الأربعاء, 12 أغسطس 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
مجتمع

مشرعة وحدنان.. حين يغادر الريف ملامحه القديمة

📅 أغسطس 11, 2026

​لم تعد مديرية ‹مشرعة وحدنان› جنوبي محافظة تعز كما كانت عليه قبل ثلاثة عقود، حيث كانت بيوتها حجرية منحوتة من صخور جبل صبر، يخصص طابقها الأول مأوى للماشية، وأمامها مكان صغير للدواجن ‹مَدَج›، ويبدأ فجرها على وقع أجراس تتدلى من رقاب الثيران المتجه لحراثة الأرض.

لكن اليوم، من يطأ أرض المديرية، سيتملكه الذهول، فرغم أن الطريق الرئيس لا يزال ترابياً، إلا أن المشهد سيوهمه بأنه يتجول في إحدى ضواحي المدينة لا في قلب ريفٍ عريق، فقد اختفت المعالم التقليدية، وحلّت ‹الخرسانة الإسمنتية› المتراصة بكثافة محل الحجر، وتحول السوق إلى مركز تجاري صاخب تزدحم فيه محلات الصرافة، وإكسسوارات الموبايلات، والأجهزة الحديثة.

التحول لم يكن في الجدران وحدها، بل في عمق الحياة اليومية، في قرى يربو سكانها على 3000 نسمة، غابت الثروة الحيوانية بشكل شبه تام، ومعه، انحسرت المهن الزراعية التراثية، تخلّى الأهالي عن حراثة الأرض وتقليب تربتها بالمحافر ‹المعاول›، وهُجرت زراعة الحبوب حتى بات جيل الشباب اليوم عاجزاً عن التمييز بين سنابل البر والشعير والدخن.

​يجلس الحاج أحمد مهيوب قاسم، والذي يقترب عمره من التسعين عاماً، متكئاً على عصاه، وموجهاً نظراته بأسى نحو المدرجات الزراعية التي غزتها الكتل الإسمنتية، بعد أن اضطر أصحابها لتحويلها من حقول زراعية إلى بقع سكنية، فاقتلعوا الأشجار وشيدوا منازل الإسمنت.


مواضيع مقترحة

الحرب والنزوح تزيد من ظاهرة ‹ترييف المدن› اليمنية

الزراعة في اليمن.. مواسم متداخلة تُعيد تشكيل الإنتاج

العمارة الحديثة في الضالع: تحولات تعيد تشكيل ملامح الريف


ويقول لـ”ريف اليمن”: “أتذكر حين كانت كل هذه البيوت ‹يشير بيده إلى حوالي 20 منزلاً حديثاً› غير موجودة، كانت القرية تتكون من أربعة أو خمسة منازل فقط، وهذه المنطقة كلها عبارة عن عقمة واسعة اسمها “عقمة النجد”، تُزرع بالذرة، وكان في البيوت “مدافن” ‹حفر أرضية لحفظ الحبوب› نملأها من محصولنا لتكفينا طوال العام”.

ويضيف بنبرة حنين: ‹كانت القلوب صافية، والناس إخوة كأنهم أسرة واحدة، والخير والرزق متوفر، الحقين والسمن البلدي من البقرة، والذرة من الحُول ‹الحقل› والبيض من الدجاج.. كنا نذبح دجاجة للغداء من تربيتنا المنزلية كل يوم›

وقال: ‹كان الجميع يتعاونون لبناء البيوت وحفر السقايات ‹خزانات حفظ المياه›، وتجدهم رجالاً ونساءً في الحقول يمارسون أنشطتهم بهمة. أما اليوم، فلا تجد من يحرث أرضه، أهمل الناس الأرض.. فأهملتهم›.

لم يقتصر التغير على الأرض فقط، بل حتى الإنسان هناك خلع ماضيه، فالزي الصبري و‹الثياب الدمس› التي تغلغلت في وجدان اليمنيين بصوت الفنان أيوب طارش، غادرت يوميات النساء إلى رفوف الذكريات والمناسبات الخاصة بالأعراس، لتترك مكانها للعبايات والجلابيب الحديثة، في حكاية تختزل تحول الريف اليمني بعيداً عن أصوله الإنتاجية العريقة.

​المدرجات المهجورة

​تُشكّل المدرجات الزراعية المعلقة في أعالي مديرية ‹مشرعة وحدنان› شاهداً حياً على عبقرية الإنسان اليمني الذي نحت الصخر ليصنع قوته، إلا أن هذه المدرجات اليوم تروي قصة انكفاء وتراجع غير مسبوق، فقد شهدت البنية الاقتصادية التقليدية للمديرية تغيراً هيكلياً جذرياً خلال العقود الأخيرة.

