منذ 12 عاماً تعاني اليمن وطأة النزوح والجوع والمرض والآن دفع التصعيد لموجات جديدة من التشرد للآلاف من الأسر، وفي وقت يهدد الصراع العالمي على مضيق باب المندب بتوسع الحرب واستمراريتها مما يزيد الاحتياجات الإنسانية والإغاثة الطارئة.
أفادت المنظمة الدولية للهجرة «OIM» اليوم الاثنين، بأن نحو 93,864 شخصًا نزحوا حديثًا في مناطق مختلفة من اليمن نتيجة استمرار النزاع، ما يعكس تدهور الأوضاع الإنسانية واتساع نطاق أزمة النزوح المستمرة.
يحدث هذا فيما يعاني نصف السكان على الأقل من الجوع، وهناك ملايين الأطفال غير المحصنين، كما يتفشى وباء الحصبة، ويعاني سكان اليمن من ويلات الحرب الأهلية المستمرة والأسبوع الماضي اضطر الكثيرون مجدداً للفرار نجاةً بحياتهم.
مواضيع مقترحة
- ريف تعز تحت وطأة النزوح: شتات جديد بلا مأوى
- تصاعد النزاع يهدد الأمن الغذائي لليمنيين
- المخاض في العراء: معاناة الحوامل في ظل انهيار الرعاية الصحية
موجات النزوح
وتركزت أكبر موجات النزوح في محافظتي تعز ولحج. ففي محافظة تعز، سجلت مديرية جبل حبشي نزوح 18,840 شخصًا، فيما نزح 9,966 شخصًا آخرين من مديرية المعافر، بالإضافة إلى مديريات أخرى.
أما في محافظة لحج، فقد شهدت مديرية المضاربة نزوح 16,464 شخصًا، إضافة إلى 2,892 شخصًا نزحوا من مديرية تبن، كما رُصدت حالات نزوح في محافظات عدن والحديدة وأبين. وفق الهجرة الدولية.
ودعت المنظمة إلى تقديم دعم عاجل لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسر النازحة حديثًا، لا سيما في مجالات المأوى الطارئ والمياه وخدمات الصرف الصحي، محذرة من أن استمرار النزوح يفاقم الضغوط الإنسانية ويزيد من حجم الاحتياجات.
وقدّرت وكالة تابعة للأمم المتحدة يوم الجمعة أن أكثر من 46 ألف شخص فروا من منازلهم خلال الأسبوع الماضي وحده، وخرج بعضهم لا يملكون سوى الملابس التي يرتدونها.
كان ‹المقداد هاشم› وعائلته من بين هؤلاء ففي إحدى ليالي أواخر الأسبوع الماضي، بقوا في منزلهم بينما أبقاهم دوي القصف مستيقظين. وفي صباح اليوم التالي، سقطت قذائف بالقرب من منزلهم في محافظة تعز التي تشهد صراعاً محتدماً، مما أسفر عن إصابة شخصين، أحدهما ابن شقيق هاشم.
الوسيلة الوحيدة لنقلهم إلى المستشفى كانت شاحنة مخصصة عادةً لنقل مواد البناء. وقال هاشم إن 34 شخصاً تكدسوا في الشاحنة، بمن فيهم هو وزوجته وأطفاله الأربعة ووالداه المسنان، ولم يكن لديهم سوى وقت ضئيل لحشر ممتلكاتهم في حقيبة صغيرة واحدة. وقال: ‹كان من الصعب أخذ أي شيء، نريد أن تتوقف الحرب حتى يتمكن الناس من العودة إلى منازلهم›.
أعباء متراكمة
عاد اليمن ليشهد قتالاً شاملاً، مما يفاقم الأزمة التي كانت تُعد بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، ومما زاد الطين بلة، أن برنامج الأغذية العالمي يعاني من نقص حاد في التمويل، مما دفعه إلى تعليق المساعدات الغذائية تماماً وتقليص وتيرة المساعدات النقدية الشهرية لتصبح كل شهرين بدلاً من كل شهر، وذلك حسبما صرح كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة للبرنامج، في مقابلة هاتفية وفق مانقلت صحيفة «نيويورك تايمز».
وأشار سكاو -الذي زار اليمن مؤخرا- إلى أن الأطفال في مخيمات النازحين التي زارها لم يكونوا يذهبون إلى المدارس. أخبره يمنيون بأنهم يبيعون ممتلكاتهم لشراء الطعام. وفي إحدى العيادات الصحية، كان هناك طابور طويل من الأمهات ينتظرن تلقي الرعاية، وهن يحملن بين أذرعهن أطفالاً يعانون من سوء التغذية. وقال: ‹كانوا يجدون صعوبة بالغة في توفير وجبة واحدة في اليوم›.
ولا يواجه اليمن ويلات القتال فحسب فقد أدت أزمة حركة الشحن إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في بلد يعتمد على الاستيراد لتوفير معظم احتياجاته الغذائية، كما تسببت موجات الجفاف والفيضانات في إلحاق أضرار بالمزارع اليمنية، وفق سكاو الذي قال بأن ‹المحاصيل القليلة التي يتم إنتاجها محلياً تتعرض للدمار والاضطراب بسبب الأحوال الجوية›.
وحتى قبل التصعيد الأخير في أعمال العنف، كان ما يقدر بنحو 4.5 مليون يمني قد نزحوا عن ديارهم، كما أن ما يقرب من نصف المرافق الصحية في البلاد خارج الخدمة، وقد أجبرت الهجمات التي استهدفت العاملين في مجال الإغاثة الأمم المتحدة على تعليق عملياتها في غالبية المناطق الشمالية.

