الأحد, يناير 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

السياحة الريفية في إب: طبيعة ساحرة بلا استثمار

تُعَدّ محافظة إب من أكثر محافظات اليمن تنوّعا في تضاريسها وصورها الطبيعية؛ إذ تجتمع فيها القمم الجبلية العالية، والوديان العميقة ذات التربة الرسوبية الخصبة، والمدرجات الزراعية الممتدة على سفوحٍ متقابلة، إلى جانب ينابيع المياه الحارّة والشلالات الدائمة والموسمية.

هذا التنوّع الطبيعي منح إب هوية سياحية واضحة، وجعلها مقصدا دائما للسياحة الطبيعة والرحلات القصيرة والمتوسطة داخل المحافظة وبين مديرياتها والتي تزيد خلال فصل الصيف والموسم السنوي للأمطار.

ورغم ذلك ما تزال البنية التحتية والخدمات السياحية غير موجودة في معظم المسارات الجبلية ومواقع الشلالات والعيون الحارّة تقليدية، وتحتاج إلى تحسينات منتظمة تضمن سلامة الزائر وجودة التجربة واستدامة الموقع.

تُظهر إب، في جبالها ووديانها ومدرجاتها وشلالاتها وعيونها الحارّة، نموذجا متكاملا للاقتصاد يمكن أن ينعكس مباشرة على حياة المجتمع المحلي، وما نراه اليوم ليس سوى مشهد بسيط، فكلما تحسّنت البنية التحتية، وتوفرت الحماية ربما نرى مناطق مذهلة.

هذه المادة تركز على السياحة الريفية الطبيعة وتعد الجزء الثالث من مقالات تركز على محافظة إب..

إب مدينة السياحة الطبيعة

تقع إب جنوب العاصمة صنعاء بنحو 193 كم على محور الطريق الأسفلتي المتجه إلى تعز، وهي محافظة داخلية من حيث الجغرافيا، لكن أوديتها تنحدر عبر ممرات ضيقة وحادة الانحدار لتصبّ سيولها في اتجاهين وتصل إلى سواحل البحر الأحمر وخليج عدن.

هذ الموقع الجغرافي جعل إب رابط وصل بين الساحل والهضبة، فمنها تمر المسارات بين المرتفعات ومدن السهول الزراعية، وتُرى على طول تلك المسارات بقايا ملامح عمرانية تقليدية من مدرجات زراعية، قنوات ماء، وجدران عتيقة.

التضاريس العامة تتوزع بين، سلاسل جبلية مرتفعة مثل سمارة، وبعدان، جبل التعكر، هضاب خضراء، ووديان كبيرة مثل وادي بَنا، وادي عَنّة، وادي الدُّر، وادي الجَنّات، ثم مناطق شبه سهلية على تخوم المديريات.

هذا التنوع في أنماط التضاريس المختلفة انعكس على أنماط الاستيطان الريفي وعلى طرق الحركة، فبرزت قرى معلّقة على السفوح، وأخرى على حوافّ الوديان العريضة، وخلال التجول فيها تجد أجمل المناظر الطبيعية.

وتُعدّ إب من المحافظات ذات الموسم المطري الأطول ولهذا عرفت بأنها «صائدة السحب» حيث تسقط الأمطار على القمم والسفوح فتتشكّل سواقي سطحية وقنوات تقليدية داخل المدرجات، ويؤدي جريان السيول إلى تجديد التربة في بطون الأودية بحمولات طمي ومعادن دقيقة تزيد من خصوبتها.

السياحة الريفية في إب: طبيعة ساحرة بلا استثمار
تتميز إب بالطبيعة الخلابة وتعرف بصائدة السحب (رهيب الهلالي)

هذه الديناميكة الطبيعية هي التي تُبقي المدرجات الخضراء حيّة وتضمن مواسم زراعية متتالية، وفي بعض الأودية تكون خضراء طوال السنة رغم أن هطول الأمطار في المحافظة موسمي، وهذا يجعل منها منطقة جذب سياحي، وهنا نورد أبرز المسارات الطبيعية:

  • طريق سمارة: الشرفة البانورامية للهضبة

يرتفع طريق سمارة إلى نحو 2500م عن سطح البحر عبر سلسلة منعطفات محكمة. ما يميّز الطريق أنه يُتيح للزائر إطلالاتٍ بانورامية متتابعة على الأودية الغربية، خصوصا عند منطقة البُخاري وحليل؛ حيث تظهر المدرجات كلوحات هندسية متداخلة، وتبدو القرى الجبلية بواجهاتها الحجرية ونوافذها المقوسة.