هذا التغيير تمثّل في الانحسار المتسارع لزراعة الحبوب التي كانت تمثل عماد الأمن الغذائي الذاتي السكان، وهي محاصيل أصيلة مثل الذرة الصفراء ‹الشام› والذرة البيضاء ‹الغَرب› والشعير، والدخن، وبدلاً منها تم زراعة القات.

​تُشكّل المدرجات الزراعية المعلقة في أعالي مديرية “مشرعة وحدنان” شاهداً حياً على عبقرية الإنسان اليمني الذي نحت الصخر ليصنع قوته

التراجع الزراعي لم يأتِ منفرداً، بل رافقه تراجعٌ كارثي في قطاع الثروة الحيوانية، إذ كادت تربية الأبقار والأغنام والماعز، وحتى الدواجن المنزلية أن تختفي تماماً من قوام الحياة اليومية للقرى، بعد أن كانت مصدراً أساسياً للدخل والاكتفاء من اللحوم والألبان ومشتقاتها، ومؤشراً على ثراء الأسرة الريفية واستقرارها.

هذا التغير رافقه تبدلٌ في نمط الأمن الغذائي، حيث تخلى السكان عن الاكتفاء الذاتي المعهود في الأرياف، متجهين إلى الاعتماد الكامل على المواد الغذائية والسلع الجاهزة والمستوردة، وتكمن المفارقة هنا في انعكاس الدورة الاقتصادية التقليدية.

فبينما كان الريف الصبري تاريخياً هو المغذي الرئيسي لأسواق مدينة تعز بالخضروات الطازجة، والفواكه، واللحوم، والألبان، أصبحت قرى ‹مشرعة وحدنان› اليوم تستورد أدق تفاصيل غذائها من أسواق المدينة، بما في ذلك احتياجات أبنائها من نبتة القات.

كما يبرز التوسع العمراني كأحد أكثر التحولات التي تشوه الهوية البصرية لقرى الجبل، حيث تراجعت المنازل الحجرية التقليدية بنسقها المعماري الفريد الذي كان يتناغم مع طبيعة التضاريس الصخرية واحتياجات الأسر، لتقوم مقامها البيوت الخرسانية. والأكثر وجعاً هو توسع المناطق السكنية على حساب الأراضي الزراعية التي كانت تعد المصدر الرئيسي للدخل.

وفي هذا السياق، يوضح الشيخ عبده قاسم إسماعيل، عاقل قرية نجد ذي عنقب، لـ”ريف اليمن” التأثير المشترك للجغرافيا وظروف الصراع القائم في تعز قائلاً: ‹إذا أردنا الحديث بلغة الواقع، فإن قرية نجد ذي عنقب، والقرى المجاورة لها شهدت خلال سنوات الحرب والحصار طفرة عمرانية غير مسبوقة›.

ويضيف: ‹توسع البناء الخرساني في المديرية بنسبة كبيرة، فالمدرجات التي كانت تُزرع بالحبوب والبن تحولت فجأة إلى بيوت من الإسمنت، واقتُلعت الأشجار لتشييد المنازل والدكاكين نتيجة لتدفق النازحين والهاربين من المعارك في المدينة›.

لافتا أن ‹هذا التدفق المفاجئ سرّع من وتيرة الزحف الخرساني العشوائي، لدرجة أنه من بين كل مئة أو مائتين أسرة اليوم بالكاد نجد أسرة واحدة ما تزال متمسكة بتربية الماشية›.

المدرجات الزراعية تحولت إلى بيوت من الإسمنت، واقتُلعت الأشجار لتشييد المنازل (عامر الصبري)

​وإلى جانب الجغرافيا، برزت العوامل الاجتماعية كأحد المحركات الباطنية لهذا التغيير، وفي مقدمتها الطفرة التعليمية الواسعة التي تميزت بها المديرية تاريخياً، حيث حظيت ‹مشرعة وحدنان› بنسب تعليم مرتفعة جداً مقارنة بأرياف يمنية أخرى، وأصبح الحصول على الشهادة الجامعية هدفاً أساسياً لكل أسرة.

