شاليه ترفيهي متكامل في الريف اليمني، مستقطباً عشرات العائلات الباحثة عن الطبيعة والهدوء.
نهضة سياحية
وتساهم شاليهات حراز في إعادة الحياة للسياحة الجبلية في المنطقة، بعد حالة الركود التي شهدتها منذ بداية الحرب، حيث تتواجد شاليهات ترفيهية متكاملة في الريف اليمني، ومقصداً للعائلات والزوار الباحثين عن تجربة سياحية مختلفة عن النمط التقليدي.
ويقول خالد حبيش، مالك الشاليهات، إن المشروع يضم غرف نوم ومجالس قابلة للتحول إلى أسرة للأطفال، إضافة إلى مرافق ترفيهية، وغرفة بخار وركن بوفيه متكامل، فضلاً عن خيام مطلة على الجبال والمدرجات الزراعية وحديقة خاصة للأطفال.
وأشار حبيش خلال حديثه لـ”ريف اليمن” إلى أن الشاليه افتُتح عام 2024، وأسهم منذ تشغيله في تنشيط الحركة التجارية والاقتصادية لسكان المنطقة، وفي مقدمتهم أصحاب المطاعم الشعبية ومحلات بيع البن اليمني الشهير والمنتجات المحلية الأخرى.

وتُعد الشاليهات خطوة مهمة ونوعية في تنشيط السياحة الداخلية، لا سيما في المناطق الريفية التي تملك مقومات طبيعية فريدة، وظلت لسنوات طويلة معزولة عن الاستثمار السياحي المنظم.
ويرى علي محسني (50 عاماً) وهو عامل في متجر إن المنطقة شهدت مؤخراً انتعاشاً في الحركة السياحية وإن كان بشكل محدود، ممّا انعكس إيجابياً على زيادة الإقبال على شراء المنتجات المحلية، وفي مقدمتها البن الحرازي المعروف بجودته العالية، وذلك بعد فترة من الركود التجاري الذي أصاب أسواق المنطقة.
ويضيف محسني لـ”ريف اليمن” أن بعض زوار المنطقة يزورون الأسواق الشعبية وخاصة يوم الأحد حيث يتحول مكانا مفتوحاً يسميه السكان “المطار” إلى سوق شعبي مفتوح، ما يتيح للزوار التعرف على المنتجات المحلية وشراء ما يريدون منها.
التحديات والمطالب
في ظل الإقبال السياحي المتزايد، يطالب سكان المنطقة بضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام بالبنية التحتية، وفي مقدمتها صيانة الطرقات وتحسين الخدمات السياحية، بما يُعزز مكانة حراز كإحدى أهم الوجهات السياحية الريفية في اليمن.

ويوضح المهتم بالمجال التاريخي محمد إسماعيل (40 عاماً)، أن المنطقة تتميز بمجالات سياحية متعددة وتضاريس متنوعة؛ حيث تتكامل فيها السياحة الثقافية في مناخة – التي كانت معقلا للدولة الصليحية (1037م) وقبلها محطة لقوافل المملكة الحميرية – مع السياحة البيئية في الوديان الشاسعة التي تؤوي العديد من أنواع الحيوانات البرية والطيور.
ويضيف إسماعيل لـ”ريف اليمن” أن هذا التنوع البيئي والسياحي في حراز يستدعي صيانة الطرق والاهتمام بالمشاريع التنموية وتوفير الخدمات، محذراً من أن الإهمال المتواصل يجعل المدرجات الزراعية والقرى التاريخية عرضة للمخاطر.
وتتميز حراز بالبيئة الجبلية الساحرة، وموقعها الاستراتيجي الذي استقطب الزوار إليها عبر عقود سواء للاستجمام وقضاء أوقات ممتعة في أحضان طبيعتها الخلابة، أو للتجارة واقتناء المنتجات المحلية وفي مقدمتها البن الحرازي الأصيل، ما يتوجب إيلاء بنيتها التحتية وصيانة طرقها الاهتمام المستحق، لتبقى نموذجاً حياً ومستداماً للسياحة الريفية التي تمزج بين عراقة الماضي وجمال الحاضر.
وتعد الأرياف اليمنية متنزهات طبيعية متعددة الجمال والفائدة، فإلى جانب امتلاكها المناظر الخلابة، والمدرجات الزراعية، والمياه الوفيرة، توفر المشاريع السياحية فيها فرص عمل دائمة وموسمية للشباب، وتخفف من مشكلة البطالة المتفاقمة في الريف اليمني.