على هذا الطريق تقوم قلعة سمارة المعروفة شعبيا بـ«عنق الغزال»، وقد لعبت دورا دفاعيا مهما تاريخيا بحكم إشرافها على الممرات الجبلية. يمكن تحويل محيط القلعة إلى نقطة توقف منظّمة مزودة بلوحات تعريف ومسارات قصيرة للمشي ونقاط ظلّ، بما يُلائم الاستخدام السياحي الآمن دون المساس بأصالة المكان.

  • جبل بعدان والمدرجات

يقع جبل بعدان شرقي إب بأوديته وقراه التاريخية، وفي قممه تقع حصون حُب والمنار التي تعكس وظيفة دفاعية قديمة للمكان. لكن المشهد الأكثر حضورا هو المدرجات الزراعية التي تتدرج من القمم نحو الأودية، وتنتظم معها قنوات ماء ضيقة لتوزيع الأمطار.

وتنتشر على السفوح قرى حجرية تحمل عناصر زخرفية بسيطة بالأقواس، والأشرطة جصية، وتطل على الحقول والأودية التي تزرع البنّ اليمني والحبوب والخضروات وغيرها من المحاصيل بحسب الموسم، بالإضافة إلا أنها تشكل منظر طبيعي بديع.

سلسلة جبل بعدان محطة تأمل عميقة وربما يكون جزء من دراسة بحثية، لمن يريد قراءة «هندسة العيش» في بيئة منحدرة، حيث كل حجر في المدرجات والقرى له وظيفة، وكل عين ماء صغيرة لها قصة وتفاصيل وتأريخ شفهي من سنوات.

السياحة الريفية في إب: طبيعة ساحرة بلا استثمار
جانب من الطبيعة الخلابة في بعدان بمحافظة إب وسط اليمن (خليفة عيسي)
  • مسار يريم – السدّة – وادي بَنا

ينحدر الطريق من يريم عبر ممرّ طبيعي متعرّج إلى مدينة السدّة على حافة وادي بَنا، في هذا المسار يوجد قرى جبلية بأحجار مزينة بالأقواس، ثم بانوراما وادي بنا الواسع حيث المدرجات على ضفتي المجرى والشلالات التي تتدفق من علوّ خلال موسم المطر.

على محيط وادي بنا تقع مناطق النادرة والمسقاة والذاري، وهي نقاط مشاهدة مناسبة لالتقاط صور المدرجات الزراعية والمياه الجارية، هذا مسار يمكن الزائر يمكث فيه يوم كامل تُوزَّع فيه المحطات على إطلالة على الوادي، ثم نزول إلى ضفة الوادي، توقف في منطقة السدّة، ثم العودة التدريجية، مع مراعاة قواعد السلامة في حوافّ الوادي والانزلاقات في المناطق الترابية.

  • وديان عَنّة والدور: بساتين مفتوحة

في مديريات العدين تبدو المدرجات مع الغطاء الشجري الكثيف كمشهدٍ مستمر الخضرة طوال السنة، حيث يوجد وادي عَنّة حيث يجري الماء بين الحقول، ووادي الدور يقدّم نموذجا لمنتزهات طبيعية مفتوحة يرتادها السكان لسهولة الوصول إليها، وتوفّرها على نقاط جلوس قرب الماء.

هذه المواقع بحاجة إلى تنظيم سياحي وإنشاءات خدمية وإرشادية، من خلال تحديد ممرات قصيرة محدّدة، ولوحات تحذير قرب الحوافّ الصخرية، وأماكن مخصصة للنفايات، مفترض ان تقوم على أساس حماية البيئة دون تعطيل الاستمتاع بها.