​هذا الوعي الأكاديمي، رغم إيجابيته الشديدة، أنتج فجوة نفسية وثقافية بين الأجيال، إذ بدأت الأجيال الجديدة المتعلقة بالتقنية والمنفتحة على العالم تترفع عن ممارسة المهن الشاقة والمجهدة كحراثة المدرجات الوعرة أو رعي الماشية، والتي باتت تُربط في وعيهم بـ ‹التخلف عن ركب العصر›.

قفزة ديموغرافية

وتوجهت الطاقات الشابة نحو الوظائف الحكومية، والقطاع التعليمي، والعمل التجاري الحر، أو الاغتراب، بحثاً عن مكانة اجتماعية ودخل مالي سريع ومستقر، ليصبح التعليم -دون قصد- الأداة الناعمة التي فككت الارتباط التاريخي بين الإنسان الصبري وأرضه الزراعية.

​أضف إلى ذلك التأثير الجغرافي الذي ساهم بترسيخ الحياة الحضرية على حساب الحياة الريفية، فقرب المنطقة من مدينة تعز ‹بمسافة تقل عن 10 كيلومترات› وسهولة الانتقال اليومي بين الجبل والمدينة، أذاب تدريجياً الفوارق الثقافية والاجتماعية بين المجتمعين، إذ تلاشت ‹الفجوة الريفية-الحضرية› التقليدية، واندمج أبناء المديرية في تفاصيل الحياة المدنية وتأثروا بسلوكياتها الاستهلاكية وقيمها الحديثة.

تتربع مديرية ‹مشرعة وحدنان› في الجزء الجنوبي من محافظة تعز كإحدى لآلئ المرتفعات الجبلية لسلسلة جبل صبر الشهيرة، ممتدة على مساحة جغرافية ضيقة لا تتجاوز 13.55 كيلومتر مربع، وتبعد أقصى نقطة فيها نحو 22 كيلومتراً عن مركز المدينة. هذا الامتداد الجبلي الوعر، المحاط بمديريات المظفر، والمسراخ، وصبر الموادم، جعل منها تاريخياً بيئة ريفية بامتياز تعتمد على الزراعة المطرية.

لكن هذه الجغرافيا المحدودة باتت اليوم تئن تحت وطأة قفزة ديموغرافية حادة، إذ كشفت المؤشرات الإحصائية لعام 2025 عن انفجار سكاني قياسي قفز بالعدد إلى 45,065 نسمة، مقارنة بـ 24,544 نسمة في تعداد 2004، بنسبة زيادة بلغت +84%، وبمعدل نمو سنوي يقدر بنحو 2.9%.

والمفارقة الأبرز تكمن في تضاعف عدد الأسر ليصل إلى 10,905 أسرة بنسبة نمو تجاوزت 195%، ترافق معها ارتفاع الوحدات السكنية المأهولة إلى 5,568 مسكناً. هذا الضغط البشري الهائل، الذي تشكل الفئة الشابة والمنتجة (19 – 64 عاماً) عموده الفقري بنسبة 55%، يفسر بوضوح سر التهام الكتل الإسمنتية للمدرجات الزراعية التاريخية أمام شح الموارد وضيق المساحة.

لم يعد الزائر إلى هذه المنطقة بحاجة إلى ذكاء مفرط ليدرك أن الملامح البصرية والاقتصادية قد انسلخت عن لباسها الريفي القديم، إذ تبدو مظاهر التحضر بارزة، والممرات التي كانت تزدحم بالمزارعين والمواشي، باتت طريقاً للمتسوقين، مع تزايد المحلات التجارية الحديثة.

أشرف النهاري: مع تحول الريف إلى مجتمع مستهلك، بدأت تظهر ملامح آثار مقلقة أبرزها تآكل الهوية الريفية وتراجع الإنتاجية الزراعية وتفاقم مخاطر الأمن الغذائي

وفي قراءة سوسيولوجية وأكاديمية دقيقة لعمق هذا التحول، يرى البروفيسور في جامعة صنعاء، وابن المنطقة، أشرف النهاري، أن ريف مديرية “مشرعة وحدنان” يعيش تحولاً بنيوياً ممتداً منذ سنوات، حيث يقع التعليم في قلب هذه التبدلات.

ويوضح لـ”ريف اليمن”: “أن انتشار التعليم أدى بشكل غير مدروس تنموياً، إلى تراجع مطرد للشباب عن المهن اليدوية والإنتاجية التقليدية. هذا الابتعاد، الذي يصل أحياناً إلى حد الترفع عن الأعمال الريفية، ينبع أساساً من قصور المناهج التعليمية التي تفتقر للترغيب في هذه المهن، إلى جانب انعدام الأنشطة اللاصفية التي تبني المهارات الحياتية”.

