يُشكل مهرجان حجر السنوي للتمور والمنتجات الزراعية شرياناً اقتصادياً حيوياً لمزارعي محافظة حضرموت، وأصحاب الحرف اليدوية، والأسر المنتجة، إذ يُتيح لهم عرض إبداعاتهم وترجمة الموروث الثقافي والزراعي إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية.
وانطلقت في مديرية حجر التجهيزات لتدشين النسخة الثالثة من المهرجان بمدينة الجول برعاية السلطة المحلية خلال الفترة من 27 إلى 30 يوليو الجاري. وتتضمن الفعالية سوقاً شعبياً للتمور والمنتجات الحرفية، وندوات علمية، وعروضاً ثقافية وفنية.
يؤكد المزارع عوض بن مبارك لـ “ريف اليمن” أن المهرجان يمثل حلاً تسويقياً مهماً منذ انطلاق نسخته الأولى عام 2024، ويساهم مباشرة في تنشيط الحركة الاقتصادية وإعادة تشكيل سوق التمور في المديرية.
مواضيع مقترحة
- ‹خريف حجر 3› في حضرموت: فعاليات متنوعة في يومه الثاني
- حريق نخيل حضرموت: قوت المزارعين يتحول رماداً
- خريف حجر السنوي: مهرجان لإبراز الزراعة والتراث
انتعاش اقتصادي
يقول بن مبارك إن المشاركة في المهرجان لا تقتصر على الحركة التجارية العابرة، بل تشكل شرياناً اقتصادياً يُعيد تشكيل سوق التمور والمنتجات الزراعية.
وأضاف: “في الأيام الاعتيادية، يخضع التسويق لشبكات توزيع تقليدية لا تعكس الجهد المبذول في العناية بالنخلة، بينما يتيح المهرجان تواصلاً مباشراً مع المستهلك؛ ما يضاعف المبيعات للتمور والمصنوعات الخوصية، ويوفر سيولة نقدية لتغطية تكاليف الإنتاج التشغيلية”.
ويؤكد رئيس اللجنة الإعلامية للمهرجان، أحمد بارجاش، أن المؤشرات تتجه نحو تحقيق أرقام غير مسبوقة وتجاوز التداول التجاري للأرقام السابقة.
وأوضح بارجاش لـ “ريف اليمن” أن عدد المشاركين في السوق الشعبي ارتفع إلى نحو 200 مشارك، بزيادة 70% عن الموسم السابق، مضيفاً: “طموحنا أن يظل المهرجان حاضنة للأسر المنتجة وذوي الدخل المحدود لتسويق منتجاتهم وبوابة لعرضها”.
وتعد التمور من أهم محاصيل الفاكهة في اليمن، حيث تحتل زراعة النخيل أكثر من 14 ألف هكتار، وتتركز في حضرموت التي تضم أكثر من 67% من إجمالي النخيل، وفقاً لكتاب الإحصاء الزراعي لعام 2021.

موروث وتحديات
بحسب بن مبارك فإن مديرية حجر تزخر بتنوع فريد لأشجار النخيل، وقال: “نحرص، بصفتنا مزارعين، على إبراز أصناف متنوعة، منها: العشدلي، والجهمي، والزار، والعبد رحمن، و العرقدي، والناقة”.
وأكد أن رهان المشاركة يمتد إلى أبعاد توعوية وتثقيفية تُعرّف الأجيال الجديدة بأصناف النخيل والمصنوعات الخوصية الأصلية مثل الغطاء الحامي للثمار، والمكيال، والقبعات الواقية بعد أن كادت تندثر؛ مما يُعيد ربط المجتمع بذاكرته الزراعية.
وتابع بن مبارك: “على الرغم من أن أشجار النخيل ظلت تاريخياً إحدى الركائز الأساسية للأمن الغذائي، إلا أنها تواجه اليوم تهديدات وجودية؛ في مقدمتها الزحف العمراني المستمر الذي يلتهم الرقعة الزراعية، وشحة مياه الري، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضغوط التسويق، والآفات الزراعية، وهي تحديات تجعل استمرار المزارع في معركة يومية لحماية هذا المورد الحيوي”.