السياحة الريفية في إب: طبيعة ساحرة بلا استثمار
جانب من جريان الماء في “وادي عنه” بمنطقة العدين (مروان البعدان )
  • شلالات “وراف”

تشكّل منطقة وراف واحدة من النقاط الجاذبة لحركة السياحة الداخلية. الشلالات فيها عالية نسبيا، ومحيطها النباتي كثيف، وتتوفر في المناطق القريبة منتزهات خاصة، غير أن المشهد العام ما يزال ريفي بخدمات أقل في أجزاء كبيرة.

صعوبة التنقل والحصول على أماكن للإقامة المؤقتة فيها يجعل السياحة إليها معقدة للغاية رغم ما تمتلك من مؤهلات كبيرة، وتحتاج إلى تأهيل مسارات قصيرة آمنة ونقاط ظلّ، مع الحفاظ على طبيعة المكان وعدم إضافة مبانٍ إسمنتية نافرة.

الشلالات: قلب المشهد المائي في إب

تنتشر الشلالات في إب على نحوٍ واسع نتيجة طول موسم الأمطار وتقطّع السلاسل الجبلية. يُسجّل الزائر نماذج مختلفة: شلالات دائمة الجريان، وأخرى موسمية ترتفع شدتها في ذروة المطر. من أبرز المواقع المعروفة على مسارات الحركة:
• شلالات وادي بَنا (السدّة).
• شلالات وادي المحفد ومنها شلالات المهذور (المخادر).
• شلالات النافش في ميتم والمشراق.
• شلال حائرة عمر (وراف – ذي جبلة).
• شلال مديرية المَشْنة قرب مدينة إب.
• شلالات المعلي وسد الشروم (مديرية الشَّعِر).
• سيل المقالح (النادرة).
• شلال وادي الجَنّات (السحول).
• شلال وادي عَنّة (العدين).
• شلال ذي عسل (السَّبرة).

هذه المواقع تمثل متنفسات طبيعية مفتوحة، ويعتمد جمالها على سلوك الزوار في جمع المخلفات، عدم إشعال النار قرب الرذاذ، الحذر من الأحواض العميقة التي تتشكّل طبيعيا بفعل النحت المائي.

إحدى شلالات منطقة وراف في جبلة (اسامة الواصلي)

ينابيع المياه الحارّة

تتوزع العيون الحارّة في ثلاث مديريات رئيسية، وتحتل مديرية القَفْر الصدارة بعددٍ يصل إلى نحو 12 موقعا تنتشر في معظم عزل المديرية، يقصد الأهالي والزوار هذه المواقع للعلاج التقليدي من أمراض جلدية وروماتيزمية وفق اعتقادات شعبية شائعة، ويزداد الإقبال عليها شتاء.

تختلف درجة الحرارة والخصائص الكيميائية من عينٍ إلى أخرى، غير غالبيتها يوجد فيها بخار خفيف، ترسّبات كلسية بيضاء، ومسطحات صخرية ملساء. وهي مقصد للزوار باستمرار لكن لا تتوفر في غالبيتها خدمات سياحية.

يتفرّد موقع «مَشّ الكافِر» في عزلة بني مبارز بمديرية القفر بارتفاع ملحوظ في الحرارة يصل عند المنبع الخارجي إلى نحو 96.3°م، ويمكن للزائر مشاهدة غليان الماء وتكوّن ترسّبات كربونات الكالسيوم بأشكالٍ تشبه مخّ الإنسان، وهي سِمة يَستدلّ بها الزائر على خصوصية الموقع.

تقع عيون أخرى في مديرية حزم العدين يوجد “عين الأسلوم” ومديرية العدين هناك أيضاً عدة ينابيع للمياه الحارة منها “عين الشعراني” و”عين جبل بحري” والتي تقع وسط غطاء نباتي يمكن أن تكون جاذبة للسياحةٍ العائلية للتمتع في البيئة والهدوء.

تنظيم الزيارة إلى هذه المواقع يعتمد تقسيم الوقت بين النساء نهارا والرجال مساء، وهو تنظيمٌ أهليّ يُراعى احترام الخصوصية، كما أن الخدمات المتاحة تقليدية في الغالب والتي تكون في العادة، أماكن تبديل بسيطة، ومواضع جلوس شعبية، ما يفتح المجال لتحديث محسوب منخفض التكلفة.