وفي مديرية مقبنة بمحافظة تعز التي تشهد مواجهات، فرّ عمر عبد العزيز الحميري (25 عاماً) بعد سماعه دوي قصف في الجوار. وعند الفجر، صعد هو وخمسة من أفراد عائلته سيراً على الأقدام لمدة ساعتين للوصول إلى قمة جبلية، حيث كان ذلك مسارهم الوحيد نحو أقرب طريق؛ ومن هناك تمكنوا من العثور على سيارة أقلّتهم إلى أقرب مدينة.
وقال الحميري: ‹غادرنا ونحن نرتدي الملابس التي كانت علينا فقط؛ إذ لم نتمكن من حمل أي شيء بسبب الوضع وطبيعة التضاريس الصعبة›. لقد تركوا وراءهم كل ممتلكاتهم بما في ذلك الأبقار والماعز وخلايا النحل والمحاصيل التي زرعوها في حقولهم.
يقيم الحميري حالياً لدى صهره، ويسعى للعثور على عمل في مدينة تعز التي باتت مكتظة بالنازحين الجدد. وقد شهدت أسواق المدينة ارتفاعاً حاداً في أسعار الدقيق والأرز، كما يتعين عليهم شراء المياه من صهاريج النقل، وهي أيضاً باهظة الثمن. وقال: ‹بصراحة، لا أعرف كيف سنتمكن من تأمين احتياجاتنا اليومية›.
وضع صحي متدهور
يأتي ذلك في وقت يواجه فيه أكثر من 18 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في حين يعاني 2.2 مليون طفل من سوء التغذية الحاد.كما تظل الأمراض ونقص الرعاية الطبية من القضايا التي تثير قلقاً بالغاً، فقد أفادت منظمة الصحة العالمية بتسجيل أكثر من 17,600 حالة إصابة بالحصبة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام.
وذكرت المنظمة أن المستشفى الرئيسي في مدينة مأرب قد علّق خدمات الأمومة والتوليد لتخصيص مساحة لعلاج الإصابات الحرجة، مشيرةً إلى أن أعداد الجثث تفوق ‹الطاقة الاستيعابية المتاحة للمشرحة›.
وتتفاقم حدة الأزمة بشكل خاص في المناطق الشمالية إذ عُلّقت عمليات الأمم المتحدة هناك منذ شهر أكتوبر، حين تم احتجاز موظفين أمميين وعاملين في مجال الإغاثة، ومداهمة مكاتب تابعة للمنظمة الدولية.
تم إخلاء قرى بأكملها في مناطق الساجل الغربي وحوصرت عائلات بالقرب من خط المواجهة مع تناقص الإمدادات الغذائية
وعلى الرغم من أن اليمن كان يوماً ما محط اهتمام المنظمات الإغاثية العالمية، إلا أن العديد من الجهات المانحة الرئيسية مثل الولايات المتحدة قد قلصت ميزانياتها المخصصة للمساعدات بشكل كبير.
ويحتاج اليمن إلى 2.2 مليار دولار من المساعدات الإنسانية، وفقاً لوكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، التي أفادت بأنها لم تتلقَّ سوى 20 في المائة من هذا المبلغ خلال العام 2026.
إخلاء قرى ومناطق
ووجدت الألاف من الأسر نفسها مضطرة للفرار من مناطق الساحل غربي اليمن المطلة على البحر الأحمر والقريبة من باب المندب، حيث تم إخلاء قرى بأكملها وحوصرت عائلات بالقرب من خط المواجهة مع تناقص الإمدادات الغذائية.
ووجد المدنيون أنفسهم ضحايا صراع عالمي للسيطرة على أحد أهم طرق الشحن في العالم، الأمر الذي يهدد بتحويل الصراع المتقطع في اليمن إلى حرب دائمة، وتشير التقارير إلى مقتل المئات. حسبما نقلت صحيفة الغارديان البريطانية.
جاءت موجة النزوح الأخيرة عقب سقوط مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية، ما أجبر العديد من الأسر على الفرار للمرة الثانية خلال أسابيع قليلة فقط، وأفادت شهادات الأسر النازحة بأنها لم تتمكن من أخذ ممتلكاتها معها بسبب سرعة التطورات.
وقالت كارولين سكيوا، المديرة القطرية للجنة الإنقاذ الدولية في اليمن ‹تُجبر الأسر في اليمن على الفرار مرة تلو الأخرى، فيما يدفع الأطفال الثمن مرتين؛ مرة من أمنهم وسلامتهم، ومرة أخرى من تعليمهم›.
وتعكس هذه التطورات حجم الضغوط الإنسانية المتفاقمة على السكان المدنيين، في ظل استمرار موجات النزوح وتراجع قدرة الأسر على التكيف بعد سنوات من الصراع، الأمر الذي يفاقم الاحتياجات.
لوحظ مغادرة عدد كبير من الأشخاص للمنطقة حاملين أمتعتهم، وقد أدى القتال إلى قطع طرق رئيسية، وانقطاع خطوط الهاتف في بعض المناطق، ويحتاج النازحون إلى الملاجئ الطارئة، والمساعدات النقدية، والغذاء، ومياه الشرب، والمستلزمات المنزلية، والرعاية الصحية.
محمد «46 عاماً» غادر مدينة المخا في منتصف الليل وقال ‹إن أجواء المدينة كانت كارثية›. وقال رجل آخر، مجاهد تهامي، الذي توجه إلى مدينة عدن العاصمة اليمنية المؤقتة، إن بعض العائلات وقعت ضحية ‹لنهب العصابات أثناء محاولتها الفرار›.
وأفاد آخرون أنهم تمكنوا من الفرار في الوقت المناسب، بعضهم على دراجات نارية، لكن أفرادًا آخرين من العائلة لم يكونوا محظوظين وظلوا عالقين. وفق شهادات نقلتها وكالة «فرانس برس».