​فلسفة التعليم

ويمضي البروفيسور النهاري في تشخيصه ليوجه أصابع الاتهام المباشرة إلى فلسفة التعليم القائمة، قائلاً لـ”ريف اليمن”: “مناهج التعليم لا تقدس العمل اليدوي ولا تغرس مهاراته في نفوس الأجيال، ففي الجزائر مثلاً، يتلقى الطلاب تعليماً لاصفياً يُكسبهم مهارات حياتية ومهنية حقيقية، تمكنه من مساعدة أسرته في الحقل والمنزل، بينما يمتلك خريج الثانوية مهارات عملية كافية للمساهمة في تشييد السدود وتشجير الصحراء ومواجهة الحياة بثقة، جنباً إلى جنب مع تحصيله المعرفي المؤهل للجامعة”.

هذا التحول تسبب في غياب الثروة الحيوانية بشكل شبه تام، ومعه، انحسرت المهن الزراعية التراثية (عامر الصبري)

​ويتحسر النهاري على واقع التعليم المحلي الذي عزل الشباب عن محيطهم، موضحاً: “لقد أضعف التعليم الرسمي قيم المشاركة والعمل الجماعي، فبدلاً من أن نرى طاقات الشباب تتوجه لترميم المدرجات، وبناء حواجز السيول، وحراثة الأرض، أو حتى رصف وتعبيد طرقات قراهم الوعرة بالحجارة المحلية، أنتج النظام التعليمي جيلاً مغترباً عن أرضه، يترفع عن المهن اليدوية والإنتاجية التي تُبنى بها الأوطان، وهو ما أسهم في تقليص الفوارق الثقافية بين الريف والمدينة لصالح نمط استهلاكي حضري يرتكز على الاستيراد بدلاً من الإنتاج المحلي”.

ويحذر البروفيسور النهاري من التداعيات المستقبلية لهذا الانفصال المعرفي والعملي قائلًا: “مع تحول الريف إلى مجتمع مستهلك، بدأت تظهر ملامح آثار مقلقة، أبرزها تآكل الهوية الريفية، وتراجع الإنتاجية الزراعية، وتفاقم مخاطر الأمن الغذائي. إن هذا الامتناع عن العمل العملي يضع الخريجين الجدد أمام مستقبل غامض ومفصول عن واقعهم، ويعرض استقرار المنطقة لضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة”.

ويختتم النهاري تصريحه بوضع خارطة طريق علمية لإنقاذ الموقف واستعادة التوازن، مشدداً على أن “احتواء هذه الأزمة يتطلب خطوات أساسية وعاجلة، تبدأ بمراجعة المناهج التعليمية وإدراج المهارات الحياتية، والتقنية، والزراعية، والإعمار بطرق عملية.

يتوازى ذلك مع صياغة سياسات تشجيعية للعمل الحقلي والاستثمار في صيانة المدرجات التقليدية، وبناء حواجز حصاد مياه الأمطار، ودعم تربية النحل والرعي الحديث، كما يجب ألا تغفل هذه الرؤية خصوصية بقية الأرياف اليمنية، كأهمية إدخال طرق الصيد الحديثة في المناطق الساحلية، لتلبية الاحتياجات المتنوعة لكل ريف، وإعادة صياغة العلاقة بين المعرفة والنشاط الإنتاجي”.

​هذا التحول الهيكلي لا يمثل مجرد تغيير في مصدر الدخل السكاني لـ “مشرعة وحدنان”، بل هو بمثابة إعلان غير رسمي عن موت النمط الإنتاجي والزراعي للريف، وتحوله إلى مجرد مستهلك تابع للمدينة، وهو ما يضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل الهوية الريفية اليمنية وقدرتها على الصمود أمام موجات التمدن.

​فهل يعكس هذا التحول “تطوراً وازدهاراً” يحق لأبناء الجبل نيله للحصول على الخدمات الحديثة (كالطرق، الكهرباء، والاتصالات)، أم أنه “تشوه بنيوي” يجعل الريف اليمني هشاً واستهلاكياً بامتياز، ومجرداً من ركيزته الاقتصادية والإنتاجية العريقة؟ الإجابة تظل معلقة على جدران البيوت الإسمنتية الصاعدة في أعالي جبل صبر.

فخر العزب، صحافي وشاعر يمني، يعمل مراسلاً لصحيفة العربي الجديد، بكالوريوس إعلام من جامعة صنعاء.