وفي إطار الحفاظ على النخيل، أكد بارجاش أن الفعالية تحمل بعداً تنموياً يتجاوز البيع المباشر، وقال: “حينما يُذكر التمر والنخيل، تُذكر مديرية حجر باعتبارها السلة الاقتصادية لحضرموت والوطن، لما تمتلكه من ثروة زراعية كبيرة ارتبطت بحياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم، لذا جاء شعار هذا العام من النخلة تبدأ الحكاية لإيصال رسالة إلى الجهات الحكومية والمنظمات المانحة لتسليط الضوء عليها”.
وأضاف: “يحمل المهرجان رسالة تنموية وثقافية متكاملة تتمثل في إحياء الهوية التراثية والثقافية لمديرية حجر، وتعزيز النشاط الاقتصادي والسياحي، ودعم جهود التنمية المحلية وتمكين المجتمع، وترسيخ مكانة المديرية كوجهة سياحية وثقافية واقتصادية واعدة في حضرموت، من خلال استثمار مواردها الطبيعية وتراثها العريق، وتحويل الإرث إلى عنصر فاعل في التنمية المستدامة”.
ارتفع عدد المشاركين في خريف حجر السنوي الثالث إلى نحو 200 مشارك بزيادة بلغت 70% عن الموسم السابق
تجدر الإشارة إلى أن أشجار النخيل في حضرموت تشهد مخاطر متعددة تحُد من انتشارها وتهدد وجودها في مساحات واسعة، يأتي في مقدمتها التوسع العمراني، والآفات الزراعية، إلى جانب نقص إمدادات المياه نتيجة تضرر مجاري السيول جراء الفيضانات التي تضرب المحافظة بين الحين والآخر.

أمل ومطالبات
وعلى الرغم من التحديات الهيكلية، يرى مزارعون أن استمرار المبادرات المجتمعية والرعاية السنوية للمهرجان يُعيد الأمل للوسط الزراعي، إذ يقول بن مبارك: “يظل التنظيم السنوي للمهرجان حدثاً مفصلياً للمزارع وعائلته، يتجاوز العائد المادي ليغدو ردَّ اعتبار معنوي لكرامة الفلاح وجهده الميداني، ويُثبت أن شجرة النخيل ما زالت تحظى بالتقدير، مما يمنحنا الحافز للتمسك بالأرض وصون هويتنا الزراعية والتراثية”.
وعن تحول المهرجان إلى حدث مؤسسي، يسرد بارجاش مسار التطور قائلاً: “يشهد المهرجان هذا العام، ولأول مرة منذ انطلاقه قبل عامين، دعماً وحضوراً رسمياً من السلطة المحلية بمحافظة حضرموت”.
وأضاف: “بدأنا كشباب متطوع بهذه الفكرة لربط التراث بالتنمية، وانطلقنا بميزانية صفرية معتمدين على مساندة السلطة المحلية بالمديرية، والمجتمع، ونسعى دائماً لتطوير المهرجان عاماً بعد آخر”.
وحول الشراكات التنموية والمطالب المستقبلية، قال بارجاش: “تميز الموسم الثالث بمشاركة مؤسسة بسمة للتنمية بمعرض تراثي ومقتنيات زراعية من سيئون، ومشاركة فريق من الخبراء الزراعيين لتنظيم دورات إرشادية للمزارعين”.
ومع التطور السنوي للمهرجان، وجه بارجاش رسالة للحكومة بضرورة اعتماد مهرجان خريف حجر رسمياً ضمن الفعاليات الوطنية التي تتبناها الدولة وترعاها.
يُذكر أن الموسم الأول من المهرجان انطلق عام 2024 بمبادرة شبابية من منتدى شباب حجر.