السياحة الريفية في إب: طبيعة ساحرة بلا استثمار
قاع الحقل في يريم يزرع في غالبيته البطاطس ويشكل لوحة خضراء مبهرة (مروان البعداني)

إمكانيات السياحة الطبيعة في إب

يمكن أن تكون إب جزءا محوريا من منظومة وطنية لسياحة الطبيعة، وتحديدا السياحة الجبلية وسياحة الأودية والشلالات والسياحة العلاجية بالعيون الحارّة. وتبرز الإمكانيات في السياحة جبلية، يمكن إنشاء مسارات قصيرة ومتوسطة على طريق سمارة وبعدان والتعكر.

السياحة إلى الأودية التي تشتهر بالمياه الجارية، عبر رحلات موجهة إلى وادي بَنا، وادي عَنّة، وادي الدور، بالإضافة السياحة العلاجية من خلال تأهيل مواقع مختارة من العيون الحارّة في مديريات، القفر، حزم العدين، العدين.

وتبرز السياحة الريفية كأهم عوامل جذب الزوار إلى محافظة إب، عبر تخصيص وإدارة بيوت ضيافة صغيرة تقدّم أطعمة محلية وجولات قصيرة في الحقول والمدرجات، يتم فيها التخطيط لمسارات للتجول في ساعات النهار واستكشاف الطبيعة.

وتتميز السياحة الطبيعة في محافظة إب بمناظر المدرجات الزراعية التي تحافظ على التربة والماء وتمنع الانجراف، بالإضافة إلى أن محافظة تهطل فيها الأمطار بغزارة، ويوجد فيها سواقي سطحية، قنوات تقليدية وهندسة بديعة لتصريف المياه، بالإضافة إلى الوديان العريضة والينابيع الحارة والشلالات.

السياحة الريفية في إب: طبيعة ساحرة بلا استثمار
إلى جانب الاستقرار السياسي تحتاج السياحة الريفية في محافظة إب لاهتمام ضمن مشروع إستراتيجي (ريف اليمن)

توصيات

قبل استعراض التوصيات يبرز الاستقرار الأمني وحالة السلام في البلاد كأهم متطلبات التنمية ليس فقط سياحياً فقط بل في كل جوانب الحياة، لكن إذا أردنا استعراض أبرز المقترحات الأولية التي يمكن أن تشكل بداية إنعاش سياحية وهي كالتالي:

1. تحسين الوصول: تعبيد مقاطع حرجة في الطرق الجبلية والمسالك الترابية المؤدية إلى نقاط الإطلالة والشلالات والعيون.
2. لوحات تعريف: عند بدايات المسارات ومداخل المواقع، تتضمن اسم المكان، مخاطر السلامة، وطريقة الاستخدام الأمثل.
3. ممرات مشاة قصيرة: الممرات تبدأ من كيلو إلى ثلاثة كيلو في مناطق “سمارة” و “وراف” و”وادي بَنا” و”وادي الدور”، بمواد محلية تحافظ على المكان من أي مشهد نشاز.
4. نقاط ظلّ واستراحات خفيفة: مظلات بسيطة بمواد محلية، ومقاعد حجرية أو خشبية، بعيدا عن بناء منشآت إسمنتية كبيرة تكون مشوهة للمكان الطبيعي.
5. إدارة النفايات: وضع حاويات موزعة بوضوح، والتشجيع في المواقع الحساسة، مع فرق نظافة أهلية.
6. سلامة الزوار: تحذيرات قرب الحوافّ، فرق إسعاف صغيرة في ذروة المواسم وخطط صحية لأي طارئ. متابعة تأثير الأمطار والسيول على المسارات.
7. تمكين المجتمع المحلي: تدريب شباب على الارشاد السياحي، وتشجيع مشاريع قهوة ريفية وأكشاك حِرف أصيلة، وحوافز للبيوت التي تؤجر غرفا مناسبة.
8. تنظيم العيون الحارّة: مرافق تبديل منفصلة، منشآت مائية آمنة تحافظ على الطبيعة الجيولوجية.
9. الترويج الذكي: مواد تعريف رقمية بسيطة مثل خرائط مسارات معزز بالصور وتعليمات زيارة، تُنشر عبر منصات محلية.

شارك الموضوع عبر: